مفهوم التربية في الإسلام.. رعاية أم صناعة؟

رؤى في التربية المعاصرة ومناهجها وأساليبها (1)

مرتضى معاش

2026-05-19 04:55

لكل أمة شخصية، وهذه الشخصية العامة لا تتكون بمعزل عن أفرادها، بل تتشكل من مجموع شخصياتهم. وشخصية الفرد لا تظهر فجأة في مرحلة النضج، وإنما تبدأ ملامحها الأولى منذ الطفولة، من خلال ما يعيشه الطفل من أفعال، وتجارب، ومشاعر، وسلوكيات، وانطباعات.

فالإنسان حين يقوم بفعل من الأفعال لا يبقى فعله خارجًا عنه، بل يترك في داخله أثرًا. وهذا الأثر يتصل بمشاعره وعواطفه وانفعالاته؛ من حب وكره، وغضب وهدوء، وسكينة واضطراب. ومن خلال هذه المشاعر تتكون الانطباعات، ثم تتحول الانطباعات مع الزمن إلى أفكار، وقد تصبح هذه الأفكار راسخة في النفس.

ولتقريب المعنى، قد يذهب الإنسان إلى مطعم معين، ويتذوق طعامًا جديدًا، ويكون في جلسة مريحة مع أصدقائه. هنا يتكون لديه انطباع طيب، يرتبط بمشاعر دافئة وانفعالات هادئة. ثم ينتقل هذا الانطباع إلى قلبه وفكره، فيتشكل لديه حكم بأن هذا المطعم جيد، وأن هذا الطعام لذيذ. وبعد ذلك ينقل هذه الفكرة إلى الآخرين، فيقول لأصدقائه إن هذا المطعم حسن وإن هذا الطعام جيد.

هذه الصورة البسيطة تكشف لنا كيف تتشكل شخصية الإنسان من خلال ممارساته اليومية. فكل فعل يترك انطباعًا، وكل انطباع قد يتحول إلى فكرة، وكل فكرة تمثل لبنة في بناء الشخصية. ومن مجموع هذه اللبنات يتكون البناء الداخلي للإنسان.

الاكتساب وأثره في بناء الشخصية

يقول القرآن الكريم:

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر/38.

فالإنسان مرتهن بما يكتسبه من أفعال، وأقوال، ومشاعر، وأفكار. وما يفعله الإنسان لا ينتهي بانتهاء لحظته، بل يدخل في تكوينه النفسي والروحي، ويترك أثره في شخصيته. فإذا تكررت الأفعال وترسخت، أصبحت جزءًا من بنائه الداخلي، وربما صار الإنسان محبوسًا بها ومرتهنًا لها.

ومعنى أن النفس «رهينة» أنها مرتبطة بما كسبت، ومحبوسة بآثار أعمالها. فالإنسان قد يصبح مرتهنًا لأفكاره وأفعاله، وقد تتحول بعض الأفعال المكتسبة إلى سجن داخلي يقيده ويمنعه من النمو الصحيح. لذلك تصبح رعاية الأفعال ضرورة تربوية، لأن الفعل ليس مجرد حركة عابرة، بل عنصر مؤثر في تشكيل الشخصية.

من هنا تبرز أهمية الرعاية والتربية. فالإنسان يلاقي في النهاية نتاج عمله، وهذا النتاج لا يذهب بعيدًا عنه، بل يعود إلى شخصيته، فيبنيها أو يضعفها، ويهذبها أو يشوهها.

(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة7/8.

أثر الوالدين في التكوين النفسي للطفل

إذا كان الأب دائم الغضب، يدخل بيته غاضبًا، ويتعامل مع أسرته بانفعال مستمر، فإن هذا الغضب لا يبقى حالة خاصة بالأب وحده، بل ينتقل أثره إلى الأبناء. فالطفل يشاهد، ويتأثر، وتتكون لديه انطباعات متكررة عن الغضب، ومع الزمن قد يصبح الغضب جزءًا من شخصيته.

وبذلك يكون الأب مرتهنًا لغضبه، ويصبح الابن معرضًا لأن يرتهن بالغضب أيضًا، لا لأن الغضب فطرة فيه، بل لأن الرعاية التربوية غابت، ولأن السلوك المتكرر ترك أثره في تكوينه الداخلي.

