أوروبا تنعطف يميناً.. هل يبدأ عصر سياسي جديد؟
محمد مهدي صالح
2026-09-09 04:50
من كسر «الجدار الناري» الألماني إلى إعادة تشكيل السياسة الأوروبية
لم تعد التحولات التي تشهدها الخريطة السياسية الأوروبية محصورة في تقدم أحزاب يمينية داخل دول صغيرة أو أطراف بعيدة عن مركز القرار القاري، فانتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية وضعت حزب البديل من أجل ألمانيا في صدارة المشهد بعدما حصل على نحو 44 في المئة من الأصوات، وهي أعلى نتيجة يحققها الحزب في انتخابات ولاية، متقدماً بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ومقترباً من منطقة سياسية كان دخولها بالنسبة إلى اليمين الراديكالي الألماني مستبعداً طوال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية.
أهمية النتيجة لا ترتبط بحجم الولاية وحده، ولا تعني أن ألمانيا أصبحت تحت حكم اليمين الراديكالي، لأن الحزب لم يحصل على الأغلبية المطلقة ولا تزال تشكيلات سياسية رئيسية ترفض التعاون معه، لكنها تعيد فتح سؤال أوسع من حدود ألمانيا يتعلق بالاتجاه الذي تتحرك نحوه أوروبا، بعدما أصبحت قوى يمينية مختلفة جزءاً مؤثراً من السلطة أو المنافسة عليها في إيطاليا وفرنسا وألمانيا ودول أخرى، بينما تبنت حكومات محافظة سياسات أكثر تشدداً في ملفات الهجرة والحدود والهوية كانت قبل سنوات أقرب إلى برامج الأحزاب الواقعة على أطراف النظام السياسي.
ألمانيا.. عندما بدأ «الجدار الناري» يفقد قوته
اعتمد النظام الحزبي الألماني لسنوات على ما يعرف بـ«الجدار الناري»، وهو توافق بين الأحزاب التقليدية يمنع التعاون الحكومي مع حزب البديل من أجل ألمانيا، مهما كانت نتائجه الانتخابية. وقد نجحت هذه السياسة عندما كان الحزب يمثل قوة محدودة يمكن إبقاؤها في المعارضة دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل تشكيل الحكومات، إلا أن ارتفاع حصته الانتخابية غيّر الحسابات، لأن إقصاء حزب يحصل على أكثر من أربعة ناخبين من كل عشرة يفرض على بقية القوى البحث عن تحالفات أكثر تعقيداً للحفاظ على الجدار نفسه.
في ساكسونيا-أنهالت حصل البديل على 39 مقعداً من أصل 83، أي إنه بقي دون الأغلبية المطلقة، لكن دخول تحالف سارا فاغنكنشت البرلمان الإقليمي بعد تجاوزه عتبة الخمسة في المئة فتح احتمالاً لم يكن مطروحاً بالطريقة نفسها سابقاً، إذ أعلن ممثلون عنه استعدادهم للحوار مع جميع القوى بما فيها البديل، رغم الفوارق الأيديولوجية الكبيرة بين الطرفين. وهنا تتحول القضية من مقدار الأصوات التي يحصل عليها اليمين إلى قدرة النظام السياسي على الاستمرار في عزله إذا استمرت قاعدته الشعبية في الاتساع.
كان مايكل برونينغ قد حذر قبل الانتخابات من أن سياسة إغلاق الصفوف في مواجهة الأحزاب المتطرفة لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن الحكم الفعال، لأن نجاح الجدار السياسي يتوقف عملياً على بقاء القوة المعزولة دون الأغلبية التي تسمح لها بالوصول إلى السلطة من دون شركاء. نتيجة ساكسونيا-أنهالت لم تسقط الجدار بالكامل، لكنها جعلت كلفته السياسية أعلى مما كانت عليه سابقاً.
الاقتصاد والهجرة.. البيئة التي وسعت قاعدة اليمين
لا يمكن تفسير تقدم البديل الألماني، أو الصعود اليميني الأوروبي بصورة عامة، بالهجرة وحدها، رغم مركزية هذا الملف في خطاب هذه الأحزاب، فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرضت لها أوروبا خلال السنوات الأخيرة أسهمت في توسيع المساحة المتاحة أمام القوى التي تقدم نفسها بديلاً للأحزاب التقليدية.
