نهاية الشرق الأوسط الأميركي
Foreign Affairs
2026-08-20 03:42
دخل النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ 1991 مرحلة تراجع حاسمة بعد حرب غزة والحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وما كشفته من حدود القوة الأميركية وتآكل الثقة بضماناتها الأمنية. ويشرح مارك لينش في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من الاستقلال الإقليمي، داعيًا واشنطن إلى استبدال الاحتواء العسكري بسياسة تقوم على الدبلوماسية والدفاع الجماعي وإعادة صياغة علاقاتها مع إيران وإسرائيل وحلفائها العرب.
ويشرح المقال هذا التحليل بقوله:
انتهى الشرق الأوسط الأميركي. فالنظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 أصبح واحدًا من بين الضحايا الكثيرة للحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران. وقد أثبت فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إزاحة النظام في طهران إفلاس عقود من العقوبات والعنف. كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية أو إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا قوّض على نحو قاتل الصفقة الأمنية الأساسية التي بررت شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة. وإضافة إلى ذلك، فإن موقف إسرائيل الذي يزداد تهديدًا، وتخليها عن أي مظهر من مظاهر الاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، أنهيا المهمة التي اضطلعت بها واشنطن طوال عقود والمتمثلة في جمع حلفائها العرب وإسرائيل ضمن شراكة أمنية دائمة.
كان الهدف الأساسي للولايات المتحدة طوال ثلاثة عقود ونصف العقد هو ربط حلفائها المتباينين بنظام يقوم على حماية إسرائيل، مع احتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها من غير الدول في الآونة الأخيرة. ولم تكن حرب الرئيس دونالد ترامب انحرافًا عن تلك الاستراتيجية، بل دفعتها إلى نهايتها المنطقية، إذ سعت إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة. وكما فعل القادة الأميركيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت إسرائيل في حروبها ضد حزب الله وحماس، بالغ مهندسو هذه الحرب بدرجة هائلة في تقدير ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، وقللوا من قدرة خصومهم على التكيف، واعتبروا من المسلّم به أن الحلفاء سيصطفون خلفهم، وتجاهلوا بلا اكتراث حياة الناس العاديين. ولذلك لم تكن مغامرة واشنطن انحرافًا استثنائيًا بقدر ما كانت التعبير النهائي عن العيب المتأصل في استراتيجيتها الشرق أوسطية.
في البداية، قد لا يبدو أن الحرب أثرت كثيرًا في التحالفات التي تشكل النظام الأميركي. ففي مواجهة حرب لم تُحسم وإيران خرجت منها أكثر قوة، قد ترفع دول الخليج مشترياتها من الأسلحة وتزيد مطالبها بتجديد الضمانات الأمنية، بما يخلق وهم الاستمرارية. لكن النظام القديم يفسح المجال في الحقيقة أمام شيء جديد. ويُتذكر اليوم أن أزمة السويس عام 1956 كانت آخر أنفاس القوة الإمبراطورية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، إلا أن الوصول إلى تلك النهاية المحتومة استغرق سنوات. كذلك لن تختفي الأولوية الأميركية على الفور، لكن الشكوك التي راكمتها سنوات طويلة بشأن قوة الولايات المتحدة وغاياتها تجاوزت نقطة التحول. وقد غيرت بالفعل الحقائق التي كشفتها حرب إيران، والحرب الإسرائيلية في غزة قبلها، حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها. ولن تصلح جولة جديدة من القتال أو انتخاب رئيس أميركي مختلف هذا التصدع.
وتنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات. فإسرائيل وإيران لديهما مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى والعنف، بينما لا تملك الولايات المتحدة إلا وسائل قليلة لكبح أي منهما. وتأمل إسرائيل في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض إرادتها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة. وإذا افترضنا أن النظام الإيراني لن ينهار في وقت قريب، وهو ما يبدو مستبعدًا للغاية، فإن طهران التي خرجت أكثر جرأة ستسعى إلى الدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه عبر إغراق واشنطن في تلك الأنواع من صراعات «المنطقة الرمادية» المفتوحة، التي لا نهاية لها ولا تحدها حدود واضحة، وهي الصراعات التي ازدهرت فيها إيران دائمًا.
لكن إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة أخيرًا للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فقد يظل انهيار نظام ما فرصة لبناء نظام جديد وأفضل. والظروف، باعتراف الجميع، بعيدة عن المثالية. فرغم أن معظم قادة المنطقة وشعوبها يريدون بشدة فترة راحة من الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، فإنهم يشعرون أيضًا باستياء عميق من واشنطن لأنها جرّتهم إلى كارثة. لكن التخلي عن سياسة دعم المستبدين، ومنح الحلفاء الإفلات من العقاب، واحتواء الأعداء بوسائل عسكرية، قد يمكّن الولايات المتحدة من الانخراط مع المنطقة بطريقة أكثر صحة، قد تفضي في نهاية المطاف إلى الاستقرار الدائم الذي ظلت واشنطن تزعم أنها تسعى إليه منذ البداية.
