رمضانُ والقرآن: مدرسةُ الإصلاحِ والعملِ الحضاريّ

شبكة النبأ

2026-03-12 05:58

تنسابُ لحظاتُ هذا الشهرِ في ذاكرةِ الأمةِ كفيضٍ من نورٍ يعيدُ ترتيبَ أولوياتِ الوجودِ، حيث يخرجُ رمضانُ من كونهِ توقيتاً فلكياً في تقويمِنا السنويِّ ليغدوَ فضاءً رحباً لاستعادةِ "مركزيةِ الإنسانِ" في هذا الكون، ففي هذا المِحرابِ يتصلُ وحيُ السماءِ بمتطلباتِ الأرضِ، مؤكداً أنَّ القرآنَ الذي أنزلَ في جنباتِهِ يمثلُ باعثاً حياً يوقظُ فينا طاقةَ التغييرِ، ويُذكّرُنا بأنَّ الهدايةَ التي وصفها اللهُ تعالى في الآية (185) من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ تشكلُ بوصلةً تضبطُ إيقاعَ حياتِنا اليوميةِ، وتخرجُنا من تيهِ التخبطِ في قراراتِنا الكبرى، لنجدَ أنفسَنا أمامَ مسؤوليةٍ أخلاقيةٍ تحتمُ علينا نقلَ النصِّ من حيزِ التلقي الصامتِ إلى حيزِ الفعلِ الإيجابيِّ الذي يمسُّ جوهرَ الإنسانِ.

تكتسبُ هذه المسؤوليةُ الأخلاقيةُ أبعاداً تتجاوزُ حدودَ العاطفةِ الفرديةِ، إذ تتحولُ عندَ استيعابِها العميقِ إلى قوةٍ محركةٍ تفرضُ على المرءِ إعادةَ قراءةِ دورِهِ في محيطِهِ الاجتماعيِّ، حيثُ يغدو كلُّ فعلٍ صغيرٍ يقومُ بهِ الإنسانُ جزءاً من منظومةٍ حضاريةٍ كبرى تهدفُ إلى ترسيخِ معاني العدلِ والرحمةِ، فالموظفُ في موقعِهِ الوظيفيِّ يمارسُ جوهرَ النصِّ القرآنيِّ حينَ يضعُ مصلحةَ المراجعِ فوقَ مصلحةِ العوائقِ الإداريةِ الجامدةِ، والمُعلمُ يترجمُ الهدايةَ إلى سلوكٍ حيٍّ يزرعُ في عقولِ طلبتِهِ قيمَ التفكيرِ الحرِّ بعيداً عن أطرِ التلقينِ الضيقِ، وكلُّ ذلكَ يشكلُ لبناتٍ أساسيةً في بناءِ مؤسساتٍ تقومُ على ركائزَ إنسانيةٍ تتسمُ بالشفافيةِ والمساواةِ، وتتحررُ من قيودِ المحسوبيةِ التي غالباً ما تفتكُ بجسدِ المجتمعِ، مما يجعلُ من "الفعلِ الإيجابيِّ" ضرورةً لا غنى عنها لضمانِ استمرارِ الحياةِ بكرامةٍ.

وتتجلى هذه المرونةُ في الفهمِ حينَ ندركُ أنَّ النصَّ لا يفرضُ علينا قوالبَ صماءَ، إذ يمنحُنا رؤيةً واسعةً قادرةً على استيعابِ المتغيراتِ، فاستلهامُ الحكمةِ في إدارةِ الأزماتِ الاقتصاديةِ، وتوجيهُ المواردِ نحو التنميةِ المستدامةِ، وتطويرُ سبلِ العيشِ للمهمشينَ، كلها ممارساتٌ تنهلُ من معينِ الهدايةِ ذاتِهِ وتصيغُه في قالبٍ إنسانيٍّ يحفظُ توازنَ المجتمعِ، فالمؤمنُ الواعيُ يرى في إعمارِ الأرضِ وتطويرِ التقنياتِ وحمايةِ البيئةِ وجوهاً متعددةً لعبادةِ الخالقِ، يبتعدُ عن الانغلاقِ الفكريِّ الذي يعيقُ حركةَ التطورِ، ويستقبلُ التحدياتِ بعقليةٍ منفتحةٍ تستثمرُ العلمَ والمعرفةَ لخدمةِ الإنسانِ، مُعتبراً كلَّ نجاحٍ يحققُ رفاهيةً للعبادِ انتصاراً لقيمِ الحقِّ والعدلِ التي جاءَ بها الكتابُ الكريمُ.

