لَيْلَةُ القَدْرِ مِعْرَاجُ الرُّوحِ وَتَجَلِّي السَّكِينَةِ

فِي خِطَابَاتِ السَّيِّدِ مُرْتَضَى الشِّيرَازِيِّ

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

2026-03-12 06:00

 بَسَطَ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مَائِدَةً لَا يُسْفِرُهَا إِلَّا مَرَّةً فِي العَامِ؛ وَهَذِهِ المَائِدَةُ جَعَلَهَا لِلْقَانِعِ وَالمُعْتَرِّ، لِلْعَابِدِ وَالعَاصِي، لِلطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْهَا أَحَدٌ. وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهَا عَلَى جَمِيعِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ؛ مِنْ نُزُولِ كِتَابِهِ المَجِيدِ فِيهَا، وَتَقْدِيرِ المَقَادِيرِ، وَتُعَدُّ لَيْلَةُ القَدْرِ الغُرَّةَ البَهِيَّةَ فِي جَبِينِ الزَّمَانِ، وَالمَحَطَّةَ الأَسْمَى الَّتِي تَتَلَاقَى فِيهَا فُيُوضَاتُ السَّمَاءِ بِتَطَلُّعَاتِ الأَرْضِ. فَهِيَ لَيْسَتْ لَحْظَةً زَمَنِيَّةً عَابِرَةً فِي تَقْوِيمِ الأَيَّامِ، بَلْ هِيَ مِيقَاتٌ رَبَّانِيٌّ مُقَدَّسٌ، اخْتَصَّهُ اللهُ -عَزَّوَجَلَّ- بِتَنَزُّلِ مَلَائِكَتِهِ، وَجَعَلَهُ وِعَاءً لِأَعْظَمِ حَدَثٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ؛ وَهُوَ نُزُولُ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

 إِنَّ الغَوْصَ فِي دَلَالَاتِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَكْشِفُ عَنْ مَنْظُومَةٍ عَمِيقَةٍ مِنَ المَعَانِي الإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ؛ حَيْثُ يَتَجَسَّدُ فِيهَا لُطْفُ الخَالِقِ بِعِبَادِهِ، فَيَمْنَحُهُمْ فُرْصَةً لِتَصْحِيحِ المَسَارِ، وَتَقْدِيرِ مَصَائِرِهِمْ نَحْوَ الصَّلَاحِ وَالفَلَاحِ. وَفِي هَذَا المَقَالِ، سَنُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى فَلْسَفَةِ "القَدْرِ" فِي مَنْبَعِهَا الرُّوحِيِّ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ النُّورَانِيَّةِ لِبِنَاءِ الذَّاتِ وَتَحْقِيقِ الصَّفَاءِ الوِجْدَانِيِّ. 

وتُمَثِّلُ لَيْلَةُ القَدْرِ فِي فِكْرِ سَمَاحَةِ السَّيِّدِ مُرْتَضَى الشِّيرَازِيِّ مَحَطَّةً جَوْهَرِيَّةً لِلتَّغْيِيرِ الحَضَارِيِّ وَالذَّاتِيِّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زَمَانٍ لِلْعِبَادَةِ الطَّقْسِيَّةِ المَحْضَةِ، بَلْ هِيَ "مَنْظُومَةٌ تَكَامُلِيَّةٌ" تَرْبِطُ السَّمَاءَ بِالأَرْضِ، وَتُعِيدُ صِيَاغَةَ هُوِيَّةِ الإِنْسَانِ المُؤْمِنِ.

