ثورة الحب الواعي: كيف نصنع من الولادة الحسينية مشروعاً للإصلاح؟
أوس ستار الغانمي
2026-01-22 04:45
هل يمكن للحب أن يكون موقفاً؟ وهل يستطيع الشعور الإنساني، حين يوزن بميزان القيم، أن يتحول إلى وعي ومسؤولية ونهج حياة؟
في الثالث من شعبان، ذكرى ولادة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، لا نستحضر مناسبة تاريخية فحسب، بل نقف أمام مفهوم متكامل للحب، حبٍّ لا يختزل في العاطفة المجردة، ولا يستنزف في البكاء الموسمي، بل يتجسد في القيم، ويتحول إلى مشروع أخلاقي وإنساني متجدد.
إن حب الإمام الحسين (ع) في الوعي ليس علاقة وجدانية عابرة، بل ارتباط قيمي عميق، يقوم على المعرفة قبل العاطفة، وعلى الالتزام قبل الانفعال. فالحسين (ع) لم يكن شخصية عاطفية في التاريخ، بل كان ميزاناً للحق، ومعياراً للعدل، وصوتاً للضمير الإنساني حين صمتت الأصوات. ومن هنا، فإن الحب الحقيقي له لا يقاس بفيض المشاعر، بل بمدى حضور مبادئه في السلوك الفردي والاجتماعي.
الحب الواعي: من الشعور إلى الموقف
حين نقول إننا نحب الإمام الحسين (ع)، فإن السؤال الأهم هو: كيف نترجم هذا الحب؟
الحب في ميزان القيم الحسينية يعني الانحياز للحق مهما كان الثمن، ورفض الظلم مهما كانت الإغراءات، والوقوف مع الإنسان لأنه إنسان. لقد علمنا الحسين (ع) أن الحب لا ينفصل عن الموقف، وأن العاطفة التي لا تنتج وعياً تتحول إلى حالة استهلاكية، بينما الحب الواعي ينتج إنساناً مسؤولاً.
من الجمل التي تختصر هذه المدرسة: الحسين (ع) لم يطلب دموعاً، بل طلب بصيرة.
لم يرد أتباعاً في المواسم، بل أراد أحراراً في كل زمان.
ففي كربلاء المقدسة، لم يكن الصراع على سلطة، بل كان صراعاً بين قيمتين: قيمة الحق وقيمة الباطل، بين إنسان يرى نفسه مسؤولاً أمام الله، وسلطة ترى الناس أدوات.
الحب والالتزام الأخلاقي
إن من أخطر ما يواجه المجتمعات المتدينة هو الفصل بين الحب والأخلاق. فكم من شخص يرفع شعار الحسين (ع)، لكنه لا يلتزم بقيم الصدق، ولا يتحرج من الظلم، ولا يتورع عن أكل حقوق الآخرين. وهنا يصبح الحب ادعاءً، لا رسالة.
الحسين (ع) هو ابن مدرسة النبوة، وحفيد الرسالة، ومن أحبه حقاً، لزمه أن يعكس أخلاقه في التعامل، ونزاهته في العمل، وعدالته في الحكم على الأمور.
الحب الحسيني يعني:
_ أن تكون صادقاً لأن الحسين (ع) كان صادقاً.
_ أن تكون شجاعاً لأن الحسين (ع) علمنا أن السكوت عن الظلم خذلان.
_ أن تكون رحيماً لأن الحسين (ع) بكى على أعدائه حين رأى ضلالهم.
ولادته مشروع إنساني
في الثالث من شعبان، لا نحتفي بولادة رجل عظيم فحسب، بل بولادة مشروع إصلاحي ممتد. لقد ولد الإمام الحسين (ع) ليكون الامتداد الحي لقيم جده النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وليحفظ جوهر الإسلام من التحريف، حتى لو كان الثمن دمه وأهل بيته.
ومن هنا، فإن حب الإمام الحسين (ع) ليس حباً طائفياً ضيقاً، بل حب إنساني واسع، يتسع لكل مظلوم، ولكل من يبحث عن العدالة والكرامة.
مدرسة لبناء الإنسان
في زمن تتشوش فيه المفاهيم، وتختزل القيم في المصالح، نحتاج إلى إعادة قراءة الحب الحسيني بوصفه مدرسة لبناء الإنسان. مدرسة تقول إن الكرامة أغلى من الحياة، وإن الحق لا يقاس بالكثرة، وإن الإصلاح يبدأ من كلمة صادقة وموقف شجاع.
الإمام الحسين (ع) لم ينتصر بعدده، بل انتصر بقيمه، وبقي حياً في الضمير الإنساني، لأن دمه كشف زيف الطغيان، وفضح كل سلطة تتستر بالدين لتبرير الظلم.
دعوة إلى حبٍ يغير الواقع
في ذكرى ولادة الإمام الحسين (ع)، نحن مدعوون إلى مراجعة علاقتنا به: هل نحبه كما أراد، أم كما اعتدنا؟ هل جعلنا من حبه جسراً للإصلاح، أم ملاذاً عاطفياً نهرب إليه من مسؤولياتنا؟
إن الحب الحقيقي للحسين (ع) هو ذاك الذي يغير سلوكنا، ويهذب خطابنا، ويجعلنا أكثر عدلاً ووعياً وشجاعة. هو حب يبنى في الوعي، ويترجم في الموقف، ويستمر في الفعل اليومي.
فلنجعل من الثالث من شعبان بداية عهد جديد مع الحب في ميزان القيم، حبٍ للحسين (ع) لا يكتفي بالاحتفال، بل يصره على أن يكون امتداداً لثورته في مواجهة الظلم، وبوصلة أخلاقية تهدي الإنسان في زمن التيه.