الـلـغـة فـضـاء لـتـشـكّـل الـسـلـطـة

أ. د. عبد الجبار الرفاعي

2026-09-09 04:52

تسهم اللغة، بما تمتلكه من حضور واسع، في ترسيخ المعتقدات والأنظمة والسلطات، وتوجيه الوعي، وإدارة المشاعر، وتشكيل اللاشعور الجمعي، من دون أن تلفت الانتباه إلى فعلها الخفي. تنسج اللغة في الحياة اليومية شبكات دقيقة من التأثير، وتبني السلطة في مؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة، وتنتج البنى الرمزية التي تمنحها معناها، وتسوغ مشروعيتها، وتصوغ صورتها في المتخيل، وترسخ شرعيتها في الوعي.

اللغة من أعمق أدوات السلطة وأبرعها في بناء الهيمنة وترسيخ النفوذ وتغلغله. السلطة، سياسية كانت أم روحية، قديمة أم حديثة، تتخفى في كلمات اللغة وأساليبها وبياناتها المراوغة، وتحكم بها وعي الأتباع ولا وعيهم، وتوجه أفكارهم ومشاعرهم، حتى يغدو الخضوع استجابة طوعية لا إكراهًا ظاهرًا فيها. تتسلل السلطة إلى الوعي عبر المفردات والشعارات التي تكررها، والتأويلات التي تحتكرها، والمعاني التي تصوغها. حين تستأثر بتعريف المفاهيم، وتمنح الكلمات دلالات تخدم مصالحها، تعيد تشكيل الإدراك، وتصوغ صورتها في المتخيل، وتنتج الانقياد عن اقتناع.

أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور الإنسان، يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي؛ فيخشى أسئلته، ويقمع اختلافه، ويرى العالم بعينيها، ويتكلم بلسانها، وهو يتوهم أنه يعبر عن ذاته. لا تنهض المجتمعات ما لم تسترد اللغة حيويتها، وتتحرر من احتكار المعنى، وتنفتح على السؤال والنقد وتعدد الأصوات. اللغة الحية لا تغلق الوعي على معنى نهائي، ولا تمنح أحدًا حق الاستئثار بالحقيقة؛ إنها تكشف ما تحجبه اللغة المهيمنة، وتمكن الإنسان من تسمية الأشياء بصوته، واكتشاف المعنى وبناء ذاته.

تبدأ مقاومة الهيمنة بنقد لغتها، وكشف المصالح المستترة في مفرداتها، وأنماط الإخضاع المضمرة في مفاهيمها، وتحرير الأسماء من احتكار السلطة. تتحرر اللغة حين تسترد قدرتها على تسمية الأشياء كما هي، وتفضح الأقنعة اللفظية التي تمنح القمع شرعية، والإقصاء قبولًا، والخضوع مظهر الطاعة. لا تتحقق حرية الإنسان ما لم تتحرر لغته من الخوف وادعاء امتلاك الحقيقة، وتعترف بحقه في السؤال والاعتراض وفي أن يكون مختلفًا. تحرير اللغة تحرير للوعي، وتحرير الوعي بداية استرداد الإنسان حريته وكرامته.

 لا تعمل السلطة بالقوة وحدها، بل تتغلغل لغتها في حياة الناس، وتشدهم إلى منظومة من المفاهيم والمعاني والقيم التي ترسخ حضورها، وتجعل رؤيتها للعالم تبدو محايدة. اللغة فضاء تتشكل فيه السلطة، وتعيد من خلاله إنتاج ذاتها، وتوجه طرائق التفكير والإحساس، وتحدد ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. لكل سلطة معجمها الخاص وتسمياتها التي تعيد بها رسم الواقع وفقًا لمصالحها؛ لأن احتكار اللغة يفضي إلى احتكار نظام إنتاج المعنى، مَن يحتكر نظام إنتاج المعنى يمتلك سلطة خفية على الوعي.

في اللغة تتخلق البنى الرمزية التي تمنح السلطة معناها، وتسوغ وجودها، وترسخ شرعيتها. لا تفرض السلطة حضورها بالقوة وحدها، إذ تحتاج إلى معجم يعيد تسمية أفعالها، وصور رمزية تكسبها القبول، وسرديات تقنع الناس بأن حكومتها ضرورية للأمن والتنمية، وأن الخضوع لها يضمن الاستقرار والحماية مما يهدد حياة المواطنين وعيشهم. تتغلغل لغة السلطة في التعليم والإعلام والقانون والخطابين السياسي والديني، فتشد الأفراد إلى منظومة من المعايير والشعارات التي تكرس هيمنتها، وتجعلهم يرون الواقع من خلال مفاهيمها وتسمياتها، ويحكمون على الأشياء وفقًا لمعاييرها.

اللغة بهذا المعنى فضاء تتولد فيه السلطة، وأداة تعيد بها إنتاج ذاتها وتشكيل الوعي وترسيخ اللاوعي بما يحفظ مصالحها. تبلغ الهيمنة ذروتها حين تتحول لغة السلطة إلى لغة المجتمع؛ فيتكلم الناس بمفرداتها، ويفكرون بمقولاتها، ويتبنون معاييرها وأحكامها، ويدافعون عن مصالحها، من دون أن يدركوا أنها استوطنت وعيهم، وصاغت إدراكهم، ورسمت حدود ما يحق لهم التفكير فيه والتعبير عنه. عندئذ لا تحتاج السلطة إلى إعلان حضورها في كل مرة؛ لأنها تغدو صوتًا داخليًا يتكلم في الإنسان، ويوجه نظرته إلى ذاته والآخر والعالم.

