الحق في تأديب الصغار في ميزان الاعتدال

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

2026-08-17 03:01

التأديب يُراد منه التهذيب وتصويب السلوك واعتدال الأعمال وترسيخ الأخلاق الفاضلة، ويكون بأي شكل من الأشكال، سواء أكان بالقول أو الأفعال المادية أو التقريرية التي تتمثل في إظهار علامات الرضا أو الغضب. وكل ما تقدم من سلوكيات تصدر عن المؤدِّب تجاه الصغير لمنعه من ارتكاب أمر مخالف للقانون أو الشريعة أو الأعراف والتقاليد الحسنة. فالتأديب وسيلة للإصلاح وتقويم الاعوجاج في سلوك الطفل، ودوره تربوي بالدرجة الأساس، ولا يُعدّ بأي شكل من الأشكال رخصة لممارسة العنف أو الإيذاء للطفل.

وبالوقت عينه، سلوك التأديب ينطوي على اعتداء على الصغير قد يصل إلى الضرب أو فرض عقوبة جسدية أو نفسية من نوع ما. ولما كانت حماية الطفل من العنف من أهم تطبيقات حماية حقوق الإنسان في الوقت الراهن لصيانة كرامته الإنسانية، وأي مساس بجسده أو مشاعره يخدش تلك الكرامة والحرمة واجبة الرعاية، فكيف نوازن بين متطلبات التأديب وحماية الحدث من العنف غير المبرر؟ بعبارة أخرى: ما السبيل إلى صيانة كرامة الطفل من العنف غير اللازم؟

نقول أولًا إن الدستور العراقي للعام 2005 قد كرّس في المادة التاسعة والعشرين منه الحماية القانونية للأمومة والطفولة، وحظر كل أشكال العنف تجاه الأسرة، حيث ورد النص بالصيغة الآتية: "أولًا: أ- الأسرة أساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية. ب- تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم. ثانيًا: للأولاد حق على والديهم في التربية والرعاية والتعليم، وللوالدين حق على أولادهم في الاحترام والرعاية، ولا سيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة. ثالثًا: يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال بصوره كافة، وتتخذ الدولة الإجراء الكفيل بحمايتهم. رابعًا: تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع".

ولما تقدم، نرى تركيز المشرع العراقي على حماية الطفل، وهو منهج قرآني، حيث ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ". وتُعد حماية الطفل من الضرورات لاتصالها بالجوانب الاجتماعية والأسرية التربوية، وهي معنى أساس ضمن منظومة حقوق الإنسان التي تتكفل بها الدولة بالدرجة الأولى، حيث يقع واجبًا على السلطات العامة في العراق منع العنف الموجه ضد هذه الفئة التي تُصنّف على أنها من أضعف الفئات وأشدها تأثرًا بالعنف وأقلها حيلة أو تدبيرًا.

ويشار إلى أن التشريعات الدولية ألزمت بحماية الطفل من كل أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو النفسية أو الإهمال أو الاستغلال، ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل للعام 1989، التي انطلقت من المبادئ الآتية: مبدأ المصلحة العليا للطفل، عدم التمييز، الحق في الحياة والنمو حتى النضج. وقد صادق العراق على هذه الاتفاقية بموجب القانون رقم (3) لسنة 1994. وعلى سبيل المثال، تنص المادة السادسة عشرة من الاتفاقية على: "لا يجوز أن يجرى أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته، للطفل حق في أن يحميه القانون من مثل هذا التعرض أو المساس".

ولكن نجد أن ما تقدم لم يكن مانعًا حاسمًا ضد العدوان على الأطفال بحجة التأديب، فبين الحين والآخر تطالعنا صور عدة لاعتداء على طفل بريء من الأب أو الأم أو المعلم أو المعلمة في المدرسة، بل إن بعض العمالة الأجنبية المستغلة في تربية الأطفال تمثل هي الأخرى تهديدًا، لكونها تتعمد تعذيب الأطفال وتتلذذ بآلامهم. والكارثة أن الجريمة لا تُكتشف إلا نادرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي حين تبث مشاهد بقصد التباهي أو لجلب الانتباه. وصل الأمر إلى أن بعضهم فارق الحياة أو ورث عاهة مستديمة عضوية أو حسية في جسده ترافقه طوال حياته.

وتتعدد صور الاعتداء على الطفل من:

1. عنف جسدي بالضرب أو الإسقاط من مكان عالٍ، أو تعمّد إصابة الجسد أو تعريضه للأشياء الساخنة أو الباردة.

2. عنف نفسي بالإهانة أو التخويف والتهديد أو الصراخ.

3. الإهمال المتمثل بالحرمان من الحقوق الأساسية، كالرعاية الطبية اللازمة أو التعليم أو الغذاء وما شاكل ذلك. وقد يتطور الأمر إلى إهمال متابعة تربية الطفل والأخذ بيده بعيدًا عن المخاطر التي تهدده نتيجة لفعل الأغيار في العالم الواقعي أو الافتراضي حين يتعرضون إلى المضايقة أو التحرش أو الاستغلال.

يشار إلى أن المشرع العراقي، وكسابقة تشريعية، يكاد يكون قد تفرد في اعتبار فعل التأديب للصغار الواقع من الأب أو المعلم سببًا من أسباب الإباحة، بموجب المادة (41) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، والتي تنص على أن: "لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالًا لحق مقرر بمقتضى القانون، ويعتبر استعمالًا للحق تأديب الزوج لزوجته، وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعًا أو قانونًا أو عرفًا".

