إسرائيل في الرؤية الشيعية
حكمت السيد صاحب البخاتي
2026-05-19 04:51
يوم لم تكن تلك التمايزات بين مكونات الوطن العربي الدينية والمذهبية والعرقية وكانت واحدة من أهم انجازات الحداثة السياسية العربية والتي عززت محاولات الهوية الوطنية، وبواسطتها منعت الهويات الفرعية من التغول، وعلى هذا الأساس كانت وحدة الموقف العربي وعلى المستويين الرسمي والشعبي ظاهرة ومنسقة بإزاء القضية الفلسطينية، وحرمانية كيان إسرائيل تلك الحرمانية المستنبطة من الديانة والقومية العربية ومن الوحدة الوطنية وهكذا كانت كل تلك المصادر ترفد الموقف الرافض لكيان إسرائيل فكرة ودولة واحتلالا.
لكن تراجعات الحداثة السياسية العربية واخفاقاتها في المحافظة على نسق الوحدة الوطنية على أثر اخفاقات الدولة الحديثة العربية في الالتزام بمقومات وأفكار الدولة الوطنية وشيوع ظاهرة الاستبداد السياسي والحكم الدكتاتوري في البلاد العربية، وما أعقبه من خراب سياسي على مستوى النظم الحاكمة وعلى مستوى الوعي الاجتماعي–الشعبي، وهو ما أدى الى انفراط العقد في الموقف العربي الموحد بإزاء القضية الفلسطينية وتجاه إسرائيل وبإزاهما أيضا تمايزت المواقف حسب الانتماء الديني والمذهبي والعرقي.
وقد دخل التصنيف المذهبي وبصيغة طائفية على مستوى المؤسسات الفكرية والإعلامية والنخبوية العربية وحتى الدولية وأوضح ما تجلى هذا التداخل في التصنيف الطائفي على مستوى المؤسسات الشعبوية والاندفاعات المتدينة الساذجة.
وقد بلغ هذا التصنيف أو وصل الى مناطق الاحتكاك مع إسرائيل سواء المناطق الفكرية أو المناطق القتالية، وكان من نتائجه إفراز المواقف الفكرية ذات الصبغة الفئوية الخاصة تجاه المسألة شائكة التعقيد في وضع إسرائيل على خارطة العالم العربي وكذلك الإسلامي وصولا خارطة الشرق الأوسط.
وفي ظل افرازات تلك الرؤى كانت الرؤية الشيعية موضع جدل بين المحللين والمراقبين الفكريين والسياسيين ومحاولة تعريف تلك الرؤية تقتضي مراجعتها على مستويين الأول الموقف المرجعي الشيعي تجاه القضية الفلسطينية، والثاني الموقف من وجود إسرائيل في جدل العقيدة المهدوية التي تشكل ركنا أساسيا في العقيدة الشيعية.
وعلى المستوى الأول يعود التأسيس الرسمي للموقف المرجعي الشيعي تجاه القضية الفلسطينية الى فتاوى وبيانات المرجع الأعلى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء الذي عاصرت مرجعيته نشأة إسرائيل ومحاولات استباحة أرض فلسطين، وقد صدرت أربعة بيانات عن مكتبه وبختمه المرجعي تضمنت تلك البيانات التشديد على أن بقاء العرب مرهون ببقاء فلسطين، وفي أحد هذه البيانات كان يقول (وليكن كل أحد على علم جازم أن القضية قضية موت العرب وحياتها وليعلم ناشدو الوحدة العربية والإسلامية إنهم لا يجدونها أبداً إلَّا بنصرة فلسطين فإن انتصرت -بحول الحي وقوته- فما يرومونه من الوحدتين في قبضة أيديهم وعلى كثب منهم وإن كانت الأُخرى- لا سمح الله- فأين العرب وأين الإسلام حتى تكون لهم وحدة أو تتطلبها لهم القضية).
وفي فتوى أخرى قال (إن المحنة والبلوى قد تجاوزت حدود الفتوى وأصبح كل ذي حس من المسلمين يفتي له وجدانه ويوحي له ضميره وجوب الدفاع عن فلسطين بكل ما في وسعه، ويستهون ببذل العزيزين "النفس والمال" في هذا السبيل وإعلان الجهاد المقدّس)، وقد وقف الى جانبه في تلك الفتاوى وفق ما أفادت الصحافة النجفية آنذاك كل من كبار المراجع الشيخ عبد الكريم الزنجاني والشيخ محمد رضا آل يس والسيد علي بحر العلوم والشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد محسن الحكيم، وقد نشرت فتاواهم ومراسلاتهم المجلات والصحف النجفية في أربعينات القرن العشرين ومنها مجلات الغري والبيان والعدل الإسلامي وجريدة الهاتف، وقد أرسل الشيخ محمد أمين الحسيني رئيس الهيئة الغربية العليا رسالة الشكر الى المراجع في النجف الأشرف لاستجابتهم الى نداء الفلسطينين، وكان المرجع الأعلى الشيخ كاشف الغطاء قد سافر الى فلسطين عام 1931م بدعوى من الشيخ الحسيني لحضور المؤتمر الإسلامي في القدس وأدى الخطبة والصلاة جماعة بجميع المشاركين في المؤتمر ثم زار مدن فلسطين وهي حيفا ويافا ونابلس.