وهنا تظهر القاعدة الأساسية: شخصية الإنسان تتشكل من أفعاله. فإذا استمرت الأفعال السيئة من غير مراجعة ولا إصلاح، فإنها تقود إلى شخصية سيئة، أو ضعيفة، أو سلبية. ولهذا جاءت النصوص الدينية لتفتح أمام الإنسان باب الرجوع والتصحيح، وهو باب التوبة.

التوبة وإصلاح مسار الشخصية

التوبة في معناها هي الرجوع. إنها رجوع الإنسان عن الفعل الخاطئ، وقطع لمسار الخطأ قبل أن يترسخ في النفس ويتحول إلى جزء من الشخصية. ولذلك يشجع القرآن الكريم والسنة الشريفة والتراث الإسلامي على التوبة؛ لأنها لا تعالج ذنبًا منفردًا فحسب، بل توقف مسارًا سلبيًا في بناء الشخصية.

يقول القرآن الكريم:

(فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة/39.

فالآية تجمع بين التوبة والإصلاح، لأن الرجوع الحقيقي لا يكتمل إلا بإصلاح السلوك. ومن هنا ينبغي للإنسان أن يراقب أفعاله، وأن تراقب الأسرة أفعالها وأفعال أبنائها. وعلى الأب أن ينتبه إلى سلوكه، لأن خطأه المتكرر قد يدخل في تكوين الطفل قبل أن يشعر.

ويقول الإمام علي عليه السلام:

(فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ)(1).

فالإنسان مرتهن بما أسلف، ومدين بما قدم. وكل ما يصدر عنه من فعل، أو قول، أو موقف، يترك أثرًا في مصيره وشخصيته. ولذلك يدعو الإمام إلى رعاية الأعمال قبل أن تتحول إلى قيود تكبل الإنسان.

ويؤكد عليه السلام هذا المعنى أيضًا:

(وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ)(2).

فالذنب إذا لم يعالج بالتوبة يصبح سجنًا للإنسان. ومن هنا تكون التربية بناءً يحرر الإنسان من ارتهان ذنوبه، ويعيد إليه صفاءه وقدرته على النمو.

بداية التربية من مرحلة الجنين

لا تبدأ التربية حين يصبح الطفل قادرًا على الكلام أو الفهم الظاهر فقط، بل تبدأ منذ أن يكون جنينًا في بطن أمه. فالتربية ليست فعلًا منفصلًا يقوم به الأب أو الأم في مرحلة محددة، بل هي منظومة متكاملة يدخل فيها الجانب الأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، ونوع الرزق، وطبيعة السلوك، والجو الروحي الذي يحيط بالإنسان.

فالإنسان المصلي يترك أثرًا، والإنسان المذنب العاصي يترك أثرًا، والمال الحرام له أثره السلبي في النفس والجو الأسري. وهذه كلها آثار وضعية قد لا يلتفت إليها الإنسان مباشرة، لكنها تدخل في تكوين البيئة التي ينشأ فيها الطفل.

ولهذا يحتاج الإنسان باستمرار إلى التحرر من آثار الذنوب بالتوبة، وإلى تنقية بيئته وأفعاله، لأن التربية لا تصنع ظاهر الإنسان وحده، بل تصنع مظهره وجوهره معًا. فبين الجوهر والمظهر تكامل واضح؛ إذ يظهر أثر التربية في السلوك الخارجي كما يستقر في البناء الداخلي.

ومن هنا نفهم ما ورد من استحباب قراءة بعض سور القرآن الكريم والأدعية للمرأة الحامل، والاهتمام بالطهارة والوضوء، لما في ذلك من تفاعل روحي ومعنوي ينعكس على الأم والجنين.

وكذلك الأمر في الرضاعة. فقد نقل عن والدة الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو من العلماء الأفذاذ في التاريخ الشيعي ومن المجددين في علم الأصول ومن القمم في الأخلاق والعلم والمعرفة، أنها سئلت عن سر بلوغ ولدها هذه المنزلة العالية، فقالت إنها كانت إذا أرادت أن ترضعه توضأت قبل ذلك، حتى في أوقات البرد الشديد.

وهذا يكشف أن التربية الواعية تبدأ من المراحل الأولى، وأن الأم حين تحمل هدفًا تربويًا وروحيًا فإن أثر ذلك يدخل في مسار تنشئة الطفل.