ويتجسدُ هذا القرآنُ في واقعِنا الاجتماعيِّ من خلالِ قولهِ تعالى في الآية (11) من سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، إذ إنَّ إصلاحَ المؤسساتِ وتطويرَ مفاصلِ الدولةِ نتيجةٌ حتميةٌ لتراكمِ النزاهةِ في ذواتِنا؛ فالإداريُّ الذي يترفعُ عن استغلالِ منصبِهِ، والمواطنُ الذي يلتزمُ بالقانونِ كمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ، والمسؤولُ الذي يستشعرُ رقابةَ اللهِ قبلَ أجهزةِ الرقابةِ، جميعُهم يكتبونَ بصدقِ أفعالِهم "تفسيراً معاصراً" للآياتِ؛ فهذا الشهرُ يضعُنا أمامَ واجبِنا بأنَّ التغييرَ ينبعُ من "الضميرِ" حينَ يتحولُ إلى رقيبٍ ذاتيٍّ يمنعُ الانزلاقَ نحوِ الإهمالِ، ويجعلُ من الإتقانِ في العملِ عبادةً تنافسُ في أجرِها الصلاةَ والصيامَ.

إنَّ التحديَ الذي نواجهُه اليومَ يفرضُ علينا التحررَ من النظرةِ التي تختزلُ الصيامَ في الامتناعِ عن المباحاتِ الحسيةِ، لنرى فيهِ تمريناً إرادياً يمنحُنا القدرةَ على كبحِ جماحِ المصالحِ الفئويةِ الضيقةِ، فالقرآنُ الذي أنزلَ في هذا الشهرِ يرسخُ قواعدَ التعاونِ البشريِّ في قولهِ تعالى في الآية (2) من سورة المائدة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ وهذا "البرُّ" بمعناهُ الواسعِ جوهرُ النجاةِ من حالةِ التشظي الاجتماعيِّ؛ فالمؤسسةُ التي تفتقرُ للعدلِ، والمجتمعُ الذي يغيبُ عن أفرادِهِ التكافلُ، والمثقفُ الذي يعجزُ عن تقديمِ رؤيةٍ تخرجُ الناسَ من إحباطاتِهم، يبتعدونَ قَطْعاً عن روحِ القرآنِ، حتى لو تلوه ليلَ نهارَ؛ فالغايةُ الكبرى من التنزيلِ بناءُ "مجتمعٍ منيعٍ" بالعدالةِ، ومنفتحٍ على قيمِ الرحمةِ التي تجعلُ من الدولةِ خادمةً للإنسانِ.

وعلى هذا المسارِ، ندركُ أنَّ بقاءَنا يُقاسُ بقيمةِ ما نتركُه، مستحضرينَ قولهِ تعالى في الآية (17) من سورة الرعد: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهنا تبرزُ التوصياتُ التي لا بدَّ من تجذيرِها: إنَّ علينا تحويلَ رمضانَ من محطةٍ للراحةِ إلى "دورةِ بناءٍ معرفيٍّ ومؤسسيٍّ" شاملةٍ، حيث تتبنى مراكزُنا الفكريةُ مراجعةً للأنظمةِ التشريعيةِ لتوافقَ روحَ العدالةِ القرآنيةِ، ونشجعُ المبادراتِ الشبابيةَ التي تحولُ العلمَ إلى أداةٍ لتنميةِ المجتمعاتِ، ونُفعّلُ ثقافةَ "المحاسبةِ الاجتماعيةِ" التي تضمنُ حقوقَ الناسِ؛ فالمؤمنُ الحقيقيُّ يرى في استقامةِ الدولةِ وازدهارِ المجتمعِ تحقيقاً لمرادِ اللهِ في أرضِهِ، وبهذا، يظلُّ القرآنُ حياً فينا، محركاً لعقولِنا، وموجهاً لأفعالِنا، وقوةً دافعةً تجعلُ من وجودِنا إضافةً حقيقيةً لمسيرةِ الإنسانيةِ نحو غدٍ أكثرَ عدلاً وسلاماً.

ذات صلة

في شهر رمضان: الارتقاء العالمي للإنسانفلسفة الاستغفار.. من الستر والتحول، إلى تحصين الذات وبناء القوةلَيْلَةُ القَدْرِ مِعْرَاجُ الرُّوحِ وَتَجَلِّي السَّكِينَةِعلي بن أبي طالب: هارون الأمةواخيرا وقع المحذور، اغلاق مضيق هرمز