مخاطر خوارزميات الكراهية على حرية الرأي والتعبير

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

2026-03-01 04:37

أضحى أغلب الناس يتعاملون مع الواقع الافتراضي كجزء من الحياة العصرية يواكبوا من خلالها الوقائع اليومية ويتفاعلوا مع الأحداث العالمية أو الوطنية، بل وأضحت متنفساً للتعبير عن الرأي أياً كان سياسياً أم دينياً أم اجتماعياً، بيد ان المخاوف التي ترافق ما تقدم تتمثل في الدرجة الأساس بالحق في الخصوصية والتمييز العنصري الذي يرافق التواجد في الفضاء الافتراضي.

 وليس ما تقدم فقط يتأثر بالخوارزميات التي تدير وسائل التواصل الاجتماعي بل تتأثر حرية التعبير بالقيود اللامتناهية فبمجرد استعمال مصطلح أو تسمية معينة يمكن ان يتم تقييد الوصول إلى الحساب الشخصي، وقد يصار إلى تقييد النشر وصولاً إلى إغلاق الحساب ومصادرته، لذا يتعين النظر في السياسات التي تحكم عمل هذه الشركات وإلى أي مدى يمكنها الاستمرار في وضع القواعد وتنفيذها بإرادتها المنفردة؟ دون ان تأخذ بنظر الاعتبار إرادة المستخدمين وحقوقهم الطبيعية أو المخاطر التي تتهددهم للمضي قدما في الاستفادة من مزايا التطور التقني الذي يدير هذه المجتمعات الافتراضية.

ويشار إلى ان الدول الغربية والولايات المتحدة بين الحين والآخر تعلن عن سياسات أو قرارات أو خطط حكومية تتعلق بالذكاء الاصطناعي وتوظيفه تحت شعار "نحو ذكاء اصطناعي مسؤول" لاسيما حين يتعلق الأمر بحياة الناس وحقوقهم الأساسية حيث رسخت الولايات المتحدة على سبيل المثال مكانتها الرائدة في وضع معايير أخلاقية لاستعمالاته من خلال عقد شراكات مع منظمات دولية كالأمم المتحدة والمساهمة فيما بات بعرف "بالميثاق الرقمي" الذي أقرته الدول الأعضاء في المنظمة ضمن قمة المستقبل التي عقدت في شهر أيلول 2024.

 ومن الواضح ان الدول باتت توظف الذكاء الاصطناعي ضمن جهودها الرامية إلى صيانة أمنها القومي وان هذه التقنيات أيضاً تلعب دوراً حاسماً في الحملات الانتخابية لتمثل أداة مهمة في الترويج لكسب الأنصار والمريدين أو التأثير على الخصوم، لذا لابد من التأسيس لميثاق وطني في كل دول العالم ومنها العراق يؤكد الجانب الإنساني والأخلاقي ويجعله المعيار الأول في صياغة القواعد القانونية والسياسات والبرامج المنظمة لاستعمال الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات، وان المخاطر الناجمة عن الإفراط في الاعتماد على هذه التقنيات من شأنها ان تفرغ حرية التعبير عن الرأي من محتواها الحقيقي.

 وان السلطات العراقية هي الأخرى مدعوة إلى ان تدرس وبعناية وسائل التعامل الرسمي (الحكومي) مع الشركات المشغلة لوسائل التواصل الاجتماعي لصيانة الحقوق والحريات الأساسية لأفراد الشعب العراقي، فلم نلحظ إلى اليوم خطط حكومية قادرة على مواجهة تغول تلك الشركات أو تحكمها الاستبدادي فيما يمكن ان ينشر أو يقال ومن تعرض لانتهاك حقوقه على تلك المنصات إلى اليوم لا يجد سبيلاً إلى الجهات الرسمية ليطلب إليها التدخل لمصلحته وإلزام الشركة المشغلة بتفسير منطقي لقراراتها إزاءه من خلال تلقيه إشعارات تفسر السبب في اتخاذ القرارات الخوارزمية المؤثرة على حياته الخاصة؟ أو المؤثرة على نشاطه أو حياته في الجوانب الاقتصادية (التجارية) أو الاجتماعية أو الأسرية.

