من يربّي جيل الخدمة؟ أمير العبيدي وبناته نموذجاً لتوريث المعنى الحسيني
أوس ستار الغانمي
2026-08-11 04:22
في كل عام، تمتلئ طرق الزائرين بمشاهد الخدمة الحسينية؛ مواكب، مضائف، توزيع ماء وطعام، مساعدة كبار السن، استقبال الأطفال، وتنظيم حركة الزائرين. تبدو هذه التفاصيل جزءاً مألوفاً من المشهد الأربعيني، حتى تكاد كثرتها تحجب سؤالاً أكثر أهمية: ماذا يحدث حين يدخل الطفل إلى هذه التجربة؟
السؤال هنا يتجاوز حضور الأطفال في زيارة الأربعين، ويتجه إلى الطريقة التي تتشكل بها علاقتهم بالقيم التي تحملها المناسبة. فالجيل الذي سيحمل الخدمة الحسينية بعد سنوات، يتكون اليوم أمام أعيننا، داخل الأسرة، وفي الشارع، وفي المواكب، ومن خلال التفاصيل التي يعيشها الطفل قبل أن يفهم جميع دلالاتها.
من هذا الباب يمكن قراءة مقطع متداول يظهر فيه أمير العبيدي برفقة ابنتيه خلال زيارة الأربعين؛ تتولى ابنته الكبرى مساعدة فتيات صغيرات على ارتداء «حجاب الأميرة»، فيما تنشغل شقيقتها الأصغر بتوزيع الألعاب على الأطفال.
المشهد في ظاهره بسيط، لكنه يضعنا أمام قضية تربوية واجتماعية تستحق التوقف: هل نريد من أطفالنا أن يرثوا المناسبة، أم أن يرثوا القيم التي صنعتها؟
الفرق كبير بين الأمرين.
قد يرث الطفل موعد الزيارة، وطقوسها، وملابسها، ومظاهرها، ويحفظ أسماء الشخصيات والأحداث، لكنه يحتاج إلى تجربة عملية حتى تتحول هذه المعرفة إلى سلوك. وهنا تظهر الخدمة باعتبارها إحدى أكثر الوسائل قدرة على تحويل القيمة من فكرة مجردة إلى ممارسة يومية.
الطفلة التي تمنح لعبة لطفل آخر تتعلم معنى العطاء من خلال يدها. والتي تساعد طفلة على ارتداء الحجاب تكتشف معنى الاهتمام بالآخر من خلال موقف مباشر. والطفل الذي يقدم الماء للزائرين يكتشف أن خدمة الآخرين يمكن أن تكون جزءاً من شخصيته.
بهذا المعنى، تصبح الخدمة مدرسة اجتماعية مفتوحة.
والمفارقة أن كثيراً من الأسر تهتم بتعليم أطفالها القيم بالكلام، ثم تبحث عن الوسيلة التي تجعل تلك القيم قابلة للحياة. بينما تقدم زيارة الأربعين مساحة واسعة يمكن للأسرة أن تستثمرها في التربية بالممارسة؛ لأن الطفل يرى أمامه آلاف الصور التي تربط العطاء بالاحترام، والتعاون بالانتماء، وخدمة الآخر بالشعور بالمسؤولية.
من هنا تأتي أهمية مشهد أمير العبيدي وبناته.
القيمة في المشهد تكمن في أن الطفلتين لم تكونا على هامش الخدمة. لكل واحدة منهما دور يتناسب مع عمرها وقدرتها. وهذا التفصيل تحديداً يستحق أن تتحول إليه الأسر؛ فمشاركة الطفل في الخدمة لا تحتاج إلى تحميله ما يفوق طاقته، وإنما تحتاج إلى منحه شعوراً بأنه قادر على تقديم شيء للآخرين.
حين يُعطى الطفل هذا الدور، يبدأ بتكوين صورة مختلفة عن نفسه.
هو قادر على العطاء.
هو قادر على المساعدة.
هو قادر على أن يكون جزءاً من جماعة تحمل قيمة مشتركة.
وهذه المعاني الصغيرة في عمر الطفولة قد تصبح لاحقاً عناصر في بناء شخصية أكثر ارتباطاً بالمسؤولية الاجتماعية.
لذلك فإن القضية أوسع من الأربعين نفسها. نحن أمام سؤال يتعلق بتوريث القيم في مجتمع تتغير فيه مصادر التأثير على الأطفال بصورة متسارعة. الهاتف، والمنصات الرقمية، والإعلانات، والمحتوى المتعدد، كلها تشارك اليوم في تشكيل وعي الطفل. والأسرة التي تريد الحفاظ على منظومتها القيمية تحتاج إلى تقديم تجارب حية قادرة على منافسة هذا التدفق الهائل من الصور والأفكار.
التجربة الحية أقوى من الموعظة المجردة.
حين يرى الطفل أباه يخدم، ثم يجد مكاناً له في الخدمة، تتكون لديه علاقة مختلفة مع الفعل الذي يشاهده. وحين يعود إلى البيت وهو يحمل قصة عن طفل أسعده بلعبة، أو طفلة ساعدها في ارتداء الحجاب، فإن الزيارة تتحول من مشهد جماهيري إلى تجربة شخصية.
وهنا تظهر مسؤولية الأب والأم.
فالأطفال يلتقطون من سلوك الوالدين أكثر مما يلتقطون من تعليماتهم. الأسرة التي تقف في الزيارة أمام الأطفال وهي تمارس العطاء والتعاون واحترام الآخرين، تقدم نموذجاً تربوياً متكاملاً من دون الحاجة إلى درس مباشر.
لهذا يمكن النظر إلى الخدمة الحسينية بوصفها رأس مال تربوياً للمجتمع، إذا أحسن استثماره.
فالطفل الذي يتعلم أن هناك معنى للمال حين يُعطى، ووقتاً حين يُبذل، وجهداً حين يوضع في خدمة الآخرين، يتلقى تدريباً مبكراً على قيمة اجتماعية يحتاجها أي مجتمع يريد بناء علاقات أكثر تماسكاً.
والأهم أن إشراك الأطفال في الخدمة يخرجهم من موقع المتلقي إلى موقع المشارك.
وهذه النقلة مهمة جداً.
المتلقي ينتظر أن تقدم له المناسبة معناها، بينما المشارك يصنع جزءاً من هذا المعنى بفعله. وعندما يشعر الطفل أنه يساهم في إحياء مناسبة كبيرة، تتشكل لديه علاقة أكثر عمقاً معها؛ لأنها أصبحت مرتبطة بتجربته الشخصية.
من هنا يمكن فهم مشهد ابنتي أمير العبيدي بعيداً عن كونه صورة عائلية جميلة.
الابنة الكبرى تساعد طفلات على ارتداء حجاب الأميرة، والصغرى تمنح الأطفال ألعاباً. قد تبدو المهام صغيرة قياساً إلى حجم الزيارة، لكنها بالمعيار التربوي تحمل قيمة كبيرة؛ لأن بناء الشخصية يبدأ من الأفعال التي تبدو صغيرة في أعين الكبار.
فالمجتمع الذي يريد استمرار ثقافة الخدمة عليه أن يسأل نفسه عن الطريقة التي يهيئ بها أبناءه لهذه المسؤولية.
من سيحمل المواكب بعد سنوات؟
من سيواصل خدمة الزائرين؟
من سيبقى مؤمناً بأن العطاء قيمة اجتماعية حين تتغير الظروف؟
هذه الأسئلة تبدأ إجاباتها من الطفولة.
ولهذا فإن زيارة الأربعين يمكن أن تكون فرصة سنوية لإعادة تعريف الطفل بعلاقته بالمجتمع. يمكن أن يتعلم فيها احترام الكبير، ومساعدة الضعيف، والعطاء من دون انتظار المقابل، والعمل ضمن فريق، والمحافظة على المكان، واحترام اختلاف الناس، والشعور بأن خدمة الآخرين مسؤولية مشتركة.
هذه القيم جميعها تتجاوز حدود المناسبة، وتدخل مباشرة في بناء المواطن الذي يحتاجه المجتمع.
وربما هنا تكمن إحدى أهم وظائف الشعائر في بعدها الاجتماعي؛ قدرتها على إنتاج سلوك يتجاوز لحظتها الزمنية. فالزيارة تنتهي، لكن ما يتعلمه الطفل خلالها يمكن أن يبقى معه في المدرسة والجامعة والعمل والأسرة والمجتمع.
إن تحويل الأطفال إلى شركاء في الخدمة يطرح أمام الأسرة مشروعاً تربوياً متكاملاً: أن نربي الطفل على أن يكون نافعاً، وأن نجعل العطاء تجربة يعيشها قبل أن يصبح قيمة يردد اسمها.
وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نقرأه خلف مشهد أمير العبيدي وبناته.
فالمسألة في جوهرها تتعلق بمن سيحمل المعنى بعدنا.
قد ينتهي الطريق، وتعود المواكب إلى أماكنها، وتختفي مظاهر الزيارة من الشوارع، لكن الطفل الذي عاش تجربة الخدمة سيعود إلى حياته اليومية وفي ذاكرته نموذج مختلف للعلاقة مع الآخر.
وعندما تكبر تلك الطفلة التي كانت توزع الألعاب اليوم، قد تصبح هي نفسها أماً تصطحب أبناءها إلى الزيارة، وتبحث لهم عن دور في الخدمة، فيتكرر المشهد بصورة جديدة.
عندها لا تكون القيم قد انتقلت عبر الكلمات، وإنما عبر الأجيال.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي الذي تطرحه زيارة الأربعين أمامنا: هل نكتفي بتوريث أبنائنا طقوس المناسبة، أم نمنحهم فرصة ليحملوا أخلاقها؟
الجواب يبدأ من مشهد صغير كهذا؛ طفلة تعطي لعبة، وأخرى تساعد طفلة، وأب يترك لهما مساحة للمشاركة.
فربما يكون مستقبل الخدمة الحسينية واقفاً اليوم بين أيدٍ صغيرة.