في ألمانيا، ارتبطت نتيجة ساكسونيا-أنهالت بالاستياء من الحكومة الاتحادية، والبيروقراطية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق المرتبط بالمعاشات ومستقبل الاقتصاد، وهي عوامل جاءت في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً لإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية غير شعبية. وأعادت نتيجة الانتخابات الخلاف داخل ائتلاف المستشار فريدريش ميرتس بشأن تلك الإصلاحات، بينما وجد البديل أرضية مناسبة لتقديم نفسه بوصفه المعارض الأكثر وضوحاً للمؤسسة السياسية القائمة.
تضاف إلى ذلك الفوارق الاقتصادية والتاريخية بين شرق ألمانيا وغربها، والشعور لدى قطاعات من سكان الولايات الشرقية بأنهم لم يحصلوا على نصيب متكافئ من الازدهار بعد الوحدة، فضلاً عن اختلاف النظرة إلى روسيا والحرب في أوكرانيا. وقد احتفظت مناطق من الشرق بعلاقة أكثر تعقيداً مع موسكو نتيجة تاريخ ألمانيا الشرقية السابق، وهو ما منح موقف البديل الداعي إلى استعادة العلاقات مع روسيا وتقليص الدعم لأوكرانيا جاذبية لدى بعض الناخبين.
اليمين يريد أكثر من تغيير سياسة الهجرة
تقدم اليمين الأوروبي لا يدور حول الحدود والمهاجرين فقط، لأن بعض قواه تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والهوية والثقافة والتعليم والتاريخ. وفي ألمانيا ظهر هذا البعد في الجدل المتعلق بموقف حزب البديل من مدرسة «باوهاوس» وإرث العمارة الحديثة، حيث يرى الباحث جان-فيرنر مولر أن اهتمام الحزب بالسياسة الثقافية ليس تفصيلاً ثانوياً، لأن السلطات المحلية تستطيع من خلالها التأثير المباشر في المؤسسات والمناهج والرموز العامة وطريقة تعريف المجتمع لهويته.
برنامج البديل في ساكسونيا-أنهالت يقدم صورة أوضح عن شكل الحكم الذي يسعى إليه إذا تمكن من تشكيل حكومة؛ فهو يتضمن تشديد عمليات الترحيل، وتغيير بعض السياسات التعليمية، وإعادة النظر في الإعلام العام، وإجراء تغييرات في عمل جهاز الاستخبارات المحلي الذي سبق أن راقب الحزب، إلى جانب تعزيز حضور الرموز الوطنية في المجال العام. وتظهر خطته لأول مئة يوم أن انتقال الحزب من المعارضة إلى الحكومة لن يعني مجرد استبدال إدارة بأخرى، وإنما محاولة تطبيق تصور سياسي واجتماعي مختلف في مجالات متعددة.
ألمانيا ليست حالة منفردة
النظر إلى ألمانيا بمعزل عن بقية أوروبا قد يعطي انطباعاً مضللاً بأن ما يحدث مرتبط بخصوصية الولايات الشرقية فقط، بينما تكشف الخريطة القارية أن قوى اليمين أصبحت لاعباً رئيسياً بدرجات متفاوتة، وإن كانت المسارات التي تتبعها مختلفة من دولة إلى أخرى.
في إيطاليا استطاعت جورجيا ميلوني تحويل تجربة اليمين من المعارضة إلى حكم مستقر نسبياً، بينما ظهرت إلى يمين حكومتها قوى أكثر تشدداً مثل حزب «المستقبل الوطني» بقيادة روبرتو فاناشي، الذي دعا إلى وقف المزيد من الاندماج السياسي الأوروبي وتحويل الاتحاد إلى إطار للتعاون بين الدول بدلاً من توسع سلطته فوق القومية، مقدماً تقدم البديل الألماني وقوة التجمع الوطني الفرنسي باعتبارهما جزءاً من مستقبل سياسي أوروبي جديد.