شقوق في الأساس
على مدى عقود كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت طموحات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتحدد من خلال تنافسها العالمي مع الاتحاد السوفيتي، وهو ما منح واشنطن اهتمامًا استثنائيًا بسياسات المنطقة، لكنه جعلها حذرة من التدخل العسكري العلني. أما النظام الشرق أوسطي الحالي، الذي أسسته إدارة جورج بوش الأب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج عامي 1990 و1991، فقد تحدد بالهيمنة الأميركية. ومع ظهور فرصة تاريخية لضمان سيطرة لا ينازعها عليها أحد في منطقة طال التنافس عليها، جعلت واشنطن نفسها قوة لا غنى عنها من خلال إنشاء قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. وكان دعمها العسكري والسياسي يشكل الأساس الذي استند إليه بقاء كل نظام تقريبًا في المنطقة.
ولإضفاء الشرعية على دورها بحيث يبدو أكثر من مجرد هيمنة افتراسية، أطلقت واشنطن عملية السلام العربية-الإسرائيلية، على أمل دمج حلفائها العرب وإسرائيل في إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين كتلة تقودها الولايات المتحدة وتضم إسرائيل وتركيا وكل دولة عربية تقريبًا، وكتلة مضادة أقل رسمية تضم إيران وسوريا في ظل حكم أسرة الأسد، وجهات فاعلة من غير الدول مثل حماس وحزب الله والحوثيين. وقد بقي هذا الهيكل ثابتًا بصورة لافتة عبر ثلاثة عقود شهدت تغيرات دراماتيكية في السياسة العالمية والإقليمية والأميركية.
وفي الرواية الأميركية، وفر هذا النظام قدرًا من الاستقرار مع حماية المصالح الأميركية الجوهرية، مثل تجارة النفط وأمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب. وكان ذلك صحيحًا من نواحٍ كثيرة. فلم تواجه إسرائيل تهديدًا على مستوى الدول، ولم تخض حربًا ضد منافس ندّي منذ عام 1973، وربما قادها ذلك إلى التقليل من حجم التحدي الذي ينطوي عليه مهاجمة إيران. كما تعاونت الدول العربية مع إسرائيل ضد أعدائها المشتركين على الرغم من غياب حل عادل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وفي معظم الأحيان، استمر تدفق النفط بصورة منتظمة وبأسعار معقولة. ولم تتحدَّ أي قوة عظمى منافسة الهيمنة الأميركية بجدية، ولا حتى الصين التي اكتفت بالجلوس والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها توفير الولايات المتحدة للأمن.
وبالنسبة إلى واشنطن، بدت الفوائد الاستراتيجية المتراكمة من هذا النظام كأنها تبرر تكاليف الحروب التي كانت ضرورية للحفاظ عليه. لكن الثمن كان أعلى كثيرًا بالنسبة إلى الذين يعيشون في المنطقة. فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية دخول إسرائيل في حروب أصغر عديدة ضد جيران أضعف منها كثيرًا، والانهيار الكامل لعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، وهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، ثم شروع إسرائيل بعد ذلك في تدمير غزة. وفي العراق، فرضت الولايات المتحدة اثني عشر عامًا من العقوبات القاسية، والقصف المتقطع، ومحاولات فاشلة لتغيير النظام ومنع الانتشار، قبل أن يتبع ذلك الغزو والاحتلال الكارثيان عام 2003، وكل ذلك بكلفة بشرية هائلة. وتحت الإشراف الأميركي، مزقت حروب كارثية لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.
واستند النظام الإقليمي إلى ضمانات أمنية أميركية لم تُقدَّم للدول العربية فحسب، بل أيضًا، وبصورة حاسمة، للمستبدين الذين كانوا على رأسها. وكان إبقاء التطلعات الديمقراطية تحت السيطرة عنصرًا حيويًا في هذه الصفقة بقدر الحماية من الهجمات العسكرية الإيرانية. وللحظة وجيزة خلال الانتفاضات العربية في 2010 و2011، بدا الدفع نحو التغيير كأنه قوة لا يمكن وقفها، لكن الترتيب نجح في غير ذلك. فقد بقي كل نظام تقريبًا داخل منظومة التحالف الأميركية في السلطة، وشدد معظمها قبضته في أعقاب الاحتجاجات. كما شجع الدعم الأميركي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية تلك الأنظمة على اتباع برامج خصخصة أدت إلى تسريع فساد النخب بصورة هائلة، بينما أفقرت غالبية السكان. وشجعت حملة واشنطن ضد الإرهاب حلفاءها على تبني أشكال متوغلة من المراقبة وقمع المعارضة المحتملة باسم الأمن. وبينما ازدهرت دول الخليج النفطية الغنية وشرائح صغيرة من النخب العربية داخل هذا النظام، لم يعنِ النظام الأميركي بالنسبة إلى معظم الناس سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب كل مؤشر اقتصادي وسياسي وتنموي تقريبًا، كان أداء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأميركية أسوأ بكثير من أداء أي منطقة أخرى.
