حقيقة القانون الدولي والسيادية الدولية.. العراق وفنزويلا انموذجاً
د. عقيل كريم الحسناوي
2026-01-11 04:04
يُقدَّم القانون الدولي في الخطاب الرسمي بوصفه منظومة قانونية محايدة، تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول على أساس المساواة، ومنع العدوان، وحماية حقوق الإنسان، وصون السلم والأمن الدوليين. غير أن التجربة الدولية، ولا سيما في العقود الأخيرة، تكشف أن هذا الخطاب كثيرًا ما يصطدم بواقع مختلف، تُهيمن عليه موازين القوة والمصالح السياسية.
ففي حالات بعينها، يتحول القانون الدولي من أداة للعدالة إلى وسيلة للشرعنة، ومن نظامٍ للضبط إلى خطابٍ انتقائي. وتُعد تجربتا العراق وفنزويلا مثالين واضحين على هذا الانفصام بين النص القانوني والتطبيق العملي، حيث استُخدمت قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن -أو جرى الالتفاف عليها- لإخضاع دولتين مستقلتين، مع تجاهل الآثار الإنسانية والسيادية المترتبة على ذلك.
القانون الدولي بين المثال والواقع
من حيث المبدأ، يقوم النظام القانوني الدولي على مجموعة من القواعد الجوهرية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام حقوق الإنسان. وتُعد هذه القواعد، ولا سيما حظر استخدام القوة، من القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التحلل منها.
1- مبدأ حظر استخدام القوة
تنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على أن:
"يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة".
2- مبدأ السيادة وعدم التدخل
تنص المادة (2/1) من الميثاق على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، كما تؤكد المادة (2/7) عدم جواز تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلية للدول.
غير أن هذه القواعد لا تعمل في فراغ، بل ضمن نظام سياسي دولي غير متكافئ، تملك فيه قلة من الدول نفوذًا استثنائيًا داخل مؤسسات صنع القرار، وعلى رأسها مجلس الأمن. وهنا تبدأ المفارقة: فالقانون موجود كنص، لكن فعاليته مرهونة بإرادة القوى الكبرى. وهذا ما يجعل الحديث عن "سيادة القانون الدولي" حديثًا مشروطًا، لا يتحقق إلا عندما لا يتعارض مع مصالح الأقوياء.
العراق: من العقوبات إلى الحرب
شكّل العراق (بغض النظر عن النظام الديكتاتوري الحاكم آنذاك) منذ بداية تسعينيات القرن الماضي مثالًا صارخًا على كيفية توظيف القانون الدولي بصورة تُفرغه من مضمونه الإنساني. فبعد غزو الكويت عام 1990، أصدر مجلس الأمن القرار 661، الذي فرض نظام عقوبات اقتصادية شاملة على العراق. ورغم أن هذه العقوبات قُدِّمت باعتبارها تدابير قانونية غير عسكرية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن آثارها العملية كانت مدمّرة على المجتمع العراقي.
لقد أدت العقوبات إلى انهيار النظام الصحي والتعليمي، وانتشار الفقر وسوء التغذية، وارتفاع معدلات وفيات الأطفال، في تعارض واضح مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ حماية المدنيين وحظر العقوبات الجماعية. ورغم صدور القرار 986 لاحقًا، الذي أُنشئ بموجبه برنامج "النفط مقابل الغذاء"، فإن هذا البرنامج لم يكن علاجًا حقيقيًا، بل اعترافًا ضمنيًا بفشل نظام العقوبات نفسه.
ثم جاءت حرب عام 2003 لتكشف الوجه الأشد خطورة لـ "أكذوبة القانون الدولي". فقد شُنّ الغزو العسكري على العراق دون تفويض صريح من مجلس الأمن، وبذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت لاحقًا عدم وجودها. ورغم وضوح انتهاك مبدأ حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، لم تُفعَّل أي آلية دولية للمساءلة، ولم تُحمَّل الدول المتدخلة أي مسؤولية قانونية عن العدوان أو عن نتائجه الكارثية.
