الدولة الحضارية في القرآن: رؤية سننية للعمران
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-02-25 04:41
مقدمة
يقدّم القرآن الكريم رؤية متكاملة للوجود الإنساني في الأرض، رؤية لا تقف عند حدود الهداية الفردية أو العبادة الشعائرية، بل تتجاوز ذلك إلى تأسيس مشروع إنساني عمراني قيمي شامل، يقوم على استخلاف الإنسان في الأرض، وعلى بناء الحياة وفق منظومة من القيم العليا التي تضبط علاقة الإنسان بالله وبالإنسان وبالكون. وعند قراءة القصص القرآني قراءة سننية تركيبية، تتكشف خيوط متصلة تشير إلى أن رسالة الأنبياء جميعاً كانت تتجه ـ بدرجات مختلفة ـ نحو بناء مجتمع إنساني قيمي راشد، وهو ما يمكن في لغة الفلسفة الحضارية تسميته بـ الدولة الحضارية، أي الدولة القائمة على منظومة القيم العليا الحاكمة للمركب الحضاري الخماسي: الإنسان، الأرض، الزمن، العلم، العمل.
هذه الدراسة تتتبع هذه الدعوة عبر المسار القرآني للنبوة، ابتداءً من قصة آدم عليه السلام، وصولاً إلى الرسالة الخاتمة، في محاولة لإظهار وحدة المشروع القرآني في بناء العمران الإنساني الراشد.
أولاً: التأسيس الأول — آدم والاستخلاف العمراني
يمثل مشهد استخلاف آدم في الأرض نقطة الانطلاق الكبرى في الرؤية القرآنية للعمران البشري، إذ يقول تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهذه الآية تؤسس لعدة مرتكزات حضارية عميقة:
1. مركزية الإنسان في المركب الحضاري: فالإنسان هو الفاعل الأول في الأرض، وهو حامل الأمانة، وهو المسؤول عن توجيه بقية عناصر المركب.
2. الأرض مجال العمل الحضاري: لم يُجعل الإنسان خليفة في السماء، بل في الأرض، بما يعني أن المشروع الإلهي يتجه نحو إعمار الأرض لا الهروب منها.
3. العلم شرط الاستخلاف: إذ أعقب الاستخلاف تعليم آدم الأسماء كلها، في إشارة واضحة إلى أن المعرفة هي الأداة الأولى للنهضة الحضارية.
4. الهداية إطار الحركة الإنسانية: قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وهنا يتحدد المنهج: حركة عمرانية في الأرض، لكنها محكومة بالهدى. بهذا تتشكل البذرة الأولى لفكرة الدولة الحضارية: إنسان مستخلف، أرض معمورة، علم موجِّه، هدى قيمي حاكم، وعمل مستمر عبر الزمن.
ثانياً: مرحلة الإنقاذ القيمي — نوح وإعادة ضبط المسار
مع نوح عليه السلام ننتقل من التأسيس النظري إلى أول أزمة حضارية كبرى، حيث انحرف المجتمع عن منظومة القيم، فكان مشروع نوح موجهاً إلى إعادة بناء الإنسان القيمي قبل إعادة بناء العمران. الملامح الحضارية في دعوة نوح: • التركيز على تصحيح العقيدة بوصفها الأساس القيمي. • الصبر الزمني الطويل (950 سنة) بما يكشف أهمية عنصر الزمن في التغيير الحضاري. • بناء جماعة مؤمنة جديدة (أهل السفينة) تمثل نواة مجتمع بديل. وهنا يبرز مبدأ قرآني مهم: الإصلاح الحضاري يبدأ بإصلاح الإنسان قبل إصلاح البنيان.
ثالثاً: مرحلة بناء المجتمع المنتج — هود وصالح وشعيب
تمثل دعوات هود وصالح وشعيب مرحلة متقدمة، حيث ينتقل القرآن من مجرد النجاة العقدية إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية في العمران.