 ويشار إلى ان أنظمة الذكاء الاصطناعي غير الآمنة أو المتحيزة تشكل خطراً محدقاً إذ تستغل في الكثير من الأحيان من قبل البعض لممارسة سلوكيات تنطوي على التمييز، ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا هيئة الإعلام والاتصالات العراقية إلى اليوم لم تضع لائحة تنظم حق المواطن العراقي كمشترك في وسائل التواصل الاجتماعي؟ ولماذا تغلق الهيئة عينيها إزاء الكثير من التجاوزات التي حصلت أو تحصل، ولما السكوت المطبق عن تحريك الوسائل الرسمية لمحاصرة إدارة أو تمويل الحسابات التي تبث الكراهية أو التي تنفث سموم العدوان على الأفراد والجماعات في العراق.

 بل وعلى الجانب الأخر أقرت الهيئة لائحة تضع إطار تنظيمي يحدد المعايير والإجراءات الخاصة بالمحتوى الرقمي والإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي حيث تم التصويت على اللائحة من قبل مجلس المفوضين يوم 28/1/2025 ومن المفترض ان اللائحة تشمل جميع المدونين والمؤثرين والشخصيات العامة التي تحظى بمتابعة واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف حماية المجتمع من الممارسات الفردية غير المهنية لتتماشى مع القوانين العراقية النافذة وحماية المجتمع من الإعلانات المضللة والممارسات غير الأخلاقية، وتقديم الدعم للمؤثرين ليكون عملهم تحت مظلة القانون وان هؤلاء ملزمين بعدم بث مواد من شأنها ان تسئ إلى مكانة العراق أو تؤثر على علاقاته الدولية الخارجية ومنع التحريض على العنف والفتن الدينية أو العراقية، وحددت رسوم سنوية لتسجيل المؤثرين وصناع المحتوى وفق معيار عدد المتابعين على نحو ((أكثر من 5 ملايين متابع: 1,000,000 دينار عراقي سنوياً، من 3 إلى 5 ملايين متابع: 850,000 دينار عراقي سنوياً، من 1 إلى 3 ملايين متابع: 650,000 دينار عراقي سنوياً، من 500 ألف إلى مليون متابع: 450,000 دينار عراقي سنوياً....)).

 ويبدو ان الهدف الظاهر للائحة هو إسباغ الشرعية على محتوى هؤلاء، وهي خطوة مهمة إلى الأمام، بيد ان هذه اللائحة تتعثر في ميدان التطبيق ولازالت تدور في حلقة مفرغة لعدم تنظيم هذا المجال الرقمي بقوانين واضحة من شأنها ان تمنح الهيئة وأجهزتها الولاية على عمل وأنشطة الشركات المالكة لشبكات التواصل الاجتماعي في العراق، فقد عملت وزارة الداخلية والمحاكم العراقية على التأسيس لأقسام تتابع ما بات يعرف بالمحتوى المخل بالحياء والآداب العامة ولا شك أنها خطوات ضرورية لصيانة الجوانب المعنوية أو الروحية ومنع البعض من تحويل مساحة الحرية إلى منصة لبث المحتوى المخل، لكن هل اهتمت هذه الجهات بمن تعرض لتقييد الوصول إلى تلك المنصات بقرار رقمي من روبوت يدار بتقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل يفرغ حرية التعبير من محتواها الحقيقي؟.

فعلى الصعيد الدولي تمضي الكثير من الجهات ومنها الاتحاد الأوربي نحو سن قوانين تقرر صراحة حقوق الإنسان في سياق الذكاء الاصطناعي ومنها اللائحة التي تحمل الرقم (2024/1689) والتي تعد وبحق واحدة من أهم المحاولات الأكثر نضجاً لتقنين استعمالات التكنولوجيا والحد من أثرها على حقوق الإنسان، لكن أين العراق من هذا التحدي؟ أين الصيانة لحقوق العراق السيادية في إنفاذ القوانين الأساسية على الجميع مواطنين والشركات وغيرهما؟ والتأسيس للمساءلة وفق القانون العراقي وليس قوانين أجنبية وضعت لتتلاءم مع النظام العام والآداب العامة في تلك الأنحاء.

