نهاية محور إبراهيم
الخليج العربي وإسرائيل لديهما رؤيتان مختلفتان لشرق أوسط جديد
Foreign Affairs
2026-05-09 02:54
في مقال «مجلة فورين افيرز الامريكية»، يرى الكاتب إتش. إيه. هيلير، أن الحرب على إيران كشفت عمق التباين بين حسابات دول الخليج ورؤية إسرائيل للمنطقة. فبينما تسعى إسرائيل إلى نظام إقليمي يقوم على تفوقها العسكري وحرية تحركها، باتت دول الخليج أكثر اقتناعاً بأن هذه الرؤية تعرض أمنها ومصالحها للخطر، ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التنسيق الخليجي الداخلي.
وفيما يلي ترجمة المقال:
في ربيع عام 2024، هاجمت إيران الأراضي الإسرائيلية مباشرة للمرة الأولى، فأطلقت أكثر من 300 طائرة مسيّرة وصاروخ على خصمها. وسرعان ما اعترضت القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية والأردنية تلك الهجمات. وكانت الرسالة واضحة في عواصم الخليج: عندما تهاجم إيران إسرائيل، فإن الرد الذي تقوده الولايات المتحدة سيكون فورياً وجماعياً. لكن سؤالاً محرجاً وغير معلن ظل عالقاً: ماذا سيحدث إذا هاجمت إيران الخليج؟
وقد أُجيب الآن عن ذلك السؤال. فعندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير/شباط ـ وهي حرب ضغطت حكومات الخليج لمنعها ـ ردّت إيران بضرب مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومحطات تحلية مياه في دول الخليج العربية. وعلى الرغم من أن القوات الأميركية ساعدت في اعتراض بعض الهجمات على دول الخليج العربية، فقد وقع الضرر بسمعة المنطقة بوصفها ملاذاً آمناً للأعمال العالمية، وهذا بلا شك كان قصد النظام الإيراني. كما أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، فحجبت صادرات البحرين والكويت وقطر بالكامل، وعرقلت صادرات عُمان والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
على مدى نحو عقد من الزمن، حافظت دول الخليج على أمنها بمحاولة الظهور بمظهر الحياد في المواجهات التي تشمل إيران، وبناء علاقات دفاعية عميقة مع واشنطن، والإبقاء على قناة اتصال مفتوحة مع طهران لمنع التصعيد العسكري. لكن حكومات الخليج تعيد الآن النظر في هذه الاستراتيجيات الثلاث، إن لم تكن بصدد التخلي عنها.
كما أنها ترفض افتراضاً تتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل، مفاده أن دول الخليج يمكن دمجها في بنية أمنية إقليمية قائمة على الهيمنة الإسرائيلية؛ أي بنية تحتفظ فيها إسرائيل بتفوق عسكري حاسم على جيرانها، وحرية عمل عبر الحدود، وقدرة على فرض شروط يتعين على الآخرين التكيف معها. وقد بدا مثل هذا الترتيب منطقياً لقادة الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فإسرائيل ودول الخليج العربية متحدتان في معارضتهما للبرنامج النووي الإيراني ولحلفاء إيران المزعزعين للاستقرار في العراق ولبنان واليمن. ومن خلال العمل معاً، تستطيع إسرائيل وحكومات الخليج ردع عدوها المشترك.
لكن الحرب الحالية في إيران أوضحت أن تطلعات إسرائيل إلى الهيمنة الإقليمية تضع الخليج في دائرة الخطر. فإسرائيل مستعدة أكثر من اللازم لشن حرب استباقية كي تحقق ما تريد، ومرتاحـة أكثر من اللازم لتجاهل مصالح الدول المجاورة. وقد بات كثير من قادة الخليج مصممين الآن على إيجاد طرق بديلة لحماية أنفسهم. ولن يكون من السهل إنشاء نظام إقليمي جديد، لكن قادة الخليج بدأوا بالفعل تنويع موردي السلاح وشراكاتهم الأمنية. ولكي يكون لهم رأي أكبر فيما يحدث لهم، سيحتاجون أيضاً إلى تنسيق أفضل فيما بينهم، عسكرياً ودبلوماسياً.
