سلاح الاستهزاء.. لماذا ينقلب على المنافقين، وكيف؟
آية الله السيد محمد رضا الشيرازي
2026-02-21 04:01
عقوبتان
الآيتان (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ ِبهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) البقرة: 14-15.
أمّا عقوبة هذا الإستهزاء وهذه السخرية فهي التي تتضمنّها الآية التالية: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُُ بِهِمْ}(1).
فهؤلاء كانوا يسخرون من المؤمنين في محاولة لتحطيم كرامتهم والحطّ من قيمتهم، وسوف يعاملهم الله سبحانه معاملة المستهزئ كعقوبة تتجانس مع عملهم: فيحطّم كرامتهم ويحطّ من قيمتهم، وشتّان ما بين استهزاء عبد ضعيف حقير واستهزاء جبّار السماوات والأرض.
فـ(استهزاء) الله سبحانه ليس على حقيقته، فإنّ الاستهزاء من فعل الجاهلين، قال الله تعالى: {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}(2) بل يعني أنه يعاملهم معاملة المستهزئ، فالمراد به (غاية الفعل) لا (مبدؤه) وقد مرّ توضيح ذلك فيما مضى(3).
وهذا الاستهزاء لا يختصُّ بالآخرة فقط، بل يشمل الدنيا أيضاً، فالمنافق ـ عادة ـ يعيش ذليلاً مهاناً حقيراً، لا يثق به أحد، ولا يطمئن إليه أحد حتى أقرب المقربين إليه، فيعيش حياة بائسة تعيسة لا فكاك له منها أبداً.
وعلى هذا.. فقوله تعالى {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُُ بِهِمْ} لا يعبر عن عقوبة أخروية فقط.. وإنما يعبر أيضاً عن سنة من السنن الإلهية أودعها الله سبحانه في الحياة.. {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}(4).
وقيل: إنّ المراد بالاستهزاء أنه تعالى يجري عليهم حكم المسلمين في الظاهر، كإرثهم من المسلمين، ودفنهم في مقابرهم، وتزويجهم منهم إذا خطبوا، ونحو ذلك، في حين أعدّ لهم اليم العذاب في الآخرة بما أبطنوا من النفاق، يقول الله سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}(5).
فهو تعالى كالمستهزئ بهم حيث أجرى عليهم أحكام المؤمنين في الدنيا، وميّزهم عنهم في الآخرة.
وقيل: إنه مسوق على ضرب من المجاز، والمراد بالاستهزاء جزاء الاستهزاء، وأُطلق عليه الاستهزاء لما بين الفعل وجزائه من الملابسة والسببية، أو من باب التجانس اللّفظي، فهو نظير قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}(6).
وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(7).
وقوله تعالى سبحانه {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}(8).
وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}(9).
وقيل: إنّ ضرر استهزائهم بالمؤمنين لما رجع إليهم، ولا يضرّ عملهم بالمؤمنين، صار كأنّ الله تعالى استهزأ بهم، فهو كما لو أخذ شخص يوجّه السهام نحو (زيد) فعملت عملا أعاد كلّ سهم إليه، وأخذ يصيبه في بدنه، فكأنّك قد استهزأت به.
وقيل: إنّ المراد أنه تعالى يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون، وقد روي عن ابن عباس أنّه قال في معنى (الاستدراج): أنهم كلمّا أحدثوا خطيئة جدّد الله لهم نعمة، وإنّما سمي ذلك استهزاءاً لأن ذلك في الظاهر نعمة وفي الباطن نقمة، وفي ذلك استدراج لهم إلى الهلاك الذي استحقّوه بما سلف من كفرهم.
قال في الكشاف: فإن قلت: فهلاّ قيل: (الله مستهزئ بهم) ليكون طبقاً لقوله {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}؟
قلت: لأنّ (يستهزئ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}(10).
وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتُّك أستار وتكشُّف أسرار، ونزول في شأنهم، واستشعار حذر من أن ينزل فيهم {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ}(11).
هذه هي النتيجة الأولى.
أمّا النتيجة الأُخرى، فهي ما تكشفه الآية الكريمة بقولها: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
و(العمه) هو العمى، فهذا الموقف سيؤدّي بالمنافقين على مرور الأيام إلى العمى الكلّي، فلا يعودون يبصرون طريقهم في الحياة ويظلّون يتخبّطون في ظلمات مهولة بعضها فوق بعض، لا فكاك منها أبدا.
وهذه أيضاً سنة من سنن الله تعالى في الكون، فإنّ المرض النفسي ينمو بطبيعته إن لم يعالج ولم تُجتثَّ جذوره؛ طبقاً للمعادلات التي أودعها الله سبحانه في الكون، فهذا النفاق الدائم والسخرية المستمرة سوف يعمّقان مرض المنافقين الذي في قلوبهم، حتى ينتهي الأمر إلى نهايته الأليمة حيث العمى الكلّي، والضلال الشامل: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}(12).
ويدل على هذا المعنى إضافة (الطغيان) إليهم: (ويمدُّهم في طغيانهم).. فالطغيان تحقّق منهم أوّلاً، والإمداد تحقّق من الله سبحانه ثانياً.
قال في الكشاف: فإن قلت: أيُّ نكتة في إضافته إليهم؟
قلت: فيها(13) إنّ الطغيان والتمادي في الضلالة ممّا اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وإنّ الله بريء منه، ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}(14) ونفياً لوهم من عسى يتوهّم عند إسناد المدّ إلى ذاته ـ لو لم يضف الطغيان إليهم ـ أنَّ الطغيان فعله، فلمّا اسند المدّ إليه على الطريق الذي ذكر، أضاف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته، ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله {وَإِخوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ}(15)(16).
وقيل: إنّ المراد بالمد المنع من الألطاف التي يمنحها الله تعالى للمؤمنين، فإنّهم لما أصروا على كفرهم منع الله تعالى ألطافة وخذلهم، فتزايد الرين والدنس في قلوبهم، ففي كلمة (المدّ) مجاز لغوي؛ إذ أُريد به منع اللُّطف، مع أنّ معناه اللُّغوي غير ذلك، وعلى هذا فلا تجوز في الإسناد، فتدبّر.
وقيل: إنّ المراد بالمدّ في الطغيان ترك القسر وعدم الإلجاء إلى الإيمان.
كما يقال: (أفسد الأمير الرعية) إذا تركهم وشأنهم.
وكما يقال: (إنّ الشرطة تمدّ المهرّبين) إذا غضّت الطرف عنهم. وإنّما يمدُّهم الله سبحانه بمقتضى كون الدنيا دار اختبار وامتحان، وذلك ممّا يتنافى مع القسر والإلجاء.
وقيل: إنّ المراد من (الإمداد) معناه الحقيقي، أي: الزيادة الحقيقية، وإلحاق الشيء بما يقوّيه ويكثّره، وهو فعل الشيطان كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *وَإِخوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} وإنّما نسب إلى الله تعالى، لأنه هو الذي أقدر الشيطان على الاغواء، ومكنّه من ذلك، وخلّى بينه وبين عباده.
وقيل: إنّ المراد بـ(المدّ) هو المدّ في عمرهم، وإمهالهم، فهو مأخوذ من (المدّ) دون (المدد)، قال الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(17)، فتأمّل.
وقد مضى بعض ما يتعلّق بالمقام في قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)، فراجع.
سلاح (الاستهزاء)
أحد أفتك الأسلحة التي يشهرها المنافقون والكافرون والضالّون في وجوه المؤمنين هو سلاح السخرية والاستهزاء.
وقد استخدمت جبهة الباطل هذا السلاح تجاه جبهة الحقّ على طول التاريخ.
فالنبي نوح (عليه السلام) عندما بدأ يصنع الفلك بأمر من الله تعالى أخذ قومه يسخرون منه، ويقولون له: يا نوح كنت نبيّاً فأصبحت نجّاراً!
يقول الله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ *فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ}(18).
والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تعرّض للسخرية من قبل الكفّار والمنافقين.
يقول الله سبحانه {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَانِ هُمْ كَافِرُونَ}(19).
ويقول سبحانه {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(20).
ولم تقتصر القضية على رسول دون آخر، بل شمل الاستهزاء جميع الرسل (عليهم السلام).
يقول الله تعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}(21).
بل إن كل الأنبياء (عليهم السلام) تعرضوا للسخرية والاستهزاء.
قال الله تعالى {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}(22).
وكما لم يسلم الأنبياء (عليهم السلام) لم يسلم المؤمنون من السخرية والاستهزاء.
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ *وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ *وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ *وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَآلُّونَ}(23).
واليوم نجد الباطل يستخدم السخرية بالإسلام والمقدّسات والقيم الدينية كسلاح للتأثير على ذوي النفوس الضعيفة؛ إذ إنّ أهل الباطل لا يرتكزون على قاعدة منطقية رصينة في هجومهم على الدين فيضطرون إلى استخدام السخرية والاستهزاء.
يقول الشهيد الشيرازي في موضوع استهزاء الأعداء بالشعائر الحسينية: «وأمّا ترك الشعائر الحسينية لضحك الأعداء منها فهذا يكشف عن انهزامية بالغة في نفوس هؤلاء الحزبيين، فهل ضحك الأعداء يبرّر التخلُّف عن ديننا وشعائرنا؟ ولقد كان الجاهلون والمنافقون ألذع سخرية وأكثر ضحكاً من الإسلام، غير أنّ النبيّ العظيم لم يعر سخريتهم من الاهتمام ما كان يعيرها لطنين الذباب، فمضى في سبيله لا يلويه شيء حتّى انتصر، وألقى القرآن ضوءا على واقعهم المتفسخ بقوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ *اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. ولقد سخر اليهود بالأذان وسخر المشركون بالسجود(24)، فلم تثن من عزم المسلمين شيئاً، بل ضربوا على ذلك النهج المستقيم، غير مبالين بعثرات غيرهم، حتى ادّخروا لنا التشيّع عبر الزوابع الهوج.
