الأموات ينتظروننا
صباح الصافي
2026-03-01 04:34
من القضايا التي تميَّز بها شهر رمضان المبارك، التَّواصل والاهتمام بحقوق من انتقلوا من دار الدُّنيا إلى عالم البرزخ، ممَّن انقطعت أعمالهم وبقيت آثار حقوقهم في ذمم الأحياء، كآبائنا وأمهاتنا وأقاربنا وسائر من ثبتت لهم علينا حقوق شرعيَّة أو أخلاقيَّة. فهؤلاء، وقد استقرُّوا في قبورهم، لا يملكون بعد الموت وسيلةً مباشرة لاستدراك ما فاتهم، وإنَّما يتعلَّق رجاؤهم بما يقدِّمه الأحياء من دعاءٍ خالص، وأعمالٍ صالحةٍ تُهدى إليهم.
وانطلاقًا من هذه الرُّؤية، يتجلَّى شهر رمضان المبارك بوصفه زمنًا تربويًّا يعيد تشكيل وعي الإنسان بعلاقته بالأموات، لا بوصفهم ذكرى من الماضي، فيتحمَّل الحيُّ دورًا فاعلًا في تخفيف ما يلقاه الميت، وجبر ما نقص من عمله، ضمن منظومة متكاملة من القيم التي تؤكِّد استمراريَّة المسؤوليَّة عبر حدود الحياة والموت.
وبالنظر إلى مركزيَّة هذا الموضوع، سنتناول ثلاثة محاور رئيسة:
المحور الأوَّل: أسباب التَّرابط الاجتماعي
يمكن تفسير ظاهرة التَّرابط الاجتماعي عن طريق جملة من العوامل التي تدفع الإنسان إلى الاهتمام بالآخرين، سواء في نطاق الأسرة كالأبناء والعيال، أم في الدَّائرة الأوسع التي تشمل الأهل والأقارب والأرحام، وتمتد إلى غيرهم من أفراد المجتمع. ويُلاحظ في هذا المجال أنَّ هذا الاهتمام يتكوَّن من ثلاثة عوامل ضروريَّة، اثنان منها يرتبطان بالتَّكوين الفطري للإنسان، في حين يرتبط العامل الثَّالث بالبُعد التَّكليفي الذي تفرضه المنظومة التَّشريعيَّة.
يتمثَّل العامل الأوَّل في عامل الحاجة؛ إذ يعيش الإنسان بطبيعته في حالة من الافتقار المتبادل، فلا يستطيع أن يلبِّي جميع متطلباته الماديَّة أو المعنويَّة بصورة فرديَّة مستقلة. ومن هنا تنشأ علاقات التَّعاون والتَّكافل بوصفها استجابة واقعيَّة لحاجات مشتركة، تجعل الفرد أكثر ميلًا إلى الارتباط بالآخرين، حفاظًا على استقراره واستمرار حياته الاجتماعيَّة.
أمَّا العامل الثَّاني فهو عامل العاطفة، وهو بعدٌ متجذِّر في الفطرة الإنسانيَّة؛ فالإنسان يحمل مشاعر المودَّة والرَّحمة والشَّفقة اتِّجاه من تجمعه بهم روابط القربى أو العِشرة أو الانتماء الإنساني العام. وتنهض هذه المشاعر بدورٍ محوريٍّ في توطيد أواصر العلاقات الاجتماعيَّة وتعميقها؛ إذ تتحوَّل العاطفة من إحساسٍ عابر إلى طاقةٍ فاعلة تُحرِّك الإنسان نحو الرِّعاية الصَّادقة، والاهتمام المسؤول، والبذل الذي يبلغ حدَّ التَّضحية.
ويبقى العامل الثَّالث، وهو العامل التَّكليفي، الذي يتجاوز حدود الطَّبيعة والعاطفة ليؤسِّس للتَّرابط الاجتماعي على قاعدة الواجب والالتزام، حيث تُلزِم الشَّريعة الإنسان بالاهتمام بالآخرين، وصيانة حقوقهم، وتحمل ما يترتب على ذلك من تبعات، بغضِّ النَّظر عن وجود حاجة شخصيَّة أو دافع عاطفي مباشر. وبذلك يكتمل بناء التَّرابط الاجتماعي من تفاعل هذه العوامل الثَّلاثة في تشكيل شبكة متماسكة من العلاقات الإنسانيَّة.