عدو عدوي
أصبحت اتفاقات التطبيع إحدى الآليات التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها إدخال حكومات الخليج في نظام إقليمي مبني على فكرة أن إسرائيل ينبغي أن تتمتع بهيمنة دائمة على جيرانها. فعلى مدى عقود، تعهدت جميع دول الخليج بأنها لن تعترف رسمياً بإسرائيل إلا إذا انسحبت من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الواقع، عززت جميع الدول العربية هذا الالتزام بتوقيع مبادرة السلام العربية عام 2002، وبتأييد تلك المبادرة في السنوات اللاحقة.
لكن خلال العقد الأخير، طبّعت بعض دول الخليج علاقاتها مع إسرائيل، أو فكرت في ذلك، مع الالتفاف على قضايا تقرير المصير الفلسطيني، الأمر الذي حرم القادة الفلسطينيين من ورقة ضغط مهمة. وبالنسبة إلى دول مثل الإمارات العربية المتحدة، جاء التطبيع مصحوباً بإتاحة الوصول إلى تكنولوجيا عسكرية أميركية وإسرائيلية متقدمة، وصفقات تجارية مع إسرائيل، وفرصة للاندماج بصورة أعمق في البنية الأمنية الإقليمية لواشنطن. فعلى سبيل المثال، وافقت إدارة ترامب الأولى على بيع مقاتلات إف-35 للإمارات لتحلية صفقة التطبيع مع إسرائيل. وقد تعثرت الصفقة لاحقاً في عهد إدارة بايدن، لكن اتفاق التطبيع مضى قدماً. وكانت الولايات المتحدة أيضاً تجري محادثات مع السعودية لتوقيع اتفاق دفاعي بشرط أن تطبّع الرياض علاقاتها مع إسرائيل.
ومع ذلك، فإن حتى العواصم الخليجية التي كانت مستعدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل لم تتبنَّ قط فكرة أنها تستطيع دعم الهيمنة الإسرائيلية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فقد كانت علاقات إسرائيل سيئة أصلاً مع كثير من الدول العربية، ثم جاء ردها على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليزيد تآكل مكانتها في المنطقة. فقد قتلت إسرائيل أكثر من 70 ألف فلسطيني في حملتها على غزة، واتجهت إلى ضم الضفة الغربية، وقصفت لبنان وسوريا، ونفذت توغلات في كلا البلدين. وفي سبتمبر/أيلول 2025، انتهكت إسرائيل السيادة القطرية بشن ضربات قاتلة على منزل في الدوحة. وكان هدفها قتل أعضاء من حماس كانوا هناك للمشاركة في مفاوضات بوساطة أميركية.
بالنسبة إلى قادة الخليج، تمثل الحرب في إيران أحدث دليل، وربما أوضحه، على أن مصالحهم لا تتوافق مع مصالح إسرائيل. ويعتقد كثير منهم أن إسرائيل أقنعت إدارة ترامب بمهاجمة إيران في 28 فبراير/شباط، الأمر الذي أجبر دول الخليج في النهاية على دفع ثمن حرب لم تكن تريدها أصلاً. ففي الأشهر التي سبقت النزاع، نصحت حكومات الخليج الولايات المتحدة بالامتناع عن مهاجمة إيران، وبالتفاوض بدلاً من ذلك مع القادة الإيرانيين. وقد أوضحت دول الخليج، علناً ومن خلال قنوات خلفية، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها منصة انطلاق ضد إيران. وفي الواقع، عملت لسنوات على تحسين العلاقات مع إيران لمنع التصعيد. فالرياض، على سبيل المثال، وقعت اتفاق تهدئة مع طهران في عام 2023، بعد ما يقرب من عقد من التوترات.
