لماذا ننتخب الديكتاتوريين السابقين وأبناءهم؟

شبكة النبأ

2026-04-20 02:31

بقلم: جيمس لوكستون

تجادل هذه المقالة بأن من السمات الملحوظة، وإن كانت غير المدروسة بما يكفي، في الديمقراطية، انتخابَ ديكتاتوريين سابقين وأبنائهم. فقد فاز هؤلاء «الديكتاديمقراطيون» و«أبناء الديكتاتوريين» بمنصب الرئاسة أو رئاسة الوزراء في نحو خُمس جميع الديمقراطيات الجديدة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين. ولتفسير نجاحهم الانتخابي المثير للدهشة، تستكشف المقالة التوتر بين «الإرث السلطوي»، أي المنافع الانتخابية للارتباط بجذور ديكتاتورية، و«الأعباء السلطوية»، أي التبعات السلبية لمثل هذه الجذور. 

وعلى خلاف الأحزاب السلطوية الوريثة، لا يستطيع الديكتاديمقراطيون وأبناء الديكتاتوريين أن ينأوا بأنفسهم عن الماضي بصورة ذات مصداقية، مما يترك لهم خيارًا وحيدًا تقريبًا هو تبنّيه علنًا. وتستند جاذبيتهم إلى الحنين إلى «عصر ذهبي» أسطوري من الاستقرار أو الازدهار أو غير ذلك من الإنجازات -سواء أكانت حقيقية أم متخيَّلة- المرتبطة بالديكتاتوريات السابقة. وعلى الديمقراطيات أن تستجيب لذلك عبر تفنيد هذه الأساطير عن الماضي، ومعالجة المظالم التي تسهم في تغذية الحنين السلطوي في الحاضر.

نحن نعيش في عصر الانهيار الديمقراطي على أيدي قادة جرى انتخابهم ديمقراطيًا. وقد أصبح هذا المسار «من الديمقراطي إلى الديكتاتور» هو الطريق الرئيسي الذي تموت به الديمقراطيات اليوم، وقد ولّد مصير بلدان مثل فنزويلا والمجر وتركيا أدبيات واسعة ومتنامية حول هذا الموضوع.1 والأقل شهرة هو أن المسار المعاكس، أي «من الديكتاتور إلى الديمقراطي»، شائع أيضًا: فمنذ بداية «الموجة الثالثة» من التحول الديمقراطي عام 1974، أعادت عشرة بلدان على الأقل ديكتاتوريين سابقين إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية. وفي نيجيريا، حدث ذلك لا مرة واحدة بل مرتين: عام 1999 بانتخاب الديكتاتور العسكري السابق أولوسيغون أوباسانجو (1976–79)، ومرة أخرى عام 2015 بانتخاب الديكتاتور العسكري السابق محمد بخاري (1983–85). 

كما أثبت أبناء الديكتاتوريين السابقين أنهم يحظون بشعبية لدى الناخبين. ففي عام 2012، انتخب الناخبون في كوريا الجنوبية بارك كون-هيه، ابنة الديكتاتور العسكري بارك تشونغ-هي (1961–79)، رئيسةً للبلاد. وفي الفلبين، فاز فرديناند «بونغبونغ» ماركوس الابن، نجل الديكتاتور الشخصاني فرديناند ماركوس الأب (1972–86)، في الانتخابات الرئاسية لعام 2022. وبالمجموع، فإن نحو خُمس جميع الديمقراطيات الجديدة منذ عام 1974 انتخبت ديكتاتورًا سابقًا أو ابن ديكتاتور سابق رئيسًا أو رئيسًا للوزراء.2

ما الذي يفسر النجاح الانتخابي لهؤلاء «الديكتاديمقراطيين» و«أبناء الديكتاتوريين»؟ ومن المؤكد أن الانتخاب الديمقراطي لأشخاص ذوي صلات بديكتاتوريات سابقة ليس أمرًا جديدًا. فهناك وعي علمي متزايد بأن التحول الديمقراطي لا يعني تقريبًا أبدًا بدءًا من صفحة بيضاء، إذ إن «البقايا السلطوية» تستمر عادةً بشكل أو بآخر.3 وكان انتخاب «الأحزاب السلطوية الوريثة» واسع الانتشار على نحو خاص، إذ انتخب الناخبون في أكثر من نصف جميع ديمقراطيات الموجة الثالثة رئيس حكومة من حزب له جذور في الديكتاتورية السابقة. وحتى الآن، لم يحظَ انتخاب الديكتاتوريين السابقين وأبناء الديكتاتوريين السابقين إلا باهتمام علمي محدود، رغم ما لذلك من دلالات تجريبية ونظرية مهمة. فهي لا توحي فقط بأننا كنا نقلل من تقدير الحجم الحقيقي للبقايا السلطوية، بل أيضًا -وعلى نحو مقلق- بأن احتضان الماضي الديكتاتوري يمكن أن يكون استراتيجية ناجحة للفوز بالانتخابات في ظل الديمقراطية.

الديكتاديمقراطيون وأبناء الديكتاتوريين

إن الانتخاب الديمقراطي للديكتاتوريين السابقين وأبنائهم شائع بدرجة مدهشة. فلنطلق على الفئة الأولى اسم الديكتاديمقراطيين، وهو لفظ منحوت من كلمتي «ديكتاتور» و«ديمقراطي»،4 وعلى الفئة الثانية اسم أبناء الديكتاتوريين، وفق منطق مماثل. وهناك تاريخ طويل للناخبين وهم يستخدمون حقوقهم الديمقراطية لإعادة ديكتاتوريين سابقين إلى المنصب. فبين عامي 1930 و1945، خضعت البرازيل لديكتاتورية جيتوليو فارغاس، الذي حظر جميع الأحزاب السياسية ابتداءً من عام 1937. وأدى انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية إلى ضغوط من أجل التحول الديمقراطي، فتَنحّى فارغاس وأجرت البرازيل انتخابات تنافسية عام 1945. وفي انتخابات 1950، أعاد الناخبون البرازيليون فارغاس إلى الرئاسة. وحدث الشيء نفسه في تشيلي، التي كانت تحت حكم ديكتاتورية الجنرال كارلوس إيبانييث ديل كامبو من 1927 إلى 1931. وكما في البرازيل، أعاد الناخبون التشيليون إيبانييث إلى الرئاسة عام 1952.

