ماذا يأتي بعد النظام العالمي؟
بدلًا من إطار دولي جديد، نحتاج إلى نظام للانتقال من إطار إلى آخر
FOREIGN POLICY
2026-06-11 03:54
في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي يناقش الكاتب برونو ماسياس، فكرة أن عصر «النظام العالمي» بوصفه إطارًا ثابتًا ونهائيًا قد انتهى، وأن العالم دخل مرحلة جديدة تقوم على التحول المستمر وإعادة التشكل. ويرى أن الصراع الأميركي الصيني لا ينبغي أن يُدار بمنطق إبطاء صعود الصين أو تجميد التفوق الغربي، بل عبر نظام عالمي أكثر مرونة يسمح بتعاقب مراكز القوة دون الانزلاق إلى الكارثة. وتتمثل إشكالية المقال في أن القوى العظمى، حين تتعامل مع مكانتها وكأنها حق طبيعي دائم، تميل إلى مقاومة التغيير بدل تنظيمه، بينما يحتاج العالم اليوم إلى مبدأين أساسيين: حرية الدول في تطوير التكنولوجيا، وحرية الشعوب والدول في اختيار اصطفافاتها الجيوسياسية دون إكراه. ومن هنا يدعو الكاتب إلى إطار دولي جديد لا يفرض رؤية واحدة على الجميع، بل ينظم انتقال العالم من ترتيب قوة إلى آخر بصورة سلمية.
ويرى الكاتب:
تكتشف كل إمبراطورية في نهاية المطاف الحقيقة المزعجة نفسها: إنها فانية. والأميركيون يكتشفون ذلك الآن. أما الصينيون، ويُحسب لهم ذلك، فقد اكتشفوه منذ زمن طويل. إنهم يعرفون أنه لن يكون هناك «قرن صيني» بالطريقة التي كان بها «قرن أميركي»، لأن عصر النظام العالمي قد انتهى. ما نملكه الآن هو «التنظيم»، أو بناء العالم، بوصفه عملية لا نهاية لها.
وهذه مشكلة بالنسبة إلى واشنطن، التي تفضّل الحسم والنهائية. فالاستراتيجية السائدة، التي كانت وزيرة التجارة السابقة جينا ريموندو من أوائل من صاغوها، تقوم على «إبطاء» الابتكار الصيني، وهي عبارة ينبغي تطريزها على وسادة في متحف الانحدار الإمبراطوري، في مكان ما بين عبارتي: «سيتفرق الملاكمون بحلول الثلاثاء»، و«ستنتهي أزمة السويس قبل الغداء». يصعب على المرء أن يتذكر قوة عظمى نجحت في الحفاظ على تفوقها من خلال مطالبة منافسها، بحزم شديد، أن يتوقف رجاءً عن أن يكون ذكيًا. لقد جرّبت أسرة تشينغ نسخة من ذلك في مواجهة التكنولوجيا الأوروبية. ولم تنتهِ الأمور جيدًا بالنسبة إلى أسرة تشينغ.
إن محاولات واشنطن المتعالية لإيقاف صعود الصين تمثل الاعتقاد السائد لدى القوى العظمى بأن مكانتها ممنوحة لها بحكم الطبيعة. فعندما يظهر صاعد جديد، فإنها تحوّل المواجهة إلى موعظة أخلاقية بدل أن تواجهها كما هي. وكما يلاحظ المعلّق كايزر كو، فإن الدولة التي اعتادت أن تكون الخيار الافتراضي لا تستطيع أن تعترف بوجود ندّ لها من دون أن تلقي أولًا خطبة وعظية.
ما نحتاج إليه بدلًا من ذلك هو نظام من نوع مختلف تمامًا. لن يكون هذا مخططًا جديدًا لنظام سياسي جوهري، يحمل مبادئ أخلاقية للمواطنين أو الدول، إذ لا يمكن تعميم مثل هذه المبادئ عالميًا من دون إكراه. بل سيكون إطارًا يحكم الكيفية التي تنهض بها النظم السياسية نفسها وتسقط.
فكّر في الأمر لا بوصفه صيغة محددة، بل بوصفه نظامًا من المعادلات: بدل أن يصف مضمون السياسة العالمية، يضع الشروط التي يمكن في ظلها أن تتغير القواعد والقيم القائمة. إنه لا يجسّد رؤية بعينها؛ بل يفترض أن مثل هذه الرؤى ستتعاقب، ويسعى إلى ضمان أن يحدث هذا التعاقب من دون كارثة. فإذا كانت النظم العالمية لقطة ثابتة، فإن التنظيم فيلم متحرك.
