الباحثة إيلاف حمزة ولي: مخلفات النخيل والكبريت والثوم تغيّر معادلة إنتاج البصل الأخضر

أوس ستار الغانمي

2026-09-06 06:10

تبدأ الحكاية من شيء نراه كل يوم في البيئة العراقية: مخلفات النخيل. مادة تبدو في ظاهرها عبئًا يحتاج إلى التخلص منه، لكنها في البحث العلمي يمكن أن تتحول إلى مورد يدخل في تحسين التربة والإنتاج.

من هذه الفكرة انطلقت الباحثة إيلاف حمزة ولي من قسم البستنة وهندسة الحدائق في كلية علوم الهندسة الزراعية بجامعة بغداد، في رسالة ماجستير درست فيها تأثير التسميد بمخلفات نخيل التمر والكبريت العضوي والرش بمستخلص الثوم في نمو البصل الأخضر وحاصله ونوعيته ومحتواه من بعض المركبات الطبية، بإشراف الأستاذة المساعدة الدكتورة ياسمين فاضل سلوم.

لكن أهمية التجربة لا تقف عند زيادة الإنتاج. فالباحثة درست أيضًا ما يحدث داخل النبات من تغيرات في فيتامين C ومضادات الأكسدة وعدد من المركبات الفلافونويدية، لتطرح سؤالًا أوسع: هل يمكن أن تصبح الزراعة العراقية أكثر اعتمادًا على مواردها المحلية، وأكثر اهتمامًا بجودة الغذاء إلى جانب كميته؟

في هذا الحوار، نقترب من تفاصيل التجربة، من 88 طنًا للهكتار في إحدى معاملات التداخل، إلى ارتفاع الوزن الجاف والمحتوى الكبريتي، ونقف عند حدود ما تستطيع النتائج العلمية قوله، وما يزال يحتاج إلى تجارب حقلية ودراسات اقتصادية قبل تعميمه.

خلينا نبدأ من البداية عندما اخترتِ مخلفات نخيل التمر والكبريت العضوي ومستخلص الثوم في دراسة واحدة، ما المشكلة التي كنتِ تريدين أن تضعي يدكِ عليها تحديدًا؟

بدايةً، المشكلة الأساسية التي سعيتُ إلى معالجتها هي الحاجة إلى إيجاد بدائل آمنة ومستدامة للتسميد الكيميائي، والاستفادة من المخلفات الزراعية، ولاسيما مخلفات النخيل المتوفرة بكميات كبيرة في العراق، بدل تركها أو التخلص منها بصورة غير مفيدة كما ان محصول البصل يجود في الترب المسمدة عضوياً. كذلك ركزتُ على تحسين نمو وإنتاجية البصل الأخضر ورفع قيمته النوعية والغذائية من خلال استخدام الكبريت العضوي والرش بمستخلص الثوم كمواد ذات تأثير محفز للنمو لان البصل من المحاصيل التي تتميز باحتوائها على المركبات الكبريتية وهي المركبات الأساسية المسؤولة عن تكوين النكهة والرائحة المميزة للبصل. لذلك جاءت الدراسة لتجمع بين الاستفادة من المخلفات الزراعية، وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، وتحسين إنتاجية ونوعية البصل الأخضر في الوقت نفسه.

 العراق بلد النخيل، ومع ذلك ما زالت مخلفات النخيل تُعامل في كثير من الأحيان كنفايات، هل أردتِ من خلال بحثكِ أن تقولي لنا إن ما نعتبره مخلفات يمكن أن يكون موردًا زراعيًا مهمًا؟

نعم، وهذا كان من الأمور المهمة في بحثي، لأنني لم أتعامل مع مخلفات النخيل على أنها مجرد مادة عضوية تُضاف إلى التربة، وإنما بعد تحويلها إلى سماد عضوي قمتُ بتحليلها مختبرياً لمعرفة محتواها من العناصر الغذائية. وأظهرت نتائج التحليل أنها تحتوي على عدد من العناصر الغذائية المهمة للنبات، وهذا يؤكد أن هذه المخلفات يمكن أن تكون موردًا زراعيًا مفيدًا، وليس مجرد نفايات يجب التخلص منها. لذلك كان الهدف هو إعادة توظيف هذه المخلفات والاستفادة من العناصر الموجودة فيها في تحسين خصوبة التربة ونمو وإنتاجية البصل الأخضر، بدل أن تبقى عبئًا بيئيًا. وهذا ما أكدته نتائج البحث بشكل علمي عند معاملة البصل الأخضر بسماد مخلفات النخيل أعطت نتائج إيجابية في تحسين الإنتاجية والنوعية للنبات.

إذا كانت مخلفات النخيل موجودة بهذا الحجم، لماذا برأيكِ لم تتحول حتى الآن إلى جزء أساسي من منظومة الإنتاج الزراعي العراقي؟ أين المشكلة: في الوعي، أم في الإدارة، أم في غياب الاستثمار؟

برأيي المشكلة ليست في عامل واحد، وإنما هي مجموعة عوامل متداخلة. فالعراق يمتلك كميات كبيرة من مخلفات النخيل، لكن ما زالت هناك حاجة إلى زيادة الوعي بأهمية هذه المخلفات وكيفية تحويلها إلى منتجات نافعة، إلى جانب الحاجة إلى إدارة أفضل لعملية جمعها ومعالجتها واستثمارها. وأعتقد أن الجانب الاستثماري له دور كبير أيضًا، لأن تحويل هذه المخلفات إلى أسمدة عضوية يحتاج إلى مشاريع ومعامل متخصصة وآليات لجمعها وتصنيعها. لذلك نحن لا نفتقر إلى المورد، وإنما نحتاج إلى منظومة متكاملة تربط بين المزارع والبحث العلمي والاستثمار والجهات المعنية، حتى تتحول مخلفات النخيل من مشكلة بيئية إلى مورد اقتصادي وزراعي مستدام.

دعيني أتوقف عند الكبريت العضوي، لماذا الكبريت تحديدًا؟ وما الذي كنتِ تتوقعينه من إضافته للتربة قبل أن تبدأ التجربة؟

اخترتُ التركيز على الكبريت العضوي لأنه لا يُعدّ مجرد عنصر غذائي للنبات، بل يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تحسين خصائص التربة، خصوصًا في الأراضي القلوية المنتشرة في العراق. فعند تحلله وأكسدته في التربة، يتحول إلى حامض الكبريتيك، مما يساعد على خفض قلوية التربة وتحسين جاهزية بعض العناصر الغذائية، مثل الفوسفور والحديد والزنك، للنبات. قبل بدء التجربة، كنت أتوقع أن تؤدي إضافة الكبريت العضوي إلى تحسين التفاعل الكيميائي للتربة وتقليل درجة الـ pH تدريجياً، فضلًا عن تحسين استفادة النبات من العناصر الغذائية. كما توقعت أن ينعكس ذلك على نمو النبات، لكنني كنت أضع في الحسبان أن تأثير الكبريت لا يظهر بصورة فورية، بل يعتمد على نشاط الأحياء المجهرية، ودرجة الحرارة، والرطوبة، ونوع التربة، لذلك كان لا بد من اختبار تأثيره عمليًا ومقارنته بالمعاملات الأخرى. واضافةً لهذا وكما ذكرت سابقاً ان الكبريت من العناصر الأساسية المهمة جداً لنمو البصل لأنه يدخل في تكوين المركبات الكبريتية التي تميز البصل عن غيره من المحاصيل وكذلك له دور مهم في تكوين البروتينات والانزيمات والعديد من المركبات الحيوية داخل النبات، لذلك فإن توفره لا يقتصر على تحسين النمو فحسب وانما ينعكس ايضاً على نوعية البصل وقيمته الغذائية.

والآن نأتي إلى الجزء الأكثر إثارة في البحث مستخلص الثوم. لماذا الثوم؟ وما الذي جعلكِ تفكرين بأن رش البصل بمستخلص نبات آخر يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في نموه وجودته؟

لان في اطار البحث عن بدائل صديقة للبيئة، ركزت الدراسات الحديثة بشكل متزايد على استخدام المستخلصات النباتية كمحفزات حيوية فعالة، اذ تسهم هذه المستخلصات في تحقيق مبادئ التنمية الزراعية المستدامة بالاعتماد على الموارد الطبيعية المتجددة وتقليل الأثر البيئي للمدخلات الكيميائية ومن بين هذه المستخلصات حُظي مستخلص الثوم باهتمام واسع نظرا لغناه بالمركبات النشطة بيولوجياً مثل الاليسين والمركبات الكبريتية والفينولات والفلافونويدات و تظهر هذه المركبات القدرة على تعزيز النمو وزيادة امتصاص العناصر الغذائية وتحسين القيمة الغذائية وتوفير مقاومة ضد الامراض النباتية اذا أظهرت المستخلصات المشتقة من الثوم القدرة على تثبيط نمو العديد من الفطريات والبكتيريا فضلاً عن تأثيرها المحتمل ضد بعض الطفيليات النباتية مما يجعلها خياراً مكملاً للمبيدات الكيميائية التقليدية. 

هل كانت المفاجأة بالنسبة لكِ في أن هذه المعاملات زادت حجم النبات وإنتاجيته فقط، أم أن المفاجأة الأكبر كانت عندما بدأتِ ترين تغيرًا في القيمة الغذائية والمركبات الطبية؟

بصراحة، زيادة حجم النبات وتحسن إنتاجيته كانت نتائج إيجابية ومتوقعة إلى حدً ما، لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة لي كانت عندما لاحظت أن تأثير المعاملات لم يتوقف عند زيادة النمو والإنتاج، وإنما امتد إلى القيمة الغذائية والمحتوى من المركبات ذات الأهمية الطبية في البصل الأخضر. وهذا الجانب كان مهمًا جداً بالنسبة لي لأننا عادةً نقيس نجاح المعاملة بكمية الإنتاج، بينما بحثي أظهر أن الاهتمام يجب أن يتجاوز كمية المحصول إلى نوعيته وقيمته الغذائية والصحية. وهنا شعرت أن النتائج أعطت للبحث بُعداً أوسع من مجرد زيادة إنتاج البصل الأخضر.