وقد أصبح انتخاب الديكتاديمقراطيين أكثر شيوعًا منذ الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي. ففي عشرة بلدان على الأقل، أعاد الناخبون ديكتاتورًا سابقًا إلى المنصب.5 وقد بدأ هذا تقريبًا مع بدايات الموجة الثالثة نفسها. فكانت جمهورية الدومينيكان، رغم أنها نالت اهتمامًا أقل من نظيراتها في أمريكا الجنوبية، أول بلد في أمريكا اللاتينية يعود إلى الديمقراطية بعد السنوات الحالكة في الستينيات والسبعينيات. ففي عام 1978، صوّتت البلاد على إخراج ديكتاتورها طويل الأمد، خواكين بالاغير، من السلطة. وفي عام 1986، غيّر الناخبون الدومينيكانيون وجهتهم وأعادوا بالاغير إلى الرئاسة. ومثال آخر هو بنين، حيث أطاح الناخبون بالديكتاتور طويل الأمد ماتيو كيريكو من السلطة في الانتخابات الديمقراطية التأسيسية لعام 1991. وفي الانتخابات التالية مباشرة، أعاد الناخـبون البنينيون كيريكو إلى الرئاسة.

كما كان انتخاب أبناء الديكتاتوريين شائعًا أيضًا، إذ فاز أبناء ديكتاتوريين سابقين بالمنصب في ستة بلدان على الأقل.6 ومن الأمثلة على ذلك بنما، التي كانت تحت الحكم العسكري من 1968 إلى 1989. وكان أول ديكتاتور خلال هذه الفترة هو الجنرال عمر توريخوس، الذي توفي في حادث تحطم طائرة عام 1981. وبعد الغزو الأمريكي والانتقال إلى الديمقراطية عام 1989، اختار حزب توريخوس، الحزب الثوري الديمقراطي (PRD)، ابنه مارتين مرشحًا له في الانتخابات الرئاسية لعامي 1999 و2004. وقد فاز في المرة الثانية. ومثال آخر هو كينيا. فقد كان أول زعيم للبلاد جومو كينياتا، الذي أكسبه دوره في النضال ضد الاستعمار البريطاني لقب «أبو الأمة». وخلال خمسة عشر عامًا قضاها في السلطة (1963–78)، صار أكثر استبدادًا تدريجيًا، مؤسسًا نظامًا أحادي الحزب. وفي عام 2002، اختار الحزب الحاكم للزعيم الراحل كينياتا ابنه أوهورو مرشحًا رئاسيًا له، فقاده إلى أول هزيمة في تاريخه. لكن في عام 2013، غيّر الناخبون الكينيون رأيهم، وانتخبوا أوهورو كينياتا (وكان آنذاك مرشحًا عن حزب آخر) رئيسًا.

## الديكتاديمقراطيون، 1974–2025

خواكين بالاغير (جمهورية الدومينيكان): ديكتاتور شخصاني، 1966–78. انتُخب ديمقراطيًا عام 1986. أعاد ترسيخ السلطوية.

هوغو بانزر (بوليفيا): ديكتاتور عسكري، 1971–78. انتُخب ديمقراطيًا عام 1997.

ديزي بوترسي (سورينام): ديكتاتور عسكري، 1980–87 و1990–91. انتُخب ديمقراطيًا عام 2010.

محمد بخاري (نيجيريا): ديكتاتور عسكري، 1983–85. انتُخب ديمقراطيًا عام 2015.

ماتيو كيريكو (بنين): ديكتاتور شخصاني، 1972–91. انتُخب ديمقراطيًا عام 1996.

أولوسيغون أوباسانجو (نيجيريا): ديكتاتور عسكري، 1976–79. انتُخب ديمقراطيًا عام 1999.

دانييل أورتيغا (نيكاراغوا): رئيس نظام ثوري، 1979–90. انتُخب ديمقراطيًا عام 2006. أعاد ترسيخ السلطوية.

مانويل بينتو دا كوستا (ساو تومي وبرينسيب): رئيس نظام أحادي الحزب، 1975–91. انتُخب ديمقراطيًا عام 2011.

بيدرو بيريس (الرأس الأخضر): رئيس نظام أحادي الحزب، 1975–91. انتُخب ديمقراطيًا عام 2001.

ديدييه راتسيراكا (مدغشقر): ديكتاتور شخصاني، 1975–93. انتُخب ديمقراطيًا عام 1996.

جواو برناردو فييرا (غينيا بيساو): ديكتاتور شخصاني، 1980–99. انتُخب ديمقراطيًا عام 2005.

إن انتخاب الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين له دلالات تجريبية مهمة: فهو يشير إلى أننا كنا نقلل من عدد المرات التي يفوز فيها أشخاص ذوو صلات بديكتاتوريات سابقة بمنصب في ظل الديمقراطية. وكانت الأرقام مرتفعة أصلًا. وكما ناقشت في موضع آخر في هذه الصفحات، فمن أصل 65 بلدًا شهدت انتقالًا إلى الديمقراطية بين عامي 1974 و2010، انتخب 36 بلدًا منها (55 بالمئة) رئيسًا أو رئيس وزراء من حزب سلطوي وريث.7 لكن إذا احتسبنا عدد الديمقراطيات الجديدة التي انتخبت رئيسًا أو رئيس وزراء من حزب سلطوي وريث أو ديكتاتورًا سابقًا أو ابن ديكتاتور سابق، فإن العدد يرتفع إلى 41 بلدًا (63 بالمئة). وبينما كان معظم الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين مرشحي أحزاب سلطوية وريثة، فإنهم في خمسة بلدان -بنين، وإندونيسيا، وكينيا، ونيجيريا، والفلبين- ترشحوا كمستقلين أو من خلال نوع آخر من الأحزاب. إن وجود الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين لا يجبرنا فقط على تحديث إحصائنا للبقايا السلطوية، بل يحمل أيضًا دلالات نظرية مهمة - إذ إنهم، بخلاف الأحزاب السلطوية الوريثة، لا يملكون خيار القطيعة مع الماضي.

## أبناء الديكتاتوريين، 1974–2025

الشيخة حسينة (بنغلادش): ابنة الشيخ مجيب الرحمن، زعيم الاستقلال والديكتاتور (1972–75). انتُخبت ديمقراطيًا عامي 1996 و2008. أقامت السلطوية في المرة الثانية.

أوهورو كينياتا (كينيا): ابن جومو كينياتا، زعيم الاستقلال ورئيس نظام أحادي الحزب (1963–78). انتُخب ديمقراطيًا عام 2013.

فرديناند «بونغبونغ» ماركوس الابن (الفلبين): ابن فرديناند ماركوس الأب، الديكتاتور الشخصاني (1972–86). انتُخب ديمقراطيًا عام 2022.

بارك كون-هيه (كوريا الجنوبية): ابنة بارك تشونغ-هي، الديكتاتور العسكري (1961–79). انتُخبت ديمقراطيًا عام 2012.

برابوو سوبيانتو (إندونيسيا): صهر سوهارتو السابق، الديكتاتور العسكري (1966–98). انتُخب ديمقراطيًا عام 2024.

ميغاواتي سوكارنوبوتري (إندونيسيا): ابنة سوكارنو، زعيم الاستقلال والديكتاتور الشخصاني (1949–66). انتُخبت رئيسة بصورة غير مباشرة عام 2001.

مارتين توريخوس (بنما): ابن عمر توريخوس، الديكتاتور العسكري (1968–81). انتُخب ديمقراطيًا عام 2004.

الإرث السلطوي في مقابل الأعباء السلطوية

إلى أي مدى يُعد فوز الديكتاتوريين السابقين وأبناء الديكتاتوريين السابقين بمنصب في ظل الديمقراطية أمرًا مفاجئًا؟ يعتمد الجواب على ما إذا كان المرء يرى أن الصلات بالديكتاتوريات السابقة تمثل ميزة أم عبئًا. وقد ظل الأدب المتعلق بالأحزاب السلطوية الوريثة طويلًا مترددًا إزاء هذه المسألة. ويمكن رؤية ذلك في الدراسة الرائدة لآنا غجيمالا-بوس عن الأحزاب الوريثة للشيوعية في شرق أوروبا الوسطى. فمن جهة، جادلت بأن مثل هذه الأحزاب استفادت من «ماضٍ قابل للاستخدام»، أو «السجل التاريخي لإنجازات الحزب الذي يمكن للنخب الإشارة إليه، وتصوّرات الجمهور لهذا السجل». ومن جهة أخرى، جادلت بأن «هذه الأحزاب، بعد أن فقدت مصداقيتها وأُجبرت على الخروج من السلطة، كان عليها الآن أن تُقنع كلًّا من الناخبين والأحزاب الأخرى بنيّاتها وقدراتها الديمقراطية»، وهو ما تطلب منها «القطيعة الرمزية مع الماضي».8 ويبدو أن هاتين الحجتين التوأمين - امتلاك ماضٍ قابل للاستخدام مع الحاجة في الوقت نفسه إلى القطع مع الماضي - في حالة توتر.

وفي عملي الخاص عن الأحزاب السلطوية الوريثة، حاولت التوفيق بين هاتين الحجتين عبر إطار بسيط لكنه قوي: «الإرث السلطوي» في مقابل «الأعباء السلطوية».9 فالإرث السلطوي يشير إلى فوائد الماضي السلطوي. فسواء أحببنا ذلك أم لا، تحظى كثير من الأنظمة السلطوية بدعم شعبي معتبر، ويمكن أن يترجم ذلك بدوره إلى علامة شعبية للحزب الذي يخلفها. ومن الأشكال الأخرى الممكنة للإرث السلطوي: التنظيم الإقليمي، والشبكات الزبائنية، ومصدر تمويل الحزب. وبالطبع، ليست جميع الأنظمة السلطوية تورّث المقدار نفسه من الإرث لخلفائها. فهذا يعتمد على طيف من العوامل، منها مدى جودة حكم النظام، وما إذا كان قد انتهى بشروطه الخاصة أم أُجبر على مغادرة السلطة. ومع ذلك، وعلى الرغم من تفاوت مقدار الإرث السلطوي، فمن غير القابل للإنكار أن الديكتاتوريات المنصرفة كثيرًا ما تترك لخلفائها موارد قد تكون ثمينة في سياق الديمقراطية.

وإذا كان الإرث السلطوي يشير إلى فوائد الماضي السلطوي، فإن الأعباء السلطوية تشير إلى تبعاته السلبية. فكل الأنظمة السلطوية، بحكم التعريف، تفتقر إلى تفويض ديمقراطي وتمارس مستويات من القمع لا يمكن قبولها في ظل الديمقراطية. إلا أن بعضها أسوأ من البعض الآخر. ففي أثناء «الحرب القذرة» في الأرجنتين، على سبيل المثال، ارتكب النظام العسكري في البلاد (1976–83) القتل والتعذيب على نطاق مروّع. وعندما انتهى النظام أخيرًا، كان ذلك على خلفية أزمة اقتصادية وهزيمة مذلة أمام بريطانيا العظمى في حرب فوكلاند عام 1982. وكانت النتيجة أعباء سلطوية هائلة وإرثًا سلطويًا ضئيلًا. فصار أي ارتباط بالنظام بمثابة قبلة الموت بعد عودة الديمقراطية عام 1983 - وهو ما ضمن أن تصبح الأرجنتين واحدة من عدد صغير نسبيًا من ديمقراطيات الموجة الثالثة التي لم تُنتج حزبًا سلطويًا وريثًا بارزًا. أما في معظم البلدان، فلم تكن كفة الإرث في مقابل العبء مختلة إلى هذا الحد، مما خلق تحديات وفرصًا في آنٍ واحد للأحزاب السلطوية الوريثة.

ووفقًا لهذا الإطار، يكمن سر النجاح في التخلص من أكبر قدر ممكن من الأعباء السلطوية للحزب من أجل الاستفادة الكاملة من إرثه السلطوي. وللقيام بذلك، طورت الأحزاب السلطوية الوريثة مجموعة من الاستراتيجيات، وهي استراتيجيات ليست، في معظمها، متاحة للديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين.

 أول هذه الاستراتيجيات هو التوبة. وكانت هذه هي الاستراتيجية التي استخدمتها الأحزاب الوريثة للشيوعية في بولندا والمجر. وكما توضح غجيمالا-بوس: «إن التنديد بالأخطاء والجرائم السابقة كان يبعث إشارة إلى المؤيدين الحاليين والمحتملين على السواء بأن الحزب يدرك لماذا فقد مصداقيته إلى هذا الحد، وأنه يعترف بالمسؤولية عن تاريخه».10 

أما الاستراتيجية الثانية فهي التمويه. وكانت هذه هي الاستراتيجية التي اتبعها حزب الجبهة الليبرالية (PFL) في البرازيل، وهو فصيل منشق عن الحزب الحاكم السابق للنظام العسكري البرازيلي (1964–85) و«وارثه الحقيقي».11 وقد سعى الحزب إلى صرف الانتباه عن أصوله لا فقط بالانشقاق عن النظام في أيامه الأخيرة المحتضرة، بل أيضًا عبر الفعل غير الموارب المتمثل في إعادة تسمية نفسه إلى «الديمقراطيون». أما الاستراتيجية الأخيرة فهي تحميل المسؤولية لطرف آخر. وكانت هذه الاستراتيجية التي استخدمها الحزب الثوري الديمقراطي في بنما، حيث هيمن رجلان على النظام السلطوي الطويل الأمد: عمر توريخوس (1968–81) ومانويل نورييغا (1983–89). وفي ظل الديمقراطية، تبنّى الحزب إرث توريخوس بينما ندّد بنورييغا، رغم أنه كان قد دعمه بالكامل حين كان في السلطة.

هذا الإطار الخاص بالإرث السلطوي في مقابل الأعباء السلطوية، والتصنيف الخاص باستراتيجيات التخلص من الأخيرة، يُعدّان أدوات مفيدة لتحليل الأحزاب السلطوية الوريثة، لكنهما أقل فائدة بكثير في فهم الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين. فالديكتاتور السابق لا يستطيع، بصورة ذات مصداقية، أن يقطع مع الماضي (التوبة) أو أن ينكر دوره فيه (التمويه). ومن غير الواقعي بالمثل أن نتوقع من أبناء الديكتاتوريين السابقين أن ينددوا بنسبهم أو يخفوه، لا سيما عندما يكون هذا النسب مصدرهم الرئيسي للرأسمال السياسي. وقد يكون تحميل المسؤولية لطرف آخر ممكنًا نظريًا بالنسبة إلى أبناء الديكتاتوريين، وإلى حد أقل بالنسبة إلى الديكتاديمقراطيين، وبالفعل، استُخدم بنجاح من قِبل مارتين توريخوس والحزب الثوري الديمقراطي في بنما، كما ذُكر أعلاه. لكن قلة من الأنظمة السلطوية يمكن تقسيمها بهذا الشكل النظيف إلى فترتي ديكتاتور «جيد» وديكتاتور «سيئ». وهذا لا يترك أمام الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين سوى خيار واحد: احتضان الماضي، بصوت عالٍ وبفخر.

احتضان الماضي

إن هوية الديكتاديمقراطيين ذاتها تضمن أن يعرف الناخبون دورهم في الديكتاتورية السابقة، كما أن سلوكهم يميل إلى أن يكون نقيض التوبة تمامًا. خذ مثلًا هوغو بانزر، الديكتاتور العسكري لبوليفيا من 1971 إلى 1978. فبعد عودة الديمقراطية في الثمانينيات، تبنّى حزب بانزر شعار ديكتاتوريته: «النظام، السلام، والعمل»، وكان الديكتاتور السابق غير نادم البتة على الانتهاكات الماضية. وكما شرح بانزر: «لقد تصرفنا بسلطوية، أعترف بذلك. لكن ذلك كان جزءًا من لحظة تاريخية... لا يمكنني أن أمضي طوال اليوم جاثيًا على ركبتي أعتذر». ثم أوضح أيضًا أن «الذين اختفوا لم يكونوا ملائكة صغارًا ولا قديسين».12 وينطبق الأمر نفسه على ديزي بوترسي، الديكتاتور العسكري لسورينام في مناسبتين خلال الثمانينيات والتسعينيات. فكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بعد عودته الديمقراطية إلى السلطة عام 2010:

«بدلًا من التقليل من شأن ماضيه، احتفل السيد بوترسي به بتحدٍّ منذ انتخابه في يوليو الماضي من قبل البرلمان. فقد خصص يوم 25 فبراير، وهو اليوم الذي نفذ فيه هو وجنود آخرون انقلابًا عام 1980، عطلةً وطنية، واصفًا إياه بأنه “يوم التحرير والتجديد”».13

كما احتضن أبناء الديكتاتوريين السابقين الماضي أيضًا. ففي بنما، كان عنوان الأغنية الرئيسية في حملة مارتين توريخوس «عمر حي»، في إشارة إلى والده الراحل الذي كان يصفه بأنه «بطلي».14 وفي كوريا الجنوبية، حرصت بارك كون-هيه على زيارة قبر والدها بارك تشونغ-هي في اليوم التالي لانتخابها رئيسةً. وفي الفلبين، وصف بونغبونغ ماركوس والده بأنه «عبقري» وتعهد بأن يحذو حذوه.15 وفي بيرو، احتفت كيكو فوجيموري بإرث والدها، ألبرتو فوجيموري، الحاكم المستبد السابق (1992–2000) المعروف بين مؤيديه باسم «إل تشينو» (الرجل الصيني). وفي التجمع الختامي لحملتها الرئاسية لعام 2011، وصفت كيكو والدها بأنه «أفضل رئيس في بيرو»، قائلة: «فليُسمع التصفيق حتى ديرويس (السجن الذي كان محتجزًا فيه): صفّقوا للتشينو!».16 ورغم أن كيكو فوجيموري لم تفز بالرئاسة، فإنها كانت على وشك الفوز بها في انتخابات 2011 و2016 و2021.

