صمت الطريق بعد الأربعين

عباس سرحان

2026-08-08 09:18

كنتُ قبل أسابيع أقف قرب المواكب الممتدة بين النجف وكربلاء، أرقب أصحابها وهم يخرجون الأغطية والفرش والأواني، ينفضون عنها غبار عام كامل، ويهيئونها لاستقبال جموع الزائرين. كانت الأنوار تُضاء من جديد، كأنها قناديل تُعلن بدء موسم الوفاء، وكان الطريق يتهيأ ليغدو نهرًا بشريًا هادرًا.

جاؤوا... تحولت الأرض إلى ملحمة حسينية، امتلأت بالحشود من مختلف الجنسيات، ترفرف فوق رؤوسهم أعلام بلدانهم الجميلة، وتصدح مكبرات الصوت بالقصائد:

"يحسين بضمايرنه صحنه بيك آمنا"،

"واحنه غير حسين ما عدنه وسيله".

وعاد صوت المرحوم عبد الزهرة الكعبي يروي قصة السبايا، ويذكّرنا بخطبة مولاتنا زينب (عليها السلام) وهي تخاطب يزيد:

"فكد كيدك واسعَ جهدك، فوالله لن تمحو ذكرنا"،

وكأن الكعبي ما زال بيننا يخاطب الجموع بصوته الحزين الثابت.

لكن الطريق موحش الآن! كأنه يبكي الجموع التي غادرته فجأة بعد انتهاء الزيارة. كل شيء صامت، وأنا أعبر الطريق نفسه فأراه وقد عاد إلى صمته. المواكب أغلقت أبوابها، أصحابها رحلوا إلى مدنهم، الأنوار أُطفئت، الفرش طُويت، والقدور التي كانت توزع الود والوفاء صارت خاوية كقلوب فقدت أحبتها.

اختفت نداءات: "تفضل يزاير" و"هلا بزوار أبو علي"، وعادت الوحشة القاتلة تطبق على الأمكنة، والأرض نفسها حزينة، والهواء ينوح على أنفاس الملايين الذين مروا وتركوا آثارهم.

نقلتني خطواتي المتعثّرة بين السرادق الخالية، كأنها تجرّني إلى ذاكرة غادرت. ترددت أصوات الزائرين في أذني كأنها لم ترحل: خطواتهم، دعواتهم، دموعهم. شعرت أن الحزن ليس في قلبي وحدي، بل في قلب كل حجر وشجرة وجدار أو عمود على هذا الطريق، كأن الأرض نفسها تبكي غيابهم، وكأن الهواء ينوح لأنه فقد أنفاس الملايين الذين ملأوه بالصلوات والدموع.

إنها الأربعين، تأتي كالعاصفة الروحية، تملأ القلوب نورًا ودموعًا، ثم تغادر فجأة، لتتركنا نتأمل أثرها. وربما هذا الانسحاب هو ما يجعلها خالدة، لأنها تعلمنا أن ننتظرها من جديد، أن نشتاق إليها، أن نعيش على ذكراها حتى تعود.

إنه الحزن الذي يليق بعظمة هذه الشعيرة، حزن لا يُطفئه إلا وعد اللقاء القادم، حين يعود الطريق ليُضاء، وتعود المواكب لتفتح أبوابها، ويعود الزائرون ليملأوا الأرض والسماء بنداء واحد:

"يا حسين".

ذات صلة

تعاسة العيش بالنسبية.. حين يختلط الحق بالباطلعندما تتأخر الرواتب: كيف تتآكل ثقة المواطن وتتراجع إنتاجية الدولة؟اقتصاد العراق في غرفة الإنعاش: هل تنجح محاولات الإنقاذ؟كيف يتأثر تصنيع البلاستيك بالاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط؟ثلاثة لقاءات وخريطة متحركة.. هل يولد شرق أوسط جديد؟