القرآن الكريم وبنية الصراع الكوني: قراءةٌ سرديَّة في قصة سجود الملائكة لآدم

أحمد الشطري

2026-04-09 05:57

لا شك أن القصة القرآنية تمثل نمطاً فريداً من السرد، إذ لا تكتفي بعرض الحدث، بل تبني حوله شبكة من الدلالات الفكرية والرمزية. ولهذا تبدو مقاربتها بأدوات السرديات الحديثة محاولة مثمرة للكشف عن بعض خصائص بنائها الحكائي. ومن بين هذه الأدوات مفهوم التبئير الذي بلوره الناقد الفرنسي جيرار جينيت في إطار تحليله للخطاب السردي. حيث يشير التبئير إلى زاوية الرؤية التي تُعرض من خلالها الأحداث، أي العلاقة بين معرفة السارد ومعرفة الشخصيات داخل القصة.

وإذا نظرنا إلى قصة سجود الملائكة لآدم في قوله تعالى: (وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَ * قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ) [الأعراف: 11–12]، فإننا نجد أنفسنا أمام بنية سردية كثيفة تجمع بين الإخبار الكلي المعرفة والمشهد الدرامي الحواري. إذ يفتتح النص القصة بضمير المتكلم الجمعي: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا) وهو افتتاح ينتمي - بلغة السرديات - إلى نمط التبئير الصفري؛ حيث يمتلك السارد معرفة مطلقة بالأحداث والشخصيات. غير أن خصوصية السرد القرآني تجعل هذا التبئير مختلفاً عن نظيره في الرواية الحديثة، لأن السارد هنا ليس كياناً تخييليّاً بل هو مصدر الخطاب نفسه؛ ولهذا لا يكون التبئير الصفري في القرآن مجرد تقنية فنية، وإنما تعبير عن أفق معرفي مطلق يتجاوز حدود الوعي البشري.

وفي هذه الآيات نلاحظ أن أمراً فريداً يحدث، حيث يبدأ السرد بضمير المتكلم: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ) ثم يتحول إلى نقل الحوار بصيغة الغائب: (قَالَ مَا مَنَعَكَ)، وهذا لا يعني أن السارد غادر موقعه أو أصبح شخصية سردية بالمعنى الروائي، بل ما يحدث هو انتقال في طريقة العرض يتمثل بالسرد المباشر للفعل، ثم عرض الحدث عبر الحوار، أي أننا أمام تحول أسلوبي لا تحول في التبئير. فالمعرفة السردية تظل مطلقة طوال القصة؛ إذ لا يُقيَّد السرد بوعي شخصية معينة. وهنا تتجلى واحدة من الخصائص الفريدة للسرد القرآني، من التقاء: السارد والفاعل في الحدث ومصدر المعرفة في موضع واحد.

ومن خلال الفضاء الافتتاحي للنص يوضع القارئ في إطار كوني واسع، فالقصة هنا لا تُعرض بوصفها حادثة محدودة، بل بوصفها لحظة تتصل ببنية الخلق نفسها. ونلاحظ أن النص ينتقل سريعاً بعد الجملة الافتتاحية إلى نمط مختلف من العرض عبر سلسلة من أفعال القول: (قال- قال- قال) وهنا يتحول السرد من الملخص الحكائي إلى المشهد الحواري المباشر. فبدل أن يخبرنا السارد بما حدث، يجعلنا نسمع الحوار نفسه بين أطراف القصة. وهذا التحول يمنح الحدث طابعاً درامياً واضحاً، ويضع القارئ في قلب المواجهة بين الأمر الإلهي واعتراض إبليس. وفي هذه اللحظة يتحول الخبر إلى جدل لغوي مكثف، تتكشف من خلاله البنية الفكرية لكل طرف.

ولعل من أبرز خصائص القصة القرآنية هو قدرتها على تكثيف زمن طويل داخل لحظة سردية قصيرة. ففي بضعة أسطر فقط تمر القصة عبر سلسلة من الأحداث الكبرى: (خلق الإنسان وتصويره، الأمر بالسجود، عصيان إبليس، محاججته، الحكم عليه بالطرد، إعلان مشروع الإغواء)، هذا الاقتصاد الزمني يجعل اللحظة السردية شديدة الكثافة، إذ تختزل تاريخاً كاملاً من الصراع في مقطع لغوي قصير. وهكذا يتحول الزمن في القصة القرآنية إلى زمن دلالي يركز على اللحظة المفصلية التي يتشكل فيها المعنى.