لماذا يكون هذا الاحتضان للماضي رسالة جذابة جدًا للناخبين في كثير من الأحيان؟ الجواب هو أن بعض الديكتاتوريين يستطيعون الإشارة إلى إنجازات حقيقية. ففي السنة التي سبقت انقلاب بانزر، شهدت بوليفيا «سلسلة تكاد تكون هزلية من الانقلابات والانقلابات المضادة»، وفي السنوات الأربع التي تلت الإطاحة به، «كان هناك سبع حكومات عسكرية وحكومتان مدنيتان ضعيفتان».17 أما نظام بانزر الذي دام سبع سنوات، فكان -بالمقارنة- جزيرة من الاستقرار السياسي. وإضافة إلى ذلك، وبفضل ارتفاع قيمة الصادرات الرئيسية لبوليفيا، شهدت البلاد طفرة اقتصادية. وعلى النقيض من ذلك، عندما ترسخت الديمقراطية أخيرًا في أوائل الثمانينيات، انزلقت البلاد إلى أزمة تضخم مفرط. ولتعظيم هذا التباين، نشر بانزر سلسلة من الإعلانات الصحفية تقارن بين كل شيء، من سعر الخبز إلى أرقام التوظيف، أثناء ديكتاتوريته وبعدها، مختتمًا بالعبارة: «ثقوا، لأن بانزر سيعود».18 وقد لاقت هذه الرسالة صدى. فقد حلّ بانزر في المركز الأول في الانتخابات الرئاسية لعامي 1985 و1997 (على الرغم من أنه لم يصبح رئيسًا إلا في المرة الثانية بسبب خصوصيات المؤسسات الانتخابية البوليفية آنذاك).

ويحتضن أبناء الديكتاتوريين الماضي للسبب نفسه، آملين في جني فوائد إنجازات آبائهم. ولماذا قد يصوّت أحد لمرشح بناءً على شيء فعله والده؟ إن ظاهرة «الديمقراطية الوراثية»، كما ناقشتها في هذه الصفحات، شائعة على نحو مدهش.19 فمنذ عام 1945، انتخبت نحو 40 بالمئة من جميع الديمقراطيات في العالم رئيس حكومة كان ابنًا أو زوجًا أو أخًا أو أختًا لرئيس حكومة سابق. ولتفسير السلالات الديمقراطية، يستدعي دانيال م. سميث مفهوم «الميزة الوراثية للمتولي المنصب».20 ومن المعروف أن شاغلي المناصب في الديمقراطيات يستفيدون من طيف من الامتيازات، منها التعرف إلى الاسم، والتغطية الإعلامية، والتأثير في الإنفاق العام. ورغم أن أبناء السياسيين السابقين ليسوا، من الناحية الفنية، شاغلي مناصب، فإن كثيرًا من الناخبين يبدو أنهم يعاملونهم كما لو كانوا كذلك. فإذا حكم الأب بطريقة معينة، يفترض الناخبون -أو يأملون- أن يحكم الابن أو الابنة بالطريقة نفسها.

ويقع أبناء الديكتاتوريين عند تقاطع الإرث السلطوي والديمقراطية الوراثية. فالديكتاتور الأب يخلق علامة شعبية، ويحاول الابن أو الابنة أن يجعل هذه العلامة ملكًا له أو لها. ففي كوريا الجنوبية، أطلق بارك تشونغ-هي واحدة من أسرع النهضات الاقتصادية في القرن العشرين، مولّدًا قاعدة من الدعم الشعبي. وكان أشهر شعار لنظامه هو «حاولوا أن تعيشوا جيدًا». وعندما ترشحت ابنته بارك كون-هيه للرئاسة، استخدمت الشعار: «حاولوا أن تعيشوا جيدًا، من جديد».21 وفي بنما، أصبح عمر توريخوس بطلًا قوميًا بعد تفاوضه على معاهدتين مع الولايات المتحدة عام 1977 نصّتا على تسليم قناة بنما إلى بنما عام 1999. (وكانت قناة بنما قد بُنيت على يد الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، وأصبحت القناة والشريط المحيط بها من الأراضي بمثابة مستعمرة أمريكية فعلية). وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 1999، فإن ابن الديكتاتور الراحل، مارتين، «شدد على فكرة أن والده، بما أنه كان قد وقّع معاهدات توريخوس–كارتر التي كان من شأنها أن تمنح بنما قناة بنما، فإن “توريخوس” ينبغي أن يتلقى مفاتيح الممر المائي في 31 ديسمبر 1999».22

مغالطة العصر الذهبي

لعل انتخاب ديكتاديمقراطيين مثل هوغو بانزر في بوليفيا، وأبناء ديكتاتوريين مثل بارك كون-هيه في كوريا الجنوبية، ليس مفاجئًا إلى هذا الحد. فقد كان الديكتاتوران في البلدين قد أدّيا أداءً جيدًا، مما جعل احتضان الماضي استراتيجية قابلة للاستمرار. والأكثر إرباكًا هي الحالات التي لا تستطيع فيها الديكتاتوريات السابقة أن تدّعي عمليًا أي إنجازات، ومع ذلك يقرر الناخبون انتخاب ديكتاديمقراطي أو ابن ديكتاتور. وأبرز مثال على ذلك هو الفلبين. ففي سجل الديكتاتوريين الكليبتوقراطيين، قلّما توجد شخصيات أكثر سوء سمعة من فرديناند ماركوس. فقد انتُخب ماركوس ديمقراطيًا عام 1965، قبل أن يعلن الأحكام العرفية في 1972 ثم يحكم ديكتاتورًا طوال العقد والنصف التالي. ولم يكن نظامه قمعيًا فحسب، بل كان أيضًا فاسدًا على نحو استثنائي وسيئًا في إدارة الاقتصاد. فقد نهب ماركوس وزوجته إيميلدا مليارات الدولارات من خزائن الدولة الفلبينية، وعندما أُطيح به أخيرًا في «ثورة سلطة الشعب» عام 1986، كان ذلك على خلفية اقتصاد متقلص ودين وطني متضخم.