أنتِ لم تقيسي الإنتاج بالطن فقط، وإنما درستِ فيتامين C ومضادات الأكسدة ومركبات مثل Quercetin وKaempferol وRutin وApigenin وLuteolin... لماذا كان هذا الجانب مهمًا جدًا في دراستكِ؟

كان هذا الجانب مهماً في دراستي لأنني لم أرد ان اقيس نجاح المعاملات فقط من خلال زيادة كمية الإنتاج، وانما اردت ان اعرف: هل اصبح البصل الأخضر افضل من الناحية الغذائية والصحية ايضاً لذلك درست فيتامين C ومضادات الأكسدة إضافة الى المركبات الفلافونويدية المهمة مثل Quercetin وKaempferol وRutin وApigenin وLuteolin فهذه المركبات ترتبط بالقيمة الغذائية والخصائص المضادة للأكسدة للنبات ودراستها تعطينا صورة اشمل عن جودة المحصول وبالتالي الفكرة الأساسية في بحثي كانت زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي المهم ان نحصل على محصول وفير وفي الوقت نفسه ذو قيمة غذائية وصحية اعلى.

 هنا أريد أن أسألكِ بطريقة أبسط: هل يمكن أن نزرع الخضار مستقبلًا ليس فقط حتى نحصل على محصول أكبر، وإنما حتى نحصل على محصول أفضل غذائيًا وأكثر قيمة للمستهلك؟

بالتأكيد، وهذا هو الاتجاه الذي أعتقد أننا بحاجة إلى التركيز عليه مستقبلًا. لا ينبغي أن يكون هدفنا من زراعة الخضار الحصول على كمية أكبر من المحصول فقط، وإنما أن ننتج أيضاً محصولًا أفضل من الناحية الغذائية وأكثر فائدة للمستهلك. وبحثي حاول أن يسلط الضوء على هذا الجانب فالمعاملات الزراعية يمكن أن تؤثر ليس فقط في نمو النبات وإنتاجيته، وإنما أيضاً في محتواه من الفيتامينات ومضادات الأكسدة والمركبات النباتية المهمة. لذلك يمكن أن نتجه مستقبلًا نحو مفهوم إنتاج أكثر، ولكن بجودة غذائية أعلى، وهذا برأيي هو التطور الحقيقي في الزراعة.

 نتائجكِ أظهرت أن الكبريت عند مستوى 600 كغم للهكتار رفع الحاصل الكلي إلى 82.44 طنًا للهكتار، مقارنة بـ67.78 طنًا عند عدم إضافته... ما الذي تخبرنا به هذه الأرقام عن دور الكبريت في الإنتاج؟

هذه الأرقام توضح بشكل واضح أن الكبريت كان له تأثير إيجابي في إنتاجية البصل الأخضر. فعند إضافة الكبريت بمستوى 600 كغم للهكتار ارتفع الحاصل الكلي من 67.78 إلى 82.44 طن للهكتار، أي بزيادة تقارب 14.66 طن للهكتار، وبنسبة حوالي 21.6% مقارنة بعدم إضافة الكبريت. وهذا يعطينا مؤشراً على أن توفير الكبريت بالمستوى المناسب يمكن أن يسهم بشكل واضح في تحسين إنتاجية البصل، باعتباره عنصراً غذائيًا أساسياً يدخل في العديد من العمليات الحيوية وتكوين المركبات المهمة في النبات. وبعبارة أبسط: الكبريت لم يكن مجرد إضافة للتربة، وإنما انعكس بشكل ملموس على كمية المحصول.

وفي التداخل بين مخلفات النخيل والكبريت، وصل الحاصل إلى 88 طنًا للهكتار مقابل 65.83 طنًا في معاملة المقارنة... هل يمكن أن نقول إن قوة التجربة لم تكن في مادة واحدة، وإنما في الطريقة التي تفاعلت بها هذه المعاملات مع بعضها؟

نعم، وهذا من أبرز ما أظهرته نتائج التجربة. فالوصول إلى حاصل بلغ 88 طناً للهكتار عند التداخل بين مخلفات النخيل والكبريت، مقارنةً بـ 65.83 طناً للهكتار في معاملة المقارنة، يوضح أن قوة المعاملة لم تكن مرتبطة بمادة واحدة فقط، وإنما بالتكامل والتفاعل بين المعاملات. وهذا يعطينا فكرة مهمة، وهي أن تحسين إنتاجية النبات يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما نستخدم منظومة متكاملة تجمع بين مصدر عضوي يضيف المادة والعناصر الغذائية ويحسن خصائص التربة، وعنصر غذائي مهم مثل الكبريت. لذلك أعتقد أن قيمة التجربة تكمن ليس فقط في دراسة كل عامل بصورة منفردة، وإنما في معرفة كيف يمكن لهذه العوامل أن تعمل معاً لتعطي نتيجة أفضل.

