سنّ القوانين في ضوء فطرة الإنسان
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
2026-06-08 01:55
(الإنسان حرّ في أن يعمل في داره ما يشاء، لكن تنتهي حريته حيث تبتدئ حرية الجيران)
الإمام الشيرازي
وجود الإنسان في مكان كان، أو مع أي كائن، يلزمه بإقامة روابط مع ذلك المكان وذلك الكائن، وهذه الروابط يجب أن تكون واضحة ومفهومة وقوية، تشترك فيها الجوانب المادية والروحية، وهذا الأمر يتطلب خطوات وإجراءات وعلاقات يقوم بها الإنسان مع الطبيعة (المكان) ومع الإنسان الآخر الذي يقاسمه المكان والزمان أيضا.
وهذه القضايا التنظيمية الحقوقية لا يمكن إنجازها في المجتمع الذي يضم أفرادا قد يكثر أو يقل عددهم، إلا بعد أن يتم تنقيحها وسنها من قبل الإنسان نفسه، على أن يؤخذ في الاعتبار مراعاة علاقته مع الطبيعة، وإذا كان الإنسان يقوم بوضع القوانين الخاصة به وبمجتمعه وتسمى بـ (القوانين الوضعية) في إشارة إلى أن الإنسان هو الذي وضعها بنفسه وهي توصف بالمحدودية لأن مصدرها الإنسان، فهناك قوانين تضعها السماء وهي لا محدودة، مع العلم بأن الإنسان لا يمكنه العيش مع غيره من الناس بلا قوانين.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (الصياغة الجديد لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام):
(لابد للإنسان من إيجاد روابط جديدة لجسمه وروحه معاً، ووضع قوانين خاصة لاستمراره في الحياة، ولا يمكن ذلك إلا بأن يتبع الإنسان قوانين تربطه بالطبيعة من ناحية، وبالمجتمع من ناحية ثانية، وهذه القوانين اما أن تكون موضوعة من قبل نفس الإنسان، أو أن تكون موضوعة من السماء حيث أن الإنسان من دون قوانين لا يتمكن من العيش).
وعندما يتم سن قانون أو قوانين معينة، يجب أن تكون متوفرة على عدة أمور أو جوانب، تجعل منها قوانين فاعلة وملائمة لمن وُضعِت لهم، وهذا يعني بأن القانون الذي لا يكون محكوما أو متوفرا على تلك الخواص أو الأمور، سوف يكون قانونا ناقصا أو غير ملائم من حيث التطبيق، وقد تكون فيه عيوب تستدعي أن تُعاد صياغته من ذوي الأهلية والشأن.
القانون وشرط الشمولية والاستيعاب
وفي مقدمة تلك الأمور أو الجوانب التي يجب أن تتوفر في القانون، أن يكون قانونا يشمل الجميع، بمعنى أن يتم تطبيقه على الجميع، لأنه في حال طُبِّق على مجموعة واستثنى مجموعة أخرى تحمل نفس المؤهلات، سوف يكون هناك تمايزا غير عادل في تطبيق هذا القانون.
وسوف يحدث بسبب هذا التمايز التطبيقي للقانون تصادما بين الناس إذا لم يشمل جميع المؤهلين أو الذين ينطبق عليهم، لذا إذا تم تطبيقه على مجموعة معينة (كأن يكونوا من المقربين للسلطة)، وعدم تطبيقه على مجموعة مشابهة من حيث المؤهلات، فهذا يعني سلب فرص الآخرين ومنحها لأناس قد لا يستحقونها، مما يؤدي إلى اضطرابات ليست في صالح المجتمع.
يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:
(القانون الذي يوضع من أجل الإنسان يجب أن يكون مشتملا على عدة جوانب منها، أن يكون عاماً للجميع، أي أن يكون لكل الناس وإلا يحدث التمايز في الحقوق والمصالح، وهكذا يكون القانون ناقصا ثانيا، وذلك لأنه إذا وضعنا لجماعة من الناس قانونا، ولجماعة أخرى قانونا آخر أو بالعكس إذا وضعنا قانونا معينا لجماعة ما ولم نسنّه لجماعة أخرى، فسوف يؤدي ذلك إلى التصادم بين المجموعتين).
كذلك يتسم القانون غير الشامل، أي الذي لا يشمل جميع المعنيين به، سوف يكون قانونا ناقصا، لاسيما أن الفطرة الإنسانية واحدة عند جميع الناس، وهنا سوف تبدأ المقارنات المختلفة التي تثير التساؤلات عن الأسباب، مما يؤدي بالنتيجة إلى إثارة صدامات قد تتوسع وتكبر وتنعكس نتائجها على السلم الأهلي وعلى حياة المجتمع ونشاطاته المتعددة. حيث يقول الإمام الشيرازي: (بالإضافة إلى أن القانون إذا لم يكن عامّا لكان ناقصا، إذ أن فطرة الإنسان فطرة واحدة كما هو معروف ومعلَن).
