الغدير وإدارة الإنسان قبل إدارة الدولة

شبكة النبأ

2026-06-04 03:29

في كل عام يعود عيد الغدير حاملاً معه أسئلة تتجاوز حدود المناسبة وطقوس الاحتفاء بها. أسئلة تتصل بالإنسان ذاته، بطريقته في التفكير، وبكيفية إدارته لحياته وعلاقاته ومواقفه قبل أن تتصل بإدارة السلطة أو شؤون الدولة.

في صباح يوم عمل مزدحم، كان أحد الموظفين ينتظر دوره أمام نافذة إنجاز المعاملات. لم يكن مستاءً من طول الانتظار بقدر استيائه من طريقة التعامل. موظف متجهم، وآخر يصرخ في المراجعين، وثالث يتعامل مع الناس وكأنهم عبء ثقيل عليه. وبين لحظة وأخرى كان يتساءل: لماذا تتحول بعض المواقع الإدارية إلى أدوات لإرهاق الناس بدل خدمتهم؟

ذلك المشهد اليومي البسيط يقود إلى سؤال أكبر: هل تبدأ أزمة الإدارة من المؤسسات، أم من الإنسان الذي يديرها؟

عند هذه النقطة تحديداً يمكن استحضار الغدير بوصفه لحظة تأسيسية في الوعي الإسلامي. فالغدير لم يقدم للأمة اسماً يتولى المسؤولية فحسب، بل قدم نموذجاً للإنسان الذي يسبق موقعه، وللقيم التي تسبق السلطة، وللأخلاق التي تمنح الإدارة معناها الحقيقي.

عندما أعلن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في غدير خم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، كان المسلمون يعرفون علياً عليه السلام قبل ذلك بسنوات طويلة. عرفوه في ساحات العلم، وفي ميادين التضحية، وفي مواقف العدالة، وفي حياته الشخصية التي اتسمت بالزهد والنزاهة والرحمة. وكأن الرسالة الأعمق للغدير تقول إن إدارة المجتمع تبدأ أولاً بإدارة الذات.

فالإنسان الذي يعجز عن إدارة غضبه يصعب عليه إدارة مؤسسة، والذي لا يضبط أهواءه قد يسيء استخدام السلطة، والذي لا يمتلك حساً أخلاقياً عالياً قد يحول المنصب إلى وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية.

لهذا لم يكن الإمام علي عليه السلام ينظر إلى الحكم بوصفه امتيازاً، وإنما مسؤولية أخلاقية. وقد عبّر عن ذلك بأوضح صورة عندما قال لابن عباس وهو يخصف نعله: «والله لهي أحب إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً».

تكشف هذه العبارة عن فلسفة مختلفة تماماً في فهم السلطة. فالقيمة لا تكمن في المنصب نفسه، وإنما في الغاية الأخلاقية التي يؤديها. وكلما غابت هذه الفلسفة تحولت المناصب إلى ساحات للصراع والتنافس والمصالح الضيقة.

وفي عالم اليوم تبدو الحاجة إلى هذه الرؤية أكثر إلحاحاً. فالكثير من الأزمات التي تواجه المجتمعات لا ترتبط بندرة الموارد أو ضعف الإمكانات بقدر ارتباطها بأزمة الإدارة والسلوك. هناك مؤسسات تمتلك ميزانيات كبيرة لكنها تعاني من الترهل والفساد، وهناك مجتمعات تمتلك ثروات هائلة لكنها لا تحقق التنمية المنشودة، لأن المشكلة الحقيقية تكمن أحياناً في إدارة الإنسان قبل إدارة الموارد.

ومن يقرأ عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر يكتشف أن النص لا يتحدث عن الدولة وحدها، بل عن بناء شخصية القائد أيضاً. فعندما يقول:

«وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم»

فهو لا يضع تعليمات إدارية بقدر ما يؤسس لحالة نفسية وأخلاقية ينبغي أن يحملها المسؤول تجاه الناس.

إن الرحمة هنا ليست عاطفة عابرة، وإنما منهج عمل. فالموظف الذي يتعامل مع المواطنين باحترام، والمعلم الذي يراعي حاجات طلابه، والطبيب الذي يرى في مهنته رسالة إنسانية، جميعهم يمارسون شكلاً من أشكال الإدارة المستلهمة من هذا النهج.

ومن اللافت أن العالم المعاصر بات يمنح أهمية متزايدة لما يسمى "القيادة الإنسانية" و"الذكاء العاطفي" و"الإدارة بالقيم"، وهي مفاهيم تقترب في جوهرها من كثير من المبادئ التي جسدها الإمام علي عليه السلام في سلوكه العملي قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.

إن الغدير في جوهره دعوة متجددة إلى صناعة الإنسان المتوازن؛ الإنسان الذي يجمع بين العقل والأخلاق، وبين القوة والرحمة، وبين الحزم والإنصاف. فالمجتمعات لا تتغير بالقرارات وحدها، وإنما تتغير عندما يرتقي وعي الأفراد الذين يصنعون هذه القرارات.

واليوم، وسط تصاعد النزعات الفردية، واتساع دوائر الاستقطاب، وانتشار خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، تبرز الحاجة إلى استلهام البعد الإنساني في مدرسة الإمام علي عليه السلام. حاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم الحوار والإنصاف واحترام الاختلاف والبحث عن المشتركات الإنسانية.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الغدير أن الإصلاح يبدأ من الداخل. يبدأ من طريقة تعامل الإنسان مع أسرته، وزملائه، وجيرانه، وموظفيه، ومن قدرته على تقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة. فالدولة العادلة لا تنشأ فجأة، وإنما تتشكل تدريجياً من أفراد يحملون وعياً أخلاقياً ومسؤولية اجتماعية.

وفي عيد الغدير، قد يكون السؤال الأجدر بالتأمل: كم نحتاج من قيم علي عليه السلام في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا وفضاءاتنا الرقمية؟ وكم نحتاج من عدالته في إدارة الخلاف، ومن رحمته في إدارة السلطة، ومن حكمته في إدارة التنوع؟

إن الاحتفاء بالغدير يكتسب معناه الأعمق عندما يتحول من ذكرى تاريخية إلى مشروع وعي وسلوك. وعندما تصبح الولاية ثقافة أخلاقية تُترجم إلى عدالة ونزاهة ورحمة وخدمة للإنسان، يقترب المجتمع خطوة إضافية من الصورة التي أرادها الإمام علي عليه السلام: مجتمعاً تُصان فيه الكرامة، ويُحترم فيه الحق، وتُدار فيه شؤون الناس بروح المسؤولية والإنصاف.

ذات صلة

يوم الغدير ودرس الحرية الخالدكيف نكافح إدمان المعاصي، العادات الضارة، المخدرات و...؟جيلٌ يمتلك كل شيء ويبحث عن نفسه: ماذا يقول الغدير لشباب اليوم؟كيف يستطيع التابع أن يفكر ويتكلم ويفعل ويتحرر ويتقدم؟الاقتصاد العالمي تحت ضغط الجغرافيا السياسية