من يملك وقت العراق؟ العطلة تفتح ملف إدارة الدولة
أوس ستار الغانمي
2026-08-22 04:21
في العراق، تبدأ حكاية العطلة بقرار إداري وتنتهي أحيانًا بسلسلة من الأسئلة التي تمتد إلى المدرسة والجامعة والدائرة الحكومية والسوق وحركة النقل والإنتاج، لأن اليوم الذي يتوقف فيه الدوام يحمل قيمة تتجاوز ساعات العمل التي جرى تعليقها، ويعيد ترتيب إيقاع الحياة العامة في محافظة كاملة أو في البلاد جميعها. ومع التحرك النيابي الأخير باتجاه حصر صلاحية إعلان العطل برئاسة الوزراء، يدخل الملف مرحلة مختلفة؛ مرحلة البحث عن طريقة لإدارة الزمن العام للدولة، بعدما أصبح تعدد قرارات التعطيل واحدًا من الملفات التي تحتاج إلى معيار مؤسسي أكثر وضوحًا.
التحرك النيابي الذي أعلنته لجنة التربية لا يأتي من زاوية إدارية بحتة، إذ يرتبط بصورة مباشرة بالعملية التعليمية، ولا سيما طلبة الصفوف المنتهية الذين يحتاجون إلى تقويم دراسي مستقر ومساحة زمنية كافية لإكمال المناهج والاستعداد للامتحانات. وتقول عضو لجنة التربية النيابية رجاء فاضل الحمدي إن كثرة العطل المؤقتة والمحلية تؤثر في سير التعليم، مع توجه لحصر إعلان العطل عن طريق رئاسة الوزراء في عموم المحافظات.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية العراق لا يحتاج فقط إلى معرفة من يعلن العطلة، وإنما إلى معرفة متى تصبح العطلة قرارًا ضروريًا، ومتى تتحول إلى كلفة يمكن تجنبها. فالمعيار الحديث لإدارة الدولة لا يقيس التعطيل بعدد القرارات الصادرة، وإنما بمدى تأثير القرار في الخدمات والإنتاج والتعليم وحياة المواطنين، وبقدرة المؤسسات على تعويض الوقت الذي فقدته. ومن هذه الزاوية يصبح توحيد الجهة صاحبة القرار خطوة أولى، فيما تبقى الحاجة الأكبر إلى بناء معيار واضح لاتخاذ القرار.
ويمنح قانون العطلات الرسمية رقم (12) لسنة 2024 مجلس الوزراء صلاحية إعلان عطلة رسمية مؤقتة للمناسبات الخاصة بما لا يزيد على سبعة أيام في السنة، إلى جانب العطل المحددة بالقانون. ويكشف النص التشريعي عن محاولة لوضع سقف للعطل الاستثنائية، إلا أن المشهد العملي يضيف إليه قرارات محلية وظروفًا طارئة ومناسبات مختلفة، وهو ما أعاد النقاش حول الجهة الأكثر قدرة على ضبط الصورة الكاملة للتعطيل.
المشكلة التي تستحق التوقف عندها أن الزمن الإداري في الدولة الحديثة يحتاج إلى تخطيط مسبق يشبه تخطيط الموازنة. فكما تضع الحكومة تقديرات للإيرادات والنفقات قبل بداية السنة المالية، يمكنها أن تضع تقويمًا سنويًا للتعطيل يضم العطل القانونية والمناسبات المتوقعة، ويترك مساحة محدودة للحالات الطارئة. هذا التصور يمنح المدارس والجامعات والوزارات والشركات القدرة على بناء جداولها مسبقًا، ويقلل من عنصر المفاجأة الذي يربك الأعمال حين يصدر قرار التعطيل في وقت قصير.
ومن هنا يمكن أن ينتقل العراق مستقبلًا إلى فكرة أكثر تطورًا قاعدة بيانات وطنية للعطل والدوام، تكون مرتبطة إلكترونيًا بمجلس الوزراء والوزارات والمحافظات والجامعات والمدارس، وتعرض أمام المواطن تقويمًا موحدًا ومحدثًا للعطل الرسمية والاستثنائية والمحلية. مثل هذا النظام يقلل التضارب في المعلومات، ويمنح المؤسسات وقتًا أطول للتخطيط، ويتيح قياس عدد الأيام المعطلة فعليًا في كل محافظة وسبب التعطيل وتأثيره في الخدمات. هذه الخطوة يمكن أن تجعل قرار العطلة قابلًا للقياس بدل أن يبقى قرارًا إداريًا منفصلًا عن البيانات.
وتحتاج هذه الفكرة إلى مؤشر وطني يمكن تسميته «مؤشر أثر العطلة»، يسبق قرار التعطيل في الحالات غير المنصوص عليها قانونًا. ويقيس المؤشر خمسة عناصر أساسية: الحالة الجوية أو الطارئة، عدد المواطنين المتأثرين، مستوى تأثير الحدث في السلامة العامة، القطاعات التي ستتوقف، وإمكانية استمرار الخدمات الأساسية. وبذلك يصبح السؤال قبل إعلان العطلة: كم مواطنًا سيتضرر من استمرار الدوام؟ وكم مواطنًا سيتضرر من تعطيله؟ وما البديل الأقل كلفة؟
والأمر أكثر أهمية في المحافظات التي تشهد مناسبات دينية وجماهيرية واسعة، إذ يمكن أن تتداخل حركة الزائرين مع حركة الموظفين والطلبة والخدمات، وتصبح العطلة في بعض الحالات جزءًا من إدارة الحشود والسلامة العامة. لذلك فإن معالجة الملف تحتاج إلى مساحة من المرونة، حتى لا تتحول مركزية القرار إلى بطء في مواجهة الحالات الطارئة.
