مركز الفرات ناقش.. تأثيرات أزمة مضيق هرمز على الاقتصاد العراقي واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

2026-09-12 02:17

تحرير: حسين علي حسين

ضمن نشاطه الدوري، قدّم مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ورقة بحثية ناقشت واقع الاقتصاد العراقي في ظل أزمة مضيق هرمز والحرب الحالية في الشرق الأوسط. وجاء هذا النشاط ضمن سلسلة الجلسات المتواصلة لملتقى النبأ الأسبوعي، الذي ينعقد في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

وحضر الحلقة النقاشية، التي عُقدت يوم السبت الموافق 15/8/2026، نخبة من الأكاديميين ورؤساء المراكز البحثية والباحثين. وقدّم الباحث في مركز الفرات الأستاذ حامد عبد الحسين الجبوري ورقة بحثية بعنوان: «الاقتصاد العراقي بين أزمة مضيق هرمز واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية»، تضمنت عدة محاور وتفاصيل، مدعومة بإحصائيات رسمية تتعلق بحركة تصدير النفط في ظل أزمة مضيق هرمز، إلى جانب أرقام توضح التباين بين قيمة الإيرادات النفطية قبل الأزمة وبعدها. وتضمنت الورقة ما يأتي:

المحور الأول: أزمة مضيق هرمز وصدمة الاقتصاد العراقي

1- أهمية هرمز للعراق: تظهر بيانات مسارات التصدير أن العراق كان، قبل الأزمة، يعتمد على موانئ البصرة ومضيق هرمز في تصريف 93.74% من صادراته النفطية؛ إذ بلغ مجموع صادرات كانون الثاني وشباط 207.49 ملايين برميل، خرج منها نحو 194.51 مليون برميل عبر الموانئ الجنوبية، مقابل 12.98 مليون برميل فقط عبر جيهان والمسارات الأخرى، أي بنسبة 6.26%.

وبعد الأزمة، وخلال المدة من آذار إلى حزيران، انخفضت حصة مسار هرمز حسابياً إلى 64.99%، بما يعادل 39.39 مليون برميل، في حين ارتفعت حصة جيهان والمسارات البديلة إلى 35.01%، أو نحو 21.22 مليون برميل.

غير أن هذا التغير لا ينبغي تفسيره بوصفه نجاحاً فعلياً في تنويع منافذ التصدير؛ لأن ارتفاع الوزن النسبي للمسارات البديلة نتج أساساً عن الانهيار الحاد في صادرات البصرة، وليس عن توسع موازٍ وكافٍ في الطاقة التصديرية الشمالية.

فقد تراجعت الكمية الإجمالية المصدرة بعد الأزمة إلى 60.60 مليون برميل، مقارنة بمستوى متوقع يتجاوز 429 مليون برميل للفترة نفسها. وبذلك تحسن التنويع النسبي، في حين تدهورت القدرة التصديرية المطلقة. ويكشف هذا الفرق بين النسبة والحجم أن مسار جيهان، على أهميته الاستراتيجية، لا يستطيع حالياً تعويض تعطّل الموانئ الجنوبية.

لذلك يحتاج العراق إلى استراتيجية متعددة المسارات، تشمل توسيع طاقة خط كركوك–جيهان، وتطوير خط للتصدير إلى البحر الأحمر، وإعادة تقييم مشروع الربط عبر سوريا عند توافر الظروف السياسية والأمنية الملائمة.

كما يتطلب الأمر إنشاء طاقات تخزين استراتيجية، لأن أمن الصادرات لا يتحقق بمجرد زيادة الإنتاج، وإنما بوجود بدائل جغرافية وتشغيلية قادرة على حماية تدفق الإيرادات عند تعطّل أي منفذ رئيس.

2- صادرات النفط وحجم الخسائر: تكشف بيانات شركة تسويق النفط العراقية «سومو» عن تحوّل حاد في مسار الصادرات النفطية خلال النصف الأول من عام 2026. فقد بلغت الصادرات الفعلية 107.62 ملايين برميل في كانون الثاني، ثم انخفضت بصورة محدودة إلى 99.87 مليون برميل في شباط، بمتوسط يومي يقارب 3.52 ملايين برميل خلال الشهرين السابقين للأزمة.

