الشرق الأوسط أمام فريقين متنافسين جديدين

المنافسة بين التحالفات الإبراهيمية والإسلامية تعيد تشكيل المنطقة

FOREIGN POLICY

2026-01-29 03:40

في هذا المقال الذي نشرته مجلة فورين بوليسي الامريكية، يطرح فراس مقصود، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "أوراسيا غروب"، رؤية تحليلية جديدة للمشهد الإقليمي، معتبراً أن الخطر الإيراني لم يعد المحرك الأساسي للأحداث. بدلاً من ذلك، يشير إلى بزوغ منافسة شرسة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بين كتلتين حليفتين لواشنطن: "تحالف إبراهيمي" تقوده إسرائيل والإمارات بـنزعة "تغييرية"، و"تحالف إسلامي" موازن تتزعمه السعودية وتركيا للحفاظ على الهياكل القائمة، موضحاً كيف يضع هذا التنافس الولايات المتحدة أمام تحديات معقدة لإدارة حلفائها المتخاصمين.

وفيما يلي ترجمة المقال:

إن هيمنة إيران الأخيرة على العناوين الرئيسية القادمة من الشرق الأوسط، وسط حملتها القمعية العنيفة ضد المتظاهرين والتكهنات حول ضربات عسكرية أمريكية محتملة، تحجب تحولاً إقليمياً أكثر أهمية. لم تعد طهران فاعلاً رئيسياً في صياغة المسار الاستراتيجي للمنطقة. بدلاً من ذلك، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تحددها المنافسة بين كتلتين صاعدتين: تحالف إبراهيمي وتحالف إسلامي. وإن كيفية تطور هذا التنافس ــ بدلاً من الخطوة التالية لإيران ــ هو ما سيحدد مستقبل المنطقة والدور الأمريكي فيها بشكل أكبر.

وعلى الرغم من أنها لا تزال دون مستوى التحالفات الرسمية، إلا أن هاتين الكتلتين تزدادان ترابطاً. يتمحور الجانب الأول حول إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ويمتد ليشمل المغرب واليونان وحتى الهند. ويتبنى هذا المعسكر توجهاً "تغييرياً" (revisionist)، حيث يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة من خلال القوة العسكرية، والتعاون التكنولوجي، والتكامل الاقتصادي. يشترك أعضاؤه الأساسيون في الاعتقاد بأن النظام الشرق أوسطي الحالي قد فشل في وقف مد الإسلام السياسي المسلح، سواء في شكله الشيعي المدعوم من إيران أو نسخته السنية المدعومة من تركيا وقطر. وهم يفترضون أن الاستقرار الدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التدخل في صراعات المنطقة المختلفة لدعم قوى ذات توجهات علمانية أكثر. واستغلالاً لرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توسيع "اتفاقيات أبراهام"، تعطي هذه الدول الأولوية لتوسيع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي ــ بغض النظر عن التقدم نحو تقرير المصير للفلسطينيين أو قبول إسرائيل بحل الدولتين.

هذا التحالف الإبراهيمي في صعود. فقد أعادت الحملات العسكرية الإسرائيلية التي تلت هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 الردع المفقود وعززت قدرتها على استعراض القوة. وفي الوقت نفسه، واصلت الإمارات العربية المتحدة، التي يطلق عليها لقب "إسبرطة الصغيرة"، استغلال نفوذها الاقتصادي ومرونتها الدبلوماسية لتوسيع بصمتها إلى ما هو أبعد من الخليج. ويشتبه خبراء الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية في تزويدها بالأسلحة لقوات الدعم السريع في السودان، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والرجل القوي في ليبيا خليفة حفتر.

وقد برزت اليونان كشريك رئيسي في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تتعاون مع إسرائيل في التدريبات العسكرية ومبادرات الطاقة لمواجهة تركيا، المنافس الاستراتيجي المشترك. وإلى الشرق الأبعد، منح انخراط الهند المتزايد مع إسرائيل والإمارات ــ سواء بشكل ثنائي أو من خلال أطر متعددة الأطراف مثل مجموعة (I2U2) والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ــ هذه الكتلة عمقاً استراتيجياً يمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط نفسه.

في المقابل، يقف التحالف الإسلامي معارضاً للمحور الإبراهيمي، وهو محاولة لإيجاد توازن بقيادة المملكة العربية السعودية، إلى جانب تركيا وباكستان وقطر، وبشكل أكثر حذراً، مصر. وتنظر هذه الدول إلى المحور الإسرائيلي-الإماراتي باعتباره مزعزعاً للاستقرار بشكل عميق. وهي تجادل بأن دعم التحالف الإبراهيمي للقوى الانفصالية يؤدي إلى تفاقم التفتت في مناطق الصراع بالمنطقة. وهم ينظرون إلى سردية "التصدي للقوى الإسلامية" باعتبارها ذريعة لخدمة المصالح الذاتية وبسط النفوذ. وتتمثل أفضليتهم في الحفاظ على الهياكل القائمة والعمل من خلالها، مهما كانت غير مثالية. وسواء في اليمن أو السودان أو غيرهما، فإنهم يدعمون دولاً ضعيفة ومحطمة تكافح لممارسة سيادتها والحفاظ على سلامة أراضيها.

في العام الماضي، تحركت المملكة العربية السعودية لتعزيز العلاقات الدفاعية مع باكستان، وأضفت الطابع الرسمي على اتفاقية أمنية مشتركة بعد غارة جوية إسرائيلية غير مسبوقة على قطر المجاورة. كما توسع تعاونها العسكري مع تركيا بشكل كبير، ويبدو أن اتفاقية دفاعية أكثر رسمية تلوح في الأفق. كما تجري مصر، القلقة من النشاط الإماراتي والإسرائيلي في القرن الأفريقي، مناقشات مع الرياض حول تنسيق أوثق في السودان والصومال. وتشكل هذه الدول معاً الآن ثقلاً موازناً فضفاضاً ولكنه متنامٍ يمتد عبر المحور الشرقي-الغربي للمنطقة.