الأدب بوصفه جوهر التربية

التعبير الذي يرد في الأحاديث الشريفة عن التربية هو «الأدب» و«التأديب». والأدب هنا ليس معنى ضيقًا يتعلق بحسن الكلام أو السلوك الظاهر فقط، بل هو معنى شامل يتضمن القيم الأخلاقية، والسلوكيات، والمظاهر، والجواهر التي تسهم في تشكيل شخصية الإنسان.

فالتربية لباس للإنسان. قد يلبس الإنسان ثيابًا جميلة، لكن جمال ثيابه لا يمنحه قيمة حقيقية إذا كان خاليًا من الأدب والتربية. إن الأدب هو اللباس الحقيقي الذي يكسو الشخصية، ويكشف عن جوهرها.

ولذلك ورد في الحديث عن الامام علي (عليه السلام):

(لا حلل كالآداب)(3)، (لَا زِينَةَ كَالْأَدَبِ)(4)، 

فالحُلّة هي اللباس الذي يتزين به الإنسان، غير أن أجمل لباس يلبسه المرء هو الأدب. قد يحكم الناس على الإنسان من مظهره وملابسه، وقد يرون في المظهر الأنيق علامة على الرتبة والهيبة، لكن الجمال الظاهر لا يكفي إذا لم يكن وراءه جمال في القلب والسلوك. والمقصود هنا أن الأدب هو الحلة الحقيقية التي تجمع بين جمال الجوهر وجمال المظهر.

فالإنسان الخلوق ينعكس خلقه على وجهه وسلوكه؛ تراه مبتسمًا، هادئًا، لطيفًا، فيظهر جمال باطنه على ظاهره. ومن هنا كانت زينة الإنسان الحقيقية هي الأدب.

وعن الإمام علي عليه السلام:

(مَنِ اسْتَهْتَرَ بِالْأَدَبِ فَقَدْ زَانَ نَفْسَه)(5).

أي إن من استخف بالأدب ولم يهتم بالتربية أساء إلى نفسه، وكشف عيوبها، وأكثر من مساوئها. فقلة الأدب ليست خللًا عابرًا في السلوك، بل نقص في بناء الشخصية.

وعنه (عليه السلام):

(مَنْ قَلَّ أَدَبُهُ كَثُرَتْ مَسَاوِيه)(6).

حق الولد وإعداد المستقبل

لما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن حق الولد، قال:

(تحسن اسمه وأدبه، وتضعه موضعا حسنا)(7).

هذا الحديث يضع التربية في إطار إعداد المستقبل. فحق الولد لا يقتصر على الاسم الحسن، بل يشمل الأدب، وحسن الموضع، والرعاية التي تؤهله للحياة. والتربية هنا ليست إنفاقًا ماليًا فحسب، ولا إطعامًا ولباسًا ومدرسة فقط، بل هي إعداد شامل للإنسان.

وعن الامام علي عليه السلام:

(إِنَّكُمْ إِلَى اكْتِسَابِ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى اكْتِسَابِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ)(8).

فواجب الأب والأم أن يؤهلا أبناءهما تأهيلًا متكاملًا للمستقبل، بحيث يمتلك الابن شخصية تقوم بذاتها، لا بمالها، ولا بثيابها، ولا بسيارتها، ولا بمظاهرها. فالقيمة الحقيقية للإنسان تنبع من فضائله وأخلاقه وقيمه.

ولهذا يقول الإمام علي عليه السلام:

(وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ)(9)، وكذلك قوله: (خَيْرُ مَا وَرَّثَ الْآبَاءُ الْأَبْنَاءَ الْأَدَب)(10).

فالأموال إذا ورثها الإنسان من غير أدب لا تمنحه قيمة حقيقية. وقد يتصور بعض الناس أن المال يغني عن الأخلاق، لكن هذا تصور وهمي؛ لأن اعتبار الإنسان وثقة الناس به إنما يقومان على أمانته، ونزاهته، وصدقه، والقيم التي يحملها.

فالأدب هو الميراث الحقيقي الذي يورثه الأب لابنه. وهو من الباقيات الصالحات؛ لأنه لا ينتهي بانتهاء المال، بل يبقى أثره في شخصية الإنسان وسلوكه ومستقبله.

وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام:

(سَبَبُ تَزْكِيَةِ الْأَخْلَاقِ حُسْنُ الْأَدَب)(11).

فحسن الأدب سبب لتنمية الأخلاق وتزكيتها. والإنسان ينمو بالأخلاق كما ينمو بالجسد؛ ينمو بالأمانة، والصدق، والشجاعة، والفضائل. وأهم ما يعين على هذا النمو هو التربية الصحيحة السليمة.

الفطرة والبيئة في تكوين الطفل

يأتي الإنسان إلى الدنيا وهو لا يعرف شيئًا، لكن فطرته تقوده نحو الفضائل. غير أن هذه الفطرة قد تتأثر بسلوك الأب، أو الأسرة، أو المجتمع. فقد يتعلم الطفل الصدق من بيئة صادقة، وقد يتعلم الكذب من بيئة تكذب. وقد يتعلم الأمانة، كما قد يتعلم الخيانة. وهنا يظهر أثر التربية في حفظ الفطرة أو تلويثها.

فلماذا يصبح إنسان صادقًا وآخر كاذبًا؟ ولماذا ينشأ طفل على الأمانة وآخر على الخيانة؟ إن الأمر يرتبط بمفترق تربوي. قد يكون الأب طيبًا، والأم صادقة، فيتعلم الطفل الصدق عفويًا وتلقائيًا. لكن التربية العفوية وحدها لا تكفي دائمًا، لأن الطفل يحتاج إلى تربية واعية، ذات أهداف واضحة.

لا بد أن يكون لدى الأسرة مشروع تربوي، وخطة، ومنهج؛ لأن الإنسان في بداياته كالأرض الخالية، تقبل ما يلقى فيها.

قلب الطفل كالأرض الخالية

لو كانت عند الإنسان حديقة وتركها من غير زراعة ولا عناية، فإن الأعشاب الضارة ستنمو فيها، وستكثر فيها الحشرات، وستظهر النباتات الطفيلية التي لا قيمة لها. أما إذا زرع فيها زرعًا طيبًا، وسقاها ورعاها، فإن طبيعتها تساعد على النمو والإثمار.

وهكذا قلب الطفل. يقول الإمام علي عليه السلام:

(وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ)(12).

فقلب الطفل أرض قابلة للغرس. إن زرعت فيه الصدق نشأ على الصدق، وإن زرعت فيه الكذب تعلم الكذب، وإن زرعت فيه الخيانة تشكلت فيه قابلية الخيانة. لذلك لا يجوز ترك هذه الأرض من غير رعاية، لأن الفراغ لا يبقى فراغًا؛ فإن لم يملأ بالخير امتلأ بما يضره.

فبادرتك بالأدب، يعني أن التربية تحتاج إلى مبادرة. فالمربي لا ينتظر حتى تمتلئ نفس الطفل بالمؤثرات السلبية، بل يبادر إلى غرس الفضائل قبل أن يقسو القلب، أي قبل أن ينغرس في القلب ما يصعب تغييره بعد ذلك.

فالطفل إذا ترك من دون رعاية خاصة، ومن دون توجيه وإرشاد أسري، سيتعلم من الشارع، والأصدقاء، والمدرسة، والبيئة المحيطة. وقد يتعلم العنف، والأذية، والتنمر، وسائر السلوكيات السلبية. ولهذا كانت المبادرة بالأدب ضرورة قبل أن تمتلئ أرض النفس بالأعشاب الضارة.

وقسوة القلب تعني أن يفقد القلب مرونته وقابليته للخير. يصبح جامدًا، قليل التعاطف، ضعيف الاستجابة للتزكية. ومن هنا كانت التوبة علاجًا لقسوة القلب؛ فإذا فعل الإنسان فعلًا سيئًا، فعليه أن يرجع سريعًا حتى لا يدخل الذنب إلى قلبه ويتحول إلى قسوة راسخة.

إن المبادرة بالتربية تعني أن نغرس الفضائل والقيم الصالحة، وأن نسقيها بالرعاية، حتى ينمو الطفل ويصبح إنسانًا مستقلًا، قادرًا على مواجهة الحياة.

(لتستقبل بجد رأيك...)، أي إن التربية تمنح المتربي ثروة ثقافية وأدبية وأخلاقية، تجعله أكثر استقلالًا وجدية، وتمده بمناعة تربوية وأخلاقية تساعده على مواجهة الأمراض الاجتماعية والتجارب المنحرفة.

التربية مشروع هادف ومتدرج

التربية عملية هادفة، لها غايات وخطط، ولا يصح أن تكون عشوائية أو ارتجالية. وهي تبدأ من مرحلة الجنين، ثم الطفولة، ثم المراهقة، ثم الشباب، بل إن الإنسان يبقى محتاجًا إلى التربية حتى بعد أن يكبر، وإن كان في هذه المرحلة مسؤولًا عن نفسه، وقد تكون تربيته ذاتية أو استرشادية.

لكن التربية لا تعني التحكم بحياة الشخص، ولا وضع خطة تقيده وتلغي حريته. فالهدف من التربية المنهجية المرحلية هو أن ينمو الإنسان نموًا طبيعيًا وفطريًا، وأن يصل إلى الفهم الذاتي، لا أن يتحول إلى نسخة مفروضة من غير وعي.

وهنا ينبغي التفريق بين التربية والتلقين. فليس المطلوب أن يلقن الإنسان فقط، بل أن يفهم، ويسترشد، ويتزكى، وينمو. التربية الحقيقية توقظ القيم الكامنة في داخله، وتساعده على أن يجد في نفسه الصدق، والجمال، والنبالة، ثم يعمل بها عن وعي وبصيرة.

التربية النبوية ورفع الأغلال

يقول القرآن الكريم في وصف النبي صلى الله عليه وآله:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)الأعراف/157.

هذه الآية تكشف عن جوهر التربية النبوية، فهي ليست قيدًا على الإنسان، بل تحرير له من القيود. إنها ترفع عنه الأثقال والأغلال، وتزيل المعوقات التي تمنعه من النمو الطبيعي، وتدفع عنه الملوثات التي تفسد فطرته.

فالهدف أن يجد الإنسان نفسه الفطرية من الداخل، وأن يتعلم تعلمًا طبيعيًا، ويتربى تربية سليمة، ويهتدي، وينمو، ويتطور. ومن أمثلة المعوقات التي تفسد التربية أكل المال الحرام، لأنه يلوث النفس، ويضعف صفاءها، ويعيق قابليتها للهداية.

الجذر الإلهي للتربية

إن الأساس الحقيقي للتربية هو التربية الإلهية. فالمناهج التربوية التي تنفصل عن المنهج الإلهي قد تنحرف بالإنسان، لأنها قد تجعل غايتها تحقيق الذات المادية، أو إطلاق الرغبات، أو بلوغ الطموحات بأي وسيلة، أو الانغلاق على الأنانية وكره الآخرين.

فحين يصبح هدف التربية أن يحقق الإنسان رغباته وطموحاته من غير ضابط، أو أن ينظر إلى الآخرين بوصفهم عوائق في طريقه، فإن التربية تفقد رشدها، وتتحول إلى غايات فاسدة وأهداف مضطربة.

أما التربية الإسلامية فتعتمد على التربية الإلهية. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

(أدبني ربي فأحسن تأديبي)(13).

والمقصود أن المنهج التربوي الحق يعتمد على المنبع الصحيح، والينبوع الصافي الذي تصدر منه المناهج السليمة.

ويقول الإمام علي عليه السلام:

(إن رسول الله (ص) أدبه الله عز وجل، وهو أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين، وأورث الأدب المكرمين)(14).

فهناك سلسلة تربوية متصلة؛ تبدأ من الله سبحانه وتعالى، ثم برسول الله صلى الله عليه وآله، ثم بالإمام علي وأهل البيت عليهم السلام، ثم تمتد إلى المؤمنين. وبذلك يكون المنهج التربوي الصحيح منهجًا متصلًا بالوحي والهداية.

ويقول القرآن الكريم:

(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) الجن/16، والطريقة هنا هي طريق رسول الله صلى الله عليه وآله، وطريق الإمام علي وأهل البيت عليهم السلام. فمن يسير على منهجهم يسير على منهج الله سبحانه وتعالى، وهذا المنهج هو الذي يحقق الغايات الصحيحة، ويجلب البركات والخيرات والنعم.

وقد قالت الزهراء سلام الله عليها:

(وطاعتنا نظامًا للملة)(15).

أي إن طاعة أهل البيت عليهم السلام هي النظام الأساس للأمة، وبها يقوم نجاحها واستقامتها.

القدوة أساس التربية

يقول القرآن الكريم:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب/21.

فالذي يريد المستقبل، سواء مستقبل الإنسان في الدنيا من حيث بناء الشخصية، أو مستقبله في الآخرة، لا بد أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وآله.

والتأسي من أهم مناهج التربية. وهو ما يسمى التربية بالقدوة أو التربية بالأسوة. فالقدوة ليست فكرة ثانوية، بل لها أثر كبير في تشكيل الشخصية؛ لأن الطفل لا يتعلم من الكلام وحده، بل يتعلم من المثال الحي الذي يراه أمامه.

ومن أراد أن يؤسس لنفسه ولأولاده منهجًا تربويًا صالحًا، فعليه أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يسير بسيرته. فالأدب الإلهي جعل رسول الله أسوة حسنة لنا، حتى نقتدي به.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام:

(إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب قال: "وإنك لعلى خلق عظيم" ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده)(16).

فرسول الله صلى الله عليه وآله هو الضوء الأعظم، والشمس الكبرى التي نستقي منها المناهج التربوية. فإذا أردنا أن نربي أبناءنا تربية صحيحة، فلنرجع إلى سيرته: كيف كانت أخلاقه؟ كيف كانت سلوكياته؟ كيف تعامل مع الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام؟ وكيف تعامل مع فاطمة الزهراء عليها السلام؟

من سيرتهم وكلماتهم نأخذ المنهج التربوي. ونحن مأمورون عقلًا وشرعًا أن نسير وراءهم حتى نصل إلى النجاة في اليوم الآخر. فالنجاة تحتاج إلى منهجهم في التربية، وإلى تجنب المحرمات، وأداء الواجبات، والطاعة.

التربية الإلهية طريق الفلاح

التربية الإلهية ضمان للنجاح الدائم والفوز الكبير. يقول الإمام علي عليه السلام:

(من تأدب بآداب الله عز وجل أداه إلى الفلاح الدائم)(17).

فالآداب هي الأساليب التربوية، والأدب هو المنهج العام. وإذا تأدب الإنسان بأدب الله، قاده ذلك إلى الفلاح الدائم، لا إلى نجاح مؤقت أو مصلحة عابرة.

أما من يخرج عن هذا الطريق، ويبتعد عن الآداب الإلهية والتربية الإلهية، فإنه يقع في الحسرات. وقد جاء في الرواية المذكورة في فقه الرضا عليه السلام، أنه لما نزلت الآية القرآنية:

"وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ"، أمر النبي صلى الله عليه وآله مناديًا ينادي:

"من لم يتأدب بأدب الله، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات"(18).

فالإنسان الذي لا يتأدب بأدب الله يعيش الحسرات في دنياه. ونحن نرى آثار ذلك في ضياع الأبناء، وتفكك الأسر، وازدياد الطلاق، وتفسخ العلاقات الزوجية. وهذه الحسرات لا تأتي من فراغ، بل من الابتعاد عن المنهج التربوي الصحيح الموجود في القرآن الكريم والروايات الشريفة.

فلماذا نتحسر والمنهج الإلهي ومنهج الرسول وأهل البيت عليهم السلام يقودنا إلى بناء صالح للشخصيات؟ إن هذا المنهج لا يحتاج إلى أموال كثيرة بقدر ما يحتاج إلى إيمان وسير على الطريق الصحيح.

ولو أن إنسانًا موثوقًا قال لشخص: أعطيك خطوة تكسب بها مليون دولار، فإنه سيسأله فورًا عن الطريقة، لأنه يرى فيها ربحًا كبيرًا. أما الفلاح الدائم فهو أعظم من المال، ولا يقدر بثمن. وهذا المثال يقرب الصورة: فالنجاح الحقيقي في الحياة يعتمد على القيم التي نؤمن بها، والأفكار التي نتعلم منها، والطرق التي توجهنا.

التأديب بين القوة والحزم

قد يطرح سؤال مهم: هل معنى التربية، بما هي تأديب، أن نستخدم القوة والتشدد والتحكم في شخصية الطفل؟

إن الهدف من التربية هو إعداد الشخصية إعدادًا متكاملًا، وتأهيلها لتكون ناجحة في المستقبل، ومتوازنة في حياتها. والتوازن يعني الاعتدال والاستقامة، من غير إفراط ولا تفريط. فلا تكون الشخصية متشددة ولا ضعيفة، ولا خشنة ولا لينة إلى حد الانفلات.

من هنا نحتاج إلى مفهوم الانضباط والحزم، مع ضرورة التفريق بين القوة الخشنة والحزم. يقول الإمام علي عليه السلام:

(وَحَزْماً فِي لِينٍ)(19).