أَوَّلًا: الفَلْسَفَةُ الوُجُودِيَّةُ لِلَّيْلَةِ

 لَيْلَةُ القَدْرِ فِي المَنْظُورِ المَعْرِفِيِّ وَالإِسْلَامِيِّ ذِرْوَةَ التَّلَاقِي بَيْنَ الزَّمَانِ المَحْدُودِ وَالأَبَدِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وَمِنْ هُنَا، تَنْبَثِقُ "الفَلْسَفَةُ الوُجُودِيَّةُ" لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ بِاعْتِبَارِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذِكْرَى سَنَوِيَّةٍ، بَلْ هِيَ فِعْلُ "تَخْلِيقٍ مُسْتَمِرٍّ" لِكَيَانِ الإِنْسَانِ وَمَصِيرِهِ.

- الزَّمَانُ النَّوْعِيُّ وَقِيمَةُ الوُجُودِ

 تَقُومُ فَلْسَفَةُ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلَى كَسْرِ رَتَابَةِ الزَّمَانِ الخَطِّيِّ؛ فَهِيَ لَيْلَةٌ تَخْتَزِلُ (أَلْفَ شَهْرٍ)، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ القِيمَةَ الوُجُودِيَّةَ لِلإِنْسَانِ لَا تُقَاسُ بِمِعْيَارِ الأَيَّامِ وَالسِّنِينَ، بَلْ بِـ"لَحْظَةِ الِاتِّصَالِ" بِالمَصْدَرِ الإِلَهِيِّ. إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يَنْتَقِلُ فِيهَا الوُجُودُ البَشَرِيُّ مِنَ الهَامِشِ إِلَى المَرْكَزِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الفَرْدُ مَحَلًّا لِتَنَزُّلِ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِيْهَا.

- الحُرِّيَّةُ وَصِنَاعَةُ القَدَرِ

 فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبَارَكَةُ، يَتَجَلَّى الصِّرَاعُ المَعْرِفِيُّ بَيْنَ "الجَبْرِ" وَ "الاخْتِيَارِ". فَالقَدَرُ لَيْسَ قَيْدًا مَفْرُوضًا مِنَ الخَارِجِ، بَلْ هُوَ "هَنْدَسَةٌ وُجُودِيَّةٌ" يُسَاهِمُ الإِنْسَانُ فِي رَسْمِ مَعَالِمِهَا عَبْرَ إِرَادَتِهِ الحُرَّةِ. إِنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّوَسُّلَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ يُمَثِّلَانِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الحُرِّيَّةِ؛ إِذْ يَسْعَى الإِنْسَانُ لِتَغْيِيرِ مَسَارِهِ الوُجُودِيِّ نَحْوَ الأَكْمَلِ.

- اليَقَظَةُ كَمُنْطَلَقٍ لِلصَّيْرُورَةِ

 تُعْتَبَرُ لَيْلَةُ القَدْرِ صَرْخَةً فِي وَجْهِ "الغَفْلَةِ الوجُودِيَّةِ"؛ فَهِيَ تَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى الِانْتِبَاهِ لِذَاتِهِ وَغَايَةِ وُجُودِهِ. هَذِهِ اليَقَظَةُ هِيَ مَبْدَأُ كُلِّ صَيْرُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الإِنْسَانُ فِيهَا مِنْ كَائِنٍ "مَوْجُودٍ بِالفِعْلِ" إِلَى كَائِنٍ "يَسْعَى لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّتِهِ" القُدُسِيَّةِ.

- الِاتِّصَالُ بِالغَيْبِ وَتَحْقِيقُ الطُّمَأْنِينَةِ

 تُخْتَتَمُ اللَّيْلَةُ بِفَجْرِ (السَّلَامِ)؛ وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي يَعْنِي انْتِهَاءَ القَلَقِ الوجُودِيِّ. حِينَمَا يَتَّصِلُ المُمْكِنُ (الإِنْسَانُ) بِالوَاجِبِ (اللهِ)، يَسْكُنُ اضْطِرَابُهُ، وَيَجِدُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى يَتَجَاوَزُ حُدُودَ المَادَّةِ وَالفَنَاءِ.