ومن وجهة نظر موضوعية، لم يكن في ديكتاتورية ماركوس ما يُذكر لصالحها. غير أن وجهة النظر الموضوعية ليست دائمًا هي الأكثر أهمية. المهم هو كيف يتذكر الناس النظام، وقد تكون هذه الذكرى دقيقة أو غير دقيقة. وفي حالة الفلبين، صار كثيرون يعتقدون أن سنوات ماركوس كانت نوعًا من «العصر الذهبي». ووفق هذه الرؤية، كانت البلاد قد تمتعت بالسلام والازدهار وفساد أقل في عهد ماركوس مقارنة بما بعد الانتقال إلى الديمقراطية. وقد دُفعت هذه السردية الزائفة من قبل جيش من المؤيدين على يوتيوب وفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية لعام 2022 في البلاد، حتى أصبحت الفلبين «نظامًا بيئيًا مزدهرًا للأكاذيب السياسية».23 ولم تكن هذه إلا أحدث طلقة في جهد استمر سنوات لإعادة تأهيل إرث نظام ماركوس، تضمن قرار الرئيس رودريغو دوتيرتي (2016–22) تكريم الديكتاتور الراحل بنقل جثمانه إلى مقبرة الأبطال في العاصمة (وأصبحت عائلتا ماركوس ودوتيرتي لاحقًا حليفتين، قبل أن يتخاصما ويصيرا خصمين).

إن إعادة تخيّل سنوات ماركوس هذه مثال متطرف على «مغالطة العصر الذهبي»، أي الاعتقاد الخاطئ بأن الحياة كانت أفضل في ظل الديكتاتورية القديمة. والفلبين ليست وحدها. ففي السنوات الأخيرة، شهدنا تكاثرًا لما يمكن أن نسميه «أحزاب الحنين السلطوي»، ومنها فوكس في إسبانيا، وشيغا في البرتغال، والحزب الجمهوري في تشيلي.24 وقد جعلت هذه الأحزاب الثلاثة الحنين إلى أنظمة فرانكو، وسالازار، وبينوشيه، على التوالي، جزءًا أساسيًا من هويتها، على الرغم من أن قادة هذه الأحزاب أصغر سنًا من أن يكون لهم دور في تلك الأنظمة. ففي إسبانيا، عارض حزب فوكس بشدة قرار نبش رفات فرانكو من ضريحه العملاق. وفي البرتغال، يكاد يكون شعار شيغا «الله، الوطن، الأسرة، والعمل» مطابقًا للشعار الذي استخدمه نظام سالازار: «الله، الوطن، والأسرة». وفي تشيلي، انفصل مؤسس الحزب الجمهوري، الرئيس خوسيه أنطونيو كاست، عن حزب متشدد موالٍ لبينوشيه، لأنه كان يعتقد أنه لم يعد مواليًا لبينوشيه بما فيه الكفاية. وقد تفاخر بأنه لو كان بينوشيه حيًا لصوّت له. وقد ازدادت شعبية الأحزاب الثلاثة جميعًا، وفاز كاست بالرئاسة عام 2025 بأكبر عدد من الأصوات في تاريخ تشيلي.

ومع أن هذه الأحزاب الحنينية السلطوية جديدة، فإن الظاهرة الأوسع - أي الفاعلون السياسيون الذين يحتضنون ماضيًا سلطويًا بينما يترشحون لمنصب في ظل الديمقراطية، ليست جديدة. بل إن وجود الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين هو أحد القصص الكبرى غير المروية عن الموجة الثالثة، مع أمثلة إضافية تعود إلى منتصف القرن العشرين. فما الذي ينبغي فعله حيال ذلك، إن كان ينبغي فعل شيء أصلًا؟ بالنسبة لمن يعتقدون أن عودة ديكتاتوريين سابقين إلى السلطة في ظل الديمقراطية أمر غير مرغوب فيه، فهناك خياران محتملان. أكثرهما مباشرة هو ببساطة حظرهم. ففي غواتيمالا، حظر دستور 1985 على القادة السابقين الذين وصلوا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري الترشح للرئاسة. وكان الهدف الصريح هو منع الديكتاتور العسكري السابق إيفراين ريوس مونت من العودة إلى السلطة في ظل الديمقراطية. وخلال ديكتاتوريته بين 1982 و1983، ارتكب ريوس مونت إبادة جماعية - ومع ذلك أصبح بطلاً شعبيًا. وكانت استطلاعات الرأي في الثمانينيات والتسعينيات تشير إلى أنه لو سُمح له بالترشح للرئاسة لفاز.25

وثمة خيار أكثر دقة يتمثل في اعتماد الانتخابات الرئاسية ذات الجولتين. فقد انتُخب عدد من الديكتاديمقراطيين بأغلبية نسبية فقط، منهم خواكين بالاغير عام 1986 (42 بالمئة)، وهوغو بانزر عام 1997 (22 بالمئة)، ودانييل أورتيغا عام 2006 (38 بالمئة). وكان من المرجح أن يواجه الثلاثة جميعًا صعوبة في الفوز بجولة إعادة. ومن الفوائد الإضافية لخيار الجولتين أنه يمكن تطبيقه أيضًا على أبناء الديكتاتوريين، الذين سيكون من غير العادل حظرهم اعتمادًا على نسبهم وحده. فالجولة الثانية تتيح للأغلبية أن تقرر ما رأيها في الابن أو الابنة، من دون الحاجة إلى حظرهم صراحة. وهذا أحد الأسباب التي جعلت كيكو فوجيموري لا تُنتخب رئيسةً قط في بيرو. فعلى الرغم من أنها فازت في الجولة الأولى من انتخابات 2016 بفارق يقارب 20 نقطة، فإنها خسرت جولة الإعادة بأضيق هامش ممكن. وبالطبع، فإن الاقتراع على جولتين ليس حلًا مثاليًا. فبعض الديكتاديمقراطيين وأبناء الديكتاتوريين ربما كانوا سيفوزون بالمنصب على أي حال: فقد انتُخب أولوسيغون أوباسانجو عام 1999 بنسبة 63 بالمئة من الأصوات، وفاز بونغبونغ ماركوس في انتخابات 2022 بنسبة 59 بالمئة. لكن أعدادهم، على الأرجح، كانت ستنخفض.