وباعتماد هذا المتوسط أساساً مرجعياً، كان متوقعاً أن تبلغ الصادرات نحو 109.02 ملايين برميل في آذار، و105.50 ملايين برميل في نيسان، و214.52 مليون برميل خلال أيار وحزيران مجتمعين.

إلا أن الصادرات الفعلية تراجعت إلى 18.60 مليون برميل في آذار، ثم إلى 9.88 ملايين برميل في نيسان، قبل أن ترتفع نسبياً إلى 32.11 مليون برميل خلال أيار وحزيران.

وبذلك بلغ فاقد الصادرات التقديري 90.41 مليون برميل في آذار، و95.62 مليوناً في نيسان، و182.41 مليوناً خلال أيار وحزيران، بإجمالي يقارب 368.44 مليون برميل.

ولا يمثل هذا الفاقد خسارة إنتاجية فقط، بل يعكس تعطّل القدرة على الوصول إلى الأسواق بسبب اختناق مسار التصدير الجنوبي، وامتلاء الخزانات، واضطرار الحقول إلى خفض الإنتاج.

كما أن التحسن النسبي خلال أيار وحزيران لا يعني عودة الصادرات إلى مستوياتها الطبيعية؛ إذ بقيت الكمية الفعلية دون 15% من المستوى المتوقع للفترة.

وتوضح هذه التطورات أن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم الاحتياطيات النفطية أو الطاقة الإنتاجية، وإنما في هشاشة البنية الجغرافية للتصدير واعتمادها على منفذ بحري شديد التأثر بالصراعات الإقليمية.

3- الإيرادات النفطية والخسائر التقديرية

انعكس انهيار الصادرات بصورة مباشرة على الإيرادات النفطية، رغم الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط بعد اندلاع الأزمة. فقد سجل العراق إيرادات بلغت 6.49 مليارات دولار في كانون الثاني 2026، وارتفعت إلى 6.81 مليارات دولار في شباط، بما يعادل متوسط إيراد يومي يقارب 225.42 مليون دولار قبل الأزمة.

وبعد تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز، انخفضت الإيرادات الفعلية إلى 1.96 مليار دولار في آذار، ثم إلى 1.09 مليار دولار في نيسان، وبلغت 2.34 مليار دولار خلال أيار وحزيران مجتمعين.

وبمقارنة هذه القيم بالإيرادات التي كان يمكن تحقيقها لو استمر متوسط ما قبل الأزمة، تُقدَّر خسارة الفرصة الإيرادية بنحو 5.03 مليارات دولار في آذار، و5.68 مليارات في نيسان، و11.42 مليار دولار خلال أيار وحزيران، ليصل مجموعها إلى قرابة 22.13 مليار دولار.

وهذه القيمة تقديرية، وليست خسارة محاسبية معلنة من «سومو»، لأنها تقوم على سيناريو مرجعي يفترض استمرار الإيراد اليومي المسجل في كانون الثاني وشباط.

كما أنها لا تشمل الآثار غير المباشرة، مثل تكاليف خفض الإنتاج وإعادة تشغيل الحقول، ورسوم التخزين والتأمين، وتأخر تسديد مستحقات الشركات، وتراجع النشاط الاقتصادي المرتبط بالإنفاق الحكومي.

وتبرز خطورة هذه الخسائر لأن الإيرادات النفطية تمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة والرواتب والاستثمارات العامة. ولذلك فإن استمرار الانخفاض لا يؤدي إلى عجز مالي مؤقت فحسب، بل قد يدفع الحكومة إلى استخدام الاحتياطيات الأجنبية، أو زيادة الاقتراض، أو تأجيل الإنفاق الاستثماري، بما ينقل أزمة التصدير الخارجية إلى داخل الاقتصاد العراقي.