 فَيُؤَكِّدُ السَّيِّدُ الشِّيرَازِيُّ (دَامَتْ بَرَكَاتُهُ) أَنَّ العِبَادَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَرْتَكِزُ عَلَى مَبْدَأِ "التَّقْدِيرِ الإِلَهِيِّ" المَقْرُونِ بِالإِرَادَةِ البَشَرِيَّةِ؛ فَالتَّقْدِيرُ لَيْسَ جَبْرًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ فُرْصَةٌ لِلإِنْسَانِ لِيُعِيدَ رَسْمَ مَسَارِ حَيَاتِهِ عَبْرَ الدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ. إِنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ -بِحَسَبِ رُؤْيَتِهِ- هِيَ لَيْلَةُ "تَقْرِيرِ المَصِيرِ"، حَيْثُ تَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ لِتَسْجِيلِ البَرَاءَاتِ مِنَ النَّارِ لِمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ سُبْحَانهُ وَتَعالى.

ثَانِيًا: العِبَادَةُ وَالتَّفَكُّرُ (طَلَبُ العِلْمِ)

 يُشِيدُ سَمَاحَتُهُ بِأَهَمِّيَّةِ الدَّمْجِ بَيْنَ "العِبَادَةِ القَلْبِيَّةِ" وَ "العِبَادَةِ العَقْلِيَّةِ". فَبَيْنَمَا تَرْتَفِعُ الأَصْوَاتُ بِالدُّعَاءِ، يَجِبُ أَنْ يَنْفَتِحَ العَقْلُ عَلَى مَعَارِفِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي نَزَلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وَمِنْ هُنَا، يَرَى أَنَّ أَعْظَمَ أَعْمَالِ اللَّيْلَةِ هُوَ طَلَبُ العِلْمِ الَّذِي يُقَرِّبُ الإِنْسَانَ مِنْ خَالِقِهِ، وَيَجْعَلُهُ فَرْدًا نَافِعًا فِي أُمَّتِهِ.

ثَالِثًا: صِلَةُ اللَّيْلَةِ بِالوَلَايَةِ وَالإِمَامَةِ

 يُشِيرُ السَّيِّدُ فِي طَيَّاتِ خِطَابَاتِهِ إِلَى الرَّبْطِ الوَثِيقِ بَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ وَصَاحِبِ الزَّمَانِ (عَجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ الشَّرِيفَ)؛ فَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُعْرَضُ فِيهَا مُقَدَّرَاتُ العِبَادِ عَلَى الإِمَامِ المَعْصُومِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ رُوحِيَّةَ اللَّيْلَةِ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِتَجْدِيدِ العَهْدِ مَعَ خَلِيفَةِ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ بِالتَّعْجِيلِ فِي الفَرَجِ؛ لِيَعُمَّ القِسْطُ وَالعَدْلُ فِي أَرْجَاءِ المَعْمُورَةِ.

رَابِعًا: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَبِنَاءُ المُسْتَقْبَلِ

 يُرَكِّزُ السَّيِّدُ فِي مَنْهَجِهِ التَّرْبَوِيِّ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ هِيَ فُرْصَةٌ لِـ "التَّصْفِيرِ الشَّامِلِ" لِلسَّيِّئَاتِ -بِحَسْبِ تَعْبِيْره-. فَالإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ أَنْ يَمْحُوَ مَاضِيهِ المُثْقَلَ بِالعَثَرَاتِ لِيَبْدَأَ صَفْحَةً جَدِيدَةً. وَيُحَذِّرُ سَمَاحَتُهُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالبُكَاءِ الظَّاهِرِيِّ دُونَ عَزْمٍ حَقِيقِيٍّ عَلَى التَّغْيِيرِ السُّلُوكِيِّ فِي العَلَاقَاتِ مَعَ الخَلْقِ وَالخَالِقِ.