أما فرنسا فتمثل الاختبار الأكثر حساسية بعد ألمانيا، لأن التجمع الوطني أصبح قوة يصعب التعامل معها باعتبارها حزباً هامشياً، فيما أظهرت استطلاعات حديثة قدرة مارين لوبان على تصدر الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المقررة في 2027. وفي حال حدث تحول سياسي كبير في فرنسا بالتزامن مع استمرار تقدم البديل في ألمانيا، فإن القضية لن تعود محصورة بحكومات أوروبية منفردة، بل ستمس أكبر اقتصادين وأكثرهما تأثيراً في اتجاه الاتحاد الأوروبي.
لكن الصورة ليست حركة أحادية الاتجاه، فالمجر قدمت في 2026 مثالاً معاكساً بعدما خسر فيكتور أوربان السلطة عقب ستة عشر عاماً من الحكم، وهو ما يوضح أن نجاح القوى القومية والمحافظة لا يعني نشوء دورة سياسية لا يمكن عكسها، وأن الناخب الذي يرفع حزباً يمينياً إلى السلطة يمكن أن يعاقبه لاحقاً للأسباب الاقتصادية والسياسية نفسها التي أسقطت منافسيه السابقين.
ليس هناك يمين أوروبي واحد
استخدام مصطلح «اليمين» لوصف جميع هذه القوى يخفي اختلافات مهمة بينها، فهناك أحزاب محافظة تقليدية تعمل داخل المؤسسات الأوروبية وتؤيد حلف شمال الأطلسي، وأحزاب قومية تسعى إلى تقليص سلطة بروكسل مع البقاء داخل الاتحاد، وأخرى تحمل مواقف أكثر راديكالية تجاه الهجرة والعملة الأوروبية والعلاقة مع روسيا.
حتى قوى اليمين التي تلتقي في الحديث عن السيادة والحدود والهوية تختلف في الاقتصاد والسياسة الخارجية وأوكرانيا وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، ولذلك فإن احتمال تشكيل جبهة أوروبية يمينية موحدة يبقى أقل بساطة مما توحي به الخريطة الانتخابية. وقد تدخل هذه القوى في تحالفات حول الهجرة أو صلاحيات الاتحاد الأوروبي، ثم تختلف جذرياً عندما يصل النقاش إلى روسيا أو الميزانية أو التجارة أو الإنفاق العسكري.
لهذا فإن الحديث عن «أوروبا يحكمها اليمين» لا يعني بالضرورة وجود مشروع أيديولوجي واحد ينتقل من روما إلى برلين وباريس، بل قد يعني انتقال مركز الثقل السياسي الأوروبي إلى مساحة أكثر محافظة وقومية، مع بقاء خلافات واسعة بين القوى الموجودة داخلها.
عندما ينتصر اليمين من خارج الحكومة
التحول الأكثر أهمية قد يحدث حتى إذا بقي عدد من الأحزاب اليمينية الراديكالية خارج السلطة، لأن النجاح الانتخابي يستطيع تغيير سياسات المنافسين قبل أن يغير الحكومات. عندما تكتسب أحزاب الهجرة المتشددة نسباً مرتفعة من الأصوات، تصبح الأحزاب المحافظة والوسطية أمام خيارين صعبين: إما الاستمرار في برامجها السابقة ومخاطرة فقدان المزيد من الناخبين، أو الاقتراب من بعض مطالب اليمين لاستعادة تلك الأصوات.
هذا المسار ظهر بالفعل في قضية الهجرة داخل دول أوروبية متعددة. وفي السويد، على سبيل المثال، تبنت الحكومة اليمينية برنامجاً يقدم مبالغ مالية لبعض المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي مقابل العودة الطوعية إلى بلدانهم، في إطار سياسة أكثر تشدداً تجاه الهجرة تدعمها حركة ديمقراطيي السويد اليمينية. ويكشف المثال كيف تستطيع الأفكار التي كانت تعد راديكالية قبل سنوات أن تنتقل تدريجياً إلى السياسات الرسمية دون أن يتولى الحزب الأكثر تشدداً رئاسة الحكومة.
وبهذا المعنى، يمكن لليمين أن يحقق انتصاراً سياسياً قبل تحقيق انتصار حكومي، عندما يجبر خصومه على خوض الانتخابات داخل الأجندة التي حددها هو، فتتحول قضايا الحدود والترحيل والهوية والسيادة الوطنية إلى مركز المنافسة بدلاً من أن تبقى موضوعات تقع على أطرافها.
