اقتصاد العراق في غرفة الإنعاش: هل تنجح محاولات الإنقاذ؟

موقع الطاقة

2026-08-08 09:14

في كل مرة تتصاعد فيها المخاوف بشأن تأخر صرف الرواتب أو عجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها، يتكرر السؤال ذاته: هل يمر العراق بأزمة مالية حقيقية، أم أنه يواجه أزمة في إدارة موارده؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من مفارقة يصعب تجاهلها. فالعراق يمتلك احتياطيات أجنبية تتجاوز مئة مليار دولار، إضافة إلى أكثر من مئة طن من الذهب ضمن احتياطيات البنك المركزي، وهي من بين أعلى المستويات في المنطقة. ومع ذلك، تتكرر التحذيرات من صعوبة تأمين رواتب الموظفين إذا تعرضت الصادرات النفطية لأي اضطراب، كما قد يحدث في حال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز أو استمرار انخفاض الإيرادات النفطية.

كيف يمكن لدولة تمتلك هذا الحجم من الأصول أن تواجه أزمة في دفع الرواتب؟

لفهم ذلك، يجب التمييز بين الملاءة المالية والسيولة المالية. فالاحتياطيات الأجنبية ليست أموالاً مودعة في حساب وزارة المالية، وإنما أصول يديرها البنك المركزي لحماية استقرار الدينار، والحفاظ على الثقة بالنظام النقدي، وتأمين قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية. لذلك فإن امتلاك احتياطيات كبيرة لا يعني بالضرورة توافر سيولة جاهزة لتمويل الإنفاق الحكومي اليومي.

لكن هذا التفسير لا يعني أن المشكلة خارج نطاق الإدارة المالية. فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد بقدر ما يعاني من اختلال في طريقة إدارتها. فالاعتماد شبه الكامل على النفط جعل الموازنة العامة رهينة للإيرادات النفطية الشهرية، في حين استحوذت الرواتب والنفقات التشغيلية على الجزء الأكبر من الإنفاق العام، مقابل مساهمة محدودة للإيرادات غير النفطية، الأمر الذي جعل أي تراجع في تدفقات النفط يتحول سريعاً إلى أزمة سيولة.

هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العراق اختباراً مماثلاً. ففي الأزمة النفطية التي بدأت أواخر عام 2014 وبلغت ذروتها خلال عامي 2015 و2016، تراجعت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية متدنية، بالتزامن مع الحرب ضد تنظيم داعش. آنذاك تعرضت المالية العامة لضغوط شديدة، لكن الدولة تمكنت من تجاوز المرحلة عبر مزيج من الإجراءات، شملت استخدام جزء من الاحتياطيات الأجنبية بصورة مؤقتة، والاقتراض الداخلي والخارجي، وتنفيذ إصلاحات مالية بدعم من صندوق النقد الدولي. ولم يكن الهدف من الاحتياطيات تمويل الإنفاق بصورة دائمة، بل امتصاص الصدمة إلى حين تعافي الإيرادات النفطية.

واليوم تبدو الظروف مختلفة من حيث حجم الاحتياطيات، لكنها متشابهة من حيث طبيعة التحدي. فالسؤال لم يعد: هل يمتلك العراق المال؟ بل: هل يمتلك آليات مرنة لإدارة أزماته المالية؟

إذا كانت الأزمة الحالية أزمة سيولة مؤقتة، فإن معالجتها ينبغي أن تعتمد على حلول سريعة ومدروسة، لا على إجراءات قد ترهن الاقتصاد لسنوات طويلة.

أولى هذه الخطوات تتمثل في الاستخدام المحدود والمؤقت للاحتياطيات الأجنبية إذا تعطلت الصادرات النفطية نتيجة ظروف استثنائية، على ألا يتجاوز ذلك بضعة أشهر، وبما لا يهدد الاستقرار النقدي. فالاحتياطيات وُجدت أساساً لحماية الاقتصاد في أوقات الأزمات، وليس لتظل رقماً جامداً في التقارير الرسمية.

أما الخطوة الثانية فتتمثل في إعادة توزيع الإيرادات الحكومية. فالكثير من الوزارات والهيئات تحقق إيرادات ذاتية من الرسوم والخدمات، إلا أن جزءاً كبيراً منها يستهلك في المكافآت والحوافز والمخصصات، بينما لا يصل إلى الخزينة العامة سوى نسبة محدودة. وفي الظروف الاستثنائية يمكن رفع حصة وزارة المالية من هذه الإيرادات بصورة مؤقتة لتوفير سيولة إضافية دون تحميل المواطن أعباء جديدة.

ويأتي بعد ذلك تطبيق التمويل الذاتي الجزئي للوزارات، بحيث تسهم الوزارات ذات الإيرادات المرتفعة في تمويل جزء من نفقاتها التشغيلية، بما فيها نسبة من رواتب موظفيها، وفقاً لقدرتها المالية، وهو ما يخفف الضغط على الموازنة المركزية ويحقق قدراً أكبر من العدالة في توزيع الموارد.

كما يمكن للحكومة اللجوء إلى تعبئة المدخرات المحلية من خلال إصدار سندات خزينة موجهة لموظفي الدولة بعائد مناسب، بما يوفر تمويلاً داخلياً أقل كلفة من الاقتراض الخارجي، ويمنح الموظفين في الوقت نفسه أداة ادخارية مضمونة. وإذا صُمم هذا البرنامج بصورة احترافية، فإنه قد يتحول إلى أحد أهم مصادر التمويل المحلي في أوقات الأزمات.

في المقابل، ينبغي أن يبقى طبع العملة دون غطاء اقتصادي والتوسع في الاقتراض الخارجي الخيار الأخير، لأن كلفتهما لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل. فالأول قد يقود إلى موجات تضخمية تضعف القوة الشرائية للمواطن، والثاني يزيد أعباء خدمة الدين ويقلص هامش الحركة المالية للحكومات المقبلة.

إن الأزمة التي يواجهها العراق اليوم ليست دليلاً على فقر الدولة، بل على هشاشة هيكلها المالي. فالدول لا تُقاس بحجم ما تمتلكه من احتياطيات، وإنما بقدرتها على إدارة مواردها بكفاءة عندما تتعرض للصدمات.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس انخفاض أسعار النفط أو تعطل الصادرات، وإنما غياب الرؤية المالية القادرة على تحويل الثروة إلى استقرار دائم. لذلك فإن نجاح العراق في تجاوز هذه المرحلة لن يتوقف على حجم احتياطياته، بل على سرعة اتخاذ قرارات مالية جريئة، ومؤقتة، ومدروسة، تضمن استمرار الدولة في أداء وظائفها دون تحميل الاقتصاد أعباءً قد تستمر آثارها لسنوات.

ذات صلة

تعاسة العيش بالنسبية.. حين يختلط الحق بالباطلعندما تتأخر الرواتب: كيف تتآكل ثقة المواطن وتتراجع إنتاجية الدولة؟صمت الطريق بعد الأربعينثلاثة لقاءات وخريطة متحركة.. هل يولد شرق أوسط جديد؟حتمية حصر السلاح المنفلت بيد الدولة العراقية