بلد النفط وطوابير البنزين: أين يختفي الوقود في العراق؟

عمر السامرائي

2026-09-06 06:13

في بلد يجلس فوق واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم، تبدو أزمة البنزين المتكررة أمام محطات الوقود مفارقة يصعب على المواطن فهمها. فالعراق لا يعاني من نقص في النفط الخام، لكن المواطن يقف بالساعات للحصول على مادة يفترض أن تكون من أبسط احتياجات الحياة اليومية؛ لتوفرها في البلد.

ومع عودة الطوابير إلى عدد من محطات الوقود في الكثير من المحافظات العراقية خلال الأيام الأخيرة، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ما يحدث أزمة حقيقية فرضتها ظروف الإنتاج والتجهيز في المصافي العراقية، أم أن جزءًا منها يرتبط بسوء الإدارة والمضاربة وافتعال الأزمات؟

الحقيقة تبدو أكثر تعقيدًا من إجابة بنعم أو لا. ففي أيار الماضي، نفت وزارة النفط وجود أزمة بالمعنى المباشر، وأشارت إلى وجود خزين استراتيجي، مع حديثها عن ارتفاع الطلب ومحاولات بعض ما سمتهم بـتجار الأزمات افتعال حالة من القلق في السوق. 

لكن بعد أيام، أقرت الوزارة نفسها بوجود نقص في إنتاج البنزين، وربطته بتوقف إحدى الوحدات الإنتاجية في مصفى الشعيبة، إلى جانب تداعيات الأحداث الإقليمية وصعوبة تعويض النقص بالاستيراد. وهنا تظهر المشكلة الأساسية: المواطن لا يريد تفسيرا متناقضا، بل يريد وقودا متوفرا. ماذا يقول المواطن حسب أخذ آراء البعض منهم في الشارع العراقي؟

بالنسبة لسائق التكسي العراقي، الأزمة ليست مجرد طابور أمام محطة وقود؛ إنها ساعات من العمل الضائعة، وارتفاع أجور النقل، وتعطيل المصالح، وربما اضطرار البعض إلى شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار أعلى. كثير من المواطنين يتساءلون: كيف يمكن أن تتكرر أزمة البنزين في دولة نفطية مثل العراق، بينما تتحدث الجهات الرسمية عن مشاريع جديدة للمصافي وزيادة الإنتاج؟ وهذا السؤال مشروع، خصوصًا أن وزارة النفط أعلنت في شباط 2026 تشغيل المصافي الجديدة بكامل طاقتها، وقالت إن المشاريع الجديدة تستهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي من البنزين والمشتقات النفطية.

والسؤال الأهم: هل الأزمة مفتعلة؟ إن اتهام جهة معينة بافتعال الأزمة يحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية، ولا يمكن للإعلام أن يحسم ذلك بالانطباع وحده. لكن افتعال الأزمات أو استغلالها أمر مختلف عن وجود نقص حقيقي في الإمدادات، فقد تجتمع الأسباب في وقت واحد: انخفاض الإنتاج، تعطل وحدة تكرير، زيادة الطلب، صعوبات الاستيراد، ضعف التوزيع، أو قيام بعض المتعاملين بتخزين الوقود وانتظار ارتفاع الأسعار.

ولهذا فإن الحل لا يكون فقط بزيادة كميات البنزين، وإنما بكشف مسار التجهيز كاملًا: كم ينتج العراق؟ كم يستهلك؟ كم يستورد؟ أين تذهب الكميات؟ ولماذا تغلق بعض المحطات الحكومية، بينما تقف السيارات بالطوابير أمام المحطات الأهلية الأخرى؟

بلد نفطي.. فلماذا نستورد؟ المشكلة العراقية ليست في وجود النفط الخام، بل في القدرة على تحويل جزء كافٍ منه إلى مشتقات نفطية تلبي الاستهلاك المحلي بصورة مستقرة. والاستثمار في المصافي ووحدات التكرير هو الطريق الطبيعي للخروج من دائرة الاستيراد والأزمات.

كما أن بيانات شركة تسويق النفط (سومو) تظهر استمرار وجود عمليات استيراد للمنتجات النفطية، رغم التطور الذي شهدته طاقات التكرير العراقية. وهذا يعني أن امتلاك النفط لا يعني تلقائيًا امتلاك منظومة وقود مستقرة.

إلى متى؟ السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس: متى تنتهي أزمة البنزين الحالية فقط؟ وإنما: متى تنتهي ظاهرة أزمات البنزين المتكررة في أغلب مناطق العراق؟ إذا كانت الأزمة الحالية مرتبطة بعامل طارئ، فمن الطبيعي أن تنتهي بعد معالجة السبب. 

أما إذا كانت المشكلة مرتبطة بضعف التخطيط أو التوزيع، أو الاعتماد على الاستيراد، أو عدم وجود خزين كافٍ، فإن الأزمة ستعود مرة أخرى مهما كان الحل مؤقتًا. العراقي لا يريد أن يسمع كل مرة عبارة الأزمة عابرة، ثم يجد نفسه بعد أسابيع أو أشهر أمام الطوابير نفسها.

المطلوب اليوم ليس معالجة الطابور، وإنما معالجة أسباب الطابور نفسه. فالعراق الذي يمتلك النفط، ويمتلك المصافي، ويمتلك الكفاءات، يجب أن يمتلك قبل كل شيء منظومة شفافة ومستقرة لتوفير الوقود للمواطن. وفي النهاية، تبقى أزمة البنزين اختبارًا حقيقيًا للإدارة النفطية في العراق: هل نستطيع أن نحول ثروة النفط من أرقام في تقارير التصدير إلى خدمة مستقرة يلمسها المواطن في حياته اليومية؟

لأن المواطن لا يقيس ثروة بلده بعدد براميل النفط التي تصدر، وإنما يسأل سؤالًا أبسط بكثير: إذا كان العراق بلدًا نفطيًا.. فلماذا ما زلت أقف ساعات أمام محطة البنزين؟ هل من مجيب؟

ذات صلة

التعليم المهني: سلاح الشباب لمواجهة البطالةحصر السلاح.. معركة الهوية والسيادة في العراقالإعلام والذكاء الإصطناعيالباحثة إيلاف حمزة ولي: مخلفات النخيل والكبريت والثوم تغيّر معادلة إنتاج البصل الأخضرحين تدخل الصين السوق الألمانية.. هل بدأ تراجع إمبراطورية السيارات الأوروبية؟