ماذا يتغير إذا وصل اليمين إلى مراكز القرار الكبرى؟
إذا استمر الاتجاه الحالي ووصلت قوى يمينية قومية إلى الحكم أو اكتسبت قدرة أكبر على التأثير في ألمانيا وفرنسا، فإن التداعيات ستتجاوز السياسات الداخلية إلى بنية الاتحاد الأوروبي نفسه، لأن برلين وباريس كانتا تاريخياً المحرك الرئيسي لمعظم مشروعات التكامل الأوروبي.
الهجرة ستكون أول الملفات المرشحة للتغيير، مع زيادة القيود على اللجوء وتسريع الترحيل وتعزيز الرقابة على الحدود الخارجية، بينما قد يظهر في الملف الاقتصادي ضغط أكبر لحماية الصناعات الوطنية ومراجعة بعض القواعد التنظيمية الأوروبية. أما العلاقة مع بروكسل فستشهد على الأرجح صراعاً أكبر بين القوى المؤيدة لمزيد من التكامل وتلك التي تريد إعادة جزء من الصلاحيات إلى الحكومات الوطنية.
الحرب في أوكرانيا تمثل نقطة خلاف أكثر حساسية، لأن البديل الألماني يدعو إلى تقليص الدعم لكييف وتحسين العلاقات مع موسكو، وهو موقف يختلف عن السياسة التي تتبعها الحكومة الألمانية الحالية وعدد من الحكومات المحافظة الأخرى. ويضاف إلى ذلك موقف الحزب المعارض للعملة الأوروبية الموحدة، وهو ما جعل صعوده موضع اهتمام اقتصادي إلى جانب أثره السياسي، رغم أن الأسواق تعاملت مع نتيجة ساكسونيا-أنهالت حتى الآن باعتبارها تحذيراً سياسياً أكثر من كونها تهديداً اقتصادياً فورياً.
أوروبا بين صعود اليمين وأزمة الوسط
النتائج الألمانية لا تثبت أن أوروبا دخلت بصورة نهائية عصراً يحكمه اليمين، لكنها تكشف أن النظام الذي اعتمد لعقود على هيمنة قوى يمين الوسط ويسار الوسط لم يعد يعمل بالطريقة السابقة. تراجع الثقة بالحكومات التقليدية، والضغوط الاقتصادية، والهجرة، والحرب، والجدل حول الهوية الوطنية، جميعها فتحت مساحة أمام أحزاب كانت في السابق محدودة التأثير لكي تصبح قوى انتخابية يصعب تجاهلها.
يبقى أمام هذه الأحزاب حاجز آخر مختلف عن الفوز في الانتخابات، وهو إثبات قدرتها على إدارة الاقتصاد والمؤسسات وبناء تحالفات قابلة للاستمرار عندما تنتقل من موقع الاحتجاج إلى موقع المسؤولية. تجربة إيطاليا تظهر إمكانية استمرار حكومة يمينية، بينما تجربة المجر تؤكد أن بقاءها ليس مضموناً، والحالة الألمانية لا تزال معلقة بين فوز انتخابي كبير وعجز محتمل عن تكوين حكومة.
لذلك قد لا يكون السؤال الأساسي ما إذا كانت أوروبا ستستيقظ في يوم واحد لتجد نفسها تحت حكم اليمين، وإنما ما إذا كانت عملية أبطأ تجري بالفعل، تتحرك خلالها الحدود الفاصلة بين الوسط واليمين وتتحول معها الأفكار التي كانت قبل عقد جزءاً من خطاب الأحزاب الهامشية إلى عناصر ثابتة في برامج الحكومات والمنافسات الانتخابية.
إذا استمر هذا التحول، فإن العصر الجديد لن يبدأ بالضرورة بسيطرة حزب يميني على كل العواصم الأوروبية، بل عندما يصبح اليمين قادراً على تحديد القضايا التي تتنافس حولها تلك العواصم، سواء كان داخل الحكومة أم خارجها. ومن هذه الزاوية، تبدو ساكسونيا-أنهالت أقل أهمية بوصفها ولاية ألمانية منفردة، وأكثر أهمية باعتبارها اختباراً مبكراً لسؤال أوروبي أكبر: هل لا يزال الوسط قادراً على استعادة الناخب، أم أن مركز السياسة الأوروبية نفسه بدأ يتحرك إلى مكان آخر؟