خَامِسًا: الأَبْعَادُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالمَسْؤُولِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ

 لَا تَخْلُو خِطَابَاتُ السَّيِّدِ الشِّيرَازِيِّ مِنْ رَبْطِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالقَضَايَا الكُبْرَى لِلأُمَّةِ؛ فَهِيَ مَوْسِمٌ لِلتَّسَامُحِ الشَّامِلِ، حَيْثُ لَا يَقْبَلُ اللهُ دُعَاءَ المُشَاحِنِ حَتَّى يُصَالِحَ أَخَاهُ. كَمَا يَرَى أَنَّ اللَّيْلَةَ تَحْمِلُ بُعْدًا رِسَالِيًّا يَحُثُّ المُؤْمِنِينَ عَلَى الشُّعُورِ بِآلَامِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَالتَّفْكِيرِ فِي كَيْفِيَّةِ النُّهُوضِ بِالوَاقِعِ الإِسْلَامِيِّ وَنَشْرِ قِيَمِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ).

الخَاتِمَةُ

1- لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ جَعَلَ اللهُ العَمَلَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِ أَلْفِ شَهْرٍ؛ فَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَغِلَّهَا لِتَعْوِيضِ مَا فَاتَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الحَسَنَةِ.

2- إِنَّ مَدْرَسَةَ السَّيِّدِ مُرْتَضَى الشِّيرَازِيِّ تَدْعُو إِلَى اسْتِثْمَارِ لَيْلَةِ القَدْرِ لِبِنَاءِ "الذَّاتِ الصَّالِحَةِ" الَّتِي تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ "المُجْتَمَعِ الفَاضِلِ". فَهِيَ رِحْلَةٌ عَمِيقَةٌ تَبْدَأُ مِنَ اليَقَظَةِ القَلْبِيَّةِ، وَتَنْتَهِي بِالِاسْتِقَامَةِ فِي الجَوَارِحِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.

3- يَدْعُو سَمَاحَتُهُ إِلَى التَّصَالُحِ مَعَ الخَالِقِ وَمَعَ الوَلِيِّ (الإِمَامِ)، مِنْهُ إِلَى التَّصَالُحِ مَعَ الذَّاتِ وَنَبْذِ العُنْفِ؛ وَلِيُصْبِحَ هَذَا أُسْلُوبَ حَيَاةٍ عِنْدَ الإِنْسَانِ.

4- أَكَّدَ سَمَاحَتُهُ عَلَى الفَلْسَفَةِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي تُرِيدُهَا هَذِهِ اللَّيْلَةُ المُبَارَكَةُ؛ مِنْ تَقْدِيرِ الأَقْوَاتِ وَالأَقْدَارِ إِلَى قَابِلٍ.

5- أَشَارَ سَمَاحَتُهُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبَارَكَةَ هِيَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اللهِ؛ وَعَلَى الَّذِينَ يَلِجُونَ البَابَ أَنْ يَخْلَعُوا أَدْرَانَهُمْ وَشَوَائِبَ الدُّنْيَا، وَيَدْخُلُوا لِبَابِ اللهِ الوَاسِعِ المُتَمَثِّلِ بِلَيْلَةِ القَدْرِ؛ فَهِيَ مَجَازٌ لِلْعِبَادَةِ، وَلِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَلِنَبْذِ الفُرْقَةِ وَالطَّائِفِيَّةِ، وَتَرْكِ العُنْفِ، وَالدَّعْوَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَفَّقَنَا اللهُ تَعَالَى لِإِحْيَائِهَا، وَأَنْ يَكْتُبَنَا مِنْ عُتَقَائِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبَارَكَةِ.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

ذات صلة

في شهر رمضان: الارتقاء العالمي للإنسانفلسفة الاستغفار.. من الستر والتحول، إلى تحصين الذات وبناء القوةرمضانُ والقرآن: مدرسةُ الإصلاحِ والعملِ الحضاريّعلي بن أبي طالب: هارون الأمةواخيرا وقع المحذور، اغلاق مضيق هرمز