ويبقى سؤال أخير حول أفضل السبل للتعامل مع الحنين السلطوي على نطاق أوسع. فالذين منا يعتقدون أن مثل هذه الآراء خاطئة، ينبغي لهم بالطبع أن يواصلوا تسليط الضوء على الفظائع التي ارتكبها ديكتاتوريون مثل ماركوس وبينوشيه. لكن من غير المرجح أن يقنع ذلك الجميع؛ بل إن المعاملة القاسية لـ«المخرّبين» و«المجرمين» هي، بالنسبة إلى بعض الناخبين، على الأرجح جزء من الجاذبية نفسها. والمسار الأكثر وعدًا هو تصحيح السجل فيما يتعلق بالأداء. ينبغي تذكير الجمهور بأن ماركوس لم يكن «عبقريًا» بل سارقًا، وأن «المعجزة» التشيلية الحقيقية لم تقع في عهد بينوشيه بل بعد عودة الديمقراطية. لكن ينبغي أيضًا أن يكون لدى من يسعون إلى مكافحة الحنين السلطوي قدر من التواضع. فعليهم أن يواجهوا بصدق سبب وجود هذا الحنين -حتى لو كان قائمًا على أسطورة- ثم أن يفعلوا كل ما بوسعهم لمعالجة المخاوف الكامنة وراءه. 

فإذا كان الحنين قائمًا على التصور بأن الجريمة كانت أقل في السابق، فعلى القادة الديمقراطيين أن يعالجوا الجريمة. وإذا كان قائمًا على الاعتقاد بأن الفساد كان أقل في السابق، فعلى القادة الديمقراطيين أن يعالجوا الفساد. ومن خلال تفنيد الأساطير ومعالجة المظالم، لن يقضي القادة الديمقراطيون على الحنين السلطوي تمامًا. لكنهم يستطيعون أن ينتزعوا منه بعضًا من قوته، وأن يجعلوا بذلك من الأصعب على الديكتاتوريين السابقين وأبنائهم أن يركبوا موجة الحنين السلطوي للوصول إلى المناصب العليا.

*جيمس لوكستون، محاضر أول في السياسة المقارنة بجامعة سيدني. وهو مؤلف كتاب السلطوية: مقدمة قصيرة جدًا (2024) وبناء الأحزاب المحافظة في أمريكا اللاتينية: الإرث السلطوي والصراع المضاد للثورة (2021).

** المصدر: مجلة الديمقراطية: muse.jhu.edu/pub/1/article/986028

.........................................

الهوامش

1. انظر، على سبيل المثال: نانسي بيرميو، «حول التراجع الديمقراطي»، مجلة الديمقراطية 27 (يناير 2016): 5–19؛ وستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، كيف تموت الديمقراطيات (نيويورك: كراون، 2018)؛ وياسشا مونك، الشعب في مواجهة الديمقراطية: لماذا أصبحت حريتنا في خطر وكيف ننقذها (كامبريدج: مطبعة جامعة هارفارد، 2018).

2. يستند هذا الرقم، وهو الخُمس، إلى مجموعة بيانات الأنظمة الاستبدادية، كما نوقش في باربرا غيدس، وجوزيف رايت، وإيريكا فرانتز، «انهيار الأنظمة الاستبدادية والتحولات النظامية: مجموعة بيانات جديدة»، وجهات نظر في السياسة 12 (يونيو 2014): 313–31. واستنادًا إلى هذه المجموعة، شهد 65 بلدًا انتقالًا مستدامًا إلى الديمقراطية بين 1974 و2010. ووفقًا لإحصائي، انتخبت سبع من هذه الديمقراطيات الجديدة (11 بالمئة) ديكتاتورًا سابقًا رئيسًا أو رئيس وزراء: بنين، وبوليفيا، وجمهورية الدومينيكان، وغينيا بيساو، ومدغشقر، ونيكاراغوا، ونيجيريا. كما انتخبت ست ديمقراطيات جديدة (9 بالمئة) ابن ديكتاتور سابق رئيسًا أو رئيس وزراء: بنغلادش، وإندونيسيا، وكينيا، وكوريا الجنوبية، وبنما، والفلبين. وهناك ثلاث دول صغيرة لا تستوفي معيار عدد السكان في مجموعة البيانات، لكنها انتخبت أيضًا ديكتاتورًا سابقًا رئيسًا أو رئيس وزراء في ظل الديمقراطية، وهي: الرأس الأخضر، وساو تومي وبرينسيب، وسورينام.

3. جيمس لوكستون، «البقايا السلطوية في الديمقراطيات»، مجلة الديمقراطية 32 (أبريل 2021): 145–58.

4. أستعير مصطلح «ديكتاديمقراطي» من الرئيس الشعبوي السابق للإكوادور، لوسيو غوتييريز (2003–05). فقد وصف غوتييريز نفسه بأنه «ديكتاديمقراطي» لأنه، بحسب روايته، كان ديكتاتورًا على الأوليغارشية وديمقراطيًا تجاه الشعب. وأنا أستخدم المصطلح بطريقة مختلفة للدلالة على ديكتاتور سابق يُنتخب لاحقًا انتخابًا ديمقراطيًا.

5. من الحالات الحدودية مهاتير محمد، حاكم ماليزيا المستبد من 1981 إلى 2003. ففي 2018، بدّل مهاتير موقعه وقاد ائتلافًا معارضًا ضد حزبه القديم، المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة (UMNO)، الحزب الحاكم لنظام ماليزيا السلطوي التنافسي منذ الاستقلال. وقد فاز وعاد إلى رئاسة الوزراء. غير أنني أختار استبعاده من قائمتي للديكتاديمقراطيين لأن ماليزيا كانت لا تزال تحت حكم سلطوي تنافسي وقت انتخابات 2018.

6. من الحالات الحدودية طارق رحمن من بنغلادش، وهو ابن الديكتاتور السابق الجنرال ضياء الرحمن (1977–81). ففي عام 2026، أصبح رحمن الأصغر رئيسًا للوزراء بعد أن قاد الحزب الوطني البنغلاديشي (BNP) إلى النصر في الانتخابات البرلمانية لذلك العام. غير أنني أختار استبعاده من قائمتي لأبناء الديكتاتوريين لأن الحزب الرئيسي الآخر في البلاد، رابطة عوامي، مُنع من المشاركة في الانتخابات.