لكن خلينا نكون واقعيين الرقم العالي في التجربة جميل، لكن ماذا يعني للمزارع؟ هل تستطيعين تحويل هذه النتيجة من رقم في جدول إلى فائدة اقتصادية يمكن أن يشعر بها المزارع فعلًا؟

نعم، وهنا أعتقد أن علينا أن ننظر إلى النتيجة من زاوية أوسع من مجرد الرقم. فالبصل الذي تناولته الدراسة يتميز بصغر حجم النبات، وهذا يعني إمكانية استغلال المساحة الزراعية بكفاءة أعلى، فضلًا عن امتلاكه قيمة تسويقية جيدة مقارنةً بالصنف المحلي اذ أن طبيعة السوق العراقي تغيرت كثيراً في السنوات الأخيرة فالانفتاح على العالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة السفر وتجربة هذه الأصناف خارج العراق جعل المستهلك العراقي أكثر اطلاعاً على الأصناف والهجن الحديثة ، ولم يعد يقتصر طلبه على الأصناف المحلية التقليدية، بل أصبح يبحث عن أصناف جديدة ومختلفة ومن هنا جاءت أهمية دراسة إمكانية إنتاج هذه الأصناف محلياً بدل الاعتماد على استيرادها. فإذا استطعنا توفير صنف مطلوب من المستهلك، ويعطي إنتاجية مرتفعة من وحدة المساحة، وبجودة جيدة، فنحن لا نتحدث فقط عن نتيجة بحثية، وإنما عن فرصة يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية للمزارع وإضافة للسوق الزراعي المحلي. فارتفاع الحاصل في تجربتي من 65.83 إلى 88 طناً للهكتار يعطي مؤشراً مشجعاً، لكن الخطوة الأهم مستقبلًا هي ترجمة هذه النتائج إلى دراسات اقتصادية تحدد تكلفة الإنتاج والعائد المتوقع، حتى نعرف بصورة دقيقة مدى جدواها للمزارع.

هناك نتيجة أخرى لافتة الوزن الجاف ارتفع إلى 17.27 غرامًا في إحدى المعاملات، بينما كان 7.27 غرامًا في معاملة المقارنة، ماذا يعني هذا الفرق من الناحية العلمية؟

هذا الفرق مهم علمياً، لأن الوزن الجاف يعكس مقدار ما راكمه النبات من مادة جافة فعلية بعد إزالة الماء، أي أنه يعطينا مؤشراً أوضح على كمية المواد العضوية والمكونات التي كونها النبات نتيجة للنمو والنشاط الحيوي. فارتفاع الوزن الجاف من 7.27 إلى 17.27 غرام يعني أن النبات لم يكن فقط أكبر حجماً، وإنما كان يمتلك قدرة أعلى على تكوين وتراكم المادة الجافة. وهذا يشير إلى أن المعاملة كانت أكثر كفاءة في دعم النمو وتكوين المادة الحيوية داخل النبات. وبالتالي، فالنتيجة تعطي دليلاً علمياً على أن تأثير المعاملات لم يكن شكلياً أو مرتبطاً بزيادة الماء داخل الأنسجة، وإنما انعكس على النمو الحقيقي وتراكم المادة الجافة في النبات.

في المقابل، ليست كل الصفات استجابت بالطريقة نفسها؛ فمثلًا عدد الأنصال لم يُظهر فروقًا معنوية واضحة، هل هذه النتيجة مهمة بقدر النتائج التي ارتفعت؟

نعم، بالتأكيد، لأن البحث العلمي لا يركز فقط على الصفات التي أظهرت زيادة معنوية، وإنما أيضاً على الصفات التي لم تستجب بصورة واضحة. فعدم ظهور فروق معنوية في عدد الانصال عند بعض المعاملات لا يعني أن المعاملة لم تكن فعالة، وإنما يدل على أن استجابة هذه الصفة تختلف عن استجابة صفات النمو والإنتاج الأخرى. واللافت في هذه النتيجة أن عدد الانصال لم يُظهر فروقً معنوية واضحة في بعض المعاملات المفردة، بينما ظهر فرق معنوي عند التداخل الثنائي بين مخلفات النخيل ومستخلص الثوم، وكذلك عند التداخل الثلاثي بين مخلفات النخيل والكبريت العضوي ومستخلص الثوم. وهذا يعطينا دلالة مهمة، وهي أن استجابة النبات لا تعتمد دائمًا على عامل واحد، وإنما قد تظهر بصورة أوضح عندما تتكامل المعاملات مع بعضها. كما أن عدم استجابة صفة معينة لا يقلل من قيمة البحث، بل يساعدنا على فهم طبيعة استجابة النبات بصورة أكثر دقة، ومعرفة أي الصفات تتأثر بالعوامل الزراعية وأيها تبقى أكثر ارتباطًا بالصفات الوراثية للنبات.