المحور الثاني: الاحتياطيات الأجنبية لامتصاص صدمة مضيق هرمز

1- حجم الاحتياطيات الأجنبية، احتياطي الذهب: انخفض احتياطي الذهب من 35.50 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 27.31 مليار دولار في كانون الثاني، إلى 33.30 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 25.61 مليار دولار في أيار.

الأوراق المالية الأجنبية: انخفضت الأوراق المالية الأجنبية من 43.59 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 33.53 مليار دولار، إلى 39.84 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 30.64 مليار دولار، بانخفاض يقارب 8.6%. ويعد هذا مؤشراً مهماً جداً على حركة أحد أكبر مكونات الأصول الأجنبية.

النقد والأرصدة الأجنبية: ويقصد بها الأصول من دون الذهب والأوراق المالية، وتشمل النقد الأجنبي في خزائن البنك، والأرصدة لدى البنوك المركزية، والأرصدة لدى البنوك الخارجية. وقد انخفض مجموعها من 46.40 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 35.69 مليار دولار في كانون الثاني، إلى 43.00 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 33.08 مليار دولار في أيار.

المجموع النهائي للمؤشرات الثلاثة وحجم الاستنزاف: تشير الخلاصة إلى انخفاض متوسط مجموع المؤشرات من 126.37 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 97.21 مليار دولار قبل الأزمة، إلى 119.01 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 91.55 مليار دولار بعد الأزمة. وهذا يعني استنزافاً قدره نحو 7.36 تريليون دينار، أي ما يعادل قرابة 5.66 مليارات دولار، أو بنسبة 5.8%.

وقد اعتُبر شهرا كانون الثاني وشباط متوسطاً لمرحلة ما قبل الأزمة، وشهرا نيسان وأيار متوسطاً لمرحلة ما بعد الأزمة، في حين أُبقي شهر آذار شهراً انتقالياً ولم يُدخل ضمن المتوسطين، بما يجعل المقارنة أكثر دقة من الناحية المنهجية.

كفاية الاحتياطيات الأجنبية: يقصد بكفاية الاحتياطيات الأجنبية عدد الأشهر التي يمكن أن تغطي فيها هذه الاحتياطيات احتياجات العراق من الاستيرادات. وحسب بيان البنك المركزي في 8 آذار، تستطيع الاحتياطيات الأجنبية تلبية استيرادات العراق لمدة 12 شهراً.

وتعد هذه التغطية جيدة؛ لأنها تمنح مساحة زمنية لاتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الأزمات والمشكلات، لكنها تمثل معالجة مؤقتة وليست مستدامة، ولا يمكن الاعتماد عليها بصورة مستمرة.

المحور الثالث: إلى أين يتجه الاقتصاد العراقي في ظل أزمة مضيق هرمز واستنزاف الاحتياطيات؟

أولاً: من صدمة نفطية إلى صدمة مالية ونقدية: بدأت تداعيات أزمة هرمز من قطاع النفط، لكنها لا تنتهي عنده. فالعراق يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط في توليد العملة الأجنبية وتمويل الموازنة العامة، ولذلك فإن تعطّل مسار التصدير الجنوبي يؤدي مباشرة إلى انخفاض تدفقات الدولار إلى الاقتصاد.

وتظهر بيانات شركة تسويق النفط العراقية أن العراق يمتلك مسارات بديلة، مثل جيهان والقيارة، إلا أن قدرتها لا تعوّض الطاقة التصديرية للموانئ الجنوبية، ما يجعل أزمة هرمز أزمة في القدرة على تصريف النفط، وليس في إنتاجه فقط.

وتنتقل الصدمة بعد ذلك إلى المالية العامة؛ فكل دولار نفطي مفقود يعني انخفاضاً في الموارد المتاحة لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والاستثمارية والتحويلات الحكومية. والمشكلة أن بنية الإنفاق العراقي تتسم بارتفاع النفقات الجارية وصعوبة تخفيضها سريعاً.

وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن حذر من أن اعتماد المالية العامة على النفط قد ازداد، وأن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، بما يعكس تقلص قدرة الموازنة على تحمل الصدمات النفطية.

وهنا يصبح المسار المتوقع واضحاً: انخفاض الإيرادات النفطية يؤدي إلى اتساع العجز المالي، الذي يقود بدوره إلى زيادة الحاجة إلى التمويل، ومن ثم إلى ضغط أكبر على السيولة والاحتياطيات الأجنبية.

ثانياً: الاحتياطيات من الحماية إلى الامتصاص: تكمن الخطورة الأكبر في أن الاحتياطيات الأجنبية ليست إيراداً حكومياً إضافياً يمكن الإنفاق منه بصورة مستمرة، وإنما هي خط الدفاع النقدي الذي يحمي استقرار الدينار ويوفر تمويل التجارة الخارجية.

وقد أكد البنك المركزي، في 8 آذار 2026، بالتزامن مع بداية الأزمة، أنه أجرى مراجعة للاحتياجات الأجنبية ومستويات السيولة والمؤشرات النقدية والمالية في ضوء التطورات الجديدة.

وتشير البيانات التي جرى تحليلها في المحور السابق إلى بدء تراجع عدد من مكونات الموجودات الأجنبية بعد الأزمة. وهذا لا يعني أن العراق دخل فوراً مرحلة أزمة احتياطيات، لكنه يشير إلى بداية تحوّل اتجاه الاحتياطي من التراكم والاستقرار إلى الاستخدام والتراجع، وكلما طالت مدة تعطّل الصادرات النفطية ازدادت أهمية هذا التحول.

والفارق جوهري بين استنزاف محدود ومؤقت للاحتياطي بهدف امتصاص صدمة قصيرة، وبين استخدام الاحتياطيات بصورة مستمرة لتعويض فجوة هيكلية بين تدفقات الدولار الداخلة والخارجة.

فالحالة الأولى تمثل الوظيفة الطبيعية للاحتياطيات، أما الثانية فتعني استهلاك الأصول المتراكمة لتمويل مستوى من الإنفاق والاستيراد يفوق قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية.

ومن هنا يصبح معدل الاستنزاف الشهري أكثر أهمية من الحجم المطلق للاحتياطي؛ فامتلاك احتياطيات كبيرة لا يوفر حصانة مطلقة إذا كانت التدفقات النفطية منخفضة والاستنزاف مستمراً.

ثالثاً: سيناريوهات الاقتصاد العراقي: يمكن تصور اتجاه الاقتصاد العراقي وفق ثلاثة سيناريوهات:

- السيناريو المتفائل: يقوم هذا السيناريو على انتهاء أزمة مضيق هرمز وعودة حركة التجارة إلى وضعها الطبيعي، وزيادة الصادرات النفطية، وتحسن الإيرادات العامة، وتقليل الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.

- السيناريو المتشائم: وهو السيناريو الأخطر، ويتمثل في استمرار أزمة مضيق هرمز لمدة طويلة، بالتزامن مع عدم إجراء تصحيح مالي واستمرار الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.

- السيناريو المتشائل: وهو سيناريو لا يعد متفائلاً ولا متشائماً، ويتمثل في استمرار الأزمة مع تشغيل محدود للمسارات البديلة، سواء عن طريق جيهان التركي، أو عبر المسار السوري أو الأردني أو غيرها من المسارات التي يمكن أن تخفف من حدة أزمة مضيق هرمز.

التوصيات

1. حماية الاحتياطيات الأجنبية، من خلال الحفاظ على وظيفتها الأساسية المتمثلة في المحافظة على الاستقرار النقدي، وعدم استخدامها بوصفها أداة مالية.

2. إصلاح المالية العامة من خلال الاقتصار على النفقات الضرورية وزيادة الإيرادات غير النفطية.

3. تنويع منافذ التصدير النفطي؛ إذ كشفت أزمة مضيق هرمز أن الاحتياطيات النفطية والقدرة الإنتاجية والتصديرية وحدها لا تكفي من دون وجود مسارات قادرة على إيصال النفط إلى الأسواق الدولية، ما يستلزم تنويع منافذ التصدير النفطي.