1. هود وقوم عاد: أزمة الاستكبار العمراني قوم عاد كانوا متقدمين عمرانياً: ﴿إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد﴾، لكن مشكلتهم كانت أخلاقية حضارية: تضخم القوة بلا قيم، والاستعلاء في الأرض، وتوظيف العمران في القهر لا في العدل. وهنا يقرر القرآن مبدأ حضارياً حاسماً: التقدم المادي بلا منظومة قيم يؤدي إلى السقوط الحضاري.
2. صالح وقوم ثمود: أزمة توظيف الموارد ثمود كانوا أهل نحت وهندسة في الجبال، لكن الانحراف وقع في: الطغيان رغم وفرة الموارد، والاعتداء على الحق العام (الناقة رمزاً)، وغياب الانضباط القيمي في إدارة الثروة.
3. شعيب ومدين: أزمة السوق والعدالة الاقتصادية دعوة شعيب هي أوضح نموذج قرآني للبعد الاقتصادي في المشروع الحضاري، إذ ركزت على: إيفاء الكيل والميزان، منع الفساد في الأرض، وضبط السوق بالقيم. وهنا تتضح قاعدة قرآنية مركزية: لا قيام لعمران راشد بدون عدالة اقتصادية.
رابعاً: مرحلة تأسيس النموذج السياسي — يوسف وموسى وداود وسليمان
في هذه المرحلة يبلغ المشروع القرآني مستوى مؤسسياً واضحاً.
1. يوسف عليه السلام: نموذج الإدارة الرشيدة: قصة يوسف تقدم أول نموذج قرآني مفصل للإدارة الاقتصادية للدولة، حيث يظهر التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الموارد عبر الزمن، والجمع بين الأمانة والكفاءة: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾.
2. موسى عليه السلام: تحرير الإنسان أولاً: مشروع موسى بدأ بتحرير الإنسان من الاستعباد الفرعوني، مما يكشف مبدأ حضارياً عميقاً: لا يمكن بناء عمران حضاري تحت القهر السياسي.
3. داود وسليمان: نموذج الدولة المُمكَّنة: في عهدهما تظهر ملامح دولة متكاملة: عدالة قضائية، تسخير العلم والتقنية، إدارة متعددة الشعوب، وقوة منضبطة بالقيم.
خامساً: الذروة المنهجية — الرسالة المحمدية وبناء الأمة
مع الرسالة الخاتمة تبلغ الدعوة الحضارية اكتمالها المنهجي، حيث تتجمع العناصر كلها: بناء الإنسان القيمي عبر منظومة الأخلاق، بناء المجتمع المتضامن، بناء النظام السياسي القائم على الشورى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، بناء الاقتصاد الأخلاقي (تحريم الربا، الزكاة)، وبناء الأمة الشاهدة حضارياً ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.
خاتمة إن القراءة السننية المتكاملة للقصص القرآني تكشف بوضوح أن رسالة الأنبياء لم تكن مجرد دعوة روحية فردية، بل كانت مشروعاً متدرجاً لإعادة بناء الإنسان والعمران على أساس الهداية والقيم، وأن خط النبوة منذ آدم حتى محمد ﷺ يرسم مساراً حضارياً واضح المعالم يقوم على استخلاف الإنسان، وإعمار الأرض، وتسخير العلم، وتنظيم العمل عبر الزمن في إطار منظومة قيم عليا تضبط القوة والثروة والمعرفة. وبهذا المعنى يمكن القول إن القرآن قد وضع الأسس الكلية لما يمكن تسميته في اللغة المعاصرة بـ الدولة الحضارية، لا بوصفها شكلاً سياسياً جامداً، بل بوصفها منظومة قيمية عمرانية متحركة، تتجدد عبر التاريخ كلما نجح الإنسان في إعادة وصل عناصر المركب الحضاري الخماسي بمنظومة القيم العليا التي جاء بها الوحي.