الكم في مواجهة الكيف: هل أصبحت الجامعات الأهلية مشروعاً بحاجة إلى إعادة توجيه؟
مصطفى ملا هذال
2026-09-12 02:05
لم تعد قضية الجامعات الأهلية في العراق مرتبطة بمجرد زيادة فرص القبول أمام الطلبة، فقد تحولت خلال السنوات الماضية إلى سؤال أوسع يتعلق بجودة التعليم، وحاجة سوق العمل وكفاءة الإنفاق ومستقبل الخريجين.
ومع وصول منظومة التعليم العالي إلى أكثر من مئة مؤسسة جامعية حكومية وأهلية خضعت للتقييم في التصنيف العراقي لعام 2025، تبدو الحاجة واضحة إلى مراجعة فلسفة التوسع نفسها: هل المطلوب جامعات أكثر، أم تعليم أفضل؟
لا يمكن إنكار أن التعليم الأهلي أدى دورا مهما في استيعاب أعداد متزايدة من الطلبة، ووفر خيارات دراسية في تخصصات ومناطق مختلفة، وساهم في تخفيف الضغط عن الجامعات الحكومية، كما أن بعض الجامعات الأهلية استطاعت بناء حضور أكاديمي جيد، فقد تصدرت بعضها قائمة الجامعات الأهلية في التصنيف العراقي لعام 2025، مع وجود تفاوت واضح بين المؤسسات في مستويات الأداء.
وقد يكون هذا التصدر من الأشياء المفرحة والباعثة على الطمأنينة ان التعليم العالي لا يزال بخير الى حد ما ولا توجد مشكلة في ذلك.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تأسيس الجامعة هدفا بحد ذاته، بدلا من أن يكون استجابة لحاجة تعليمية حقيقية، فزيادة عدد المؤسسات لا تعني بالضرورة زيادة جودة التعليم. الجامعة تحتاج إلى مختبرات متطورة وأساتذة مؤهلين وبيئة بحثية ومكتبات ومصادر علمية ونظام إداري رصين، وإذا توزعت الموارد البشرية والمادية على عدد كبير من المؤسسات، فقد تتحول الزيادة الكمية إلى عامل يضعف الجودة بدلا من تحسينها.
وتكشف مؤشرات التصنيف العراقي أهمية هذه النقطة؛ إذ اعتمد تقييم الجامعات لعام 2025 على تسعة محاور، كان البحث العلمي أكثرها وزنا بنسبة 35%، إلى جانب الاعتماد المؤسسي والأداء الأكاديمي والبنية المرتبطة بالتنمية والاستدامة والتنوع الدولي، وهذا يعني أن الجامعة الناجحة تقاس بما تنتجه من معرفة وما توفره من تعليم رصين.
ومن اللافت أن وزارة التعليم العالي اتخذت في حزيران 2026 خطوة باتجاه ضبط التوسع، عندما وجهت بإيقاف استلام طلبات استحداث الجامعات والكليات الأهلية، وكذلك طلبات فتح أقسام علمية جديدة، بهدف إعادة تقييم مسار التعليم الأهلي والارتقاء بجودة الأداء الأكاديمي.
هذه الخطوة تصلح مدخلا لمراجعة أعمق للسياسة التعليمية، لا مجرد قرار مؤقت.
البديل عن التوسع العددي لا يعني إغلاق باب التعليم الأهلي، وإنما الانتقال من سياسة إنشاء المؤسسات إلى سياسة تطوير المؤسسات، ويمكن تحقيق ذلك عبر دعم الجامعات القائمة لتكوين مراكز بحثية متخصصة، وتشجيع الشراكات بينها وبين الجامعات العالمية وقطاعات الصناعة والأعمال، وربط التخصصات بحاجات الاقتصاد الفعلية.
كما يمكن اعتماد تمويل تنافسي للجامعات يرتبط بمؤشرات واضحة للجودة، مثل نسبة توظيف الخريجين وجودة البحوث وبراءات الاختراع، فضلا عن الشراكات مع سوق العمل، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلبة، بدلا من اعتبار عدد المقاعد الدراسية مؤشرا رئيسيا على النجاح.
بلدنا لا يحتاج بالضرورة إلى جامعات أهلية أكثر، وإنما يحتاج إلى جامعات أقوى وأكثر قدرة على تخريج إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة، وهنا يكون التحدي الحقيقي في ضمان أن يكون هذا المقعد بوابة إلى تعليم حقيقي ومستقبل مهني قابل للحياة، ولذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة ترشيد وتخصص وتنافس على الجودة، لا سباقا جديدا في عدد أسماء الجامعات.