ولعل أفضل القوانين هي تلك التي تتفق مع فطرة الإنسان، ولابد من الإشارة والتأكيد على أن الفطرة هي واحدة جذرية عند كل الناس، فإذا جاء القانون في نصّه وفي بنوده وفقراته متماشيا مع الفطرة سوف يكون قانونا منصفا وعادلا ومن ثم مقبول من الناس جميعا، ولهذا قيل إن الفطرة هي مبعث القوانين السليم.
وهنا لابد من التفريق بين نوعين من القوانين، فمنها ما هو وضعي محدود، كما ذكرنا سابقا كون الإنسان هو الذي وضعه ولكن هذا لا يلغي شرط قبول الفطرة على نص هذا القانون أو ذلك، مثلما هو الحال بالنسبة للسنن والقوانين الإلهية التي تراعي في توجهاتها ونتائج تطبيقها ذلك التطابق بين مضامينها وبين فطرة الإنسان مع الإيمان والمعرفة بأن السنن الإلهية ليست محدودة كونها تفوق قدرات الإنسان بسبب سنّها من السماء.
الإمام الشيرازي يقول:
(من الطبيعي أن تكون فطرة الإنسان واحدة بالنسبة إلى نوعه، والفطرة هي مبعث القانون سواء القانون الذي يضعه الإنسان أو القانون الذي تضعه السماء، مع فارق أن مصدر القانون في الأول هو الإنسان المحدود في قدراته، ومصدر القانون في الثاني هو الله سبحانه وتعالى غير المحدود).
القانون وفرص التطور المتاحة
كذلك من الأمور الأخرى التي يجب أن تتوفر في القانون، هو جانب أو صفة الاستيعاب بمعنى لابد أن يكون النص القانوني قادرا على الاستجابة للحاجات الجسدية والعقلية والعاطفية للإنسان، وفي هذا الجانب ليس هنالك فارق بين الإنسان الفرد أو المجتمع، بمعنى مثلما يكون للفرد احتياجات وحقوق ومتطلبات، هنالك أيضا احتياجات للمجتمع كله.
وهذا الجانب لا يجعل الفرد أعلى مكانة من المجتمع، وفي نفس الوقت يراعي المجتمع ومكوناته القدرات الفردية ويرعاها ويشجعها إذا كانت تصب في المصلحتين الفردية والجمعية في نفس الوقت، مما يجعل القانون نصا وروحا مراعيا للفرد والجماعة معا.
حيث يقول الإمام الشيرازي في هذا الخصوص:
(لابد أن يكون القانون مستوعبا، بحيث يحقق حوائج الإنسان الجسدية والعقلية والعاطفية، سواء منها الحوائج الفردية أو الحوائج الاجتماعية في مختلف أبعاد الإنسان).
الأمر الذي يجب أن يكون متواجدا في النص القانوني وأهدافه، هي جانب الموازنة بين طرفيّ معادلة الأخذ من جانب والعطاء من جانب آخر، فلا عطاء من دون حدود يصل إلى حد التخمة، ولا أخذ يؤدي إلى النقص أو إلى الإفقار والشحة في هذا الجانب أو ذاك.
والعمل في ضوء مقولة أو قاعدة (الأهم ثم المهم) فمن غير الصحيح أن يراعي القانون (المهم) ثم يأتي بعد ذلك ليراعي (الأهم)، وفي مراعاة هذه القضية يتحصل القانون على نوع من الاكتمال سواء في النص ومعناه وحدوده، أو في النتائج التي يحققها للناس عموما.
لذا يقول الإمام الشيرازي:
(أن يوازن بين الأخذ والعطاء، فيجب أن يكون القانون وسطيا بين إعطاء الحاجة بقدر، وإعطاء الحرية بقدر، لأنه من الواضح أن كل قانون يسلب بقدرته نسبة من حرية الإنسان، ولذلك يجب أن يلاحظ في وضع القانون (الأهم والمهم) وتقدير كل جانب من الجانبين، سواء بالنسبة إلى حرية الإنسان ملحوظا فيها حرية الآخرين، أو بالنسبة إلى حرية الإنسان ملحوظا فيها الصالح للإنسان نفسه).
لذا لابد أن نفهم بأن حاجة الإنسان للقوانين قضية محسومة، كونها تهدف إلى تنظيم حياته واحتياجاته وحقوقه وعلاقاته، وتُسهم بشكل كبير في ترسيخ الاستقرار والتطور وتثبيت ركائز السلم الأهلي وتتيح لجميع الناس فرصا متكررة للتقدم، والحصول على نتائج أفضل في تحسين حياتهم ورفعها درجات متتالية إلى الأعلى.