أسألكِ هنا كرسالة للباحثين الشباب: هل البحث العلمي الناجح هو الذي يحقق نتائج إيجابية في كل شيء، أم أن اكتشاف أن صفة معينة لا تستجيب أيضًا نتيجة علمية مهمة؟

أعتقد أن البحث العلمي الناجح ليس بالضرورة البحث الذي يحقق نتائج إيجابية في كل شيء، وإنما البحث الذي يصل إلى نتائج حقيقية وموثوقة، سواء كانت إيجابية أم غير ذلك. أحياناً يكون اكتشاف أن صفة معينة لا تستجيب للمعاملة نتيجة علمية مهمة بحد ذاتها لأنها تخبرنا بحدود تأثير هذه المعاملة، وتساعد الباحثين الذين يأتون بعدنا على فهم سلوك النبات بصورة أفضل وتوجيه تجاربهم المستقبلية. لذلك رسالتي للباحثين الشباب هي: لا تبحثوا عن النتيجة التي تثبت توقعاتكم، بل ابحثوا عن الحقيقة التي تكشفها التجربة. فالنتيجة غير المتوقعة قد تكون أحياناً أهم من النتيجة التي كنا نتوقعها.

دعينا نذهب إلى الجانب الذي قد يهم المستهلك أكثر عندما تقول الدراسة إن مستخلص الثوم ساهم في زيادة فيتامين C ومضادات الأكسدة وبعض المركبات الطبية، هل نستطيع أن نقول إن البصل أصبح "أكثر فائدة صحيًا"، أم أن هذا استنتاج أكبر من حدود الدراسة؟

نستطيع أن نقول إن المعاملة بمستخلص الثوم أدت إلى زيادة محتوى البصل الأخضر من فيتامين C ومضادات الأكسدة وبعض المركبات النباتية ذات الأهمية الغذائية، وهذا يعطي مؤشراً على تحسن القيمة الغذائية والوظيفية للمحصول. لكن من الناحية العلمية، لا أعتقد أنه من الصحيح أن نتجاوز نتائج الدراسة ونقول إن البصل أصبح “أكثر فائدة صحية” بصورة مطلقة لأن إثبات الفائدة الصحية المباشرة على الإنسان يحتاج إلى دراسات متخصصة أخرى، مثل الدراسات التغذوية والسريرية. لذلك أفضل أن أقول إن بحثي أظهر زيادة في المركبات المرتبطة بالقيمة الغذائية والنشاط المضاد للأكسدة، وهذه نتيجة مشجعة يمكن أن تكون أساساً لدراسات مستقبلية تبحث في الفوائد الصحية بصورة أعمق.

وهنا أريد منكِ أن تضعي حدًا واضحًا أمام القارئ: هل زيادة هذه المركبات في النبات تعني أن البصل يعالج أمراضًا معينة؟ أم أن هذا موضوع مختلف يحتاج إلى دراسات طبية وغذائية أخرى؟

هنا يجب أن نضع حداً واضحًا بين ما أثبتته الدراسة وما يحتاج إلى دراسات أخرى. زيادة فيتامين C ومضادات الأكسدة وبعض المركبات النباتية في البصل تعني أن القيمة الغذائية والكيميائية للمحصول قد تحسنت، لكنها لا تعني أن البصل أصبح علاجاً لمرض معين. إثبات أن هذه الزيادة تؤدي إلى تأثير صحي أو علاجي لدى الإنسان يحتاج إلى دراسات متخصصة في التغذية والطب، تبدأ بدراسة التوافر الحيوي لهذه المركبات وكيف يتعامل معها الجسم، وصولاً إلى الدراسات السريرية. لذلك، أنا كباحثة ألتزم بحدود نتائج دراستي، بحثي يثبت التغير في محتوى المركبات داخل النبات، لكنه لا يدعي إثبات تأثير علاجي على الإنسان. وهذا الفصل بين النتيجة العلمية والاستنتاج الطبي أمر مهم جدًا حتى تصل المعلومة للمستهلك بصورة دقيقة ومسؤولة.

محتوى الكبريت في رؤوس البصل ارتفع من 619 إلى 900.2 ملغم لكل 100 غرام مع مستوى الكبريت الأعلى كيف تفسرين هذه الزيادة، وماذا ينبغي أن يفهم منها المستهلك بعيدًا عن المبالغة؟

هذه الزيادة تشير إلى أن النبات استفاد من إضافة الكبريت واستطاع أن يمتصه ويُراكمه في الجزء المأكول منه، وهذا يتفق مع أهمية الكبريت في تغذية البصل وتكوين مركباته الكبريتية المميزة. فارتفاع المحتوى من 619 إلى 900.2 ملغم لكل 100 غرام عند أعلى مستوى من الكبريت يعني أن المعاملة أثرت بشكل واضح في المحتوى الكبريتي للنبات، وليس فقط في نموه وإنتاجيته. أما بالنسبة للمستهلك، فلا ينبغي تفسير هذه النتيجة على أنها تعني أن تناول البصل بهذه المعاملة سيمنع مرضاُ أو يعالجه. ما نستطيع قوله علمياً هو أن المعاملة حسنت محتوى البصل من المركبات والعناصر المرتبطة بطبيعته الغذائية والكيميائية، أما الفوائد الصحية المباشرة فتحتاج إلى دراسات تغذوية وطبية مستقلة.