والنص المتقدم أوضح نطاق الحق في التأديب بحدود ما هو مقرر شرعًا أو قانونًا أو عرفًا. وبالعودة إلى الشريعة الإسلامية الغراء، نجد أن حدود حق التأديب عند الفقهاء تتمثل في أنه: "لا يجوز لغير ولي الطفل أو المأذون من قبله أن يضرب الطفل لتأديبه إذا ارتكب فعلًا محرمًا، أو سبّب أذى للآخرين. ويجوز للولي وللمأذون من قبله أن يضرب الطفل للتأديب ضربًا خفيفًا غير مبرح، لا يؤدي إلى احمرار جلد الطفل، بشرط أن لا يتجاوز ثلاث ضربات خفيفة، وذلك فيما إذا توقف التأديب عليه. ولا يجوز ضرب التلميذ في المدرسة من دون إذن وليه أو المأذون من قبله بتاتًا، فإن زاد الأمر عما تقدم وجب دفع مبلغ من المال كعقوبة شرعية على المعتدي".

نستفيد مما تقدم عدم مشروعية استخدام العنف للتأديب بدون إذن الولي، وهو بالغالب الأب أو في حالات الجد، وليس للأم الولاية ولا يمكنها الإذن بذلك لأحد. أما قانونًا، فلم نجد نصًا ينظم ضرب الطفل للتأديب، بل إن قانون العقوبات العراقي يجرم ذلك بلا مسوغ، ويعده جريمة على شاكلة ما ورد بالمادة (413) وغيرها من المواد القانونية التي تعاقب على العنف.

ونتذكر هنا أن المحكمة الاتحادية العليا في جلستها المنعقدة يوم (4 / 8 / 2019) ردت طعنًا بعدم دستورية المادة (41 / 1) من قانون العقوبات، بدعوى أنها تتعارض مع المواد الدستورية: المادة (14) التي تنص على أن "العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي"، والمادة (29 / رابعًا) التي نصت على أن "تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع"، والمادة (30 / أولًا) التي نصت على أن "تكفل الدولة للفرد وللأسرة وبخاصة الأطفال والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة تؤمن لهم الدخل المناسب والسكن الملائم". بيد أن المحكمة ردت دعوى الطاعن، حيث تضمن قرارها وصفًا دقيقًا للحق في التأديب الذي لا يبيح العنف ضد الزوجة أو الأبناء أو الطلبة، كونها تهدف إلى الإصلاح والتقويم وحماية الأسرة.

ومن نافلة القول إن الدولة تنهض مسؤوليتها مع المجتمع والجهات ذات العلاقة، لا سيما المتخصصة بملف حقوق الإنسان، لترقية حقوق الطفل العراقي والضغط على المجلس النيابي لتشريع قانون الطفل العراقي، الذي تأخر كثيرًا، بما من شأنه حمايته من العنف وتجريم ما يأتي:

1. العنف الأسري غير المبرر.

2. العنف في المدرسة من قبل المعلمين أو المدرسين أو الموظفين ومن سواهم.

3. العنف في المجتمع وفي أي تجمع واقعي أو افتراضي.

4. العنف الإلكتروني، لا سيما التنمر والابتزاز الإلكتروني.

5. العنف في محل العمل من قبل أولياء أمر الطفل ممن اضطرته الظروف للعمل أو من سواهم ولأي سبب كان.

6. العنف في الشارع والأسواق وغيرها من الأماكن التي يرتادها الطفل.

7. مشاهد العنف في القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

كما نرى من الوجوب التأسيس لشرطة الأسرة والطفل لتضم نخبة من المنتسبين المتخصصين بالتعامل مع حالات العنف ضد الأطفال. أضف إلى ما تقدم أهمية أن تأخذ منظمات المجتمع المدني دورها الريادي في التعريف بحقوق الطفل والدعوة إلى تحديث المناهج الدراسية ومواكبتها للتحديات، وأن تأخذ الأسرة والمدرسة دورهما في حث الأطفال على الإبلاغ عن حالات التعنيف التي يتعرضون لها لفظيًا أو جسديًا، على أن تُستحدث منظومات اتصالات آمنة وسرية تتلقى البلاغات وتتخذ اللازم بشأنها بشكل حاسم وسريع.

ونشير إلى أن الأمر قد يكون معكوسًا، ففي بعض الأحيان يضيع الأب والأم البوصلة، ويهملان تربية وتأديب الصغير، بما يحتمل معه أن يجنح إلى الجريمة. لذا أشار قانون الأحداث رقم (76) لسنة 1983 إلى هذا الاحتمال في المادة السادسة عشرة بالنص على أنه: "الاكتشاف المبكر للحدث المعرض للجنوح عماد الرعاية الاجتماعية الواقية من الجنوح، ويتحقق من خلال توسيع إطار مساهمة ومسؤولية المنظمات الجماهيرية والمهنية وإدارات المدارس في مجال الرعاية النفسية والاجتماعية الواقية من الجنوح". ويصار إلى إسقاط الولاية للأب وفق أحكام المادة (26) إن استمر في إهماله للصغير، وهو الجزاء الأوفى لصيانة مصلحة الصغير والمجتمع.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

أساسيات صناعة المستقبل الضامنالفساد في العراق بعد عشرين عامًا؟ماذا تفعل المؤسسات بأفكار موظفيها؟واشنطن وطهران في حرب الاستنزاف الاقتصادي.. من يستسلم أولًا؟ثورة الجياع.. حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع