سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز

د. مظهر محمد صالح

2026-06-08 01:42

تمهيد

ما تزال الاحتياطيات الأجنبية تشكل خط الدفاع الأساسي للدينار العراقي، فيما يواصل البنك المركزي العراقي تثبيت السعر الرسمي عند 1320 دينارًا لكل دولار. غير أن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز تمثل التهديد الخارجي الأكبر، نظرًا لاعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على تدفقات النفط والدولار. ومن ثم، فإن مستقبل سعر الصرف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدة أي اضطراب محتمل في حركة الملاحة عبر المضيق، وحجم الاحتياطيات المتاحة للدفاع عن العملة الوطنية، وقدرة الدولة على المحافظة على تدفق إيراداتها النفطية.

القيمة الخارجية للنقود

إن قيمة العملة الوطنية، أو ما يُعرف بالقيمة الخارجية للنقود التي يعبّر عنها سعر الصرف الرسمي للدينار، ليست مجرد رقم في سوق الصرف، بل هي مرآة تعكس قوة الاقتصاد الوطني ومستوى الثقة بالدولة ومؤسساتها. وفي العراق، يتأرجح الدينار بين ضغوط داخلية وخارجية تجعل من استقراره قضية وطنية تتجاوز الحسابات المالية لتلامس أبعادًا اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع.

ولا شك في أن تعزيز قيمة الدينار يتطلب حزمة متكاملة من السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، تبدأ بتعزيز الاحتياطيات الأجنبية من خلال زيادة أرصدة البنك المركزي من العملات الأجنبية والذهب والأصول الاحتياطية الأخرى، بما يرسخ الثقة بالعملة الوطنية ويعزز قدرتها على الصمود في مواجهة الصدمات.

كما أن تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على النفط، عبر دعم قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات الرقمية والأنشطة الإنتاجية الأخرى، من شأنه أن يحد من هشاشة العملة الوطنية أمام تقلبات الأسواق العالمية. ويتطلب ذلك تحقيق الاستقرار في الحساب الجاري لميزان المدفوعات والمحافظة على فائض مستدام فيه لا يقل عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي السياق ذاته، فإن السيطرة على السوق الموازية وضبط عمليات التهريب والتحويلات غير الرسمية يسهمان في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، في حين يمثل إصلاح النظام المصرفي وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني خطوة أساسية لتعزيز الشفافية وتقليل فرص المضاربة على العملات الأجنبية.

أما السياسات المالية المنضبطة، التي تقوم على ترشيد الإنفاق العام والحد من العجز المالي وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، فتظل ركيزة لا غنى عنها في دعم استقرار العملة الوطنية والمحافظة على قيمتها الخارجية. وفي المقابل، توجد عوامل تضغط على قيمة الدينار وتؤدي إلى تراجعها، من أبرزها انخفاض الاحتياطيات الأجنبية الرسمية بما يضعف قدرة البنك المركزي على التدخل الفاعل في سوق الصرف، فضلًا عن الزيادة المفرطة في الكتلة النقدية خارج نطاق المستهدفات النقدية المرتبطة بالاستقرار السعري، الأمر الذي قد يقود إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع الثقة بالعملة الوطنية.

كما أن الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية يجعل أي انخفاض في أسعار النفط العالمية ينعكس بصورة مباشرة على قوة الدينار، ولا سيما في ظل التأثيرات الجيوسياسية المتزايدة على إمدادات الطاقة العالمية واضطراب تكامل الأسواق نتيجة النزاعات والتوترات التي تشهدها الممرات المائية الحيوية في منطقة الخليج.

كذلك تؤدي التوترات السياسية والإقليمية والعقوبات الدولية إلى تقليص تدفقات العملات الأجنبية وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني، فيما يسهم التهريب والسوق الموازية في زيادة الطلب على الدولار وممارسة ضغوط مستمرة على سعر صرف الدينار.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن رفع قيمة الدينار العراقي إزاء الدولار والعملات الأجنبية الأخرى ليس قرارًا إداريًا يُتخذ بصورة فورية، بل هو مسار طويل يتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة تبدأ من إحكام إدارة السياسات النقدية والمالية، وتمر بتنويع مصادر الدخل الوطني، وتنتهي ببناء الثقة المجتمعية المستدامة بالعملة الوطنية.

أما تراجع قيمة الدينار، فإنه غالبًا ما يكون انعكاسًا لأزمات تصيب الاحتياطيات الأجنبية أو الإيرادات النفطية أو البيئة السياسية والاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن استقرار الدينار يظل مرآة تعكس استقرار الاقتصاد الكلي بأبعاده المختلفة، انطلاقًا من حقيقة أن الأسعار ما هي إلا تعبير نقدي عن قيمة السلع والخدمات، وأن الاستقرار النقدي واستقرار المستوى العام للأسعار يشكلان معًا وجهين لعملة واحدة.

 محركات استقرار سعر الصرف والدفاع عن القوة الشرائية

تستند سياسة استقرار سعر الصرف الرسمي إلى هدف جوهري يتمثل في حماية القيمة الخارجية للنقود الوطنية، بوصفها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المستوى العام للأسعار. وقد انعكس ذلك في وجود علاقة وثيقة بين استقرار سعر الصرف واستقرار أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، في ظل محدودية تأثير السوق الموازية في تشويه المنظومة السعرية أو إضعاف فاعلية السياسة النقدية.

فمن جهة، أسهمت السياسة الحكومية في الحفاظ على استقرار الأسعار الإدارية للسلع والخدمات العامة المقدمة للمواطنين. ومن جهة أخرى، ساعد تمويل الاستيرادات عبر الجهاز المصرفي الرسمي، المعتمد على الاحتياطيات الأجنبية للدولة وبسعر صرف ثابت، في تعزيز استقرار أسعار السلع المستوردة وتوفيرها ضمن مستويات سعرية منضبطة.

كما أدت أنماط التوزيع التجاري الحديثة، وفي مقدمتها المتاجر التعاونية وغيرها من الصيغ التسويقية والتنظيمية المتطورة التي تعتمد أسعار صرف مستقرة في عملياتها التجارية، دورًا مهمًا في تعزيز المنافسة وممارسة نوع من «الدفاع السعري» الذي حدّ من الضغوط التضخمية وأسهم في استقرار أسعار العرض السلعي.

وعليه، فإن تفاعل هذه السياسات والعوامل قد شكّل منظومة متكاملة للدفاع عن استقرار القيمة الشرائية للدينار العراقي والحفاظ على الثقة به، ولا سيما في ظل التحديات والظروف الجيوسياسية الاستثنائية التي تشهدها المنطقة والعالم، وما يرافقها من تقلبات في الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد والتدفقات المالية.

وعلى الرغم مما تقدم، يمكن الاستنتاج ان الدينار العراقي مستقر ما دامت الاحتياطيات النفطية والنقدية قادرة على تعويض الصدمات الخارجية، لكن أي اضطراب طويل الأمد في تدفقات النفط عبر هرمز يبقى التحدي الأكبر أمام استقرار سعر الصرف.

ختامًا

إن ما ورد أعلاه يمثل جوهر ما صرّحتُ به لوسائل الإعلام أمس بكل مهنية وموضوعية، ولا يوجد أي اختلاف أو تعارض مع ما تم تداوله في هذا الشأن. ولم أدلِ بأي تصريح يخالف ما تم بيانه آنفاً، لذا وددت التنويه.

ذات صلة

سنّ القوانين في ضوء فطرة الإنسانالاسلام والتحول الاجتماعي وآفاق بناء المستقبلالغدير ومنهج بناء الوعيقوة النظام السياسي العراقي وآليات التداول السلمي للسلطةالذكاء الاصطناعي بين الطفرة والفقاعة