يمكن اقتراح مبدأين للتنظيم. أولًا، ينبغي أن تكون كل دولة حرة في تطوير تقنيات جديدة. لقد قادت بريطانيا الثورة الصناعية الأولى. وقادت الولايات المتحدة الثورة الصناعية الثانية. أما الإصرار على أن الصين يجب أن تتطور الآن ضمن حدود مرسومة في واشنطن، فهو خلط بين امتيازات من يشغل الموقع القائم وبين قوانين الطبيعة.
تعيد الثورات التكنولوجية تشكيل الهرمية العالمية؛ فالدولة التي تنشر التكنولوجيا الجديدة بأسرع وتيرة تميل إلى الانتقال نحو المركز. ومحاولة تجميد الترتيب الحالي ليست عبثية فحسب، بل هي متناقضة أيضًا، لأن القوة القائمة نفسها صعدت عبر قلب النظام الذي سبقها.
لا يمكن للتغيير أن يحدث على المستوى العالمي من دون أن تقوده فواعل دولية قوية. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، أطلقت الصين مشروعًا ثوريًا يتمثل هدفه النهائي في إعادة تشكيل النظام العالمي بطرق تضع الصين أقرب إلى قلبه أو مركزه. ولا يمكن تحقيق مثل هذه التغييرات العميقة من دون إحداث تغييرات عميقة مماثلة داخل الصين نفسها. وفي الواقع، تهدف مبادرة الحزام والطريق إلى تحويل الصين إلى قوة تكنولوجية كبرى، دولة قادرة بصورة فريدة على نشر تقنيات وصناعات المستقبل والتحكم بها، بما في ذلك الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والحوسبة الكمومية.
يمكن أن يأخذ الرد الأميركي على التحدي الصيني شكلين مختلفين جدًا. أولًا، يمكن للولايات المتحدة أن تحاول السباق أمام الصين في هذه الصناعات الحاسمة. وفي هذه الحالة، سيظل هناك دائمًا عنصر من عدم اليقين. فقد تراهن الدولتان على خيارات مختلفة، سواء في التقنيات العامة أو في مسارات تطويرها. وسيقرر الزمن أو التاريخ من هو الفائز. ولن يكون هناك شيء مؤكد أو نهائي بشأن التحدي الصيني. ففي النهاية، عندما قرر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1971 فصل الدولار عن الذهب، بدا حينها أن حكم الدولار يوشك على الانتهاء. لكن ما حدث في الواقع هو أنه بدأ من جديد، وعلى أسس أقوى بكثير.
أما الرد الآخر الممكن، فهو أن تحاول واشنطن إبطاء خصمها أو حتى منعه. وبوصفه ردًا على التحدي، سيكون هذا الرد تفاعليًا محضًا. وتقوم فرضيته على أن التطورات التي شهدناها في الصين خلال أربعة أو خمسة عقود يمكن وقفها أو حتى عكس مسارها من أجل الحفاظ على النظام العالمي في صورته الحالية. ومن المشكوك فيه أن تنجح مثل هذه السياسة. ففي نهاية المطاف، لم تكن الولايات المتحدة هي التي أحدثت التغيير الجذري في الصين من الأساس.
ومن المرجح أن يؤدي فرض قيود صارمة على الصادرات أو تعريفات جمركية إلى دفع الصين فقط للبحث عن مسارات تطوير بديلة، وستصبح هذه المسارات أكثر استقلالًا واعتمادًا على الذات. والسبب الثاني لاحتمال فشل هذه السياسة هو أن التاريخ لا يسلك الطريق نفسه مرتين. فعندما يناقش صانعو السياسة الأميركيون كيفية إغلاق بعض إمكانات التطور أمام الصين، سيميلون إلى التركيز على تلك الإمكانات التي كانت مهمة في تطور الولايات المتحدة.
وسيفتقرون إلى الوعي بالإمكانات المختلفة جدًا ذات الصلة بالتقدم التكنولوجي الصيني. فمسار تطور محدد لا يبدو حتميًا إلا بأثر رجعي.
