الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران.. تمزّق العراق
Newsweek
2026-05-25 01:11
في مقال نشرته مجلة نيوزويك يناقش الكاتب توم أوكونور، تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران على العراق، بوصفه ساحة هشّة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والدولية. ويبيّن أن العراق، رغم محاولات حكومته الحفاظ على الحياد وتجنب الانخراط المباشر، بات جزءاً من جغرافيا الحرب عبر نشاطات عسكرية واستخبارية منسوبة لإسرائيل، وهجمات تنفذها فصائل عراقية حليفة لإيران، وضغوط أميركية متزايدة على بغداد لضبط السلاح المنفلت. ويكشف عن التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية الجديدة الذي يتمثل في الموازنة بين حماية السيادة، ومنع تحول البلاد إلى ميدان مواجهة مفتوحة، والسير التدريجي نحو حصر السلاح بيد الدولة في ظل شبكة معقدة من الولاءات المسلحة والسياسية والاقتصادية.
وفيما يلي ترجمة المقال:
على الرغم من وقف إطلاق النار المستمر، فإن الصراع الذي هزّ الشرق الأوسط لا يزال يُحدث خراباً في العراق، الذي برز بوصفه واحداً من أكثر ميادين هذا الصراع نشاطاً وتعقيداً.
ففي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير تتحدث عن قواعد إسرائيلية سرية أُنشئت في غرب العراق لتكون منصات انطلاق للعمليات ضد إيران، فضلاً عن قيام ميليشيات حليفة للجمهورية الإسلامية بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة عبر الحدود ضد السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت نفسه، لا يزال المقاتلون الأكراد الإيرانيون، الذين سبق أن لوّحت لهم الولايات المتحدة وإسرائيل بإمكانية أن يكونوا حلفاء محتملين، متمركزين في شمال العراق شبه المستقل.
ويجري كل ذلك بينما تتسلم حكومة جديدة، يقودها رجل أعمال شاب وغير معروف نسبياً، هو رئيس الوزراء علي الزيدي، زمام السلطة في بلد هشّ يقترب عدد سكانه من خمسين مليون نسمة، وقد علق منذ عقود في دورة متواصلة من الصراعات.
قال علي معموري، الباحث الزميل في جامعة ديكين والمستشار السابق في الاتصالات الاستراتيجية لرئيس الوزراء العراقي، لمجلة نيوزويك:
«إن وضع العراق هش للغاية، لأنه منذ عام 2003 كان واحداً من الساحات الرئيسية التي تتجلى فيها المنافسات الإقليمية والدولية. لقد كان التنافس الأميركي ـ الإيراني حاضراً دائماً في العراق، لكن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الحالية مع إيران تجعل هذا الضعف أكثر حدة».
وأضاف معموري:
«إن التقارير التي تتحدث عن نشاط إسرائيلي في غرب العراق، وعمليات الطائرات المسيّرة التي تنفذها الميليشيات انطلاقاً من الأراضي العراقية، ووجود جماعات معارضة كردية إيرانية في الشمال، كلها تشير إلى الحقيقة ذاتها: العراق ليس خارج الحرب. إنه جزء من جغرافيتها بالفعل، حتى وإن حاولت الحكومة العراقية رسمياً أن تبقى على الحياد».
في قلب النار
إن الوضع الذي وجد العراق نفسه فيه يبعث على إحباط خاص لدى المسؤولين، بالنظر إلى المدى الذي سعت فيه بغداد إلى إبقاء البلاد خارج أتون المواجهة.
ففي مقابلة أجرتها معه نيوزويك في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قبل الانتخابات الوطنية بفترة قصيرة، تحدث رئيس الوزراء العراقي آنذاك محمد شياع السوداني بإسهاب عن إنجازه الذي كان يروّج له، والمتمثل في جعل العراق «الدولة التي تمتلك أكثر العلاقات توازناً وودية مع الولايات المتحدة وإيران»، مع سعيه إلى ترسيخ «احتكار السلاح» بيد الدولة.
ولفترة من الزمن، بدا أن هذه الاستراتيجية قد آتت ثمارها.
فعلى الرغم من أن عدداً من الميليشيات المتحالفة مع إيران، والعاملة تحت المظلة الجماعية المسماة المقاومة الإسلامية في العراق، تدخلت في حرب غزة التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 عبر استهداف القوات الأميركية وإسرائيل، فإن تلك الحملة توقفت تدريجياً، ونجا العراق من المشاهد التدميرية التي أصبحت سمة لمسارح أخرى وُجدت فيها فصائل محور المقاومة الذي تقوده إيران، ولا سيما لبنان والعراق وسوريا واليمن.
كما أيد السوداني بسرعة خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، وهي مقترح شامل بدا في البداية واعداً بإمكان خفض التوترات الإقليمية.
لكن تلك الآمال، إلى جانب الهدوء الهش في العراق، تحطمت عندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة مشتركة غير مسبوقة ضد إيران في شباط/فبراير، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. ولم يكن خامنئي، الذي خلفه ابنه مجتبى، أعلى سلطة في إيران فحسب، بل كان أيضاً شخصية دينية بارزة لدى كثير من أتباع المذهب الشيعي الاثني عشري الذي يعتنقه أغلب حلفاء الجمهورية الإسلامية.
قال حمزة حداد، الزميل المساعد في برنامج أمن الشرق الأوسط التابع لمركز الأمن الأميركي الجديد، والمستشار السابق لرئيس المصرف العراقي للتجارة، لمجلة نيوزويك:
«على الرغم من عدد الجماعات المسلحة في البلاد، من القوات الكردية إلى الفصائل الشيعية شبه العسكرية، فقد نجح العراق في البقاء خارج الحرب الإقليمية من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى شباط/فبراير 2026».
وأضاف حداد: «لكن مع مقتل المرشد الأعلى الإيراني، الذي يحمل أيضاً لقباً دينياً رفيعاً، أصبح من الصعب سريعاً على الحكومة العراقية الحفاظ على الاستقرار، إذ بادرت بعض الجماعات المسلحة ذات العلاقات الوثيقة بإيران إلى الرد عبر شن هجمات على الوجود الأميركي في العراق».
ومع أن الجيش العراقي برز قوةً قادرة منذ الأيام العصيبة لصعود تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فإن استخدام قبضة عسكرية قوية لقمع الميليشيات نفسها التي ساعدت في القتال ضد الجهاديين ينطوي على خطر إحداث اضطراب أكبر.
قال شيروان هندرين علي، مدير أبحاث الشرق الأوسط في مرصد بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة المعروف اختصاراً بـ ACLED، لمجلة نيوزويك:
«هذه الميليشيات لديها داعمون سياسيون داخل الحكومة نفسها، وتسيطر على جزء معتبر من الاقتصاد العراقي، وهي مسلحة جيداً وممولة من إيران، كما أنها مدمجة في قوات الدولة بدرجات مختلفة».
وأضاف علي: «فضلاً عن ذلك، فإن مواجهتها عسكرياً تحمل مخاطر إشعال صراع داخلي شبيه بالصراع الطائفي في العقد الأول من الألفية، أو بالحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العقد الثاني منها».
بالأرقام
منذ اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، تكبّد العراق أكثر من 80 قتيلاً، وفقاً لقوات الحشد الشعبي، وهي قوة شبه عسكرية مدعومة من الدولة تضم عدداً من الفصائل المتحالفة مع إيران، من بينها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وهي فصائل كثيراً ما تعمل بصورة مستقلة.
وهذا الرقم يضع العراق في المرتبة التالية فقط بعد إيران ولبنان، حيث عادت جماعة حزب الله، وهي من جماعات محور المقاومة، إلى المعركة إثر مقتل خامنئي. كما يتجاوز الرقم حصيلة القتلى المعلنة في إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي التي تعرضت لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة من جانب إيران.
وقد زاد تقرير نشرته نيويورك تايمز، زعم أن إسرائيل أقامت وجوداً مباشراً في العراق قبيل الصراع، من ترسيخ الانطباع بأن إسرائيل تعمل مباشرة داخل العراق، حيث للولايات المتحدة أيضاً تاريخ في تنفيذ ضربات ضد الميليشيات.