ومن المفارقات أن الضمانات الأمنية الأميركية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن السياسية. فقد شعر معظمهم بالأمان من الغزو أو الهجوم الخارجي، وهو ما خلق نوعًا من المخاطر الأخلاقية: أصبح بوسعهم متابعة مشروعاتهم الأيديولوجية والسياسية الخاصة من دون الخوف من عواقب حقيقية. كما جعل انشغال واشنطن بسياساتها الداخلية، وعدم انتباهها إلى تعقيدات المنطقة، ومبالغتها في الخوف من التقدم الصيني والروسي، الولايات المتحدة هدفًا سهلًا للقوى المحلية الماهرة في التلاعب. ونتيجة لذلك، أخفقت على مدى العقود مرارًا في كبح إسرائيل بصورة ذات معنى، أو منع حلفائها العرب من تبني سياسات تقوض الأهداف الأميركية المعلنة. وتجاهل هؤلاء الحلفاء المفترضون الانتقادات الموجهة إلى تدخلاتهم المدمرة في ليبيا والسودان وسوريا واليمن. وعارض جميعهم تقريبًا الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي كانت إدارة أوباما تأمل أن يساعد على استقرار المنطقة. وفي عام 2017، أضر الحصار الذي قادته الإمارات العربية المتحدة والسعودية ضد قطر بصورة كبيرة بالجبهة الموحدة ضد إيران التي كانت تحتاج إليها حملة «الضغط الأقصى» التي أطلقها ترامب.
ودفعت انتفاضات 2010 و2011 الحكومات العربية نحو أشكال جديدة من التدخلية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى فقدانها الثقة بقدرة الولايات المتحدة ورغبتها في الاستجابة لما كانت تعتبره تهديدات عاجلة. فالحلفاء المستبدون الذين كانوا يخشون أصلًا الانقلابات المحتملة والثورات الشعبية بدأوا ينظرون إليها بوصفها احتمالات وشيكة، بينما كانوا يتصدون لتحديات من جماعات شيعية مدعومة من إيران، وحركات إسلامية وجهادية، ونشطاء شباب من الليبراليين الديمقراطيين. وعندما شاهدت هذه الأنظمة السرعة الخاطفة التي انتشرت بها الاحتجاجات، تعلمت أن التهديد الداخلي يمكن أن يبدأ من أي مكان، حتى من خارج حدودها. وحين رأت إسقاط حسني مبارك في مصر عام 2011، استنتجت أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. وإذا أرادت ضمان بقائها، فسيتعين عليها الخروج واحتواء الخطر بنفسها. غير أن تدخلاتها أنتجت مرارًا نتائج مدمرة، وأسهمت في انقلاب عسكري في مصر وعدة حروب أهلية.
وشجع النظام إيران وإسرائيل كذلك على اتباع سياسات مزعزعة للاستقرار، لكن كلًا منهما فعل ذلك بطريقة مختلفة. فقد اعتبر النظام الإيراني العداء الخارجي أمرًا مفروغًا منه، وصمم استراتيجية بقائه على هذا الأساس. ولم تكن الحكومة منزعجة بدرجة كبيرة من العقوبات الأميركية والدولية التي أفقرت الجمهور، في حين عززت قوة عناصر النظام الذين كانوا يسيطرون على الأسواق السوداء. وعلى مدى العقود، أنشأت إيران وسلحت شبكة من الحلفاء من غير الدول ازدهرت وسط أنقاض الحروب الأميركية والإسرائيلية والسعودية. ومع قطع وصولها إلى التكنولوجيا العسكرية الأميركية والأوروبية، استثمرت إيران في الإنتاج منخفض الكلفة، وطورت طائرات مسيرة وصواريخ باليستية رخيصة يمكن أن تواجه بها أنظمة خصومها المتطورة تكنولوجيًا والباهظة الثمن إلى أقصى حد. ومثل معظم الآخرين في المنطقة، سارع قادة إيران إلى سحق الاحتجاجات، خوفًا من أن تكون يد أجنبية خفية تقف خلف ما كان في الواقع انفجارات أصيلة من السخط الشعبي.
أما إسرائيل، فقد تمتعت من جانبها بأصلب ضمانات الأمن الأميركية. ومع أنها دولة ديمقراطية، على الأقل بالنسبة إلى مواطنيها اليهود، فقد وقع رؤساء وزرائها غالبًا في فخ يشبه ذلك الذي وقع فيه حلفاء الولايات المتحدة المستبدون. فقد مكّن التفوق العسكري الإسرائيلي والثقة بالدعم الأميركي قادة إسرائيل من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة والتصدي للتهديدات السياسية الداخلية، بدلًا من التعامل الجدي مع القضية الفلسطينية أو تخفيف عدم الاستقرار الإقليمي. لكن عندما حطمت هجمات 7 أكتوبر ذلك الشعور بالاطمئنان، كان رد إسرائيل هو المضي بالكامل نحو التصعيد العسكري. وأظهرت إفراطًا متزايدًا في استخدام القوة في أنحاء المنطقة، ورسخت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية وحتى في أجزاء من لبنان وسوريا.
