اشتراء الخسارة والاستثمار في الضلال

آية الله السيد محمد رضا الشيرازي

2026-03-17 02:24

الآية (أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا لضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ)(1)

المفردات

(اُشْتَرَوُا): الاشتراء هو الاستبدال، وقيل: هو الاستبدال مع رجاء الانتفاع، وفي الآية الكريمة استعارة؛ فكما أنّ الاشتراء فيه إعطاء شيء وأخذ آخر، كذلك كان استبدال أُولئك المنافقين الضلالة بالهدى.

(الضَّلاَلَةَ): الانحراف، والخروج عن القصد.

(رَبِحَتْ): الربح الزيادة على رأس المال.

الإعراب

(اولاء) اسم إشارة، مبني على الكسر في محل رفع، وهو مبتدأ.

و(الكاف) حرف خطاب. ولعل فائدته: تنبيه المخاطب.

و(الذين) خبر.

التفسير

بعد أن بيّن الله سبحانه في الآيات السالفة صفات المنافقين، يخلص في هذه الآية الكريمة إلى التقييم الكلّي لمسيرتهم في الحياة.

فيقول سبحانه: (أُولَئِكَ) أي المنافقون.

وإنّما استخدم القرآن الكريم كلمة (أُولَئِكَ) التي يشار بها إلى البعيد ـ عادةً ـ للدلالة على بُعدهم عن الحقّ والإيمان.

فأُولئك: (اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى).

استبدلوا الضلالة بالهدى فأعطَوا الهدى وأخذوا مكانه الضلالة وما أتعس معاملة يعطي فيها الإنسان الهدى ويأخذ مكانه الضلالة.

لقد كان الهدى بقربهم، فهم كانوا قرب الرسالة، وكانوا يرون النبي (صلى الله عليه وآله)، ويشاهدون المعاجز والآيات، لكنّهم لم ينتفعوا بذلك.

لعلّه لم (يملك) غالبية المنافقين الهدى يوماً ما، ولكن كانوا (يملكون أن يملكوا) و(المِلك) و(ملِكُ الملِكَ) بمعنى واحد.

توضيح ذلك: إنّ الإنسان بالنسبة إلى (الملكية) على ثلاثة أنواع:

1 ـ فتارة: يملك الإنسان الشيء بالفعل.

2 ـ وتارة يملكه بالقوّة، بحيث يكون في استطاعته أن يملكه بالفعل.

3 ـ وتارة لا يملكه، ولا يملك أن يملكه، كالذين يعيشون في القفار النائية، ولا طريق لهم إلى الهدى أبداً.

وحيث إنّ المنافقين كان باستطاعتهم أن يملكوا الهدى، فكأنّهم قد ملكوه بالفعل.

إلا أنّ هؤلاء لم يستفيدوا من النور الذي كان بقربهم، وظلُّوا يعيشون في الظلام.

فهم كمن كانت بقربه دار مهيّأة للسكن، فتركها وتوغّل في مجاهيل الصحراء.

أو كانت لديه عين ماء عذبة فهجرها، واتّجه إلى المستنقعات الآسنة. ويحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى (الهداية الفطرية) الكامنة في أعماق كلّ إنسان. فكل مولود يولد على (الفطرة).

كما ورد في الحديث الشريف(2) فهو يحمل في داخله قلباً نقيّاً ووجداناً طاهراً، يوجِّهه نحو الخير والإيمان.

إلاّ أن بعض الناس يسحق فطرته، ويدوس على وجدانه، حتى يلّف قلبه الظلام ولا يبقى فيه ولو بصيص من النور.

والمنافقون باعوا هذه الهداية الفطرية ـ التي أودعها الله سبحانه في أعماقهم ـ ليشتروا بدلها (الضلالة) حيث قتلوا كلّ إشعاعات النور في وجدانهم، ومسخوا فطرتهم، فلم تعد ترى طريق الهدى أبداً.

وقيل: المراد أنّهم أعطوا أنفسهم، وأخذوا مكان ذلك الضلالة، بينما كان الذي ينبغي أن يبيعوا أنفسهم في قبال الهداية، كما قال الشاعر:

أنفاسُ عُمْرِكَ أثمانُ الجِنانِ فلا --- تشري بِها لَهَباً في الحَشْرِ تَشْتَعِلُ

وقيل: إنّهم استبدلوا بالإيمان الذي كانوا عليه قبل البعثة كفراً، فهم كانوا يبشرون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ويؤمنون به، فلمّا بعث كفروا به، فكأنّهم استبدلوا الكفر بالإيمان.

