لماذا لا تتوقف الحروب؟

كمال عبيد

2026-05-31 03:34

في كل يوم تقريباً، يستيقظ العالم على خبر حرب جديدة، أو تصعيد عسكري، أو أزمة تنذر بانفجار وشيك. تتغير الجغرافيا وتتبدل أسماء المدن والفاعلين، لكن المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون مألوفة؛ أصوات القصف، صور النزوح، نشرات الأخبار العاجلة، ووجوه المدنيين التي تحمل التعب ذاته مهما اختلفت اللغات والأوطان.

وسط هذا الضجيج العالمي يبرز سؤال قديم لم يفقد راهنيته: لماذا لم تنجح البشرية، بعد كل هذا التقدم في التخلص من الحروب؟

يبدو السؤال بسيطاً، لكنه يخفي وراءه شبكة معقدة من المصالح والهواجس والصراعات التاريخية والنفسية والاقتصادية. عندما تندلع الحروب لا يكون المشهد محصوراً في المواجهات العسكرية وحدها، فخلف كل صراع شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية، ومخاوف متبادلة، وطموحات متنافسة، وهويات تبحث عن حضورها أو الدفاع عن وجودها.

المفارقة أن الإنسان الذي استطاع إرسال المركبات إلى الفضاء، واكتشاف أسرار الجينات، وبناء شبكات اتصال تربط القارات في ثوانٍ، ما زال عاجزاً عن بناء منظومة عالمية تمنع سفك الدماء بصورة نهائية. وكأن التطور التقني سبق التطور الأخلاقي بمسافات طويلة.

على امتداد التاريخ، ظهرت الحروب بأسماء وشعارات متعددة، وتقدمت إلى الرأي العام بمبررات متنوعة، غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تكشف حضور دوافع أكثر عمقاً تتصل بالنفوذ والثروة وموازين القوة. لذلك يصعب فهم كثير من الصراعات الكبرى من دون التوقف عند شبكة المصالح التي كانت تتحرك خلف المشهد.

وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تدار بالطريقة التقليدية وحدها. فهناك حروب اقتصادية، وصراعات معلوماتية، ومعارك سيبرانية، وأدوات ضغط سياسية وإعلامية تتجاوز في تأثيرها أحياناً أثر السلاح نفسه. لقد تغيرت أشكال الصراع، لكن منطق المنافسة الحادة بين القوى الدولية لم يتغير كثيراً.

عند البحث في أسباب استمرار الحروب، يبرز عامل لا يمكن تجاهله يتمثل في الاقتصاد المرتبط بالنشاط العسكري العالمي. فالصراعات لا تُنتج آثاراً سياسية وأمنية فحسب، وإنما تفتح أيضاً مساحات واسعة لحركة الأموال والاستثمارات والصناعات المرتبطة بالتسليح. لذلك يرى كثير من المتخصصين أن فهم المشهد الدولي يتطلب النظر إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بوصفها جزءاً مؤثراً في معادلات الأمن والاستقرار حول العالم.

لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية كل ما يجري لا يفسر الصورة كاملة. فالمجتمعات التي تعاني هشاشة داخلية، أو انقسامات حادة، أو ضعفاً في مؤسساتها، تصبح أكثر عرضة للاختراق والتجاذب والتدخلات الخارجية. لذلك فإن بعض الحروب تبدأ من الداخل قبل أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية.

وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فالتنوع الديني والقومي والثقافي الذي كان يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة حضارية، وجد نفسه في أحيان كثيرة داخل دوامات الاستقطاب والصراع. وعندما تتراجع الدولة القادرة على إدارة التنوع بعدالة، تتسع مساحة الفوضى وتصبح الأزمات أكثر تعقيداً.

ورغم كل ما شهدته البشرية من مآسٍ، فإن السؤال الأهم ربما ليس: من أشعل الحرب؟ وإنما: لماذا تتكرر الشروط نفسها التي تسمح باندلاعها مرة أخرى؟

الإجابة تقودنا إلى الإنسان نفسه؛ إلى الخوف الذي لم يُعالَج، والطمع الذي لم يُضبط، والتعصب الذي لم يُفكك، والذاكرة المثقلة بالثأر والكراهية. فالحروب تبدأ في كثير من الأحيان كفكرة قبل أن تتحول إلى رصاصة، وكخطاب إقصائي قبل أن تصبح معركة مفتوحة.

لهذا لا يمكن الحديث عن سلام مستدام من دون بناء ثقافة عالمية جديدة تقوم على الحوار والعدالة والتنمية واحترام التنوع. فالجيوش تستطيع إيقاف معركة، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء أسبابها. والاتفاقيات السياسية قد تجمّد النزاعات لفترة، لكنها لا تضمن اختفاءها ما لم تُعالج الجذور التي صنعتها.

لقد أثبت القرن الحادي والعشرون أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار الدائم. فالحروب تنتهي على الورق أحياناً، لكنها تستمر داخل النفوس والاقتصادات والمجتمعات لسنوات طويلة. ولهذا أصبحت التنمية والتعليم وبناء الإنسان جزءاً أساسياً من معادلة الأمن العالمي، وليست ملفات منفصلة عنها.

ربما لن تختفي الحروب من العالم في المستقبل القريب، لكن التاريخ يثبت أيضاً أن البشرية قادرة على تقليلها كلما ارتفع منسوب الوعي، وتعززت العدالة، واتسعت مساحات الحوار بين الشعوب والدول. فالحرب ليست قدراً أبدياً، وإنما نتيجة خيارات بشرية يمكن تغييرها حين تتوفر الإرادة والرؤية والمسؤولية.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الضمير الإنساني: إذا كانت البشرية قد نجحت في اختراع آلاف الوسائل للعيش، فمتى تنجح في ابتكار ما يكفي من الحكمة كي تتوقف عن صناعة الموت؟

ذات صلة

النخب والشأن العام في العراقكيف نكتسب الحكمة؟أكبر علامة تكشف أن شيئًا ما كُتب بالذكاء الاصطناعيكيف يتم إخراج الطامحين إلى الاستبداد من الحكم؟مضيق هرمز والأمن الاقتصادي العراقي