ولتوضيح طبيعة هذه العوامل الثَّلاثة، يمكن الاستعانة بمثالٍ تطبيقي يبيِّن كيفيَّة حضورها وتبدُّل أدوارها عبر المراحل العمريَّة المختلفة. ففي مرحلة الطُّفولة، يكون الإنسان في أقصى درجات الارتباط بوالديه؛ فيعتمد عليهما اعتمادًا كاملًا في تلبية حاجاته الأساسيَّة الماديَّة والنَّفسيَّة، ولا يتصوّر له استمرار في الحياة من دونهما. وفي هذه المرحلة يتقدَّم عامل الحاجة بوصفه المحرِّك الرَّئيس لهذا الارتباط، فيفرض واقع الافتقار التَّام علاقةً وثيقة لا يمكن الاستغناء عنها.
ومع الانتقال إلى مرحلة الشَّباب، يبدأ عامل الحاجة بالتَّراجع من النَّاحية العمليَّة، نتيجة ازدياد قدرة الإنسان على الاستقلال وتحمل شؤون حياته بنفسه، غير أنَّ هذا التَّراجع لا يعني انقطاع العلاقة أو ضعفها، ولكن يبرز في هذه المرحلة عامل العاطفة بوصفه الدَّافع الأعمق للاهتمام بالوالدين. فتكون مشاعر المودَّة والامتنان والارتباط الوجداني في ذروتها، وتتحوَّل العلاقة من اعتمادٍ وظيفي إلى رابطة قائمة على الحبِّ والوفاء والشُّعور بالانتماء.
ثمَّ تأتي مرحلة لاحقة، عندما يصل الوالدان إلى الشَّيخوخة ويبلغان أرذل العمر، فتضعف لدى الإنسان دوافع الحاجة والعاطفة بصورة ملحوظة في بعض الأحيان، إمَّا بسبب تغيُّر الظروف النَّفسيَّة أو ضغوط الحياة وتعدُّد الانشغالات. وهنا يظهر العامل الثَّالث بوصفه الرَّكيزة الحاسمة في استمرار الاهتمام والرِّعاية، وهو العامل التَّكليفي المستند إلى الخطاب الشَّرعي، الذي يُلزم الإنسان ببرِّ والديه والإحسان إليهما، بغضِّ النَّظر عن حضور الدَّافع النَّفعي أو العاطفي. وقد أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهمَا قَوْلًا كَرِيمًا)(1). فيرسِّخ النَّصُّ الإلهي مبدأ الرِّعاية المستمرة للوالدينِ، ويجعلها واجبًا شرعيًّا ثابتًا لا يتأثَّر بتغيُّر المراحل العمرية أو تبدُّل الدَّوافع الطبيعيَّة.
غير أنَّ من المؤسف ملاحظة شيوع تصوّرٍ خاطئ لدى بعض النَّاس، مفاده أنَّ وفاة الإنسان تمثِّل نهايةً كاملة لكلِّ دواعي الاهتمام به، ويُنظر إلى الميت على أنَّه لم يعد محتاجًا إلى رعاية أو اعتبار، ويُفترض أنَّ العاطفة نحوه تضمحل تدريجيًّا بمرور الزَّمن، كما يُتوهَّم أنَّ التَّكليف الشَّرعي ينتفي بانتهاء وجوده الدُّنيوي. ويقود هذا الفهم القاصر إلى إضعاف الرَّوابط التي تصل الأحياء بالأموات، وإلى التَّغافل عن الحقوق الثَّابتة التي لا يقطعها الموت.
وعند الرُّجوع إلى روايات المعصومين (عليهم السلام) يتَّضح أنَّ هذه العوامل الثَّلاثة لا تزول بانتقال الإنسان من عالم الدُّنيا، وتزداد حضورًا ووضوحًا في بعدها. فعلى سبيل المثال، يظل عامل العاطفة قائمًا وممتدًا بين الأحياء والأموات، ولا ينفصل بالموت كما يُتصوَّر، وتؤكِّد النُّصوص الشَّريفة أنَّ رابطة المحبَّة والشَّفقة والوفاء تستمر بعد الوفاة، وتجد تعبيرها العملي في الدُّعاء للميت، والاستغفار له، والتَّصدُّق عنه، وزيارته، بما يكشف عن أنَّ العاطفة في المنظور الدِّيني علاقة إنسانيَّة وإيمانيَّة تتجاوز حدود الحياة الدُّنيا.
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: "قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (عليه السلام) يَزُورُ الْمُؤْمِنُ أَهْلَهُ؟
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقُلْتُ: فِي كَمْ؟
قَالَ: عَلَى قَدْرِ فَضَائِلِهِمْ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مَجْرَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَزُورُ كُلَّ جُمْعَةٍ.
قَالَ قُلْتُ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ؟
قَالَ: عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَمِثْلِ ذلك..." (2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ إِلَّا وَهُوَ يَأْتِي أَهْلَهُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؛ فَإِذَا رَأَى أَهْلَهُ يَعْمَلُونَ بِالصَّالِحَاتِ حَمِدَ اللهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَى الْكَافِرُ أَهْلَهُ يَعْمَلُونَ بِالصَّالِحَاتِ كَانَتْ عَلَيْهِ حَسْرَةً" (3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يُحِبُّ، وَيُسْتَرُ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَزُورُ أَهْلَهُ فَيَرَى مَا يَكْرَهُ وَيُسْتَرُ عَنْهُ مَا يُحِبُّ. قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ كُلَّ جُمْعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزُورُ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ" (4).
وتكشف هذه الرِّوايات عن أفقٍ عقديٍّ عميق في فهم العلاقة بين عالمي الدُّنيا والبرزخ، وتؤسِّسان لرؤيةٍ إسلاميَّةٍ متماسكة ترى الموت انتقالًا في النَّشأة لا انقطاعًا في الوعي ولا انفصامًا في الصِّلة بين الإنسان وأهله.
فالرواية الواردة عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، تُبيِّن مبدأ التَّفاضل، حيث لا تكون زيارة المؤمن لأهله أمرًا واحدًا ثابتًا؛ وإنَّما تخضع لمرتبة الميت وفضائله التي اكتسبها في حياته الدنيا. وهذا يدل على أنَّ البرزخ عالمٌ تتفاوت فيه الدَّرجات، ويستمر فيه أثر العمل الصَّالح على نحوٍ يناسب تلك النَّشأة. كما أنَّ تحديد أوقات الزِّيارة، ولا سيما عند زوال الشَّمس، يوحي بوجود نظامٍ زمنيٍّ مخصوص في عالم البرزخ، يرتبط بإدراكٍ شعوريٍّ للأموات، لا بمجرَّد حضورٍ رمزي أو معنوي.
أمَّا الرواية الواردة عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، فتوسِّع دائرة هذا المعنى لتشمل المؤمن والكافر على السَّواء، بما يؤكِّد أنَّ أصل الزِّيارة لأهل الدُّنيا حالةٌ عامَّة، غير أنَّ الأثر النَّفسي المترتب عليها يختلف باختلاف المصير الإيماني. فالمؤمن يجد في أعمال أهله الصَّالحة مورد سرورٍ وحمدٍ لله (تعالى)، لكونها امتدادًا لنور اختياره الإيماني في الدُّنيا. في حين تتحوَّل هذه المشاهدة نفسها عند الكافر إلى منبع حسرةٍ، فإنَّه يرى الخير من دون أن يكون له نصيبٌ منه أو قدرة على تعويض ما فاته.
وأمَّا من حيث عامل الحاجة، فإنَّ الأحياء يكونون أحوج إلى الأموات من حاجتهم إلى الأحياء؛ وذلك لأنَّ للميت منزلةً خاصَّة في عالم البرزخ، تجعل دعاءه موضع قبولٍ ورحمةٍ تنعكس آثارها على الأحياء. وقد دلَّت على هذا المعنى رواية الإمام الصَّادق (عليه السلام)، نقلًا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِين (عليه السلام): زُورُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِزِيَارَتِكُمْ، وَلْيَطْلُبْ أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ وَعِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ بِمَا يَدْعُو لَهُمَا" (5)؛ "وتفيد صيغة الأمر في كلمة (ليطلب) معنى التَّأكيد والتَّشديد، وكأنَّها تحمل في طيَّاتها إلزامًا عمليًّا يُرسِّخ هذه المقولة ويمنحها قوَّة الحضور والتَّثبيت" (6). بما يفيد مشروعية هذا الفعل ورجحانه، ويؤسِّس لفهمٍ يرى في زيارة القبور مجالًا للتَّواصل المتبادل، لا من طرفٍ واحد. فكما ينتفع الميت بدعاء الحي، ينتفع الحي بدعاء الميت، في إطار السُّنن الإلهيَّة الجارية في عالم البرزخ.
وأمَّا من جهة عامل التَّكليف، فإنَّ الرِّوايات الشَّريفة تكشف بوضوحٍ أنَّ دائرة التَّكليف لا تنحصر بزمن الحياة الدُّنيا، وتمتدّ آثارها إلى ما بعد الوفاة، وقد يشتدّ حضورها وتأثيرها؛ لارتباطها بتصحيح المسار وتدارك ما فات، بما يُفضي إلى تغييرٍ حقيقي في مآلات الإنسان عند الله (تبارك وتعالى). وتُجسِّد رواية الإمام الباقر (عليه السلام) هذا المعنى بدقَّة: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكُونُ بَارّاً بِوَالِدَيْهِ فِي حَيَاتِهِمَا، ثُمَّ يَمُوتَانِ فَلَا يَقْضِي عَنْهُمَا دُيُونَهُمَا، وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا فَيَكْتُبُهُ اللهُ عَاقّاً، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَاقّاً لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا غَيْرَ بَارٍّ بِهِمَا فَإِذَا مَاتَا قَضَى دَيْنَهُمَا، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمَا فَيَكْتُبُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَارّاً" (7).
وتدلُّ هذه الرِّواية على أنَّ التَّكليف بعد الموت مسؤوليَّة ذات أثر تكويني ومعنوي، قادرة على تعديل بعض النَّتائج الأخرويَّة، وتأكيد أنَّ الوفاة لا تُسقط الحقوق، ولا تُغلق باب البرَّ.
ومن هنا يتَّضح أنَّ العلاقة بين الأحياء والأموات علاقة التزامٍ شرعيٍّ متواصل، تُحاكم أفعال الإنسان في حاضرِه على ضوء آثارها في عوالم ما بعد الموت.
المحور الثَّاني: هل الأموات بحاجة إلى الأحياء؟
تؤكِّد النُّصوص الشَّريفة بوضوحٍ أنَّ الأموات في حاجةٍ حقيقيَّة إلى الأحياء، حاجةً تتجاوز البعد العاطفي إلى بُعدٍ تكوينيٍّ مرتبط بمصير الإنسان بعد انقطاع عمله. فبمجرَّد مفارقة الإنسان للحياة الدُّنيا، يُغلق باب الكسب المباشر للحسنات، ولا يبقى له سبيلٌ إلى الزِّيادة في رصيده الأخروي إلَّا من خلال ما خلَّفه من أثرٍ صالحٍ جارٍ، أو ما يقوم به الأحياء من أعمال البرِّ والإحسان نيابةً عنه، من دعاءٍ وصدقةٍ وقضاء حقوق.