رسالتكِ توصي باستخدام هذه المعاملات كبدائل صديقة للبيئة لتقليل التأثير الضار للأسمدة الكيميائية، هل نحن فعلًا أمام بديل يمكن الاعتماد عليه، أم أن الأدق أن نقول إنها أدوات يمكن أن تقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية؟

الأدق برأيي أن نقول إن هذه المعاملات تمثل أدوات زراعية صديقة للبيئة يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، وليس بالضرورة أنها بدائل كاملة يمكن الاستغناء بها عن الأسمدة الكيميائية في جميع الظروف. فنتائج الدراسة أظهرت أن استخدام مخلفات النخيل والكبريت العضوي ومستخلص الثوم كان له تأثير إيجابي في عدد من صفات النمو والإنتاجية والقيمة الغذائية للمحصول. وهذا يجعلها خيارات واعدة ضمن منظومة تسميد متكاملة، يمكن أن تساعد في خفض الاعتماد على المدخلات الكيميائية والاستفادة في الوقت نفسه من موارد محلية مثل مخلفات النخيل. وأعتقد أن هذه هي الرسالة الأكثر واقعية للبحث: نحن لا نقول للمزارع اترك الأسمدة الكيميائية بالكامل، وإنما نقول له إن بإمكاننا استخدام موارد عضوية وطبيعية بصورة مدروسة لتقليل الاعتماد عليها وتحقيق إنتاج جيد بطريقة أكثر استدامة.

 لو جاءكِ مزارع عراقي وقال لكِ، أنا لا أريد أن أقرأ 95 صفحة من الرسالة، أعطيني شيئًا واحدًا أطبقه في حقلي، ماذا ستقولين له؟

إذا طلب مني مزارع أن أختصر له نتائج رسالتي كلها في توصية واحدة قابلة للتطبيق، فسأقول له: المعاملة التي أوصي بها للبصل الأخضر، استناداً إلى نتائج تجربتي، هي إضافة 30 طناً من سماد مخلفات النخيل للهكتار، مع 600 كغم من الكبريت العضوي للهكتار، والرش بمستخلص الثوم بتركيز 6 ملغم لتر⁻¹. هذه ليست توصية مبنية على توقع أو افتراض، وإنما على معاملة اختبرتها فعلياً ضمن التجربة، وأظهرت أفضل استجابة في عدد كبير من الصفات المدروسة، من صفات النمو والإنتاجية إلى عدد من الصفات النوعية والكيميائية. وبالتالي الخلاصة العملية التي خرجتُ بها من بحثي هي أن الجمع بين مورد محلي متوفر مثل مخلفات النخيل، وعنصر غذائي مهم مثل الكبريت، ومستخلص نباتي طبيعي مثل الثوم، يمكن أن يعطي استجابة متكاملة وواعدة في إنتاج البصل الأخضر. وطبعاً عند تطبيقها على نطاق واسع، ينبغي مراعاة اختلاف التربة والظروف الحقلية، لأن التوصية العلمية الناجحة هي التي تنتقل من نتائج التجربة إلى الحقل بصورة مدروسة، وليس بصورة عشوائية.

 وهل الجرعة الأعلى دائمًا هي الأفضل؟ لأن نتائجكِ تشير إلى مستويات مختلفة من مخلفات النخيل بحسب الصفة التي نبحث عنها؛ فكيف يمكن للمزارع أن يعرف أن زيادة المدخلات لا تعني بالضرورة نتيجة أفضل؟

لا، المعاملة الأعلى ليست دائماً هي الأفضل، وهذه من أهم الرسائل التي أعتقد أن على المزارع أن ينتبه لها. فاستجابة النبات لا تسير بالضرورة باتجاه واحد مع زيادة المعاملات فقد تستجيب صفة معينة عند مستوى معين، بينما لا تحتاج صفة أخرى إلى زيادة الكمية نفسها، وقد لا تكون الزيادة الإضافية ذات فائدة. لذلك لا ينبغي أن يكون المبدأ هو «كلما أضفت أكثر حصلت على نتيجة أفضل»، وإنما البحث عن المستوى الأمثل الذي يحقق أفضل استجابة من دون هدر في المعاملات أو زيادة غير ضرورية في التكاليف. وفي تجربتي، صحيح أن بعض الصفات أظهرت أفضل استجابة عند مستويات مختلفة من مخلفات النخيل، وهذا يؤكد أن تحديد المعاملة يجب أن يعتمد على الهدف من الإضافة وطبيعة المحصول وظروف الحقل، وليس على فكرة أن المعاملة الأعلى هي الأفضل دائماً. وبالنسبة للمزارع، الرسالة ببساطة هي: لا تزيد كمية المعاملات لمجرد أنها أعطت نتيجة أعلى في صفة معينة اختر المستوى الذي أثبتت التجربة أنه الأكثر كفاءة وتوازنا بين الإنتاج والجودة والتكلفة.