وكان جزء من سبب استمرار النظام الأميركي كل هذه المدة أن الصفقات الأمنية التي قامت عليها ركائزه لم تُختبر اختبارًا حقيقيًا قط. فقد اشتكى قادة المنطقة باستمرار من شعورهم بالتخلي عنهم، لكنهم لم يتصرفوا قط كما لو كان التخلي احتمالًا مهمًا فعلًا. ولسنوات، لم تكن الحرب بين الدول تهديدًا بارزًا على نحو خاص أيضًا. وكانت إسرائيل تقصف غزة ولبنان بوتيرة متكررة، لكن لم تكن أي دولة عربية متحالفة مع الولايات المتحدة شديدة القلق من هجوم إسرائيلي. وكانت إيران تحتل مساحة أكبر في مخاوفهم، لكن حتى هجومًا إيرانيًا مباشرًا كان يبدو بعيد الاحتمال للغاية. أما الهجمات غير المباشرة التي يشنها وكلاء إيران فلم تفعل سوى تعزيز الاعتقاد المركزي بأن الهيمنة العسكرية الأميركية واضحة وطاغية إلى درجة تمنع إيران من تحديها. وبدأت هذه الثقة تهتز عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على هجوم استهدف منشآت نفطية سعودية ونُسب إلى إيران، ثم مرة أخرى عندما أصابت ضربات حوثية بطائرات مسيرة الإمارات عام 2022. وظلت البنية الأمنية الإقليمية قائمة، لكن الشقوق بدأت تظهر.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تحاول إضفاء طابع مؤسسي على نظامها الشرق أوسطي من خلال التوسط في تعاون عسكري وسياسي علني بين حلفائها العرب وإسرائيل. ولم يكن هذا الهدف جديدًا؛ فتشكيل تحالف مناهض لإيران تحت القيادة الأميركية كان هدفًا لكل حكومة أميركية منذ عام 1991. لكن ترامب اختلف عن أسلافه في دفع هذا المشروع إلى الأمام من دون ربط خطوات التطبيع العربي-الإسرائيلي بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية. ففي عام 2020، توسطت إدارته في اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وكل من البحرين والإمارات في البداية. ثم انضم المغرب بعد ذلك بقليل، ووقع السودان اتفاقًا أوليًا لم يُضف عليه الطابع الرسمي. لكن عندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالانضمام، أساءت تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الجمهور السعودي، وكذلك تصاعد التنافس بين الرياض وأبوظبي. كما فشلت في رؤية العداء الشعبي المتزايد للتطبيع، أو في توقع الكارثة الوشيكة في غزة.
ضربة مزدوجة
تعرض النظام الإقليمي الأميركي لهزات من قبل، بما في ذلك أثناء الغزو الكارثي للعراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، لكنه كان يعيد تشكيل نفسه دائمًا. وكان صانعو السياسة الأميركيون محاصرين داخل الهيكل الذي صمموه بقدر ما كانت القوى الإقليمية المنخرطة فيه محاصرة. فجميع الرؤساء منذ بيل كلينتون دخلوا البيت الأبيض وهم يتعهدون بتقليص الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط، وكل رئيس منهم وجد نفسه يُجر مرة أخرى إلى السياسات نفسها والحروب نفسها.
وقد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأميركية-الإسرائيلية في إيران مجرد حلقة أخرى من هذه الدورة. لكن الحقيقة أن الحدثين معًا وجها ضربة قاتلة إلى الشرق الأوسط الأميركي. فقد أزال الدعم الأميركي للهجوم الإسرائيلي على غزة، وخصوصًا في عهد الرئيس جو بايدن، ما تبقى من أي سلطة أخلاقية يمكن للولايات المتحدة أن تدعيها. كما حطم إخفاق ترامب في إيران وهم القدرة العسكرية الأميركية المطلقة. وأظهر الحدثان معًا للدول العربية افتقارها إلى أي نفوذ ذي معنى داخل النظام الإقليمي، وتراجع العائد من الضمانات الأمنية الأميركية.
ولم يقدّر المسؤولون الأميركيون في عهد بايدن وترامب الآثار الزلزالية للحرب الإسرائيلية في غزة. فقد اشتركوا في رؤية مفادها أن آراء قادة المنطقة هي وحدها التي تهم، وأن هؤلاء القادة نسوا الفلسطينيين منذ زمن بعيد، وأنهم يتوقون إلى علاقات أوثق مع إسرائيل قادرة، وإلى الضمانات الأمنية الأقوى التي تعرضها الولايات المتحدة حوافز لهم. وقليل من الأمور جسدت هذا القصور في الرؤية أفضل من سعي بايدن شبه المستحيل إلى التوسط في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية حتى بعد أن جعل ارتفاع عدد القتلى في غزة مثل هذا التعاون سامًا سياسيًا لدى الشعوب العربية التي تطمح الرياض إلى قيادتها.