في قلب إعادة الاصطفاف هذه يكمن الخلاف الثنائي الأكثر أهمية في الشرق الأوسط اليوم: التنافس المتزايد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فبعد أن كانت القوتان الخليجيتان شريكتين لا تكادان تفترقان، أصبحتا الآن متنافستين استراتيجيتين. وقد تم التأكيد على تباينهما مؤخراً في اليمن، حيث ضربت المملكة العربية السعودية ميناء المكلا لوقف عمليات نقل الأسلحة الإماراتية. وقد سادت الرياض، مما أجبر الإمارات على الانسحاب ــ لكن اليمن ليس سوى ساحة واحدة في صراع أوسع.

إذا تُرِك التنافس السعودي الإماراتي دون إدارة، فقد يتصاعد من حروب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة. وقد ينحدر إلى قيود على المجال الجوي، وإغلاق الحدود، وانسحاب إماراتي من المؤسسات التي تهيمن عليها السعودية مثل "أوبك بلس". وفي الواقع، صدرت مثل هذه التهديدات بالفعل عن كبار المسؤولين. ومن شأن هذه الخطوات التي لم يكن من الممكن تصورها سابقاً أن تربك أسواق الطاقة، وتعطل السفر الإقليمي، وتؤثر بشكل كبير على القدرة على إدارة الأعمال التجارية عبر الحدود.

حتى الآن، ساعدت الدبلوماسية الخليجية الهادئة في احتواء الصدام، لكن التباين الأساسي هو تباين هيكلي، وليس عرضياً، وليس مجرد خلاف شخصي بين الرجلين القويين في كلا البلدين. إنه جزء أساسي من الهيكلية الإقليمية الجديدة ونتيجة لها أيضاً.

كما أن المنافسة بين التحالفين الإبراهيمي والإسلامي تعقّد أحد أهداف السياسة الخارجية الرئيسية لواشنطن: التطبيع السعودي الإسرائيلي. لا تزال الرياض ترى قيمة في صفقة توفر لها التزاماً تعاقدياً بأمنها من قبل الولايات المتحدة مقابل دمج إسرائيل بشكل كامل في النظام الإقليمي. ولكن في غياب تغييرات ذات مغزى في السياسة الإسرائيلية ــ لا سيما بشأن غزة والضفة الغربية ــ فمن المرجح أن تواصل المملكة التقارب مع تركيا وباكستان والابتعاد أكثر عن إسرائيل.

بالنسبة للولايات المتحدة، لن يكون التحدي الاستراتيجي الرئيسي لها هو مواجهة إيران، التي يبدو نظامها مصاباً بجروح قاتلة ومحورها الإقليمي متدهوراً بشدة. بل يتمثل التحدي في إدارة المنافسة الضارة بين شركائها لمنع المزيد من التفتت. وتزداد مهمتها تعقيداً بسبب الانقسامات داخل واشنطن نفسها، حيث يختلف كبار مسؤولي الإدارة فيما بينهم ويُشتبه في أن لديهم مصالح تجارية مستقلة في المنطقة. وقد كانت النتيجة نهجاً يتسم بعدم التدخل بدلاً من أي جهد جاد من قبل الإدارة الأمريكية للتوسط.

لتحقيق اختراق تاريخي في الشرق الأوسط، سيحتاج ترامب إلى القيام بأمرين. أولاً، سيتعين على الرئيس إدارة المنافسات بين شركاء أمريكا وكذلك بين مساعديه بشكل أكثر فاعلية. وإن تعيين مبعوث خاص مسؤول عن تنفيذ نهج منسق واحد تجاه المنطقة من شأنه أن يحقق الأمرين. ثانياً، سيحتاج إلى الحفاظ على مسار قابل للتطبيق نحو التطبيع السعودي الإسرائيلي من خلال تشكيل النتائج السياسية في القدس بعد الانتخابات التشريعية في وقت لاحق من هذا العام. فمن الضروري ألا تكون الحكومة الإسرائيلية القادمة رهينة لأقلية متطرفة عازمة على منع تقرير المصير للفلسطينيين خدمةً لمعتقداتهم الخلاصية (المسيحانية).

المملكة العربية السعودية هي "الدولة المتأرجحة" الرئيسية في الشرق الأوسط. والسياسة السعودية، كما وصفها لي أحد كبار مسؤوليها، هي سياسة براغماتية وليست أيديولوجية ــ تسترشد بـ "أقصى قدر من المرونة في وقت يتسم بأقصى قدر من عدم اليقين".

إذا نجح ترامب في تحقيق التطبيع السعودي الإسرائيلي قبل مغادرة منصبه، فلا يزال بإمكانه توجيه الرياض والمنطقة بعيداً عن مسار التنافس الحالي. ويمكنه دمج التحالفين الإبراهيمي والإسلامي تحت الخيمة الأمريكية الكبيرة في الشرق الأوسط وتثبيت النظام الإقليمي لمرحلة ما بعد إيران تحت السيادة الأمريكية لعقود قادمة.

* فراس مقصود هو المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا وزميل مشارك في معهد الشرق الأوسط.

ذات صلة

لماذا سوَّدوا وجهَ التاريخمركز الفرات ناقش.. تشكيل الحكومة العراقية بين الضغوط الاميركية والنفوذ الإيرانيأزمة ترشيح المالكي والصدام المحتمل مع واشنطنلماذا لا يعود المسؤول العراقي إلى حياته الطبيعية بعد انتهاء منصبه؟تآكل الدولار.. وإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للاقتصاد