إذا نجحنا في تحويل مخلفات النخيل إلى سماد عضوي بصورة منظمة، هل يمكن أن نخلق من هذه الفكرة قطاعًا اقتصاديًا جديدًا، بدل أن نبقى نتعامل مع المخلفات بوصفها مشكلة يجب التخلص منها؟

نعم، أعتقد أن هناك فرصة حقيقية لذلك، خصوصاً أن العراق يمتلك مورداً متجدداً وكميات كبيرة من مخلفات نخيل التمر. فإذا انتقلنا من فكرة التخلص من هذه المخلفات إلى جمعها ومعالجتها وتصنيعها بصورة منظمة وتحويلها إلى أسمدة ومحسنات للتربة، فمن الممكن أن تتحول من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي. وهذا لا يعني أن البحث وحده قادر على إنشاء قطاع اقتصادي متكامل، لكنه يقدم دليلاً عملياً على أن هذه المخلفات يمكن أن تكون ذات قيمة زراعية. وإذا اجتمعت نتائج البحوث العلمية مع الاستثمار، وإنشاء معامل متخصصة، وتنظيم عملية جمع المخلفات وتصنيعها وتسويقها، فقد نكون أمام سلسلة اقتصادية جديدة تبدأ من بساتين نخيل التمر وتنتهي بمنتج زراعي يمكن للمزارع استخدامه أو شراؤه. وبرأيي، الأهم هو أن نغير طريقة النظر إلى مخلفات النخيل: بدل أن نسأل كيف نتخلص منها، يجب أن نسأل كيف نستثمرها. وهنا يمكن للبحث العلمي أن يكون نقطة البداية.

وهنا نصل إلى قضية أكبر من البصل، هل يمكن للزراعة العراقية أن تنتقل من استيراد كثير من المدخلات إلى استثمار مواردها المحلية وإعادة تدويرها داخل العملية الزراعية؟

نعم، وأعتقد أن هذا هو أحد الاتجاهات المهمة التي ينبغي أن تتجه إليها الزراعة العراقية. العراق يمتلك موارد محلية كثيرة، ومنها مخلفات النخيل والمخلفات الزراعية الأخرى، لكن جزءاً منها ما زال يُعامل على أنه نفايات بدل أن يُعاد تدويره والاستفادة منه داخل العملية الزراعية. بحثي في البصل الأخضر يمثل نموذجاً صغيراً لهذه الفكرة إذ حاولت تحويل مخلفات النخيل من مادة مهملة إلى سماد عضوي ذي قيمة، واستخدامه ضمن منظومة إنتاجية أعطت نتائج إيجابية. وهذا يفتح الباب أمام فكرة أوسع، وهي أن نستثمر مواردنا المحلية في إنتاج الأسمدة ومحسنات التربة والمعاملات الزراعية بدل الاعتماد بشكل كبير على استيرادها. لكن الانتقال إلى هذا النموذج يحتاج إلى تعاون بين البحث العلمي والمزارعين والقطاع الاستثماري والجهات الحكومية، حتى نتمكن من تحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، ونبني منظومة زراعية أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الخارج.

 لكن قبل أن نذهب بعيدًا في التعميم، الدراسة أجريت ضمن ظروف وتجربة محددة؛ ما الذي ما زلتِ تحتاجين إلى إثباته قبل أن تقولي إن هذه النتائج يمكن تطبيقها على نطاق واسع في الحقول العراقية؟ فالرسالة نفسها توصي بإجراء المزيد من الدراسات الحقلية.

بالتأكيد، وهنا يجب أن نكون دقيقين في تعميم النتائج. دراستي أُجريت ضمن ظروف وتجربة محددة، ولذلك لا يمكن أن نقول إن النتائج تنطبق تلقائياً على جميع الحقول العراقية. ما نحتاج إلى إثباته أولاً هو أن هذه النتائج تتكرر تحت ظروف حقلية مختلفة، وفي أنواع متعددة من الترب، ومناطق زراعية مختلفة، ومع اختلاف الظروف المناخية وطرق الإدارة الزراعية. كما نحتاج إلى تقييم الجانب الاقتصادي للمعاملات، ومعرفة مدى سهولة تطبيقها وتوفر المواد وتكاليف تجهيزها ونقلها. ولهذا السبب أوصت الرسالة نفسها بإجراء المزيد من الدراسات والتجارب الحقلية وعلى نطاق أوسع قبل تعميم التوصيات. فالنتيجة التي توصلتُ إليها هي نتيجة واعدة ومشجعة، لكنها تمثل خطوة في طريق البحث، وليست الكلمة الأخيرة. وأعتقد أن من أهم صفات الباحث أن يعرف ليس فقط ماذا أثبت بحثه، وإنما ايضاً أين تتوقف حدود ما يستطيع أن يدعيه.