وأوجد دفع واشنطن المتواصل نحو التعاون العربي مع إسرائيل انقسامات إضافية. فالإمارات العربية المتحدة، بصفتها واحدة من أول دولتين وقعتا اتفاقات أبراهام، واصلت العمل مع إسرائيل أثناء الحملة الإسرائيلية في غزة، وفي الوقت الذي نفذت فيه إسرائيل ضربات عسكرية في العراق ولبنان وسوريا واليمن وحتى قطر. وخلال الحرب مع إيران، ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، نسقت الإمارات مع إسرائيل والولايات المتحدة لشن ضربات على أهداف إيرانية.
وفي المقابل، راقبت السعودية الاصطفاف الإماراتي-الإسرائيلي بقلق. وكانت الرياض وأبوظبي أصلًا على خلاف بشأن سوريا، إذ دعمت السعودية النظام الذي أعقب الأسد، بينما شاركت الإمارات إسرائيل عداءها له، وكذلك بشأن اليمن، حيث كانت السعودية قد طردت للتو وكلاء الإمارات. واشتكت السعودية من أن الإمارات تروج لحركات انفصالية تقوض الاستقرار الإقليمي، ورأت على نطاق واسع في الشراكة بين إسرائيل والإمارات تهديدًا لقيادتها الإقليمية الخاصة. وقد عقد هذا الانقسام إلى حد كبير أي فرصة ربما كانت واشنطن تمتلكها لحشد القوى الإقليمية الكبرى خلف حملتها لهزيمة إيران.
وإذا كانت الحرب في غزة قد جعلت مستقبل القيادة الأميركية في المنطقة موضع شك، فإن الحرب مع إيران أكدت نهاية النظام. فقد غضب قادة الخليج لأن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب من دون التشاور معهم، مع علمهما بأنهم يعارضونها، وفي خضم مفاوضات مع إيران كانت سلطنة عمان تتوسط فيها. وأدت حرب لم يكن لهم أي رأي فيها إلى تعريضهم مباشرة للانتقام الإيراني. وعلى الرغم من أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية حمت الخليج من أسوأ ما في القصف، فإن عددًا كافيًا من الضربات الإيرانية نجح في الوصول إلى أهدافه لإحداث أضرار كبيرة وتعطيل ذلك المظهر من الاستقرار الذي قام عليه النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. واستهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها الدول الأكثر ودية مثل عمان وقطر، لكنها ركزت نيرانها على الدول التي وقعت اتفاقات أبراهام: البحرين، وبدرجة أكبر بكثير الإمارات. وخلال بضعة أسابيع، تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من أرخبيل القواعد العسكرية التي كانت تسند الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، أو تدميرها، أو جعلها بلا أهمية.
وتراجعت ثقة حلفاء الخليج في واشنطن أكثر عندما أثبتت الحملة الأميركية-الإسرائيلية عجزها عن إزاحة النظام الإيراني. فعلى مدى عقود، جادل أنصار قصف إيران بأن مثل هذا الهجوم قد يكون فوضويًا، لكنه في النهاية سيزيل التهديد الإيراني. إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل، بكل قوتهما العسكرية، فشلتا ببساطة. وفوق ذلك، جلست الولايات المتحدة عاجزة بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، معرضة اقتصاد الخليج بأكمله للخطر. ومرة أخرى، لم يُصدم قادة الخليج فقط من تجاهل أميركا لتفضيلاتهم، بل أيضًا من انكشاف عجزها. وتحولت صدمتهم إلى غضب عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، وضربت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية. كانت واشنطن تقامر بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران باستهداف منشآت المياه في الخليج أو مواقع الطاقة النووية، لكان من الممكن أن تنتهي دورة التصعيد بمواجهة دول الخليج كارثة اقتصادية ودمارًا بيئيًا يكفي لجعلها غير صالحة للسكن.
وكان الاستنتاج الذي خرج به الخليج من كل ذلك هو أن الضمانات الأمنية الأميركية، التي كانت قلب الصفقة الإقليمية، لم تعد موثوقة. وكانت المنطقة قد تعلمت أصلًا عام 2011 أن واشنطن لا تستطيع حمايتها من التهديدات الداخلية. وإذا لم يكن في الإمكان الاعتماد على واشنطن حتى للتشاور مع حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تداعيات مغامراتها الإقليمية، فما فائدة وعودها؟ لقد انهارت الصفقة الأساسية التي عرضتها الولايات المتحدة، ولن يكون من السهل إعادة بنائها.
هذه المرة مختلفة
أصبح من الشائع وصف حرب إيران بأنها «لحظة السويس» بالنسبة إلى واشنطن. وهناك بالفعل أوجه شبه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، والذي منح الرئيس المصري جمال عبد الناصر انتصارًا سياسيًا مذهلًا. وأصبحت السويس اختصارًا لانهيار الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية في حقبة الحرب الباردة. لكن أزمة السويس لم تنه فورًا الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط. فقد واصلت فرنسا حربها للاحتفاظ بالجزائر ست سنوات أخرى، وبقيت المملكة المتحدة القوة المهيمنة في الخليج عقدًا ونصف العقد، تقاتل تمردات في عمان واليمن الحالية، قبل أن تنسحب أخيرًا من المنطقة عام 1971. فالأحداث تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها كاملة.
وبالمثل، ستحتاج الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران إلى وقت حتى تتجسد. فعلى المدى القصير، لن يذهب النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة إلى أي مكان. وقد تتراجع الولايات المتحدة عن القواعد العسكرية التي دمرتها إيران، لكنها ستظل تؤدي دورًا رئيسيًا في الدفاع الإقليمي. ومن غير المرجح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن فورًا. بل قد تعزز علاقاتها بها، خوفًا على مستقبلها وعدم رؤيتها أي بدائل واضحة، كما حاولت السعودية أن تفعل عبر إتمام اتفاق نووي طال انتظاره، قبل أن يغير ترامب شروطه في اليوم التالي، تاركًا الاتفاق في حالة معلقة. ومن غير المرجح أيضًا أن تشكل دول الخليج أي تهديد عسكري لإسرائيل أو تقترب من إيران أكثر مما تقتضيه الضرورة. كما أن التصدع بين الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم كونه حقيقيًا ومن المرجح أن يكون بحجم يمتد إلى جيل كامل، لن يكسر التحالف بينهما في وقت قريب. وستحافظ الدول العربية كذلك على علاقات عمل مع إسرائيل، وستواصل الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية وتقنيات المراقبة الإسرائيلية.
وقد لا تبدو التعديلات الصغيرة التي تبدأ الجهات الإقليمية في إجرائها ذات شأن كبير في البداية أيضًا. فالدول كانت دائمًا تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأميركية. بل إن أكثر حلفاء الولايات المتحدة اعتمادًا عليها أتقنوا فنون المماطلة، والانفلات من القيود، وممارسة الضغط في واشنطن. وسيواصلون الانخراط في المنافسات المحلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتهم، ومحاولة ضمان أمنهم. وأحيانًا سيعني ذلك العمل مع واشنطن، وأحيانًا لن يعني ذلك.
لكن ما يبدو استمرارية على المدى القصير لا ينبغي الخلط بينه وبين الاستدامة على المدى الطويل. فعند وقوع أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية أمرًا محتومًا، ليس بسبب إخفاق سياسي واحد، بل بسبب صعود القومية ومناهضة الاستعمار، إلى جانب الإنهاك الاقتصادي والسياسي للنموذج الإمبراطوري الأوروبي. كما أن النظام الأميركي في الشرق الأوسط كان يتآكل منذ سنوات مع تراكم الإخفاقات السياسية والسياساتية، إلى أن بلغ ذروته في فقدان الغاية المشتركة والعجز العسكري الذي كشفته الأزمات الأخيرة.
وسوف تميل واشنطن إلى التمسك بالسياسات التي حددت نهجها في الشرق الأوسط لعقود، والاعتماد على علاقاتها بالقادة القساة والقلقين والقمعيين الذين يملؤون المشهد الذي صممته. وإذا تمسك القادة الأميركيون بالمسار نفسه، فعليهم أن يتوقعوا النتيجة نفسها: منطقة تعاني عدم استقرار مستمر، وفشلًا اقتصاديًا وسياسيًا، وانفجارات متكررة من الصراع العنيف. وقد لا تجذب هذه الصراعات القوات العسكرية الأميركية إليها إلا من حين إلى آخر، لكن الفوضى ستظل تطالب بالانتباه وتستهلك الموارد بلا جدوى. وسوف تستمر الحروب التي لا تنتهي.
وقد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصانعي السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على العلاقات مع جهات سيئة. لكن واشنطن لا تستطيع تأجيل الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئًا لم يتغير. فالحلفاء العرب الذين فقدوا الثقة بالولايات المتحدة سيمارسون استقلاليتهم بصورة متزايدة. وقد يعني ذلك أحيانًا السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا خلافًا للرغبات الأميركية. وفي أوقات أخرى، قد يعني التدخل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي أو إعادة إشعال الصراع العنيف في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
وستشكل قوى تقع إلى حد كبير خارج السيطرة الأميركية هذا النظام الناشئ. فمن جهة، تبدو إسرائيل مصممة على مواصلة تدخلها العسكري بصرف النظر عن تفضيلات الولايات المتحدة. فقد واصلت حربها مع حزب الله متحدية مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي تم التوصل إليها في يونيو/حزيران، ولم تظهر أي استعداد لسحب قواتها من جنوب لبنان. كما يصر المسؤولون الإسرائيليون على أن إسرائيل ستحافظ أيضًا على وجود عسكري في سوريا. ومع غياب أي ضغط داخلي جدي يدفع إلى تبني سياسات أكثر اعتدالًا، لا يقف الكثير في طريق ضم إسرائيل للضفة الغربية وتدميرها الكامل لغزة.
وتمتلك إيران، مثل إسرائيل، كل الحوافز اللازمة لمتابعة سياسات تكرس عدم الاستقرار. فالصراع المتواصل يساعد النظام على تحويل اللوم عن الأوقات الصعبة وتبرير استراتيجية المقاومة أمام الجمهور الإيراني. كما حافظت إيران على قدرتها على إثارة العنف. ورغم أن البلاد تعرضت لأضرار جسيمة بسبب الحرب، فإن النظام بقي قائمًا، وازدادت قوته الإقليمية. وقد أظهرت إيران قدرتها على السيطرة الفعلية على مضيق هرمز وضرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن غير المرجح أن تؤدي الانتكاسات التي تعرض لها حلفاؤها، مثل حزب الله، إلى إنهاء دائم لقدرة طهران على استعراض القوة من خلال الوكلاء. كما أن الضغط الأميركي على الحكومات الضعيفة في العراق ولبنان لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران يمكن أن يؤدي إلى اندلاع صراعات إضافية تكون فيها اليد العليا لحلفاء إيران.
وستبتعد الاصطفافات الإقليمية بصورة أكبر عن التحالف المناهض لإيران الذي يتخيله المسؤولون الأميركيون. فبدلًا من الاعتماد على الحماية الأميركية، قد تسعى كثير من دول الخليج إلى عقد تفاهمات جانبية مع إيران لإبعاد نفسها عن قائمة أهداف طهران. وبدلًا من اتباع قيادة واشنطن، من المرجح أن تتمحور السياسات الإقليمية حول منافسة متعمقة على الزعامة بين الإماراتيين والسعوديين. وقبل أن تبدأ حرب إيران في نهاية فبراير/شباط، كانت الرياض قد بدأت حشد تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لموازنة التحالف الإماراتي-الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة. وسوف تستأنف هذه المنافسة بعد أن تهدأ حدة القتال، ومن المرجح أن تزيد زعزعة الدول المنهكة أصلًا، وتمتد عبر المنطقة الأوسع، وتنتج أزمات جديدة لا نهاية لها ستجد واشنطن المنشغلة صعوبة في التعامل معها.
وأخيرًا، ستواجه معظم الأنظمة ضغوطًا متزايدة من الأسفل مع انتشار تداعيات حرب إيران عبر اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضررت بنيتها التحتية بسبب الضربات الإيرانية. ففي مصر، مثلًا، تؤدي الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود والغذاء، والخسائر الضخمة في إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب الشحن العالمي بسبب الحرب، إلى تفاقم أزمات مالية وأزمات بطالة قائمة بالفعل. وقد تفقد دول كثيرة تضررت أصلًا من تخفيضات المساعدات الأميركية مصدرًا حاسمًا آخر من الاستثمار الخارجي، بينما تكافح دول الخليج الغنية مع مشكلاتها الاقتصادية الخاصة. وتشكل المظالم الداخلية والغضب من غزة مزيجًا قويًا، وقد تلوح في الأفق مرة أخرى موجة احتجاجات يمكن مقارنتها بانتفاضات ما قبل خمسة عشر عامًا.
الفرصة الأخيرة
قد يؤدي الانهيار العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى تعطيل، أو حتى إغلاق الطريق أمام، أي محاولة لإنشاء نظام جديد قادر على العمل. لكن هذه اللحظة قد تكون أيضًا فرصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة الصفقات الأساسية التي أنتجت مثل هذه النتائج المدمرة. ويتطلب بناء سياسة جديدة ناجحة للشرق الأوسط إعادة التفكير في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء المستبدين والخارجين على القانون باسم الواقعية. فعلى مدى عقود، افترضت واشنطن أنها لا تحتاج إلى القلق كثيرًا بشأن الرأي العام العربي لأنها تستطيع الاعتماد على الحكام العرب لسحق أي معارضة.
وافترضت بالمثل أن ترديد كلمات فارغة عن دعم حل الدولتين، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية تدريجيًا وتتجنب مفاوضات سلام حقيقية، سيكون كافيًا لإبقاء حلفائها العرب إلى جانبها. وكان معنى ذلك أن الولايات المتحدة لم تفكر قط في تبني سياسات يمكن أن تحظى برضا شعوب المنطقة، أو حتى بدعمها. وكان يعني أيضًا أن واشنطن لا يمكنها أبدًا الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأن استراتيجيتها كانت تعتمد على غيابهما.