وتكشف الرِّواية الشَّريفة الواردة عن الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) عن عمق هذه الحاجة ومرارتها حينما قال: "إنَّ أرواحَ المُؤمِنينَ تَأتي كُلَّ جُمُعَةٍ إلَى السَّماءِ الدُّنيا بِحِذاءِ دورِهِم وبُيوتِهِم، يُنادي كُلُّ واحِدٍ مِنهُم بِصَوتٍ حَزينٍ باكينَ: يا أهلي، ويا وُلدي، ويا أبي، ويا امِّي وأَقرِبائي، اعطِفوا عَلَينا -يَرحَمُكُمُ اللهُ- بِالَّذي كانَ في أيدينا، وَالوَيلُ وَالحِسابُ عَلَينا وَالمَنفَعَةُ لِغَيرِنا. ويُنادي كُلُّ واحِدٍ مِنهُم إلى أقرِبائِهِ: اعطِفوا عَلَينا بِدِرهَمٍ أو بِرَغيفٍ أو بِكِسوَةٍ، يَكسوكُمُ اللهُ مِن لِباسِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ بَكَى النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) وبَكَينا مَعَهُ، فَلَم يَستَطِعِ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) أن يَتَكَلَّمَ مِن كَثرَةِ بُكائِهِ" (8).
وبكاء النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) في ختام الرِّواية، حتَّى عجز عن مواصلة الكلام، يبيِّن بعدًا تربويًا بالغ الدلالة، ويكشف عن فداحة الغفلة عن الأموات، وخطورة القطيعة العمليَّة معهم بعد الوفاة. فلو كانت حاجتهم أمرًا ثانويًا أو رمزيًّا، لما اقترنت بدموع النَّبي (صلَّى الله عليه وآله)، ولا بتحريك وجدانه ووجدان أصحابه على هذا النَّحو.
وتُوضِّح الرِّوايات الشَّريفـة في هذا الباب بصورة واضحة أثر أفعال الأحياء على حياة الأموات في البرزخ، وكيف يمكن لهذه الأعمال أن تكون سببًا لتفريج كربهم ورفع درجاتهم، بحيث لا يقتصر أثر العمل الصَّالح على صاحبه وحده، ويمتد ليشمل من ارتبط به بعلاقة روحيَّة أو نسبيَّة.
عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "مَرَّ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ (عليهما السلام) بِقَبْرٍ يُعَذَّبُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ يُعَذَّبُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ مَرَرْتُ بِهَذَا اَلْقَبْرِ عَامَ أَوَّلَ فَكَانَ صَاحِبُهُ يُعَذَّبُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِهِ اَلْعَامَ؛ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ يُعَذَّبُ، فَأَوْحَى اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ إِلَيْهِ: يَا رُوحَ اللهِ إِنَّهُ أَدْرَكَ لَهُ وَلَدٌ صَالِحٌ فَأَصْلَحَ طَرِيقاً وَآوَى يَتِيماً فَغَفَرْتُ لَهُ بِمَا عَمِلَ اِبْنُهُ" (9).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): "لَا يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَلَاثُ خِصَالٍ: صَدَقَةٌ أَجْرَاهَا للهِ فِي حَيَاتِهِ فَهِيَ تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَسُنَّةُ هُدًى سَنَّهَا فَهِيَ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ" (10).
وورد في الخبر عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "مَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ حَيَّيْنِ وَمَيِّتَيْنِ يُصَلِّيَ عَنْهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا وَيَحُجَّ عَنْهُمَا وَيَصُومَ عَنْهُمَا فَيَكُونَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمَا وَلَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَزِيدَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبِرِّهِ وَصِلَتِهِ خَيْراً كَثِيراً" (11).
وبالتَّالي، يتَّضح أنَّ علاقة الأحياء بالأموات هي علاقة عمليَّة فاعلة في عالم البرزخ، يقوم فيها كلُّ عمل صالح للأحياء أو نيابة عن الأموات بدورٍ مباشر في تخفيف الكرب ورفع الدرجات، مؤكِّدةً على أهميَّة البرّ والوفاء بالحقوق بعد الموت.
