جيل زد يقرأ بأذنيه.. كيف غيّرت الكتب الصوتية عادات القراءة؟
أوس ستار الغانمي
2026-07-05 04:40
في الوقت الذي تتراجع فيه معدلات قراءة الكتب الورقية بين فئات من الشباب، تشهد الكتب الصوتية نموًا متسارعًا في مختلف أنحاء العالم، لتفتح فصلًا جديدًا في العلاقة بين الأجيال الشابة والكتاب. وبين منصات البث والهواتف الذكية وسماعات الأذن، تبدو القراءة اليوم مختلفة عما عرفته الأجيال السابقة، حيث لم يعد الوصول إلى المعرفة مرتبطًا بالجلوس لساعات أمام كتاب مطبوع، بل أصبح جزءًا من إيقاع الحياة اليومية.
وتعمل منصات البث على تطوير مجموعاتها من الكتب الصوتية التي تحظى بشعبية متزايدة لدى جيل زد، وهو الجيل الذي ولد بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ومن المفارقات أن تراجع الإقبال على القراءة التقليدية لدى بعض الشباب يتزامن مع ارتفاع الاهتمام بالاستماع إلى الكتب، ما يعكس تحولًا في الوسيلة أكثر مما يعكس ابتعادًا عن المحتوى الثقافي.
وفي هذا السياق، أعلنت سبوتيفاي عن إطلاق خدمة جديدة للكتب الصوتية في فرنسا ودول البنلوكس بالتعاون مع كبرى دور النشر الفرنسية. وفي الولايات المتحدة، يقضي مستخدمو الكتب الصوتية الجدد ما معدله خمس ساعات إضافية على المنصة خلال أول ستين يومًا من استخدام الخدمة. وأوضح أنطوان مونين، المدير العام لسبوتيفاي فرنسا ودول البنلوكس، أن فرنسا ما تزال متأخرة عن جيرانها الأوروبيين في قطاع الكتب الصوتية، ولا سيما ألمانيا والدول الإسكندنافية والمملكة المتحدة.
وتؤكد الأرقام هذا التوجه، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة أوبينيون واي عام 2024 أن 33% من الفرنسيين استمعوا إلى كتاب صوتي واحد على الأقل خلال الاثني عشر شهرًا الماضية. كما أبدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا اهتمامًا ملحوظًا بهذا النوع من المحتوى، ليسجل القطاع واحدًا من أعلى معدلات النمو خلال العام الحالي.
ولا يقتصر هذا التحول على فرنسا أو أوروبا الغربية، بل يمتد إلى أسواق أخرى تشهد تغيرًا في أنماط استهلاك المحتوى الثقافي. ويرى مراقبون أن نجاح الكتب الصوتية يرتبط بتقاربها مع العادات الرقمية الجديدة لدى الشباب، الذين اعتادوا متابعة البودكاست وخدمات البث أثناء التنقل أو ممارسة الأنشطة اليومية، ما يجعل الاستماع إلى كتاب كامل تجربة أكثر انسجامًا مع أسلوب حياتهم.
وتنعكس هذه التغيرات أيضًا على عادات القراءة لدى الطلاب الجامعيين في الهند. فبين المواعيد النهائية والأنشطة الأكاديمية والتصفح المستمر عبر الإنترنت، لا يزال كثير من الطلاب يجدون وقتًا للقراءة، لكن بأساليب مختلفة عما كان سائدًا في السابق. فبدلًا من الاعتماد الكامل على المكتبات والكتب الورقية، أصبح اكتشاف الكتب يتم عبر مقاطع الفيديو القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، أو من خلال الاستماع إلى الكتب الصوتية أثناء التنقل، أو قراءة الملفات الرقمية المتداولة في مجموعات الدردشة.
ورغم كثرة عوامل التشتيت الرقمية، يؤكد العديد من الطلاب أن القراءة ما تزال تمثل مساحة للراحة والتأمل وبناء الهوية الشخصية، الأمر الذي يشير إلى أن التكنولوجيا لم تُلغِ القراءة، بل دفعتها إلى التكيف مع بيئة جديدة أكثر سرعة وتنوعًا.
وفي مظهر آخر من مظاهر التحول في العلاقة مع الكتاب، كشفت دراسة استقصائية حديثة أجرتها دار هاربر كولينز البريطانية عن تراجع معدلات القراءة بصوت عالٍ للأطفال لدى آباء جيل زد. وأظهرت النتائج أن أكثر من نصفهم لا يجدون متعة في قراءة القصص لأطفالهم مقارنة بآباء جيل الألفية وجيل إكس، وهو ما يعكس تغيرًا أوسع في أنماط التفاعل مع الكتب داخل الأسرة.
ويرى مختصون أن هذا التراجع قد يرتبط بالنشأة في بيئة رقمية سريعة الإيقاع، إلى جانب الضغوط المرتبطة بالعمل والحياة الأسرية. ومع ذلك، تبقى القراءة المشتركة للأطفال من الأنشطة المهمة في تنمية المهارات اللغوية وتعزيز الروابط الأسرية، ما يدفع العديد من الجهات الثقافية والتربوية إلى البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على هذه العادة.
ومع تطور أشكال التفاعل مع المحتوى المقروء، ظهرت مبادرات اجتماعية تجمع بين النشاط البدني والاستماع إلى الكتب. فقد أطلقت منصة Libro.fm مجموعة أدوات تساعد على تنظيم جولات المشي المصحوبة بالكتب الصوتية، كما قدمت للمكتبات المشاركة عروضًا وبرامج تشجيعية لجذب القراء.
وقال ألبي روميرو، مدير التسويق والإعلان في Libro.fm، إن هذه الأنشطة تمنح المشاركين فرصة للجمع بين القراءة والتواصل الاجتماعي، في وقت يبحث فيه كثير من الأشخاص عن تجارب واقعية تعزز شعورهم بالانتماء والتفاعل المباشر.
كما سجل نادي الكتاب الصامت، الذي يدعو القراء إلى إحضار كتبهم الخاصة إلى المقاهي أو المكتبات والأماكن العامة، اهتمامًا متزايدًا بجولات المشي المصحوبة بالكتب الصوتية. وأوضحت غوينيفير دي لا ماري، المؤسسة المشاركة للنادي، أن عشرات الفروع باتت تنظم مثل هذه الفعاليات ضمن برامجها الدورية، في ظل وجود أكثر من 1800 فرع للنادي في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم.
وتبدأ بعض هذه الجولات من الحدائق العامة قبل أن تنتهي في مكتبة محلية أو متجر للكتب، حيث يتبادل المشاركون الآراء حول ما استمعوا إليه ويطلعون على إصدارات جديدة، في تجربة تجمع بين الثقافة والنشاط البدني والتواصل الاجتماعي.
وبين الكتب الصوتية والقراءة الرقمية والمبادرات الاجتماعية الجديدة، يتضح أن القراءة لم تختفِ من حياة جيل زد كما يُشاع، بل أعادت تشكيل نفسها بوسائط وأساليب مختلفة. فبدلًا من الاكتفاء بالكتاب الورقي التقليدي، أصبح الشباب يحملون مكتباتهم في هواتفهم ويصطحبونها معهم إلى الحافلات والجامعات والحدائق، في مشهد يعكس تحولًا عميقًا في ثقافة القراءة حول العالم، ويؤكد أن جوهر القراءة ما يزال حاضرًا، وإن تغيرت الوسائل التي تنقله إلى القراء.