أما المبدأ الثاني للتنظيم العالمي، فهو أن تكون كل دولة حرة في الاختيار. فالصين اليوم هي أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة. ومعظم هذه الدول لا تريد الانضمام إلى تكتل؛ بل تريد تعدد الخيارات. فسنغافورة، وسويسرا، وجزء كبير من أفريقيا، تفضّل وزن العروض المتنافسة من واشنطن وبكين بدل أن تُجنّد في أي منهما. وإذا تعامل المرء مع العالم بوصفه انتخابات دائمة، يتعيّن فيها على القوى الكبرى أن تخوض حملة مستمرة لكسب التأييد، فإن الانضباط الناتج عن ذلك يحسّن أداء المرشحين.
سيستبعد هذا المبدأ كل محاولات استخدام القوة أو التهديدات لتجنيد دولة ضد دولة أخرى. وتطبيقه واضح في حالة المنافسة بين الصين والولايات المتحدة لإنشاء مناطق نفوذ خاصة بهما. ينبغي أن تكون تلك المنافسة خالية من الإكراه أو القوة. إن قدرة قوة عظمى على اجتذاب الشعوب والدول الأخرى ستحدد بطبيعة الحال مكانتها المستقبلية بوصفها قوة عظمى، لكن هذا اختبار يجب عليها اجتيازه، لا التهرب منه عبر منع تلك الشعوب والدول من ممارسة حرية الاختيار.
وينطبق المبدأ بصورة طبيعية كذلك في حالة أوكرانيا. فاحتمال أن تُجبر أوكرانيا على استبعاد علاقة وثيقة مع أوروبا أو الولايات المتحدة بوصف ذلك حلًا لصراعها مع روسيا لا يوفر أساسًا لنظام عالمي وظيفي. بل إن هذا أبعد ما يكون عن الحل، لأنه يقع، في الحقيقة، في أصل الحرب ذاتها.
هذان المبدآن ليسا «معايير» بالمعنى الليبرالي. إنهما شروط لعمل أي معايير أصلًا. فالقواعد الليبرالية محل نزاع كبير، حتى داخل الغرب نفسه، بحيث لا يمكن أن تكون أرضية مشتركة. أما مبدآ التغيير والاختيار فهما أضيق وأخف، ولهذا السبب أكثر دوامًا. إنهما لا يخبران الدول بما ينبغي أن تصبح عليه. بل يخبران القوى القائمة بأنها لا تستطيع منع الآخرين من أن يصبحوا شيئًا جديدًا.
ستكون أمم متحدة جديدة هي الوسيلة الطبيعية لهذه المبادئ، رغم أنها لن تشبه كثيرًا المؤسسة التي رسم ملامحها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين عام 1945. فقد صُممت الهيئة الحالية لتجميد لحظة معينة، ولا تزال بنيتها تعكس ذلك الطموح. أما الهيئة الجديدة فستكرّس المبدأين المذكورين أعلاه.
سيُطبّق المبدأ الأول من خلال حق في التطور التكنولوجي، من دون استثناءات: فلا يجوز لأي قوة قائمة أن تفرض بصورة قانونية ضوابط على الصادرات، أو عقوبات، أو قيودًا على الاستثمار، مصممة لمنع دولة أخرى من امتلاك صناعات المستقبل. أما المبدأ الثاني فسيُدار من خلال حق في الاصطفاف الجيوسياسي وإعادة الاصطفاف؛ أي حق جيوسياسي في التصويت. وينبغي أن تُكتسب مناطق النفوذ في منافسة مفتوحة، لا أن تُسوّر بالمعاهدات أو بالقوة. ولن تكون المهمة الحفاظ على ترتيب معين للقوة، بل ضمان أن تستطيع ترتيبات القوة أن يخلف بعضها بعضًا بصورة سلمية.
والبديل هو الطريقة القديمة لتسوية هذه المسائل، أي الحرب. وفي عصر نووي، لن تعقبها مؤتمرات سلام. لقد انتهت دورة الإمبراطوريات دائمًا بكارثة عندما رفضت القوة القائمة الاعتراف بأن الدورة موجودة. وبعد ستة قرون من ابتكار ابن خلدون لأول مرة لفكرة دورة الحضارات، فإن أقل ما يمكننا فعله هو التسليم بهذه النقطة. فالقوة، مثل الشباب، نادرًا ما تقتنع بزوالها إلا عندما تصبح الأدلة محرجة.