المحور الثَّالث: كيف ننفع الأموات؟
يمكن أن ننفع الأموات بطرق عدَّة:
الطريق الأوَّل: إبراء ذمتهم
وهو طريق أساسي يجمع بين الوفاء بحقوقهم وتحقيق الأجر لهم في عالم البرزخ. ويتمُّ ذلك من خلال قضاء ما فاتهم من الصَّلوات والصِّيام وأداء فريضة الحج، بالإضافة إلى تسديد ما عليهم من ديون، مثل الزَّكاة والخُمس، وأيضًا سداد ديونهم الماليَّة. وهذه الأعمال تُعدُّ من أبرز الواجبات الشَّرعيَّة التي يتحملها الأحياء اتِّجاه موتاهم؛لأنَّها تعيد التَّوازن لحقوقهم وتخفِّف عنهم أعباء البرزخ.
كما يشمل هذا الطَّريق طلب المسامحة للميت عن أيِّ تقصير أو ظلم قد ارتكبه في حقِّ الآخرين، مثل الغيبة، أو الإهانة، أو سوء الظَّن، أو أيِّ نوع من أنواع الظُّلم. ومن هنا، يُنظر إلى هذا النَّهج على أنَّه طريق الواجبات؛ لأنَّه يقوم على الوفاء بما وجب على الأموات في حياتهم، ويُظهر مدى ارتباط الأحياء بحقوقهم، بما يحقِّق نفعًا حقيقيًّا ومستمرًا لهم بعد وفاتهم.
الطَّريق الثَّاني: التَّواصل معهم بالمندوبات
وبعد الانتهاء من أداء الواجبات الشَّرعية المتعلِّقة بالأموات، ينتقل الدَّور إلى تقديم الأعمال الطيِّبة لهم؛ وهي كلُّ فعل يُعد معروفًا أو صدقة جارية، ويشمل ذلك أيَّ عمل صالح يعود بالنَّفع على الميت ويزيد من حسناته في البرزخ. وهذه الأعمال متعدِّدة ومتنوعة، ومن أبرزها على سبيل المثال لا الحصر:
1. صلاة الوحشة: "يستحب أن يصلوا للميت في ليلة موته (12) (صلاة الوحشة) وهي ركعتان؛ وكيفيتها: أن يقرأ في الرَّكعة بعد الحمد (آية الكرسي) مرَّة واحدة، وفي الرَّكعة الثَّانية بعد الحمد سورة (القدر) عشر مرَّات، ويقول بعد التَّسليم من الصَّلاة: أللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّد، وابعث ثوابها إلى قبر فلان. ويقول مكان (فلان): اسم الميت" (13).
2. الاستغفار له والتَّرحم عليه: عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) أنَّه قال: "إنَّ الْميِّتَ لَيَفْرَحُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ كَمَا يَفْرَحُ الْحَيُّ بِالْهَدِيَّةِ تُهْدَى إِلَيْهِ" (14).
3. كفالةُ الأيتامِ نيابةً عن الأموات: والمشاركة في إصلاح الأخطاءُ أو العراقيلُ في المجتمع، على النَّحو الذي تقدَّم بيانه.
4. إقامة وقف: كمكتبة دينية أو مسجد أو حسينيَّة أو دار لتعلم القرآن الكريم أو معمل معيَّن تصرف وارداته على الأيتام والفقراء والمحتاجين وعلى طلبة العلم.
5. تقديم الأضاحي نيابة عنهم.
6. الاهتمام بكلِّ عمل بر حتَّى لو كان بسيطاً: و"البر يشمل جميع الأفعال الحسنة مطلقاً فلو سلَّم شخص على شخص أو صافح معه أو عانقه بعنوان إهداء ثوابه إلى ميت من الأموات لنفع العامل والميت بذلك" (15).
7. إقامة المجالس وقراءة عزاء الإمام الحسين (عليه السلام): فإنَّ ذلك ممَّا ينتفع به الأموات أشدَّ النَّفع، ولذلك بعض أكابر علمائنا يوصون بذلك.
"ورد في وصية السيِّد شهاب الدِّين المرعشي النَّجفي (رحمه الله) لولده أنّه أوصاه: بأن تُوجَّه جنازته نحو قبر سيدته فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وأن يُستحضر عند تشييعه مشهد وداع الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) المظلوم لأهل بيته (عليهم السلام)، كما طلب أن يُنقل جثمانه إلى الحسينيَّة التي أسَّسها لإقامة المآتم، وأن يتردَّد ذكر تلك الفاجعة الأليمة، ولا سيما عند إنزاله في قبره، لتبقى لحظات الوداع الحسيني حاضرةً في تشييعه ودفنه" (16).