وهكذا، تحوّل القانون الدولي في الحالة العراقية من نظام يُفترض أن يحمي دولة ذات سيادة إلى أداة تُستخدم لإدامة العقوبات، ثم لتبرير الحرب، دون محاسبة أو مراجعة.
فنزويلا من الإكراه الاقتصادي إلى تجريم القيادة السياسية
لم تتوقف أدوات الضغط الدولية على فنزويلا عند حدود العقوبات الاقتصادية والإكراه المالي، بل تطورت إلى مرحلة أخطر تمثلت في تجريم القيادة السياسية ذاتها، ولا سيما من خلال ملاحقة ووصم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على المستوى الدولي. فقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات صريحة لعزل مادورو سياسيًا، فضلًا عن توجيه اتهامات جنائية له في سياقات عابرة للحدود، بما في ذلك إدراجه في لوائح دعم الإرهاب وتجارة المخدرات.
من منظور القانون الدولي العام، تثير هذه الممارسات إشكاليات قانونية عميقة تمس جوهر النظام الدولي القائم على سيادة الدول. فالرئيس مادورو، سواء اتُّفِق مع سياساته أم لا، يُعد رئيسًا منتخبًا لدولة ذات سيادة وعضوًا في الأمم المتحدة، ويتمتع -بحكم منصبه- بحصانات دولية معترف بها في القانون الدولي العرفي، ولا سيما حصانة رئيس الدولة من الولاية القضائية الجنائية الأجنبية أثناء توليه المنصب. وهذه الحصانة ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة مؤسسية تهدف إلى حماية استقلال الدولة ومنع إخضاعها لإكراه خارجي عبر استهداف قيادتها.
إن تجاوز هذه القاعدة، من خلال ملاحقة رئيس دولة قائمة خارج إطار محكمة دولية مختصة -مثل المحكمة الجنائية الدولية (ان صح التعبير)، وبشروطها الصارمة- يُعد سابقة خطيرة، لأنه ينقل الصراع السياسي من مستوى الخلاف الدولي إلى مستوى الإنفاذ الجنائي الانتقائي. وهنا يتجلى الخلل البنيوي في النظام الدولي: فالقانون يُفعَّل بصورة هجومية ضد دول بعينها، بينما يبقى معطّلًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بانتهاكات جسيمة ارتكبتها قوى كبرى أو حلفاؤها.
والأخطر من ذلك أن هذه الملاحقات لا تُطرح غالبًا في إطار قانوني دولي محايد، بل تُقدَّم ضمن خطاب سياسي وأمني، يُصوّر رئيس الدولة المستهدفة كـ "خطر دولي"، بما يفتح الباب أمام شرعنة التدخل غير المباشر، بل وحتى التغيير القسري للأنظمة. وبذلك، لا يعود الاعتقال أو التهديد به إجراءً قانونيًا، بل يتحول إلى أداة من أدوات الحرب السياسية.
إن ما جرى في حالة مادورو يعكس تطورًا خطيرًا في ممارسة السلطة الدولية: من معاقبة الدولة عبر العقوبات، إلى نزع الشرعية عن القيادة، ثم السعي إلى تحييدها شخصيًا. وهذا المسار يعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية استُخدم فيها القانون كغطاء لتصفية الخصوم السياسيين دوليًا، وليس كآلية لتحقيق العدالة.
ومن زاوية أوسع، فإن تجريم رئيس دولة خارج إطار مجلس الأمن أو القضاء الدولي المختص (ان صح القول) يُقوّض مبدأ عدم التدخل، ويحوّل القانون الدولي من منظومة تنظم العلاقات بين الدول إلى سلاح سياسي موجَّه. كما يُعمّق انعدام الثقة لدى دول الجنوب في النظام الدولي، ويعزز القناعة بأن القانون لا يُطبّق إلا عندما يخدم مصالح قوى بعينها.