4. إصلاح الاقتصاد الحقيقي من خلال الاهتمام بالبنية التحتية والبيئة الاستثمارية لتحفيز الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية.

أسئلة نقاشية

السؤال الأول: إلى أي مدى تكشف أزمة مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي؟ وما الآثار التي تركتها أو يمكن أن تتركها عليه، خصوصاً إذا استمرت الأزمة؟

السؤال الثاني: كيف يمكن تجنب أزمة مضيق هرمز وآثارها، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام؟

المداخلات
- الدكتور حسين السرحان، أكاديمي وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

أود التعليق على مسألتين. تتمثل المسألة الأولى في أن الورقة ركزت بصورة أساسية على الأمور المالية، في حين أن الاقتصاد العراقي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وهو ما أثّر في وضع الرواتب والنفقات العامة في البلد. والسؤال هنا: كيف حدث هذا التأثير؟

هناك مساران أثّرا في موضوع الرواتب، وليس النفط وحده. فالأموال التي يحولها البنك المركزي إلى وزارة المالية، لتغطية قيمة الدولار الذي يأخذه منها، تأتي من التجارة والاستيرادات؛ إذ يودع التجار أموال السلع والاستيرادات من أجل تحويلها بالدولار ثمناً لبضائعهم، ويقوم البنك المركزي بتحويل هذه الأموال إلى وزارة المالية لدفع الرواتب وتمويل النفقات العامة التشغيلية والجارية بصورة عامة.

لذلك لاحظنا، في الشهر الأول والثاني بعد تطبيق نظام «أسيكودا» والتعرفة الجمركية، حدوث نوع من الشح، وهذا هو العامل الأول.

أما العامل الثاني، فيتمثل في انخفاض إيرادات النفط، إلى جانب تأثير الاستيراد في النفقات العامة والأوضاع المالية ونظام الإيرادات. وهذا يقود إلى مسألة أخرى تتعلق بالتعاملات بالدولار، وكيف يحصل العراق عليه. والسؤال هنا: هل يؤثر عدم ورود الدولار إلى العراق في النفقات التشغيلية العامة، بما فيها الرواتب والنفقات الأخرى؟

لقد روّجت الماكنة الإعلامية لهذا الموضوع بصورة سلبية، على أساس أنه يؤثر مباشرة في الرواتب، لكن الموضوع مختلف. فالدولار الذي يحصل عليه العراق يسير في مسارين. وفق قرار الأمم المتحدة رقم 1483، الصادر في أيار 2003 بعد الاحتلال، تقرر إيداع جميع عائدات مبيعات النفط العراقي في حساب للعراق لدى البنك الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، وهو صندوق تنمية العراق. وعلى هذا الأساس، كانت جميع إيرادات النفط العراقي تودع في هذا الحساب، باستثناء نسبة 5% التي كانت تذهب لتعويضات الكويت.

وحتى شباط 2022 دفع العراق 53.4 مليار دولار إلى الكويت، وخرج من الفصل السابع، وانتهى بذلك العمل بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر عام 2003. ثم صدر قرار جديد رقم 1056 يتضمن حماية الأموال العراقية تحت مظلة الأمم المتحدة، كما صدر أمر من الرئيس الأمريكي في نهاية عام 2011 تحت رقم 13303، وتضمن حماية الأموال العراقية من مختلف الدعاوى المرفوعة ضد العراق من أفراد وشركات تطالب بتعويضات بسبب سياسات النظام السابق.

وهناك حجوزات قضائية على بعض الأموال ومطالبات من أفراد وشركات، وعندما صدر الأمر التنفيذي من الرئيس الأمريكي حمى جميع الأموال العراقية. وهنا فتح العراق حساب «العراق 2»، وهو حساب للبنك المركزي العراقي في البنك الفيدرالي الأمريكي نفسه، فرع نيويورك.

