كيف يتم إخراج الطامحين إلى الاستبداد من الحكم؟

شبكة النبأ

2026-05-31 03:28

يتناول هذا المقال الذي نشرته مجلة الديمقراطية، للباحثين خافيير كوراليس، إشكالية مهمة في مسار الديمقراطيات المتراجعة: هل يستطيع القادة الذين يضعفون المؤسسات الديمقراطية البقاء في الحكم إلى الأبد؟ يبيّن المقال، استنادًا إلى دراسة شملت 27 حالة تآكل ديمقراطي في 22 دولة منذ عام 1999، أن خروج هؤلاء القادة ليس أمرًا نادرًا كما يُتصوّر؛ إذ يغادر أغلبهم السلطة عبر الانتخابات أو بفعل حدود الولاية أو الضغوط الحزبية أو الاحتجاجات، بينما يبقى التحول الكامل إلى الاستبداد حالة أقل شيوعًا. ويؤكد الكاتبان أن الانتخابات، رغم تراجع نزاهتها أحيانًا، تظل الأداة الأكثر فاعلية لإسقاط الطامحين إلى الاستبداد، بشرط تعبئة الناخبين وبناء ائتلافات معارضة واسعة، مع التنبيه إلى أن مغادرة هؤلاء القادة لا تكفي وحدها، لأنهم يتركون وراءهم مؤسسات منهكة وممارسات غير ديمقراطية تحتاج إلى إصلاح طويل وشاق.

خمسة طرق لاستبدال الطامحين الى الاستبداد

 قوبلت خسارة فيكتور أوربان الانتخابية في الشهر الماضي بوصفها حدثًا مذهلًا، نظرًا إلى بقائه في السلطة ستة عشر عامًا، وإلى ما أحدثه من تدهور في الديمقراطية الهنغارية. لكن إلى أي مدى يُعدّ خروج القادة الذين يُضعفون الديمقراطية من مناصبهم أمرًا نادرًا؟ تُظهر أبحاثنا أن ذلك ليس نادرًا: فغالبية الرؤساء ورؤساء الوزراء الذين يقودون مسارات تقويض الديمقراطية يتنحّون في النهاية، وغالبًا لأنهم يفشلون في إعادة انتخابهم، أو لأن حدود الولاية الدستورية تمنعهم من الترشح مرة أخرى. كما أن غالبية الذين يغادرون السلطة يُستبدلون بقادة آخرين يحترمون مؤسسات ديمقراطياتهم ويأملون في إعادة بنائها.

تحدّد أبحاثنا سبعًا وعشرين حالة من حالات التآكل الديمقراطي وقعت في اثنتين وعشرين دولة منذ عام 1999. وفي عشرين حالة منها، غادر القادة مناصبهم من دون أن يُكملوا الانتقال إلى نظام سلطوي. ومن بين هذه الحالات العشرين، استُبدل خمسة عشر قائدًا بقادة إما أوقفوا مسار التراجع الديمقراطي، أو أحدثوا انعطافة واضحة باتجاه إعادة الدمقرطة.

إن الطريق الأكثر شيوعًا لخروج هؤلاء يبدو بسيطًا على نحو لافت، بل وتقليديًا: الانتخابات. فالناخبون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يزالون الفاعلين الأهم في تحديد ما إذا كان قادة التراجع الديمقراطي سيبقون في السلطة أم سيغادرونها.

أما السيناريو الأسوأ، أي التحول الكامل إلى الاستبداد، فقد كان نادرًا. فقد تمكّن رئيسان فقط، في نيكاراغوا وفنزويلا، من تحويل بلديهما إلى نظامين سلطويين راسخين. وقد سلكت روسيا مسارًا مشابهًا، لكنها لا تُعدّ عمومًا قد أصبحت ديمقراطية بالقدر الكافي في تسعينيات القرن العشرين كي تُصنّف حالةً من حالات الديمقراطية المتراجعة. أما ما إذا كانت الإطاحة الأميركية بنيكولاس مادورو ستقود في النهاية إلى إعادة الدمقرطة في فنزويلا، فذلك ما يزال سؤالًا مفتوحًا.

ومع ذلك، فإن القادة الذين قادوا مسارات التراجع الديمقراطي أمضوا في السلطة، في المتوسط، تسع سنوات؛ وهي مدة كافية لإلحاق أضرار عميقة بمؤسسات بلدانهم. لذلك يواجه القادة الذين يخلفونهم تحديات هائلة في إصلاح ما أفسدوه.

يُظهر لنا التاريخ أن هناك خمسة طرق يُستبدل من خلالها المستبدون أو الطامحون إلى الاستبداد:

أولًا: الخسارة في الانتخابات

يُعدّ فيكتور أوربان واحدًا من ستة قادة خسروا عند محاولة إعادة انتخابهم. كما أُخرج رؤساء ورؤساء وزراء من السلطة عبر صناديق الاقتراع في بولندا والبرازيل والولايات المتحدة وبوتسوانا وزامبيا.

ومن المهم التأكيد هنا على أن الانتخابات مهمة، لأن كثيرًا من الناخبين قد يظنون أن الانتخابات أدوات يائسة وعديمة الجدوى في مواجهة القادة المتجهين نحو الاستبداد، فيختارون البقاء في منازلهم يوم الاقتراع. لكن ما حدث في هذه الحالات الست كان العكس تمامًا. فقد ارتفعت نسبة التصويت بصورة ملحوظة. وهذا الارتفاع غالبًا ما يصبّ في مصلحة المعارضة. والخلاصة الأساسية هي أنه حتى إذا كانت القواعد غير عادلة أو غير مواتية، فإن استثمار قادة المعارضة في حشد الناخبين ودفعهم إلى المشاركة يظل أمرًا مجديًا.

ثانيًا: حدود الولاية

ثمة عقبة انتخابية أخرى تواجه المستبدين المحتملين، وهي حدود الولاية الرئاسية. ففي ست حالات، أنهت القيود الدستورية على عدد الولايات مدة بقاء قائدٍ متراجع ديمقراطيًا في السلطة. بعض القادة، ومنهم فلاديمير فورونين في مولدوفا، وأندريس مانويل لوبيز أوبرادور في المكسيك، كانوا خاضعين لحدود الولاية ولم يترشحوا مرة أخرى. وفي المكسيك، ساعد احتمال أن يخلف الرئيسَ شخصٌ من حزبه اختاره بنفسه على إقناعه بالالتزام بحدود الولاية. لكن في بعض الأحيان، كما حدث في الإكوادور عام 2017، يخالف الخلفاء التوقعات ويمضون باتجاه إعادة الدمقرطة. لذلك تظل حدود الولاية فرصة مهمة لتغيير النظام.

ولهذا السبب حاول القادة المتراجعون ديمقراطيًا إضعاف حدود الولاية أو إلغاءها. غير أن هذا المسعى قد يأتي بنتائج عكسية. فالجمهور غالبًا ما يكون متشككًا في تخفيف القيود المفروضة على مدد الحكم. ففي استفتاء عام 2007، فشل هوغو تشافيز في إقناع الفنزويليين بالموافقة على إلغاء حدود الولاية. لكنه نجح في النهاية في إنهائها عبر استفتاء عام 2009. غير أنه لم يحقق ذلك إلا بعدما عرض إلغاء حدود الولاية لكل المناصب، لا للرئاسة وحدها، وبعدما أطلق حملة منظمة لحشد ناخبيه، وكان كثيرون منهم قد امتنعوا عن التصويت عام 2007. وفي عام 2016، ترشح إيفو موراليس في بوليفيا لإعادة انتخابه رغم خسارته استفتاءً كان سيسمح له بالترشح مرة أخرى، مما أدى إلى أزمة انتخابية وانتهى بإطاحته.

ثالثًا: الإزاحة من داخل الحزب

هناك طريقة أخرى غير مباشرة تؤدي بها الضغوط الانتخابية إلى إسقاط القادة المتراجعين ديمقراطيًا، وهي أن يدفعهم حزبهم نفسه إلى الاستقالة. وكانت الحالة الواضحة الوحيدة للإزاحة الحزبية عندما أجبر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي جاكوب زوما على الاستقالة عام 2018. أما بوريس جونسون في المملكة المتحدة، وإن لم يكن تمامًا قائدًا متراجعًا ديمقراطيًا، لكنه كان يسير في طريق قد يقوده إلى ذلك، فقد أُزيح من المنصب عام 2022 على يد قادة حزبه، الذين خافوا من تحوله إلى عبء انتخابي في المستقبل.

وفي نظام رئاسي واحد على الأقل، كان للإزاحة الحزبية دور مؤثر، وكان ذلك في الإكوادور. فقد كان قادة حزب “أليانزا باييس” الذي ينتمي إليه رافائيل كورّيا قلقين من أن يؤدي ترشح كورّيا لولاية رابعة إلى هزيمتهم، فشجعوه على التنحي جانبًا.

رابعًا: الاحتجاجات

إن هجمات الطامحين إلى الاستبداد على الديمقراطية لا تمرّ أبدًا من دون تحدٍّ. وأحد أشكال الرد عليها هو الاحتجاج الشعبي. فقد شهدت الديمقراطيات المتآكلة احتجاجات واسعة، من صربيا إلى الولايات المتحدة، ومن المكسيك إلى السنغال.

وعلى الرغم من أن الاحتجاجات قادرة على تحدي سردية حتمية التحول إلى الاستبداد، وعلى تنشيط المعارضة، فإنها نادرًا ما أدت، خارج التقويم الانتخابي، إلى الإطاحة المباشرة بقائدٍ متراجع ديمقراطيًا. ومع ذلك، هناك استثناءات. ففي أوكرانيا عامي 2013 و2014، وبعد أسابيع من احتجاجات “الميدان الأوروبي”، تخلى فيكتور يانوكوفيتش عن الرئاسة. وكانت تظاهرات الشارع أيضًا عنصرًا من عناصر خروج قادة التراجع الديمقراطي في بوليفيا والسنغال.

