لماذا يحتاج الشباب إلى العباس اليوم؟
شبكة النبأ
2026-06-23 03:29
في إحدى المقاهي الحديثة كان مجموعة من الشباب يجلسون حول طاولة واحدة، لكنهم لم يكونوا في الحقيقة معًا. كانت الوجوه متقابلة، أما الأرواح فموزعة بين الشاشات. أصابع تتحرك بسرعة، وضحكات قصيرة تخرج من مقطع فيديو، ونقاشات تبدأ وتنتهي خلال ثوانٍ. وفي زاوية المكان جلس شاب صامت يتأمل المشهد كله، ثم قال لصديقه:
"هل تتصور أن آلاف الأشخاص كانوا قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام مستعدين للموت من أجل موقف أخلاقي واحد؟"
رفع صديقه رأسه باستغراب وأجاب:
"في زمننا هذا؟ الناس تغير وظائفها وأصدقاءها وحتى قناعاتها لأسباب أقل بكثير."
كان ذلك السؤال كافيًا لفتح باب واسع من التأمل: ما الذي يجعل بعض الشخصيات التاريخية حاضرة في الوعي بعد قرون طويلة؟ ولماذا ما زال اسم أبي الفضل العباس عليه السلام يثير كل هذا الاحترام والمحبة والتأثر؟
الحقيقة أن العباس عليه السلام لم يبقِ حيًا في ذاكرة الناس بسبب بطولة عسكرية فحسب، فالتاريخ مليء بالمقاتلين. ولم يبقَ بسبب نسبه الكريم فقط، فالتاريخ مليء بأبناء العائلات العظيمة. ما جعل العباس حاضرًا حتى اليوم هو أنه قدّم نموذجًا نادرًا للإنسان الذي انتصر على نفسه قبل أن يواجه خصومه.
نحن نعيش اليوم في زمن مختلف تمامًا عن زمن كربلاء. لم تعد المعارك تُخاض بالسيوف والرماح، لكنها ما زالت قائمة بأشكال أخرى. هناك معارك ضد الكذب والغش والخيانة والتنمر والابتزاز الإلكتروني والإدمان الرقمي والانجراف خلف الشهرة السريعة. وهناك صراع يومي بين القيم والمغريات، وبين الضمير والمصلحة، وبين الحقيقة وما يُصنع من أوهام على الشاشات.
في مثل هذا العالم يبدو الحديث عن شخصية العباس عليه السلام أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الشباب اليوم لا يعانون من نقص المعلومات. بضغطة زر يستطيع الواحد منهم الوصول إلى آلاف الكتب والمقاطع والدورات التعليمية. المشكلة الحقيقية تكمن في نقص النماذج الأخلاقية التي تساعد الإنسان على تحويل المعرفة إلى سلوك.
ولهذا تبدو كربلاء مدرسة أخلاقية متجددة أكثر من كونها حدثًا تاريخيًا مضى وانتهى.
فعندما نقرأ عن العباس عليه السلام وهو يصل إلى الماء في أشد لحظات العطش ثم يتذكر عطش الحسين والأطفال، فإننا لا نقرأ حادثة تاريخية فقط، بل نقرأ درسًا عميقًا في ضبط الرغبات وتقديم الواجب على المنفعة الشخصية.
كم من الأزمات المعاصرة سببها العجز عن تأجيل الرغبة؟
كم من حالات الفساد تبدأ من شخص أراد مكسبًا سريعًا؟
كم من العلاقات تنهار لأن أحد الأطراف فضّل مصلحته الخاصة على الوفاء؟
في جوهر هذه الأسئلة كلها يقف درس العباس عليه السلام حاضرًا بقوة.
لقد أصبحت ثقافة العصر تميل إلى تمجيد الفردية المفرطة. كثير من الرسائل اليومية تقول للإنسان: فكر بنفسك أولًا، اهتم بمصلحتك أولًا، اجعل نجاحك فوق كل اعتبار. وفي خضم هذا الضجيج يظهر العباس عليه السلام ليقدّم صورة مختلفة تمامًا عن الإنسان الذي يجد قيمته في الوفاء والعطاء وتحمل المسؤولية.
ومن أخطر ما يواجه الشباب اليوم أزمة الثبات.
فكثير من المواقف والأفكار والعلاقات أصبحت سريعة التبدل. تتغير القناعات مع كل موجة جديدة، وتتبدل الأولويات مع كل مؤثر جديد. لذلك تبدو شخصية العباس عليه السلام نموذجًا نادرًا للثبات على المبدأ.
لقد كان يعرف حجم الخطر الذي ينتظره، ويعرف أن الطريق ينتهي بالشهادة، ومع ذلك لم يبحث عن مخرج شخصي ولم يفتش عن سلامة مؤقتة. بقي حيث يقتضي الواجب أن يبقى.
وهنا يبرز سؤال عميق:
كيف يمكن لشاب أن يبني مستقبله إذا لم يتعلم الثبات؟
فالعلم يحتاج إلى ثبات، والعمل يحتاج إلى ثبات، والأسرة تحتاج إلى ثبات، والنجاح نفسه يحتاج إلى قدرة على الصبر والاستمرار حين تختفي النتائج السريعة.
كما أن المجتمع المعاصر يواجه أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهي أزمة القدوة. فالشباب يتعرضون يوميًا لآلاف الصور والنماذج التي تُقاس فيها القيمة بعدد المتابعين أو حجم الشهرة أو مقدار الثروة. غير أن التجارب الإنسانية الكبرى تثبت أن المجتمعات لا تنهض بالمشاهير وحدهم، وإنما تنهض بأصحاب المبادئ الذين يحافظون على القيم في أصعب الظروف.
لهذا السبب ما زالت شخصية العباس عليه السلام حاضرة في وجدان الملايين. فهي تذكر الإنسان بأن القوة ليست في القدرة على الانتصار على الآخرين فقط، وإنما في القدرة على الانتصار على الأنانية والخوف والإغراءات.
وربما لهذا السبب أيضًا لا تتوقف كربلاء عند حدود الحزن أو الذكرى. فكل جيل يكتشف فيها معنى جديدًا، وكل عصر يجد فيها إجابات عن أسئلته الخاصة.
واليوم، في زمن السرعة الرقمية والاضطراب القيمي، يحتاج الشباب إلى العباس عليه السلام بوصفه نموذجًا للوفاء عندما يصبح الوفاء نادرًا، وللأمانة عندما تتعرض الأمانة للاهتزاز، وللثبات عندما تتغير المواقف بسهولة، وللإيثار عندما تزداد النزعة الفردية.
لقد مضت قرون طويلة على واقعة الطف، لكن السؤال الذي طرحته كربلاء ما زال مفتوحًا حتى هذه اللحظة:
أي نوع من البشر نريد أن نكون؟
وهل نستطيع أن نبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدالة وأخلاقًا إذا فقدنا النماذج التي تعلمنا معنى الوفاء والشجاعة والمسؤولية؟
ربما تختلف الأزمنة وتتغير الأدوات، لكن حاجة الإنسان إلى القيم لا تتغير. ولهذا يبقى العباس عليه السلام أكثر من شخصية تاريخية تُروى سيرتها؛ يبقى مدرسة أخلاقية مفتوحة، يجد فيها كل جيل ما يعينه على مواجهة تحدياته، ويجد فيها الشباب خريطة طريق وسط عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.