والآن، إذا أضيفت أموال النفط إلى حساب وزارة المالية، فإنها قد تتعرض للحجز القضائي بسبب المطالبات بالتعويضات من العراق، وهي مطالبات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

ولهذا، حالما تُودع أموال النفط في حساب وزارة المالية، تُحوّل خلال 24 ساعة إلى حساب البنك المركزي العراقي، وهو حساب «العراق 2». والسبب في سرعة التحويل هو ضمان عدم وجود مطالبات تعويضية تستحوذ على هذه الأموال، أو تنفيذ أي حجز قضائي عليها خلال هذه المدة. وقد تم ذلك وفق مذكرة تفاهم وُقعت بين وزارة المالية العراقية والبنك المركزي العراقي.

وكما نعرف، فإن البنك المركزي جهة مستقلة، وليس مخولاً بأن يعطي الحكومة العراقية أي مبلغ من دون تغطية بالدولار.

وبذلك ضمن العراق أن إيراداته النفطية تتحول مباشرة إلى البنك المركزي، وليس كما كان يحدث سابقاً حين كانت تأتي إلى العراق، إذ تتم عملية مقاصة مباشرة بين الحسابين. وعلى هذا الأساس، تُحوّل الأموال النفطية العراقية بالدولار من حساب وزارة المالية إلى حساب البنك المركزي العراقي، ثم يقوم البنك المركزي في العراق بإعطاء الحكومة أموالاً بالدينار العراقي، وبهذه الطريقة تتم تغطية قيمة الرواتب.

والآن، مع انخفاض الإيرادات النفطية، من المؤكد أن يحدث انخفاض في تحويلات الدولار النقدي التي يحولها البنك المركزي إلى حساب وزارة المالية لكي تتمكن من دفع الرواتب والنفقات التشغيلية الأخرى.

وبالمناسبة، فإن جميع قيمة الاستيرادات تتم تغطيتها من حساب البنك المركزي، وهذا يعني أن البنك الفيدرالي يدفع قيمة الاستيرادات مباشرة، وهذه الأموال تخص الأموال السيادية، أي أموال النفط فقط.

لكن هناك أموالاً تجارية ليست لها علاقة بهذه الحماية. وهنا يبرز السؤال بشأن الدولار النقدي الذي يتم تحويله إلى العراق. فمنذ أن بدأت الحرب الحالية في 28 شباط حتى اليوم، جرى تحويل شحنة واحدة قيمتها 500 مليون دولار فقط، في حين انخفضت إيرادات النفط بعد ذلك بصورة كبيرة، وبلغت، بحسب تقارير أمريكية، قرابة مليار و600 مليون دولار، أو أقل من ذلك.

وبغض النظر عن الجوانب الاستيرادية للدولة، ولا سيما ما يتعلق بوزارة الدفاع والأسلحة وسواها، إذ يتم دفع هذه الأموال من حساب البنك المركزي، فإن السؤال هو: أين يكمن تأثير الدولار الذي ينزل إلى السوق؟

المقصود هنا هو الدولار الذي نتعامل به، والذي يحصل عليه المسافرون. ونظراً إلى تأخر تحويلات الدولار النقدي خلال الأشهر الستة الماضية، حدث نقص في السيولة التي تخص الدولار المخصص للمسافرين.

وأقصد بذلك أن تحويلات الدولار النقدي ليست لها علاقة برواتب الموظفين والعاملين والنفقات التشغيلية الأخرى. ومن ثم فإن شحنات الدولار التي تأتي إلى العراق، والتي تأخرت منذ الشهر الثاني إلى ما قبل أيام قليلة، لم يؤثر تأخرها في الرواتب؛ لأن هذه الأموال ليست مرتبطة بها، لكنها تؤثر في أموال المسافرين، وقد جرى تقليل المبلغ المخصص للمسافر من 3000 دولار إلى 2000 دولار.