بعد كل ما ظهر لكِ من نتائج، لو أتيح لكِ الآن أن تعيدي تصميم التجربة من جديد، ما الشيء الذي ستضيفينه أو تغيرينه حتى تجيبي عن سؤال لم تستطع هذه الدراسة الإجابة عنه؟

لو اتيحت لي فرصة إعادة تصميم التجربة فلن اغير جوهرها لان النتائج التي توصلت اليها كانت مشجعة وبالأخص ان تجربتي كانت شاملة لكل المقاييس التي ضمن حدود تخصصي لكن لو توسعت خارج حدود التخصص يمكن ان اضيف جانباً مهماً للإجابة عن سؤال بقي مفتوحاً وهو: ما مدى إمكانية تطبيق هذه المعاملات اقتصادياً وعلى نطاق حقلي واسع؟ لذلك سأضيف تجارب حقلية في أكثر من موقع وتحت ظروف وترب مختلفة مع اجراء تحليل اقتصادي متكامل لكل معاملة ويشمل تكاليف تجهيز ومعاملة مخلفات النخيل والكبريت العضوي ومستخلص الثوم ومقارنتها بالعائد الناتج من زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحصول.

وأختم معكِ من زاوية أبعد من الرسالة نفسها: إذا كان عندنا نخيل ومخلفات نخيل، وتربة تحتاج إلى تحسين، ونباتات يمكن رفع إنتاجيتها وقيمتها الغذائية باستخدام موارد محلية، فهل مشكلتنا في العراق فعلًا نقص الموارد، أم أننا ما زلنا لا نعرف كيف نحول الموارد التي نملكها إلى قيمة؟

أعتقد أن مشكلتنا في العراق ليست دائما نقص الموارد، وإنما في كثير من الأحيان كيفية إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة حقيقية. لدينا النخيل ومخلفاته، ولدينا اراضٍ زراعية وموارد يمكن استثمارها، ولدينا طاقات علمية وبحثية قادرة على تطوير حلول محلية، لكن التحدي يكمن في ربط هذه الإمكانات ببعضها وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيق فعلي في الحقل. رسالتي كانت تجربة محددة على محصول واحد وتحت ظروف معينة، لكنها بالنسبة لي تحمل فكرة أكبر: أن ننظر إلى الموارد التي نملكها بطريقة مختلفة. فمخلفات النخيل التي قد نراها نفايات يمكن أن تصبح سماداً، والسماد يمكن أن يحسن التربة، وتحسين التربة يمكن أن يرفع إنتاجية المحصول وجودته، وبالتالي تتحول سلسلة كاملة من الموارد المحلية إلى قيمة زراعية واقتصادية وغذائية. لذلك أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام الزراعة العراقية ليس فقط أن نسأل: ماذا نملك؟ وإنما أن نسأل: كيف نستثمر ما نملك، وكيف نحول المعرفة والموارد المحلية إلى إنتاج وقيمة يستفيد منها المزارع والمستهلك والاقتصاد العراقي؟ وهذا، برأيي، هو الدور الحقيقي للبحث العلمي: ألا يبقى حبيس صفحات الرسائل الجامعية، وإنما يكون نقطة بداية لحلول يمكن أن تصل إلى أرض الواقع.

وهكذا ينتهي حوارنا مع الباحثة إيلاف حمزة ولي عند فكرة تتجاوز حدود تجربة زراعية على البصل الأخضر؛ فكرة تقول إن بعض ما نعدّه مخلفات قد يخفي موردًا قابلًا للاستثمار، وإن تحسين الإنتاج لا ينبغي أن ينفصل عن جودة الغذاء واستدامة الموارد. وبين نتائج التجربة وحدود تعميمها، تظل الخطوة الأهم هي نقل المعرفة من صفحات البحث إلى الحقل، عبر تجارب أوسع ودراسات اقتصادية وتعاون حقيقي بين الباحث والمزارع والجهات المعنية.

نشكر الباحثة إيلاف حمزة ولي على وقتها، وعلى هذا الحوار الذي أتاحت من خلاله للقارئ أن يقترب من تفاصيل تجربتها ونتائجها، وأن يرى مخلفات النخيل من زاوية مختلفة؛ زاوية البحث العلمي الذي يحاول أن يحوّل الموارد المحلية إلى فرص قابلة للحياة. وشكرًا لكم أنتم على القراءة.

ذات صلة

التعليم المهني: سلاح الشباب لمواجهة البطالةحصر السلاح.. معركة الهوية والسيادة في العراقبلد النفط وطوابير البنزين: أين يختفي الوقود في العراق؟الإعلام والذكاء الإصطناعيحين تدخل الصين السوق الألمانية.. هل بدأ تراجع إمبراطورية السيارات الأوروبية؟