حين تتشكل العلاقات بين البشر وفق منطق السلطة، تتحول اللغة إلى أداة لتوجيه السلوك وضبط الأفعال. لا تستقر لغة السلطة في صورة واحدة؛ فقد تظهر في صيغة أمر صارم، أو في نبرة استعطاف ولطف، أو تمزج بينهما في خطاب يتخفى فيه القسر وراء لطف يستدرج القبول، وتتوارى فيه إرادة الإخضاع خلف عاطفة مصطنعة. تستعمل السلطات والمؤسسات والجماعات اللغة لفرض معايير تخدم مصالحها، فتمنح نفسها حق تعريف الحقيقة واحتكار تفسيرها، وتحدد للناس كيف يفهمون الواقع، وتحاصر كل رؤية لا تتطابق مع رؤيتها. تعيد اللغة تشكيل الوعي، وتغرس في الإنسان صورًا وتمثلات تتراكم بمرور الزمن، حتى يتلقاها كأنها حقائق نهائية لا تقبل السؤال أو الاختلاف. تبلغ الهيمنة مداها حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين صوته وصوت السلطة المستوطن في داخله، فيظن أنه يفكر بحرية، فيما تعيد أفكاره إنتاج معاييرها وأحكامها ومصالحها.

كما تعمل السلطة السياسية على بناء سلطتها باللغة، تعمل السلطة الروحية على ترسيخ المعتقدات في العبادات والطقوس والمواعظ والحكايات والأدعية والأمثال، وربطها بالمقدس، وإضفاء الهيبة على مفرداتها ورموزها. بالتكرار تستقر هذه المعتقدات في الوعي وتتكرس في اللاوعي، وتكتسب حصانة رمزية تجعل مساءلتها عسيرة، فيغدو الاعتراض عليها اعتراضًا على المقدس ذاته. لا يقتصر دور اللغة على حفظ المعتقدات ونقلها، وإنما تصوغ مفاهيمها وصورها، وتحدد طرائق تلقيها، وترسم الحدود بين المقدس والمدنس، والإيمان والضلال، والطاعة والعصيان. يستمد المعتقد حضوره من اقترانه بالأماكن والأزمنة والمناسبات الدينية والشعائر الجماعية، فينتقل من فكرة يتلقاها العقل إلى معنى تعيشه الذات في مشاعرها، ويصير جزءًا من ذاكرتها وخيالها ونظرتها إلى نفسها والعالم. حين يقترن المعتقد بالخوف والرجاء، والثواب والعقاب، والقبول والنبذ، يزداد رسوخًا في أعماق الإنسان، وتصير مساءلته تهديدًا لأمنه النفسي ومكانته الاجتماعية وانتمائه إلى الجماعة، لا مراجعة لفكرة.

 يتكرس أثر السلطة الروحية حين تتحدث باسم الله، وتمنح تفسيرها صفة القداسة، وتخلع على أحكامها حصانة تعلو على النقد؛ فتغدو طاعتها مرادفة لطاعة الله، ويغدو الاعتراض عليها خروجًا على الإيمان. تستمد هذه السلطة نفوذها من قدرتها على إدارة الخوف والأمل، وتوزيع الاعتراف والحرمان، وتحديد من ينتمي ومن يقصى، ومن يستحق الخلاص ومن يستوجب العقاب. عندئذ تتحول اللغة إلى حارس للمعتقد، يعيد إنتاجه في الضمير والذاكرة، ويمنحه القدرة على البقاء والانتقال بين الأجيال. 

خلافًا للمعتقد المغلق الذي يحتكر النجاة، يكون الإيمان الحر منبعًا للمعنى والرحمة والسكينة، وطاقة لتحرير الإنسان من الخوف والاستعباد. يبدأ الانحراف حين تستثمر السلطة الروحية حاجة الإنسان للصلة بالله، وتقدم اجتهادها النسبي كأنه حكم إلهي نهائي. ينشأ عن ذلك تدين يخشى السؤال، ويرى النقد اعتداء على الدين، والاختلاف خروجًا على الجماعة. الإيمان المُحرِّر لا يصادر العقل، ولا يطفئ صوت الإنسان، ولا يحول صلته بالله إلى خضوع لوسيط يتحدث باسمه. تتحرر لغة الإيمان حين تميز بين النص المقدس وقراءاته البشرية، وتعترف بمحدودية المعرفة الدينية وتاريخية فهمها، وتستعيد وظيفتها الروحية والأخلاقية في إيقاظ الضمير، وتغذية الأمل، وصيانة الكرامة، واكتشاف معنى وجود الإنسان وحياته.

ذات صلة

المرأة والأداة الأقوى للتعبير عن الشخصيةلا حصانة أمام القانونالتنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدوليأوروبا تنعطف يميناً.. هل يبدأ عصر سياسي جديد؟جدلية الهوية في السياق المعاصر.. من الهوية المأزومة إلى الهوية الجامعة