قال علي: «كان تقرير القواعد الإسرائيلية مفاجئاً، لكنه لم يكن صادماً. وفي حين لم يصدر تأكيد علني من الحكومة الإسرائيلية، فإن سجلات ACLED توثق 128 حادثة ضربات جوية أو بطائرات مسيّرة في العراق استهدفت جماعات موالية لإيران خلال المرحلة النشطة من الحرب الحالية قبل وقف إطلاق النار، وقد نفذتها إما إسرائيل أو الولايات المتحدة».
كما أدت الميليشيات العراقية دوراً مباشراً في ضرب دول مجلس التعاون الخليجي، التي تتهمها طهران وحلفاؤها بمساعدة المجهود الحربي الأميركي ـ الإسرائيلي من خلال استضافتها قواعد عسكرية أميركية.
وأظهرت بيانات ACLED التي تمت مشاركتها مع نيوزويك أكثر من 65 هجوماً أو اشتباكاً شاركت فيه ميليشيات عراقية واستهدفت دولاً في شبه الجزيرة العربية المجاورة، وكان كثير منها يتعلق بالكويت والبحرين. غير أن علي أقر في بحثه بأن هذا الرقم يُرجّح أن يكون أقل من الواقع، إذ إن «التقديرات السعودية تشير، كما ورد، إلى أن نحو نصف الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة انطلقت من العراق ونفذتها ميليشيات عراقية مدعومة من إيران».
وجاءت مجموعة جديدة من ضربات الطائرات المسيّرة في الأسبوع الماضي، استهدفت السعودية ومحطة براكة للطاقة النووية في الإمارات العربية المتحدة، لتشكل تصعيداً آخر، بينما تبادلت الولايات المتحدة وإيران إطلاق النار في مضيق هرمز على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أُعلن في نيسان/أبريل.
ومن المرجح أن تكون لهذه التداعيات آثار طويلة الأمد على مسعى بغداد لاستمالة دول مجلس التعاون الخليجي.
قال حداد: «من المهم الإشارة إلى أن العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة تضررت بسبب الهجمات بالطائرات المسيّرة المنطلقة من الأراضي العراقية باتجاه دول الخليج. فعلى الرغم من جهود العراق للتواصل مع دول الخليج، سواء عبر استضافة قمة جامعة الدول العربية عام 2025 في بغداد، أو عبر إبرام صفقات طاقة كبيرة مثل الاتفاق مع توتال إنرجيز وقطر للطاقة، فإن صبر الدول الإقليمية على الحكومة العراقية الجديدة سيكون أقل، ما يجعل المهمة المطروحة أكثر صعوبة».
وأضاف: «ولزيادة الأمور سوءاً، فإن التطور الأخير المتعلق بكشف قواعد إسرائيلية سرية في العراق سيضيف مزيداً من الضغط على الحكومة العراقية من الداخل. وعلى الرغم من وقوع انتهاكات كثيرة للسيادة العراقية في الماضي، فإن وجود الجيش الإسرائيلي يمثل مستوى جديداً من التدهور».
تحدي الزيدي
تطرح هذه الظروف تحدياً هائلاً أمام أي زعيم عراقي، ولا سيما أمام الزيدي البالغ من العمر أربعين عاماً، والذي يتعرض لضغوط من جهات متعددة، خارجية وداخلية، لإيجاد مسار ناجح إلى الأمام.
تولى الزيدي رئاسة الوزراء في 14 أيار/مايو، بعدما برز بوصفه مرشح التسوية بين الفصائل السياسية المتنافسة، على الرغم من أن كتلة السوداني خرجت من انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر بأكبر حصة من الأصوات. وكان الخيار المفضل، خصوصاً لدى القوى السياسية المتحالفة مع الميليشيات، هو رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، غير أن الولايات المتحدة رفضت ترشيحه تحت تهديد قطع أموال حيوية.
وقد واصلت واشنطن ممارسة نفوذها لدفع الزيدي إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة في تفكيك نفوذ الميليشيات، وبالامتداد نفوذ طهران، التي لديها بدورها رهانات كبيرة على مستقبل العراق.
قال علي المولوي، مدير مجموعة هورايزن الاستشارية، لمجلة نيوزويك: «تماماً مثل سلفه، ستكون لدى رئيس الوزراء الجديد قدرة ضئيلة للغاية على كبح ما يُسمى بفصائل المقاومة إذا استؤنفت الحرب مع إيران، نظراً إلى عدم وجود حل عسكري قابل للتطبيق لتفكيك هذه الجماعات».