فالحزم من دون لين يتحول إلى قوة خشنة، تفرض الأمور على الطفل بالإكراه والقسر، فيفعل ما يطلب منه لأنه مجبر، لا لأنه فهم وتربى. أما اللين من دون حزم فيؤدي إلى الانفلات والدلال الزائد؛ فالطفل المدلل الذي لا يجد حزمًا يعيش مرتخيًا، ضعيف المسؤولية، وربما صار كسولًا.

أما «الحزم في لين» فهو الانضباط المسؤول، وتعليم المسؤولية من غير قسوة. وهذا الأسلوب يحتاج إلى صبر طويل.

الصبر مفتاح التربية الناجحة

أهم نقطة في عملية التربية هي الصبر. فالمربي، سواء كان أبًا أو أمًا أو معلمًا، يحتاج إلى قدرة على التحمل، لأن نتائج التربية لا تظهر فورًا. إنها تحتاج إلى وقت، ونفس طويل، ومتابعة مستمرة.

نحن غالبًا نستعجل النتائج، ونريد من الطفل أن ينضبط سريعًا، وهذا لا يصح. فالإنسان كائن مختار، له عقل، ومشاعر، وعواطف. وإذا فرضت عليه الأمور بالقوة، فقد ينفر، أو تتحطم شخصيته، أو يتمرد ويصبح عنيدًا. والطفل العنيد لا يعالج بالقسوة، بل يحتاج إلى لسان خاص، ومفتاح خاص، وصبر خاص.

وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام:

(لَيْسَ شَيْءٌ أَحْمَدَ عَاقِبَةً وَلَا أَلَذَّ مَغَبَّةً وَلَا أَدْفَعَ لِسُوءِ أَدَبٍ وَلَا أَعْوَنَ عَلَى دَرَكِ مَطْلَبٍ مِنَ الصَّبْرِ)(20).

فمن أراد أن يربي، ويدفع سوء الأدب، ويحقق تربية صالحة، فعليه بالصبر. والصبر يكون بممارسة الحزم في لين، لا بالقسوة ولا بالانفلات والاهمال.

الصبر مفتاح الفرج، ومفتاح حل المشكلات وإيقافها، وعدم الوقوع فيها، هو التربية الصالحة لأبنائنا. فمن خلال الصبر نستطيع أن نفهم أبناءنا، وعندما نفهمهم ينضجون، ويفهموننا، ويتجاوبون معنا.

والتربية تشبه الزراعة. إذا زرع الإنسان بذرة، فإنه لا يحصل على الثمرة في اللحظة نفسها، بل ينتظر حتى تسقى، وتنمو، وتقوى، ثم تثمر. وكذلك التربية، فإن حصادها يحتاج إلى صبر بعيد المدى.

وقد يرى الناس رجلًا كبيرًا في السن يزرع نخلة، فيقولون له: هل ستعيش حتى تأكل من ثمرها؟ فيكون الجواب: زرعوا فحصدنا، ونزرع فيحصدون.

هكذا هي الدنيا؛ زراعة للأجيال. ومن الباقيات الصالحات المثمرة للإنسان: الولد الصالح.

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

.......................................

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 190.

(2) المصدر السابق.

(3) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٧.

(4) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٥٠.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.

(7) بحار الأنوار، ج ٧١، العلامة المجلسي، ص ٨٥.

(8) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٧.

(9) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 54.

(10) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٠٧.

(11) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٧.

(12) نهج البلاغة، الكتب والوصايا، رقم: 31.

(13) بحار الأنوار، ج ٦٨، العلامة المجلسي، ص ٣٨٢.

(14) بحار الأنوار، ج ٧٤، العلامة المجلسي، ص ٢٦٧.

(15) الاحتجاج، ج ١، أحمد بن علي الطبرسي، ص ١٣٤.

(16) الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٢٦٦.

(17) بحار الأنوار، ج ٨٩، العلامة المجلسي، ص ٢١٤.

(18) فقه الرضا، علي ابن بابويه القمي، ص ٣٦٤.

(19) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 193.

(20) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٨٤.

ذات صلة

إسرائيل في الرؤية الشيعيةالقمة الأمريكية-الصينية.. هندسة المنافسة الإستراتيجية العالمية بين العملاقينهل كشفت مواقع التواصل الاجتماعي حقيقتنا الأخلاقية؟لماذا تختفي الرواتب قبل نهاية الشهر؟ما هي نهاية لعبة الذكاء الاصطناعي؟