لكن هذه الجهود لم تتحول إلى حماية من الضربات الإيرانية. ففي غضون ساعات من الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية الأولى، هاجمت إيران كل دولة خليجية. وما كان مهماً بالنسبة إلى طهران لم يكن نية حكومات الخليج، ولا ما إذا كانت الضربات الأولى قد انطلقت من أراضٍ خليجية، بل موقع دول الخليج داخل بنية أمنية ترى طهران أنها تتيح العمليات الأميركية والإسرائيلية. فالحياد الذي لا تعترف به الأطراف المعنية يصبح، عملياً، غير قابل للتطبيق، حتى لو كان معروضاً بصدق. وبالنسبة إلى إيران، لا يمكن لدول الخليج أن تكون محايدة إذا كانت تستضيف قواعد أميركية، وتتدرب بشكل مشترك مع الجيش الأميركي، وتشتري أسلحة أميركية.
ومع تحول النزاع إلى حرب استنزاف، انقسمت دول الخليج إلى ثلاثة معسكرات عامة. يعكس نهج عُمان ضبط النفس بأوضح صورة. فعلى الرغم من الضربات الإيرانية على ميناء الدقم، هنأت مسقط رسمياً المرشد الأعلى الجديد لإيران، الذي تولى منصبه بعد مقتل سلفه في ضربات أميركية ـ إسرائيلية، وأصدرت بياناً يدين الهجمات من جميع الأطراف المتحاربة. أما الإمارات العربية المتحدة، التي واجهت أكبر حجم من الضربات الإيرانية بين دول الخليج، فيبدو أنها خلصت إلى أن جهودها الكثيرة لإعادة الانخراط مع طهران قبل الحرب كانت في نهاية المطاف بلا جدوى. فقد حظرت دخول معظم حاملي جوازات السفر الإيرانية إلى أراضيها أو عبورهم عبرها، وأشارت إلى انفتاحها على الانضمام إلى الجهود العسكرية الأميركية لتأمين مضيق هرمز، وأوضحت نيتها تعميق العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أما البحرين، التي طبّعت هي الأخرى علاقاتها مع إسرائيل، فقد اصطفّت عموماً مع الموقف الإماراتي الأكثر حزماً. واتخذت الكويت وقطر والسعودية نهجاً يقع بين نهجي عُمان والإمارات.
هذه التباينات ليست جديدة. فهي تعكس اختلافات طويلة الأمد في إدراك التهديد ومستوى تقبل المخاطر، إضافة إلى الخصومات داخل الخليج. كما تنبع هذه التباينات من أن حكومات الخليج تعاني، في بعض النواحي، صراعاً داخلياً بشأن ما تريده للمرحلة المقبلة. فالقادة حريصون بشدة على إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الأعمال إلى مسارها المعتاد. لكنهم يخشون أيضاً أنه إذا تُركت إيران في حالتها الراهنة، فستظل راغبة وقادرة على ضرب الخليج في المستقبل. وقد بلغت وحدة دول الخليج تاريخياً ذروتها خلال الأزمات الحادة، ونادراً ما امتدت إلى اصطفاف استراتيجي طويل الأمد. لكن هذه الأزمة الأخيرة كشفت أسئلة أكثر جوهرية بشأن أمن الخليج من أي أزمة حديثة أخرى.
الذهاب نحو التعددية
قد تكون الهجمات الإيرانية محفزاً لدول الخليج كي تتجاوز خلافاتها وتبني بنية أمنية خاصة بها. فعلى مدى عقود، دافعت هذه الدول عن نفسها من خلال مقايضة مع واشنطن: إذ قدمت دول الخليج للولايات المتحدة الطاقة ورأس المال والقواعد العسكرية، مقابل افتراض ضمني على الأقل بالحماية، يستند إلى خليط من الوثائق القانونية. وقد صنف المسؤولون الأميركيون البحرين والكويت والسعودية باعتبارها “حلفاء رئيسيين من خارج الناتو”. وتتيح عُمان للولايات المتحدة الوصول إلى مطارات عسكرية مختلفة بموجب اتفاق منشآت يعود إلى عام 1980؛ وتستضيف البحرين الأسطول الخامس الأميركي بموجب اتفاق عام 1991. وبعد أن قصفت إسرائيل قطر في عام 2025، وقعت إدارة ترامب أمراً تنفيذياً يلتزم بدفاع الولايات المتحدة عن قطر. وعلى الرغم من أن أياً من هذه الترتيبات لا يُلزم الولايات المتحدة قانونياً بالدفاع عن شركائها بالقوة، فإنها خلقت توقعاً معقولاً بتقديم المساعدة ضد العدوان الخارجي.