8. قراءة القرآن الكريم، وزيارة المعصومين عليهم السلام، وإهداء ثواب ذلك إلى الأموات، أو عند قبورهم: عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): "إنَّ فاطِمَةَ (عليها السلام) لَمَّا احتُضِرَت أوصَت عَلِيّاً (عليه السلام)، فَقالَت: إذا أنَا مِتُّ فَتَوَلَّ أنتَ غُسلي وجَهِّزني، وصَلِّ عَلَيَّ، وأنزِلني قَبري، وألحِدني، وسَوِّ التُّرابَ عَلَيَّ، وَاجلِس عِندَ رَأسي قُبالَةَ وَجهي، فَأَكثِر مِن تِلاوَةِ القُرآنِ وَالدُّعاءِ، فَإِنَّها ساعَةٌ يَحتاجُ المَيِّتُ فيها إلى انسِ الأَحياءِ" (17)؛ وعن أبي عبد الله (عليه السلام): في زيارة القبور، قال: "إنَّهم يأنسونَ بكِم..." (18). وعن أبي الحسن (عليه السلام) قال: لما سئل: الْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ مَنْ يَزُورُ قَبْرَهُ؟
"نَعَمْ، وَلَا يَزَالُ مُسْتَأْنِساً بِهِ مَا دَامَ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَإِذَا قَامَ وَانْصَرَفَ مِنْ قَبْرِهِ، دَخَلَهُ مِنِ انْصِرَافِهِ عَنْ قَبْرِهِ وَحْشَةٌ" (19).
وعن عمرو بن أبي المقدام قال: "مررت مع أبي جعفر (عليه السلام) بالبقيع فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة قال: فوقف (عليه السلام): "اللَّهُمَّ ارْحَمْ غُرْبَتَهُ، وَصِلْ وَحْدَتَهُ، وَآنِسْ وَحْشَتَهُ، وَأَسْكِنْ إِلَيْهِ مِنْ رَحْمَتِكَ مَا يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ رَحْمَةٍ سِوَاكَ، وَأَلْحِقْهُ بِمَنْ كَانَ يَتَوَلَّاهُ" (20).
ويتبيَّن ممَّا سبق أنَّ علاقة الأحياء بالأموات مسؤوليَّة عمليَّة مستمرة، تتجاوز حدود الحياة الدُّنيا إلى عالم البرزخ. فالواجبات التي نقوم بها نيابة عن الأموات، مثل قضاء الصَّلوات والصِّيام، وسداد الدُّيون، والاستغفار، هي وسائل مباشرة لتفريج كربهم، ورفع درجاتهم، وزيادة حسناتهم، كما أنَّها تعكس صلة مستمرة تربط بين العوالم، وتحقِّق الامتداد الرُّوحي للإنسان بعد موته.
كما يتَّضح أنَّ الأموات بحاجة فعليَّة إلى الأحياء، وأنَّ ما يقوم به الحي من أعمال بر وصلاح يُعدُّ هديةً تؤثِّر على مصير الميت في البرزخ، تمامًا كما أن أعمالهم الصَّالحة في الدُّنيا تعود عليهم بالنَّفع المباشر، بحسب سنن الله (تعالى) في التَّداخل بين عالم الدُّنيا والبرزخ.
ومن هنا، يصبح شهر رمضان المبارك وغيره من أوقات البركة زمنًا تربويًا استثنائيًا لتجديد الوعي بالعلاقة المستمرة بين الأحياء والأموات، وتعزيز المسؤوليَّة الشرعيَّة نحو من فارقونا، عن طريق الأعمال الصَّالحة. فهذه الأعمال، الصغيرة والكبيرة، تشكّل جسورًا من الرَّحمة والوفاء، وتحوّل الموت من فصلٍ نهائي إلى استمرار للعلاقة الإنسانيَّة والإيمانيَّة على ضوء التَّكليف الشَّرعي.