مجلس الأمن وازدواجية المعايير
لا يمكن فهم ما جرى في العراق وفنزويلا دون التوقف عند البنية المؤسسية لمجلس الأمن، ولا سيما نظام العضوية الدائمة وحق النقض (الفيتو). فهذا النظام يسمح للدول الخمس الدائمة العضوية بتعطيل أي قرار يمس مصالحها أو مصالح حلفائها، في حين تُمرَّر القرارات القسرية بسهولة عندما تتعلق بدول ضعيفة أو معزولة سياسيًا.
وبذلك، يتحول مجلس الأمن من جهاز يُفترض أن يطبق القانون الدولي إلى ساحة لإدارة التوازنات السياسية. وتُصبح القواعد القانونية مرنة تجاه الأقوياء، صارمة تجاه الضعفاء، وهو ما يقوّض مبدأ المساواة بين الدول، ويُفرغ فكرة الشرعية الدولية من مضمونها.
المسؤولية الدولية الغائبة
وفق قواعد القانون الدولي، ولا سيما مشروع لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، تتحمل الدولة التي تنتهك التزامًا دوليًا مسؤولية قانونية تقتضي وقف الفعل غير المشروع وجبر الضرر. غير أن هذه القواعد تبقى، في الواقع، حبرًا على ورق عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى.
فلا أحد حوسب على نظام العقوبات الذي دمّر المجتمع العراقي، ولا على الحرب التي شُنّت خارج إطار الشرعية الدولية، ولا على العقوبات الأحادية التي تخنق الاقتصاد الفنزويلي. وهذا الغياب للمساءلة هو جوهر أزمة القانون الدولي المعاصر.
نخلص مما سبق: ان تجربتا العراق وفنزويلا تكشف لنا أن مشكلة القانون الدولي ليست في نقص القواعد أو غموض النصوص، بل في الانتقائية في التطبيق واختلال ميزان القوة داخل النظام الدولي. فحين يُستخدم القانون لتبرير المعاناة بدل منعها، وحين تُطبّق القواعد على دول دون أخرى، يتحول القانون الدولي من أداة للعدالة إلى أداة للهيمنة.
ويبرز هنا السؤال الآتي: هل القانون الدولي كذبة أم أداة مختطفة؟
من الدقة القول إن القانون الدولي ليس "كذبة" بالمعنى النظري، لكنه مختطف سياسيًا. فالمشكلة لا تكمن في غياب القواعد، بل في:
- غياب آليات إنفاذ عادلة،
- احتكار تفسير القانون من قبل الأقوياء،
- تسييس المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن.
وهذا ما يجعل القانون الدولي عاجزًا عن حماية الشعوب من الإكراه الاقتصادي أو العدوان العسكري، رغم ادعائه الحياد والإنسانية. كما ان حالتا العراق وفنزويلا تكشف عن نمط متكرر:
- تُفسَّر قواعد القانون الدولي وفق مصلحة القوى الكبرى،
- تُضخّم انتهاكات بعض الدول، ويُتغاضى عن انتهاكات دول أخرى،
- تُستخدم مفاهيم مثل حقوق الإنسان والديمقراطية كغطاء أخلاقي للتدخل.
هذه الانتقائية تُفرغ القانون الدولي من محتواه القيمي، وتحوّله إلى خطاب شرعنة لا إلى نظام عدالة. فالقاعدة القانونية التي لا تُطبق على الجميع، تفقد صفتها القانونية وتتحول إلى أداة سياسية. عليه، إن وصف هذا الواقع بـ أكذوبة القانون الدولي لا يعني إنكار وجود القانون، بل فضح الفجوة بين ادعاءاته وممارساته. وإصلاح هذه المنظومة لا يكون بتكثيف الخطاب القانوني، بل بإعادة الاعتبار لمبدأ المساواة، وتقييد السلطة التقديرية لمجلس الأمن، ومنع الإكراه الاقتصادي الجماعي، وربط القانون الدولي فعلًا بحماية الإنسان لا بإدارة المصالح. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى القانون الدولي -في نظر الشعوب التي عانت من العقوبات والحروب- وعدًا أخلاقيًا لم يتحول بعد إلى واقعٍ عادل.