وأضاف المولوي: «الفارق الأساسي هذه المرة هو أن رئيس الوزراء الزيدي حظي بتأييد علني من الرئيس ترامب بعد أن زكّاه توم باراك، ما يعني أن الصورة السياسية للطرفين ستكون بالغة الضرر إذا استُخدمت الأراضي العراقية مرة أخرى كساحة معركة».
وفي نهاية المطاف، يرى المولوي أن «كل ما يستطيع الزيدي فعله واقعياً هو أن يأمل في أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي بين الولايات المتحدة وإيران بشأن وقف الأعمال العدائية نصاً صريحاً يشمل الأراضي العراقية».
وقال المولوي إن مثل هذا الاتفاق «سيخلق مساحة سياسية لبغداد كي تسلك مساراً تدريجياً نحو حصر كل الأسلحة بيد الدولة».
ورأت لهيب هيغل، كبيرة محللي شؤون العراق في مجموعة الأزمات الدولية، أن «مهمة الزيدي في كبح الجماعات المدعومة من إيران ستكون أصعب مما كانت عليه بالنسبة إلى السوداني، لأن الضغط الأميركي يتصاعد، في حين أن هذه الجماعات باتت أكثر جرأة بعد الحرب».
وقالت هيغل لـ نيوزويك: «أفضل ما يمكنه فعله هو السعي إلى دعم واسع بين الأحزاب الشيعية لنزع سلاح الجماعات التي تعمل خارج قيادة الدولة ودمجها. قد تدخل بعض الجماعات في هذه العملية إذا ضُمنت لها النجاة السياسية. أما جماعات أخرى فسترفض، وفي هذه الحالة قد تصبح المواجهة أمراً لا مفر منه».
وأضافت: «أي رئيس وزراء سيسعى إلى تجنب تلك النتيجة. لكن إذا تصاعدت الأعمال العدائية مرة أخرى، فإن الولايات المتحدة لن تتردد في استهداف هذه الجماعات».
وتتزايد المخاوف من مثل هذا التصعيد مع استمرار تعثر المفاوضات. وقد أعلن ترامب قراره عدم حضور حفل زفاف ابنه دونالد جونيور في نهاية هذا الأسبوع، مستشهداً بـ «ظروف تتعلق بالحكومة» وبـ «حبه للولايات المتحدة الأميركية».
وإذا استأنفت الولايات المتحدة ضربات واسعة النطاق ضد إيران، فإن الأزمة ستصبح أكثر خطورة بالنسبة إلى العراق. فمن المرجح أن تعمّق شبكة حلفاء إيران من الميليشيات العراقية تدخلها، وهي واحدة من أهم مكونات محور المقاومة، ولا سيما بعد أن أدى سقوط الرئيس السوري بشار الأسد إلى قطع الروابط الجغرافية مع حزب الله.
قال معموري: «الخطر الأكثر جدية هو أنه إذا اشتعل الصراع بالكامل مجدداً عبر حدود العراق، فإن الجماعات المتحالفة مع إيران في العراق لن تبقى سلبية. إن روابط إيران بالميليشيات والفصائل السياسية العراقية عميقة وتاريخية ومؤسسية. ولا يمكن قطع هذه الروابط بسرعة، خصوصاً في زمن الحرب. بل إن الحرب عادة ما تعزز مثل هذه التحالفات، لأن الجماعات التي ترى نفسها جزءاً من المعسكر الاستراتيجي نفسه تميل إلى رص الصفوف تحت الضغط».
وأضاف: «هذا يخلق تهديداً كبيراً لاستقرار العراق. فالولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى هذه الميليشيات بوصفها جزءاً من محور المقاومة، وبالتالي بوصفها أهدافاً مشروعة. أما إيران فتنظر إليها بوصفها خط دفاع متقدماً. وفي المقابل، يفتقر العراق إلى القوة المؤسسية اللازمة للسيطرة عليها أو كبحها بالكامل. وهذا يعني أن العراق قد يتحول بسهولة إلى ساحة معركة مباشرة مرة أخرى، حتى لو لم تكن بغداد تريد هذه النتيجة».