 ويزداد الأمر سوءً حين نتذكر أن التنبؤ مقدماً بالمخاطر التي تتهدد حقوق الإنسان العراقي لا تقف عند الحق في الخصوصية أو حرية الرأي وعدم التمييز العنصري بل هي تتصل بالمخاطر التي تتهدد الحق في العمل وما يتصل به من حرية الترويج والتسويق والتأسيس لمجتمعات عمل عامة أو خاصة من خلالها يمكن ممارسة الأنشطة التجارية أو المهنية، ولما تقدم يمكن الإشارة إلى أهم المالات التي نتوقع ان تنعكس عليها الخوارزميات غير المهنية:

1-خوارزميات مراقبة وتوجيه المحتوى: وهي تعمل بمقتضى أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل المحتوى المنشور على مواقع التواصل وتحدد بسرعة كبيرة المنشورات التي لا تتلاءم مع سياسة الشركة، بعيداً عن الجوانب القانونية الوطنية أو المحتوى الحقيقي لحرية الرأي والتعبير وسائر الحقوق الأخرى، فتعمد إلى حذفها دون أي اعتبار وتُعد خوارزميات التوظيف أو التنبؤ وعرض المحتوى وهي الأخرى الأشد خطراً على الفرد حين تقوده بشكل غير محسوس إلى صفحات تمثل اتجاهات مناوئة لأفكاره ومعتقداته بغية التأثير على الفرد أو فئات معينة من المجتمع لاسيما من المراهقين، وهي تشتمل بالغالب على محتوى مزيف الغاية النهائية منه تغيير القناعات الشخصية والمعتقدات والقناعات الذاتية.

2- خوارزميات الرعب الرقمي: يمكن ان تتضمن بعض المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهدة لصور تخص جرائم قتل أو اعتداء أو إهانة تنصب لا سيما على الأطفال، وجرائم مروعة أخرى تتضمن أفعالاً غير لائقة أو مرفوضة اجتماعياً فلا يكون تقييدها أو الحد منها هدفاً لربوتات الذكاء الاصطناعي كونها لا تشكل خطراً على مصالح تبك الشركات.

3- خوارزميات التزييف العميق: يخشى الكثير من الأشخاص نشر صور أو لقطات تمثل رأياً لهم أو تعبيراً عن أحد حقوقهم خوفاً من أن يتعرضوا إلى موجات من التهكم أو السخرية أو التنمر، أو تغيير الحقيقة من خلال ما تتيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي من قدرة على التزييف العميق للحقائق.

4- خوارزميات التأثير في الرأي العام: حيث تستفيد الكثير من الجهات غير المهنية من هذه التقنيات في التأسيس لجيوش الكترونية من شأنها التأثير السلبي على الأفراد الآخرين، لاسيما عند الاستحقاقات الديمقراطية كالانتخابات العامة أو الاستفتاءات واستطلاع رأي الجمهور في المسائل الوطنية أو ذات الأهمية الوطنية أو الاستثنائية ويشار إلى ان بعض هذا المحتوى قد لا يحظى باهتمام القائمين على تقنيات الذكاء لتمييزه كرد سلبي أو إيجابي لاختلاف الثقافات والخلفيات الحضارية.

5- خوارزميات التمييز العنصري: ففي الكثير من الأحيان يتجنب الأفراد التعبير عما يعتقدونه صواباً لخشيهم من الاتهام بالانتماء إلى رأي أو جماعة معينة فيؤثر ذلك سلباً على فرص عملهم أو دراستهم أو حياتهم الخاصة في المستقبل، بل من الممكن ان تتسبب تلك الصور بتصنيفهم كأشخاص غير مرغوب بهم في دول بعينها.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

في ذكرى وفاة السيدة خديجة: المرأة التي وهبت قوتها لزوجهاالصوم جراحة أخلاقية للدوائر العصبيةالأموات ينتظرونناالنظام الدولي الجديد.. التحولات والتحدياتموقف القضاء من حجية الاحكام (سبق الفصل في الدعوى)