وقد شهدت مرجعية السيد محسن الحكيم تواصلا وتفاعلا مع القضية الفلسطينية فقد أصدر في العام 1969م بيانا أدان فيه عملية إحراق المسجد الأقصى وكانت اتصالات قائمة على قدم وساق بين مرجعية السيد الحكيم ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم أفتى بجواز دفع أموال الحقوق الشرعية الى المنظمات الفلسطينية، وقد كان العدد الكبير من الشيعة في لبنان على تقليد المرجع الأعلى السيد الحكيم وهو ما أثار مخاوف جريدة معاريف الإسرائيلية من تداعيات فتاوى السيد الحكيم وأشارت الى إمكانية امتداد عمل المنظمات الفدائية إلى جنوب لبنان كما جاء في ج3 ص288 من موسوعة "فتاوى الدفاع الكفائي" الصادرة عن العتبة العباسية.
ولكن في كل هذه الفتاوى والبيانات كانت المرجعيات الشيعية تتعامل ضمن السياقات الرسمية للدولة العربية في ظل وحدة الموقف آنذاك حول القضية الفلسطينية وظل الموقف الرسمي للمرجعية الشيعية على ما هو عليه حتى بعد التدهور الحاصل للدولة العربية وسقوط أنظمة بعض منها وبعض منها سار باتجاه التطبيع، وجذرية الموقف المرجعي الشيعي تكمن أولياته في جانب منها في العقيدة المهدوية التي تشكل ركنا أساسيا في العقيدة الشيعية وهو المستوى الثاني في الرؤية الشيعية نحو إسرائيل وتختزن فيه التوقعات الشيعية المستقبلية حول إسرائيل، مما يدع التفكير الشيعي ملزما بمواقف المواجهة مع إسرائيل وهو ما يفسر الى حد بعيد تلك الرمزيات المهدوية التي رافقت صيغ المقاومة الشيعية بوجه إسرائيل، ولعل خير من عبر عن الرؤية الشيعية من القضية الفلسطينية شعرا ونظما هو الشهيد السيد حسن الشيرازي فقال:
إيهاً فلسطين الشهيدة كم لنا ----- فيها يطلّ دم ودمع يجمد
إيهاً فلسطين الشهيدة إنّنا ----- نهوى سواك وعن طريقك نقصد
دومي فلسطين الشهيدة ملجأً ----- في النائبات به نكنّ ونخمد
دومي لنا عيناً تنزّ دموعه ----- وجراحه المقصود لا تتضمّد
إنّي أقول ولا أقول مشجّعاً ----- وبكلّ آيات السماء أُؤكّد
إنّ اليهود سيتركون بلادنا ----- ويطهّر الآفاق سيل مزبد
لكنّنا نمضي ويمضي عارنا ----- ويجيء جيل مخلص وموحّد
فيشنّها حرباً تذر رمادهم ----- في البحر حتّى لا يرى متهوّد.
وفي هذا المفصل الحاسم من التوقعات الدينية تتقاطع تلك التصورات الغيبية بين اليهودية والإسلامية لا سيما الشيعية حول المصير النهائي في تلك المعركة الغيبية، وفي الوقت الذي تضج فيه كتب وروايات الملاحم والفتن الإسلامية واليهودية بهذا النوع من التوقعات في تلك الحرب المرتقبة ودورها في تشكيل التصورات الرسمية والشعبية العامة وعلى الجانبين حول هذه الحرب، فإنما هي تكشف عن وجهة في الصراع العربي الإسرائيلي يصطبغ بصبغة الدينية وحروبها التي لا تبقي ولا تذر إن حدثت وقد مهد لها نتن ياهو بحديثه عن إسرائيل الكبرى.
ومن هنا فإن العودة في تفسير هذا الصراع وفق المنطق التاريخي ووفق المنطق المادي المتعلق بالسياسة والمصالح هو الأنسب في حل أزمة الصراع العربي الإسرائيلي التي بدأت تأخذ صيغا من الأبدية غير القابلة للحل ولكن الشرط الحاسم فيها أن تصغي إسرائيل الى المنطق الإنساني والقرار الدولي وتقبل بحل الدولتين وعاصمة الدولة الفلسطينية القدس الشرقية وهو ما لا يتوافق والذهنية الصهيونية، ولعلها تنذر حقا بأن بعدها لا يرى متهود.