منذ أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2011 نيته “التحول نحو آسيا”، شعرت دول الخليج بالقلق من أن دعم الولايات المتحدة لدفاعها سيتراجع. ومع ذلك، لا تستطيع حكومات أخرى أن توفر أمن الخليج كما تفعل واشنطن. فالمنطقة تعتمد على الولايات المتحدة في الأسلحة والطائرات والسفن البحرية والصيانة والتدريب، والأهم من ذلك في التكنولوجيا العسكرية الأكثر تقدماً.
ولذلك، عندما يهدأ الغبار في الشرق الأوسط، ستجد حكومات الخليج نفسها أمام خيارات قليلة جيدة. فهي لن ترضخ للمطالب الإيرانية بطرد القواعد الأميركية أو التخلي عن التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لأنها لا تملك وسيلة أخرى، على المدى المتوسط، للدفاع عن نفسها، كما أن سلوك إيران نفسه يثبت أنها تحتاج إلى الحماية. وفي عموم دول الخليج، فإن العداء لإيران حقيقي، ومتجذر فيما فعلته طهران وحلفاؤها في العراق ولبنان واليمن، وتفاقم بفعل الضربات المباشرة الأخيرة على الأراضي الخليجية. ومن المرجح أن يعتمد كثيرون شكلاً أكثر عدوانية من احتواء إيران. لكن دول الخليج لا تريد أيضاً السير مع خطط إسرائيل للمنطقة. فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يعتقد أن الحرب ستغير “ميزان القوى في الشرق الأوسط”، بل طرح فكرة بناء خطوط أنابيب عبر شبه الجزيرة العربية إلى الموانئ الإسرائيلية كوسيلة لتجاوز مضيق هرمز.
معظم دول الخليج لن تبني أمنها على أساس الهيمنة الإسرائيلية، لأنها ترى إسرائيل تهديداً لا يقل عن إيران، إن لم يكن مساوياً لها على الأقل. فمنذ عام 2023، غزت إسرائيل جيرانها مراراً، واحتلت مزيداً من الأراضي في لبنان وسوريا. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، وخلصت الرابطة العالمية الأبرز لعلماء الإبادة الجماعية إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في الأرض المحتلة.
وقد قلب العدوان الإسرائيلي المنطقة رأساً على عقب، كما أن إسرائيل لا تحظى بشعبية إلى حد يجعل التعاون معها غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى معظم قادة الخليج. وحتى قبل أن تؤدي الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى دمار في الخليج، قال وزير خارجية عُمان إن “إسرائيل ـ لا إيران ـ هي المصدر الرئيسي لانعدام الأمن في المنطقة”. ولا توجد شهية تُذكر للانضمام إلى نظام إقليمي تهيمن عليه إسرائيل، وإن كانت الإمارات مستعدة لتعميق التعاون العملياتي مع إسرائيل رداً على تهديدات محددة. ويرى كثير من مواطني الخليج أن تطلعات إسرائيل للهيمنة الإقليمية تتعارض جذرياً مع سيادتهم، وهي بُعد قلّل من شأنه باستمرار أولئك الذين تعاملوا مع التطبيع الخليجي ـ الإسرائيلي باعتباره بديلاً عن حل القضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من أن دول الخليج ستزيد على الأرجح تعاونها مع الولايات المتحدة بسبب هشاشتها أمام مزيد من الهجمات، فإنها لا ترى واشنطن ضامناً أمنياً وحيداً على المدى الطويل، بسبب علاقتها الوثيقة بإسرائيل، وتجاهلها مصالح الخليج، وفشلها في ردع إيران بفاعلية، وسجلها الضعيف في حماية دول الخليج. ونتيجة لذلك، تنوع حكومات الخليج شراكاتها. ففي عام 2024، أنشأت الإمارات مشاريع مشتركة مع شركات تركية مصنّعة للطائرات المسيّرة. وفي العام الماضي، وقعت السعودية وباكستان اتفاق دفاع متبادل.