7. لوكستون، «البقايا السلطوية»، 148.

8. آنا م. غجيمالا-بوس، افتداء الماضي الشيوعي: تجدد الأحزاب الشيوعية في شرق أوروبا الوسطى (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 2002)، 5–6.

9. جيمس لوكستون، «مقدمة: الأحزاب السلطوية الوريثة في العالم»، في جيمس لوكستون وسكوت ماينوارينغ، محرران، الحياة بعد الديكتاتورية: الأحزاب السلطوية الوريثة في العالم (نيويورك: مطبعة جامعة كامبريدج، 2018)، 14–18.

10. غجيمالا-بوس، افتداء، 79.

11. تيموثي ج. باور، اليمين السياسي في البرازيل ما بعد السلطوية: النخب، والمؤسسات، والتحول الديمقراطي (يونيفرسيتي بارك: مطبعة جامعة ولاية بنسلفانيا، 2000)، 80.

12. مقتبس في خوان خيسوس أثناريس، «الديكتاتور السابق هوغو بانزر، الفائز الافتراضي في انتخابات بوليفيا»، إل باييس، 2 يونيو 1997؛ ومارتين سيفاك، الديكتاتور المنتخب: سيرة غير مرخصة لهوغو بانزر سواريز (لاباز: بلورال إديتوريس، 2001)، 40.

13. سايمون روميرو، «عاد إلى السلطة، زعيم يحتفل بماضٍ ملتبس»، نيويورك تايمز، 2 مايو 2011.

14. مقتبس في كارول ج. ويليامز، «ناخبو بنما يدعمون ابن الديكتاتور رئيسًا»، لوس أنجلوس تايمز، 3 مايو 2004.

15. ريبيكا راتكليف، «المرشح الأوفر حظًا لرئاسة الفلبين يشيد بوالده الديكتاتور “العبقري”»، الغارديان، 28 أبريل 2022؛ وريبيكا راتكليف، «فرديناند ماركوس الابن يشيد بوالده الديكتاتور خلال أداء اليمين رئيسًا للفلبين»، الغارديان، 30 يونيو 2022.

16. مقتبس في ماريانو كاستيو، «مرشحة بيروفية تحشد أنصارها في ظل الرجل القوي السابق»، سي إن إن.كوم، 13 أبريل 2011.

17. إدواردو أ. غامارا وجيمس م. مالوي، «الديناميات الإرثية لسياسات الأحزاب في بوليفيا»، في سكوت ماينوارينغ وتيموثي ر. سكالي، محرران، بناء المؤسسات الديمقراطية: أنظمة الأحزاب في أمريكا اللاتينية (ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 1995)، 406، 409.

18. عن بانزر وأمثلة أخرى على احتضان الماضي، انظر جيمس لوكستون وستيفن ليفيتسكي، «الأحزاب الشخصية الوريثة للسلطوية في أمريكا اللاتينية»، في لوكستون وماينوارينغ، محرران، الحياة بعد الديكتاتورية، 113–41.

19. جيمس لوكستون، «الديمقراطية الوراثية»، مجلة الديمقراطية 35 (يوليو 2024): 146–59.

20. دانيال م. سميث، السلالات والديمقراطية: الميزة الوراثية لشاغل المنصب في اليابان (ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 2018).

21. مقتبس في هييجين كيم، «صلة بالماضي السلطوي؟ الناخبون الأكبر سنًا بوصفهم قوة في الانتخابات الرئاسية الكورية الجنوبية لعام 2012»، مجلة تايوان للديمقراطية 10 (ديسمبر 2014): 59.

22. أورلاندو ج. بيريز، «هل الماضي مقدمة للمستقبل؟ الأحزاب السياسية في بنما ما بعد الغزو»، في أورلاندو ج. بيريز، محرر، بنما ما بعد الغزو: تحديات التحول الديمقراطي في النظام العالمي الجديد (لانهام، ماريلاند: ليكسنغتون بوكس، 2000)، 140.

23. كاميل إليميا، «في الفلبين، نظام بيئي مزدهر للأكاذيب السياسية»، نيويورك تايمز، 6 مايو 2022. وانظر أيضًا فرنن تالامايان وجون لي كانديلاريا، «الرغبات الشعبوية والسرديات الحنينية: أسطورة العصر الذهبي لماركوس والتلاعب بالذكريات الجمعية على يوتيوب»، المجلة الآسيوية للعلوم السياسية 33 (أبريل 2025): 55–73.

24. مثال بارز آخر على استخدام الحنين السلطوي لكسب الأصوات في ظل الديمقراطية هو جايير بولسونارو، رئيس البرازيل من 2019 إلى 2023. فقد احتضن بولسونارو، وهو نقيب سابق في الجيش، بحماسة إرث الديكتاتورية العسكرية في البلاد (1964–85)، فعلق صور قادتها في مكتبه البرلماني، واحتفى باستخدام التعذيب، وأحيا ذكرى انقلاب 1964. وقد لاقت هذه الرسالة صدى لدى كثير من البرازيليين القلقين من الجريمة العنيفة و«الفوضى» على نحو أوسع.

25. حول استطلاعات الرأي الخاصة بريوس مونت، انظر فرجينيا غارارد-بورنيت، الرعب في أرض الروح القدس: غواتيمالا تحت حكم الجنرال إيفراين ريوس مونت، 1982–1983 (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2010)، 9–10. وفي عام 2003، سمح قرار مثير للجدل من أعلى محكمة في غواتيمالا لريوس مونت بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية لذلك العام. إلا أن شعبيته كانت قد تراجعت بحلول ذلك الوقت، وأدّى أداءً ضعيفًا.

ذات صلة

فاعلية الخبرة السياسية في تقدم الدولالتجنيد الاجباري خطوة الى الوراءتصحيح الأصل أم الصورةإيران واستراتيجية الصمود: قراءة في مآلات الصراع الدوليالتفكير النقدي.. فن التنقيب عن الحقيقة