وقد طالب بعض النواب في البرلمان العراقي بإغلاق حساب العراق الخاص بالإيرادات النفطية الموجود في البنك الفيدرالي، إلا أن هذه المطالبات ليست صحيحة ولا تصب في مصلحة العراق؛ لأنه بمجرد إغلاق هذا الحساب والإبقاء على حساب وزارة المالية فقط، فإن الإيرادات النفطية العراقية قد تذهب مباشرة إلى تعويض الشركات والأفراد، في ظل وجود دعاوى تعويض كثيرة محسومة ضد العراق. وقد سدد العراق تعويضات الكويت فقط، والبالغة أكثر من 52 مليار دولار.

- الشيخ مرتضى معاش:

بالنسبة إلى السؤال الأول، فقد تطرقتم إلى الهشاشة الاقتصادية بصورة واضحة. أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فأتصور أن المشكلة لا تكمن أساساً في الأزمات الخارجية، مثل أزمة مضيق هرمز، أو أية أزمة أخرى كأزمة كورونا وغيرها، وإنما تكمن في ضعف البيئة الاقتصادية في العراق بسبب سوء النظام البيروقراطي، والفساد الكبير الموجود، وعدم حماية الاستثمارات.

وأتصور أن الأموال كلها التي تم التطرق إليها لا يمكن تقييمها بقيمة حقيقية إذا لم يكن هناك استثمار إنتاجي وحركة عملية؛ فنحن نعيش الآن حالة استهلاك، وليست حالة إنتاج، كما نعيش حالة فساد وليس حالة استثمار. ولا توجد لدينا بيئة جاذبة للأموال، كما لا توجد بيئة تجعل المواطن يشعر بأن هناك حماية لأمواله ومدخراته.

ويقال إن الأموال المدخرة في العراق أي المحبوسة أو المكتنزة لدى الناس تصل تقريباً إلى تبلغ نحو ستين مليار دولار. والسؤال هو: لماذا لا يجرؤ المواطن على استثمار أمواله؟ السبب هو عدم وجود ضمان لحماية هذه الأموال وبالتالي عدم وجود قدرة حقيقية على الاستثمار.

فالنظام المصرفي الموجود في العراق لا يحمي أموال المواطن، ولا توجد قوانين وقواعد فاعلة، كما أن الفساد يأكل الأموال. ولذلك لا توجد ثقة بالمصارف، ولا ثقة بالاستثمار في أي مجال، ونلاحظ أن أغلب الاستثمارات الموجودة حالياً استهلاكية ومعرضة للخسارة.

وبالنتيجة، أتصور أننا نحتاج إلى نوع من التحول الكبير في البيئة الاستثمارية الداخلية والخارجية، وإلا فإن الكثير من الأموال تأتي ثم تصبح بلا فائدة. كما أننا نواجه أزمات في النفط وغيره، ولم نصل بعد إلى التحول نحو القطاع الخاص الاستثماري؛ ولذلك تبقى المشكلة قائمة، ونظل نعيش حالة من القلق والخوف والفوضى المالية.

وإلا، فما الذي يجعل البلد معرضاً باستمرار للأزمات؟ بالنسبة إلى الحماية الأمريكية للأموال العراقية، أتصور أن أهم نقطة إيجابية فيها هي بقاء سعر صرف الدولار ثابتاً، وهذه نقطة مهمة جداً. وإلا فإننا نلاحظ أن الدول المجاورة، من سوريا إلى تركيا وإيران، تعيش حالة من احتراق القوة الشرائية.

كذلك لدينا التحول الرقمي الذي حدث، بحيث لا يحتاج المواطن إلى الدولار المتداول ورقياً، فإنه يستطيع استخدام بطاقات الدفع في عمليات البيع والشراء، وهذا يجعله أقل حاجة إلى الدولار الورقي.

لكنني أتصور أن الدولار الذي يتم سحبه يستخدم لأمور أخرى، مثل غسل الأموال أو الاكتناز والادخار والمضاربات وغيرها. أما إذا أصبح استخدام الدولار رقمياً، فإن الحاجة إلى الدولار الورقي ستتراجع. ولذلك ينبغي التركيز على توفير البيئة الآمنة؛ لأن الحل الذي نستطيع تحقيقه هو توفير البيئة الاقتصادية الآمنة داخل العراق.