وقيل: إنّ الآية خاصّة بالمنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم.

ولكن ما هي النتيجة؟

عندما يقدم الإنسان على عمل، فإنّه يستهدف من وراء ذلك مغنماً معينّاً.

وهذا الهدف هو أوّل ما ينقدح في ذهن الإنسان ويحرّكه نحو تهيئة مقدماته الوجودية، وإن كان آخر ما يتحقّق في الخارج.

ومن هنا قيل: (إنّ العلّة الغائيّة علّة فاعلية العلّة الفاعلية).

والمنافقون حين اختاروا (الخط الثالث): (خطّ النفاق). فإنّما كانوا يهدفون القضاء على الإسلام، وتأمين السعادة لأنفسهم، تلك السعادة التي كانوا يجدون في الزحف الإسلامي خطراً عليها.

وقد خسروا هدفهم المنشود فالإسلام قد تقدم رغماً عن آنافهم، كما أصبحت حياتهم مليئة بالقلق والاضطراب والمشاكل بمقتضى قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)(3).

وبالإضافة إلى ذلك فقد خسر أُولئك المنافقون نعمة (الهداية) التي هي أعظم نعمة في هذا الوجود.

وهكذا خسر المنافقون دنياهم، وخسروا آخرتهم أيضاً (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) لأنّ أهدافهم الشيطانية قد مُنيت بالفشل الذريع.

(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فخسروا نعمة الهداية أيضاً.

وتبّاً لها من صفقة يخسر فيها الإنسان دنياه وآخرته، في حين كان بإمكانهم أن يربحوا الدنيا والآخرة معاً!

أقوال أُخَر

وقيل: إنّ المراد بقوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أنهم ما كانوا مصيبين في هذه التجارة والاشتراء.

وقيل في معنى الآية: إنّ الذي يطلبه التجّار في تجارتهم شيءٌ: سلامة رأس المال والربح. وهؤلاء المنافقون قد أضاعوا الأمرين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، وحين لم يبق في أيديهم إلاّ الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح، وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية، لأنَّ الضال خاسر هالك، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجّار البصراء بالأُمور، العالمون بموارد الربح والخسارة.

وعلى هذا فعدم ربحهم في تجارتهم المستفاد من قوله تعالى: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) متفرّع على استبدالهم الضلالة بالهدى المستفاد من قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى) فإنّ خسارة رأس المال في التجارة يترتّب عليها انتفاء الربح، وهؤلاء لمّا خسروا الهدى ـ حين استبدلوا الضلالة بها ـ لم يربحوا في تجارتهم شيئاً.

وأمّا قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فليس معناه عدم اهتدائهم في الدين حتى يكون تكراراً لما سبق، بل لمّا وُصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير في الآية الكريمة إلى عدم اهتدائهم لطرق التجارة كما يهتدي إليها التُّجار البصراء بالأُمور التي يربح فيها ويخسر، فهؤلاء ما كانوا مهتدين للمنهج الصحيح في التجارة، وما كانوا عارفين بالأُسلوب الأمثل في التعامل مع الأُمور وكيف يكون مهتدياً من يضيّع الحياة الأبدية لنزوات عابرة؟ بل يضيّع حياته الدنيا أيضاً، بالقلق والاضطرابات والمشاكل الدائمة، كما يقتضيه قول الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(4).

وهذا القول يأباه ظهور الآية، واختبر الأمر بنظائره فتأمّل.

رواية في المقام

عن العالم (عليه السلام) إنه قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ) باعوا دين الله، واعتاضوا منه الكفر بالله (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) أي ما ربحوا في تجارتهم في الآخرة، لأنّهم اشتروا النار وأصناف عذابهم بالجنّة التي كانت مُعدّة لهم لو آمنوا، وما كانوا مهتدين إلى الحقّ والصواب(5)

* مقتطف من كتاب: (التدبر في القرآن) لمؤلفه آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي

.................................... 

(1) البقرة: 16.

(2) عن النبي (صلى الله عليه وآله): «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه» سفينة البحار 2: 373.

(3) طه: 124.

(4) طه: 124-125.

(5) البرهان 1: 64.

ذات صلة

مضيق هرمز بين التهديد والاغلاق.. السيناريوهات المحتملةمن الصيام العضوي إلى الانضباط الوجداني: رحلة الذكاء العاطفيأمريكا وإيران: شبح فيتنام؟كبسولة مسكنةالعظماء السبعة والهيمنة على أسواق المال العالمية