ولن تغير إدارة ترامب، التي تحتقر الديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، هذا الواقع. ومن الصعب تخيل ترامب، الذي يتأرجح بصورة حادة بين الاستراتيجيات، وهو يصمم أي نوع من النظام الإقليمي الجديد. لكن خليفته ستكون أمامه فرصة حقيقية للقطيعة مع الوضع القائم وصوغ استراتيجية أكثر تماسكًا وفاعلية للشرق الأوسط. ويبدأ ذلك بالتخلي عن استخدام التدخل العسكري بوصفه الخيار الأول، وإنهاء ممارسة الدبلوماسية عبر الضربات الجوية. وينبغي أن تكون أولوية واشنطن الدفاع لا الهجوم. وإحدى الطرق لجعل هذه النية واضحة هي التخلي عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية المتضررة أو المدمرة في أنحاء الخليج، والتركيز بدلًا من ذلك على الاستثمار في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي لشركاء الخليج، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويجب على الولايات المتحدة السعي إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط عبر الدبلوماسية والدفاع الجماعي، لا من خلال الاحتواء العسكري. فقد كشف الإخفاق في إيران بصورة كاملة خواء الدعوات المتشددة إلى الحرب ووعود العمل الحاسم. وحان الوقت لكي تلتزم واشنطن بعملية دبلوماسية يمكن أن تُدخل إيران في النظام الأمني الإقليمي بوصفها شريكًا له مصلحة في استمراره. وقد تكون دول الخليج منفتحة على مثل هذا النهج رغم غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة؛ ففي نهاية المطاف، توصلت السعودية وإيران إلى تقارب عام 2023 بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني. وقد استحضرت إدارة أوباما رؤية مماثلة عندما كانت تتفاوض على الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وحتى نائب الرئيس جي دي فانس تحدث عن استعداد لـ«تحويل جذري» في علاقة الولايات المتحدة بإيران عقب اتفاق جديد. والطموح موجود، لكن سيتعين على إدارة جديدة أن تظهر بسرعة وبصورة حاسمة أنها تنوي المضي فيه حتى النهاية.
ويجب أن تمتد إعادة ضبط السياسة الأميركية كذلك إلى الطريقة التي تعامل بها واشنطن حلفاءها. وهذا يشمل إسرائيل. فالظروف مهيأة لإعادة التفكير في العلاقة الأميركية-الإسرائيلية؛ فوفقًا لاستطلاع أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو/حزيران، يعتقد نحو ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا مفرطًا لإسرائيل. وفي منتصف يوليو/تموز، صوت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون يقطع المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
وينبغي للإدارة المقبلة أن تستفيد من هذا الزخم لممارسة نوع الضغط على إسرائيل الذي طالما ترددت الحكومات الأميركية في ممارسته. ولا تحتاج واشنطن إلى التخلي عن حليفتها، لكنها ينبغي أن تطالب إسرائيل باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف الضم التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
وعلى نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تجدد الولايات المتحدة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن، وأن تردع التدخلات العسكرية لشركائها وحروبهم بالوكالة في أماكن مثل السودان وليبيا، وأن تتوقف عن حث الحكومتين العراقية واللبنانية على نزع سلاح الميليشيات العراقية وحزب الله قبل أن تكونا مستعدتين تمامًا للقيام بذلك. أما الاستقرار على المستوى الداخلي فيتطلب تغييرًا ديمقراطيًا. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني ذلك تشجيع الإصلاح، بما في ذلك حماية حقوق الإنسان، وإنهاء الصفقة التي سمحت للحلفاء المستبدين بالإفلات من القمع الجسيم. ولن تكون هذه الرسالة موضع ترحيب في القاهرة أو الرياض أو في كثير من العواصم الأخرى. لكن أي تحول حقيقي في النظام الإقليمي لن يكون ممكنًا من دون معالجة أمراض أنظمته.
ولن تخلق السياسات الأميركية الجديدة شرق أوسط مستقرًا ومسالمًا بين عشية وضحاها. ففي البداية، لن تحظى إلا بالقليل من الاستحسان الشعبي من منطقة اعتادت على النفاق الأميركي وسوء المعاملة. وفي وقت لاحق، من المرجح أن يؤدي صعود حكومات أكثر استجابة ديمقراطيًا في المنطقة إلى صداع كبير، إذ يتنافس السياسيون الطموحون على إدانة الولايات المتحدة وشجبها. لكن على المدى الطويل، من المرجح أن يكون شرق أوسط تسكنه أنظمة أقل استعدادًا لاتباع قيادة واشنطن في سياسات غير شعبية، أو لقمع المعارضة العامة، أكثر استقرارًا من منطقة اليوم.
وتجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه، وفي تخيل بدائل حقيقية للنظام الإقليمي الحالي مهما كان فشله كبيرًا. لكن هذا النظام يقترب من نهايته، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأميركيين لتغيير المسار. وإذا لم يستطيعوا ذلك، فسوف يشاهدون الشرق الأوسط الأميركي يتلاشى كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.