لكن في كثير من الأحيان، تمنح الاحتجاجاتُ الرؤساءَ المتراجعين ديمقراطيًا فرصًا أكبر للقمع وتركيز السلطة، كما حدث في تركيا بعد احتجاجات حديقة غيزي عام 2013. لذلك فإن المواطنين بوصفهم ناخبين يؤدون دورًا أكثر تكرارًا وفاعلية من المواطنين بوصفهم محتجين في إزاحة الطامحين إلى الاستبداد.

خامسًا: العزل البرلماني أو الدستوري

في موجة التراجع الديمقراطي في القرن الحادي والعشرين، كانت إحدى الأدوات أقل نجاحًا في إزاحة القادة المتجهين إلى الاستبداد، وهي العزل. لا شك أن المعارضين في المجالس التشريعية يؤدون أدوارًا مهمة في مقاومة التحول الاستبدادي، من خلال التعبير عن استياء ناخبيهم، وتسليط الضوء على سوء سلوك السلطة التنفيذية، وعرقلة بعض مشاريع القوانين. لكن الإجراءات الرسمية لإزالة الرئيس من منصبه لم تكن فعالة في إنهاء المسارات السياسية لقادة التراجع الديمقراطي.

وهذا الغياب ليس مفاجئًا. فالعزل إجراء درامي كبير؛ والذين يسعون إليه يواجهون إحساسًا لدى بعض الجمهور بأن فعلهم يرقى إلى ما يشبه الانقلاب. إضافة إلى ذلك، فإن معظم الرؤساء الساعين إلى توسيع سلطاتهم يقودون أحزابًا تسيطر على أغلبية المجالس التشريعية، ونادرًا ما يعارض أعضاء الكونغرس أو البرلمان المنتمون إلى الحزب نفسه رئيسهم.

تُظهر أبحاثنا، إذن، أن الضغوط الانتخابية، حتى عندما تكون الانتخابات قد تدهورت أو أُضعفت نزاهتها، تظل قوة فعالة في إسقاط هؤلاء القادة. والمفتاح هو تحفيز الناخبين على التصويت، وبناء ائتلافات حزبية، أي تقليل العدد الفعلي للأحزاب المتنافسة على المنصب. أما المهمة التالية، بطبيعة الحال، فهي استعادة سيادة القانون. فعندما يغادر هؤلاء القادة، يتركون وراءهم ركامًا من الممارسات غير الديمقراطية التي تحتاج إلى التراجع عنها وإصلاحها. فالانتخابات لا تضمن بالضرورة أن تتبعها الديمقراطية، لكنها تبقى فرصة لا مثيل لها لإعادة ضبط النظام السياسي.

ومن المرجح أن تسلك الانتخابات العامة، المقررة في يونيو/حزيران 2026، المسار نفسه، غير أن الوضع هذه المرة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

فرئيس الوزراء آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 2019، والذي عُدّ في وقت من الأوقات رمزًا للإصلاح الديمقراطي، يقود اليوم بلدًا منقسمًا بعمق على خطوط صدع متعددة. وبينما تستعد الحكومة، التي يقودها حزب الازدهار الذي تأسس عام 2019 بوصفه وريثًا للجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية بعد تفكيكها، للانتخابات المقبلة، تواجه إثيوبيا صراعًا داخليًا، وتمردات واسعة النطاق، وتهديدًا متصاعدًا باندلاع نزاع مع إريتريا.

ولم يكن الانفصال المتزايد بين الطريقة التي تعرض بها الحكومة الوضعَ العام، وبين الحقائق القاسية التي يواجهها كثير من الإثيوبيين، أكثر وضوحًا مما هو عليه الآن.

..........................................

*المصدر: journalofdemocracy.org

** خافيير كوراليس، هو أستاذ العلوم السياسية كرسي دوايت دبليو مورو 1895 في كلية أمهرست. وأحدث كتبه هو: صعود الأوتوقراطية: كيف انتقلت فنزويلا إلى السلطوية، الصادر عام 2022. أما سوزان ستوكس فهي أستاذة متميزة تحمل كرسي تيفاني ومارغريت بليك، ومديرة مركز شيكاغو للديمقراطية. ومن أحدث مؤلفاتها كتاب: المتراجعون: لماذا يقوّض القادة ديمقراطياتهم؟ الصادر عام 2025.

ذات صلة

النخب والشأن العام في العراقكيف نكتسب الحكمة؟لماذا لا تتوقف الحروب؟أكبر علامة تكشف أن شيئًا ما كُتب بالذكاء الاصطناعيمضيق هرمز والأمن الاقتصادي العراقي