ومما يمكن ملاحظته أن النص فيما ينقله من قول إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) يقدم أكثر من مجرد اعتراض، بل هو يكشف المنطق الداخلي للتمرد. فإبليس يبني حجته على معيار الأصل المادي، فيقارن بين النار والطين ليستنتج تفوقه، ولكن القصة تكشف انهيار هذا القياس؛ حيث القيمة التي يقدمها النص لا تتحدد بالمادة الأولى، بل بالدور الوجودي الذي أُنيط بالكائن. وهكذا تتحول حجة إبليس إلى مثال رمزي على القياس العقلي المغلق الذي ينشأ منه الغرور.

وإذا نظرنا للنص من زاوية أخرى سنجد أن القصة تتحرك عبر شبكة دقيقة من الضمائر: (نحن- أنا- هو) حيث يظهر ضمير الجمع في افتتاح القصة: (خَلَقْنَاكُمْ) وهو ضمير يفتح السرد على أفق كوني واسع. ثم يظهر ضمير المفرد في خطاب إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) وهنا يولد مركز الصراع؛ إذ يتحول العالم في وعي إبليس إلى مقارنة بين ذاته والآخر. أما الإنسان فيظهر في خطابه بضمير الغائب: (خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وبذلك يصبح الآخر موضوعاً للتقييم لا شريكاً في الخطاب. ومن خلال هذا التدرج الصوتي ينتقل السرد من الأفق الكوني إلى مركزية الأنا التي تقود إلى السقوط.

وفي إطار آخر نلحظ أن ثمة دوراً حاسماً في بناء المعنى تلعبه ما يمكن وصفها بالأفعال المكانية في القصة: (فَاهْبِطْ مِنْهَا)، (فَاخْرُجْ) حيث أن هذه الأفعال لا تشير إلى انتقال جغرافي فحسب، بل إلى تحول في المرتبة الوجودية. فالمكان في القصة ليس حيّزاً محايداً، بل مقاماً أخلاقيّاً، ولهذا يرتبط الهبوط مباشرةً بوصف قيمي: (إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، فالسقوط هنا ليس مجرد حركة في الفضاء، بل تجسيد رمزي لانكسار الكبر. وعلى الصعيد الزمني نلاحظ أن بعد الحكم بالهبوط يطلب إبليس الإمهال: (أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، هنا يتجاوز الحدث لحظته الأولى ليفتح الصراع على تاريخ البشرية كله. فالقصة لا تنتهي بالطرد، بل تبدأ منه مرحلة جديدة من المواجهة بين الإنسان ووسوسة الشيطان. وبذلك يتحول الحدث القصير إلى بداية دراما ممتدة عبر الزمن الإنساني.

ومن المؤكد أن من بين السمات اللافتة في القصة القرآنية هو ما يمكن أن نسميه بالاقتصاد البلاغي؛ أي القدرة على بناء حدث درامي مركب في أقل قدر ممكن من الكلمات. فالمقطع الذي يروي قصة سجود الملائكة لآدم لا يتجاوز بضعة أسطر، ومع ذلك ينجح في رسم مشهد كوني بالغ الاتساع. حيث تتشكل في هذا الحيز اللغوي المحدود العناصر السردية المتعددة: فعل الخلق، والأمر الإلهي، والعصيان، والحوار الجدلي، ثم الحكم بالطرد، وأخيراً إعلان مشروع الإغواء الممتد عبر الزمن. كل ذلك يحدث في بنية لغوية شديدة التكثيف، لا تترك مجالاً للاستطراد أو الوصف الزائد، بل تكتفي بما هو ضروري وأساسي لبناء المعنى. وهذا الاقتصاد لا يعني الفقر في الدلالة، بل على العكس تماماً؛ إذ تتحول الكلمة في السياق القرآني إلى بؤرة إشعاع دلالي تفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة من التأويل. ومن هنا تتجلى إحدى الخصائص العميقة للسرد القرآني: فالنص لا يراكم التفاصيل، بل يراكم الطبقات الدلالية. فكل جملة تبدو موجزة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها شبكة من المعاني الفكرية والرمزية.

ذات صلة

المسؤولية الكبرى للقائد في توحيد الأمةالحرب على ايران.. تقييم النتائج والتصورات المستقبليةكظم الغيظ في زمن الفتن: قراءة أخلاقية روائية في ضوء التحديات المعاصرةالهدنة الأميركية-الإيرانية الهشة.. خطوة للوراء والابتعاد عن حافة الهاويةإيران قد تثبت صحة وجهة نظر ترامب.. وهنا تكمن المشكلة