الحل الأكثر نضجًا قد يكون مركزية المعيار مع مرونة التنفيذ؛ أي أن تضع الحكومة الاتحادية القواعد والضوابط، بينما تبقى للمحافظة آلية رفع طلب التعطيل مدعومًا بالبيانات والمبررات.
وفي الجانب الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من معادلة «عطلة تساوي خسارة». فتعطيل الدوائر الحكومية يوقف جزءًا من النشاط الإداري، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه حركة الإنفاق في المطاعم والأسواق والنقل والفنادق والسياحة الدينية. لذلك فإن الحديث عن كلفة العطلة يحتاج إلى نموذج اقتصادي عراقي يقيس الخسارة في القطاعات المتوقفة مقابل النشاط الذي تولده العطلة في القطاعات الأخرى. وتقديرات الخبراء التي ظهرت خلال السنوات الماضية بشأن خسائر الاقتصاد من العطل تختلف باختلاف منهجية الحساب، ما يؤكد الحاجة إلى رقم رسمي مبني على بيانات فعلية.
أما القطاع الخاص فيعيش معادلة مختلفة؛ فاليوم الذي يمثل راحة لموظف حكومي قد يتحول إلى يوم عمل اعتيادي لعامل في شركة أو متجر أو مصنع، فيما قد تتوقف بعض الأعمال المرتبطة بالدوائر الرسمية بسبب غياب الموظفين. وهنا تبرز حاجة أخرى إلى دراسة العلاقة بين العطل الرسمية وساعات العمل الفعلية في القطاعين العام والخاص، لأن قياس نجاح السياسة لا ينبغي أن يقتصر على عدد أيام دوام الموظف الحكومي.
وفي التعليم، يمكن أن يكون إصلاح منظومة العطل فرصة لإعادة التفكير في مفهوم السنة الدراسية نفسها. فبدل أن تبقى المؤسسات التعليمية في حالة مطاردة مستمرة لتعويض الأيام التي تتوقف فيها الدراسة، يمكن اعتماد تقويم دراسي مرن يضع أيامًا احتياطية محددة مسبقًا للحالات الطارئة، مع استخدام التعليم الإلكتروني في بعض الحالات التي تسمح طبيعتها بذلك. بهذه الطريقة تتحول العطلة من عنصر يربك الخطة التعليمية إلى متغير يمكن للنظام التعليمي استيعابه ضمن تصميمه السنوي.
والفكرة الأعمق التي يفتحها الجدل الحالي تتعلق بعلاقة الدولة بالوقت. فالدول التي تخطط للمستقبل تتعامل مع الوقت باعتباره موردًا عامًا، مثل المال والطاقة والموارد البشرية، وكل قرار يعطل مؤسسة أو مدرسة أو سوقًا يحمل أثرًا تراكميًا على هذا المورد. ولهذا فإن تنظيم العطل لا يعني التضييق على المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، وإنما يعني حماية قيمتها من كثرة القرارات التي تجعل المواطن يتعامل معها باعتبارها جزءًا من تقويم متغير يصعب التنبؤ به.
وقد يكون الحل المستقبلي في العراق أبعد من مجرد «حصر صلاحية إعلان العطلة برئاسة الوزراء». فالأكثر فاعلية يتمثل في بناء نظام وطني لإدارة العطل يقوم على أربعة مستويات: قانون يحدد العطل الثابتة، وحكومة اتحادية تدير الاستثناءات، ومحافظات ترفع طلبات التعطيل وفق معايير محددة، ومنصة رقمية وطنية تعلن القرار وتوثق سببه ومدته ونطاقه. وعندها يصبح لكل عطلة ملف واضح: لماذا أعلنت؟ ومن قررها؟ وكم مؤسسة تأثرت بها؟ وهل كانت هناك إمكانية لبديل عن التعطيل الشامل؟
إن التحرك النيابي الحالي يمكن أن يتحول، إذا أُحسن التعامل معه تشريعيًا وإداريًا، من مجرد محاولة لتقليل العطل إلى إصلاح أوسع في إدارة القرار العام. فالمطلوب في النهاية دولة تعرف مسبقًا كيف ستعمل خلال السنة، وتعرف متى تتوقف، ولماذا تتوقف، وكيف تعوض الوقت الذي فقدته، مع احترام المناسبات التي تشكل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع العراقي. وحين يصل العراق إلى هذه المرحلة، ستصبح العطلة قرارًا محسوبًا ضمن منظومة إدارة الدولة، لا مجرد إعلان يظهر في نهاية يوم عمل ويعيد ترتيب اليوم التالي.