وحيث إن أعداء التشيّع ما ملكوا منذ اليوم الأوّل سلاحاً من العقل والدين لمحاربة التشيّع، لم يجدوا بّداً من التوسُّل بالاستهزاء ـ الذي هو سلاح المبطلين ـ لمطاردة التشيُّع، غير أنّ الحقّ ـ الذي مثلّه التشيع أكمل تمثيل ـ أقوى من أن يهزمه الاستهزاء، وكان الشيعة أصلب من أن ينال منهم الحديد والنار، فكيف بالاستهزاء، وكان أئمتّهم يشجّعونهم على هذا الصمود، وقد دعا لهم الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «.. اللهم إنّ أعداءنا عابوا علينا خروجهم إلينا، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا». وقد دعا النبي (صلى الله عليه وآله) على من يستهزئ بالشيعة على إقامة شعائرهم في حديثه لأمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: «.. وإنّ حثالة من الناس يعيّرون زوار قبوركم كما تُعيَّر الزانية بزناها، أُولئك شرار اُمتّي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة».
ولكن، ما ضر الذين يقيمون شعائر دينهم أن يسخر منهم الجاهلون ما داموا يعلمون: أنهم على حقّ وأنّ أعداءهم على باطل ولقد شكوا عند الإمام الصادق (عليه السلام) استهزاء الأعداء بهم فقال ـ مهدّئاً روعهم: «والله لحظهم أخطاؤا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمّد تباعدوا».
وقال له ذريح المحاربي: إنّي إذا ذكرت فضل زيارة أبي عبد الله (عليه السلام)، هزأ بي ولدي وأقاربي، فقال (عليه السلام) «يا ذريح، دع الناس يذهبون حيث شاؤوا، وكن معنا».
وما قيمة الاستهزاء، حتى يميل الإنسان عن خطّه الصائب من أجله؟ وما قيمة المستهزئين أنفسهم حتى يعير لهم الإنسان اهتماماً؟ ولو كانت لهم قيمة لعلموا ما ينفعهم وينفع الناس، ولكن حيث لا قيمة ولا هدف، تواضعوا بأنفسهم فرضوا أن يكون مستهزئين، فحسبهم هذا الاعتراف العملي بفشلهم وبطلان اتّجاههم.
بالإضافة إلى أنّ موقفنا من الشعائر الحسينية يتركّز على قاعدة فكرية وطيدة، ليس لنا الانحراف عنها، وإن تظاهرت قوى العالم ضدَّها، صحيح أن علينا أن نكّف ضحك الأعداء عنّا، ولكن بماذا يجب أن نكّف ضحكهم عنا؟ هل بالتخلّي عن واقعنا أو باستعراض فضائحهم حتى ينكمشوا على مغازيهم ولا يتطاولوا على مقدّساتنا؟ وهل لنا أن نأخذ بما يشاؤه الأعداء، أو بما يمليه علينا واقعنا؟ ثمّ هل الأعداء أقوى تنكيراً أم إبطال الإسلام؟ وإذا كانت الأجوبة على هذه الأسئلة تؤكّد على الأقسام الأخيرة من شِقَّي الترديد في الأسئلة، فلماذا يضطرب موقفنا بمجرّد ضحك الأعداء؟ وإذا كانت ثقتنا بالأعداء أكثر من ثقتنا بأئمتّنا، فعلينا أن ننبذ الإسلام كلَّه، ونعتنق مبادئ الأعداء؟! وإن كنّا نؤمن أكثر من أعدائنا فلماذا نتبّع أفعال أعدائنا؟ ولماذا لا نتمسّك بتعاليم أئمتّنا؟
وبعد هذا وذاك، علينا أن نعلم: أنَّ الأعداء يتربّصون بنا، فيشجّعون التوافه ويضحكون على العظائم، حتى نترك العظائم ونعيش التوافه، والأعداء عندما يضحكون من شيء فإنّما يضحكون بعقولهم لا بعواطفهم، فلا يضحكون أبداً على نقاط الضعف؛ لأنّهم لا يخافون منها. وإنّما يضحكون دائماً على نقاط القوّة؛ لأنّهم يهابونها، فيحاولون القضاء عليها، فعلينا ـ متى أردنا السيادة ـ أن نستلهم واقعنا بنظرة مستقلّة تعي مكاسبها وخسائرها، ولا نلتفت مطلقاً إلى ما يفعله الأعداء».(25)
روايات في المقام
1 ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} إنه قال إنهم كهانهم.
{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أي: على دينكم.
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي: نستهزئ بأصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله) ونسخر بهم في قولهم (آمنّا)(26).
2 ـ عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّ الله لا يسخر ولا يستهزئ، ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه تعالى يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً»(27).