وتبدأ حكومات الخليج أيضاً البحث عن بدائل للمعدات الأميركية: مقاتلات تركية، وأنظمة دفاع صاروخي كورية جنوبية، وطائرات مسيّرة أوكرانية، وصواريخ اعتراض باتريوت يابانية، وصواريخ بريطانية منخفضة التكلفة مضادة للطائرات المسيّرة. وفي أبريل/نيسان، قال رئيس المجلس الأوروبي إن أوروبا “شريك موثوق لدول الخليج” و“مستعدة للمساهمة”. ويتفاوض الاتحاد الأوروبي على اتفاق تجارة حرة مع الإمارات، ويمكنه بيع تكنولوجيا الطائرات المسيّرة للخليج. ومن المرجح أن تسعى دول الخليج إلى عقد صفقات اقتصادية وتكنولوجية مع الصين، لكنها ستتجنب الضمانات الدفاعية الصريحة كي لا تتجاوز الخطوط الحمراء الأميركية. ومن خلال امتلاك مزيد من الشركاء الذين يمكن اللجوء إليهم، ستحصل دول الخليج على نفوذ أكبر في التعامل مع أي دولة بعينها.
النادي الخليجي
لكن كما قالت صحيفة “عُمان ديلي أوبزرفر”، فإن “الاعتماد على الضمانات الخارجية، مهما كانت قوية، لا يمنح دول الخليج سيادة حقيقية على أمنها”. ولذلك، ولكي تنتزع دول الخليج استقلالية حقيقية، ستحتاج إلى تعزيز الروابط الدفاعية فيما بينها؛ فعلى سبيل المثال، من خلال تبادل بيانات رادارات الإنذار المبكر، وتنسيق الدفاعات الجوية، وتجميع مخزونات مشتركة من تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة. وعلى الورق، يمتلك مجلس التعاون الخليجي، وهو هيئة تضم الدول الخليجية الست، قيادة عسكرية موحدة، لكن الخصومات بين أعضائه حالت دون تحقيق اندماج دفاعي فعلي.
ينبغي للخليج أيضاً تحسين صناعاته الدفاعية المحلية، مع التركيز خصوصاً على الدفاع الجوي. وقد بذلت السعودية والإمارات بالفعل جهوداً لتأسيس شركات دفاعية مملوكة للدولة، مثل الشركة السعودية للصناعات العسكرية، التي تهدف إلى توطين 50 في المئة من الإنفاق العسكري للمملكة بحلول عام 2030، ومجموعة “إيدج”، وهي تكتل إماراتي بدأ بالفعل إنتاج أعداد كبيرة من الذخائر الموجهة بدقة. لكن طوال الحرب، واجهت دول الخليج نقصاً حاداً في صواريخ الاعتراض، وهو نقص لا تستطيع أي صناعة محلية سده حتى الآن. وتحتاج دول الخليج أيضاً إلى التكتل دبلوماسياً كي تمتلك ما يكفي من الوزن، وما يكفي من النفوذ على واشنطن، للتأثير في القرارات التي تحدد مصيرها.
لطالما صاغت واشنطن استراتيجيتها الإقليمية حول الادعاء بأن أمن إسرائيل وأمن الخليج متكاملان، وأن التطبيع المدعوم أميركياً ينتج الاستقرار. لكن العام الماضي كشف خواء هذا الافتراض. فالفجوة بين رؤية نتنياهو لشرق أوسط مُعاد تشكيله وطموحات الدول العربية أوسع بكثير من أن تُجسر. وما تريده دول الخليج هو نظام أمني يأخذ مصالحها على محمل الجد وفق شروطها هي، لا بوصفها ملحقاً بطموحات إسرائيل أو إيران.