- الدكتور علاء الكاظمي، أكاديمي وباحث في الشأن السياسي:

في الإجابة عن السؤال الأول، لا أعتقد أن لدينا في العراق اقتصاداً حقيقياً يمكن أن نبني حوله مؤشرات متكاملة، بل إن ما يوجد لدينا أساساً هو النفط الذي ننتجه من الحقول النفطية ثم نصدره مقابل الأموال. لذلك لا أعتقد أن لدينا اقتصاداً متكاملاً نستطيع أن نرسم له خريطة كاملة ونبني عليها. 

أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، المتعلق بكيفية تجنب أزمة مضيق هرمز، فأعتقد أن الخطوط والمسارات البديلة التي افتُتحت بوصفها بديلاً عن مضيق هرمز مهمة؛ لأن المضيق في الواقع لا يضغط على الاقتصاد العراقي وحده، وإنما يضغط على الاقتصاد العالمي كله. ولذلك فإن الحلول النفطية المطروحة اليوم تشارك فيها حتى الولايات المتحدة داخل العراق.

والوفد الذي سافر إلى الولايات المتحدة لمناقشة مد خطوط أنابيب نفطية شهد تدخلاً أمريكياً مباشراً في موضوع إنشاء أنابيب خارج مضيق هرمز؛ لأن الولايات المتحدة تريد أساساً سحب هذه الورقة من إيران. ولهذا، تبدو الحرب مستمرة والحسابات طويلة الأمد، وهذه الورقة المهمة الموجودة بيد إيران يبدو أن الولايات المتحدة تعمل على إضعافها وسحبها شيئاً فشيئاً.

ومع ذلك، تبقى هذه الخطوط النفطية مهمة. فهناك، على سبيل المثال، خط جيهان عبر تركيا، الذي يصدر العراق عبره حالياً 250 ألف برميل نفط يومياً. أما الخط النفطي عبر سوريا فلا أعرف، حتى الآن، حجم الكمية التي يجري تصديرها عبره، وإن كان هناك تصدير للنفط عن طريق الصهاريج وليس عبر خطوط الأنابيب.

وعموماً، فإن هذين الخطين لا يعادلان ما كنا نصدره من النفط عبر مضيق هرمز. أما الطاقة التصديرية لخط جيهان فتبلغ تقريباً مليوناً ونصف المليون برميل يومياً، لكن الخلافات مع حكومة إقليم كردستان أدت إلى تراجع التصدير، وهناك الآن خطة لرفع التصدير إلى 750 ألف برميل يومياً، في حين يبلغ الضخ الحالي 250 ألف برميل يومياً فقط، ولم يصل بعد إلى 750 ألفاً.

ومن الممكن أن يصل قريباً إلى 750 ألف برميل يومياً، مع أن الخط يتحمل طاقة تصديرية تقدر بنحو مليون ونصف المليون برميل يومياً. وهو خط يمر عبر تركيا ويؤدي إلى الدول الأوروبية، في حين أن أغلب النفط الذي كنا نصدره عبر مضيق هرمز كان يصل إلى الصين والهند.

أما الحديث عن المسارات البديلة، فإن الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ووصول الشركات المنفذة وبدء العمل الفعلي، يحتاج إلى وقت طويل.

وستبقى القضية على حالها إلى أن يبدأ التصدير عبر هذه المسارات، ولذلك تبقى ظروفنا صعبة إلى حد كبير.

أما بالنسبة إلى الديون العراقية، فإن منتدى باريس الذي عُقد في عام 2004، وشاركت فيه الولايات المتحدة واليابان وروسيا وأستراليا وكندا وغيرها من الدول الدائنة، قدّر إجمالي ديون العراق في زمن صدام بنحو 120 مليار دولار.

وكان الدين المستحق لدول مجموعة منتدى باريس يقدر بنحو 39 مليار دولار تقريباً، وتم تخفيض 80% من هذا المبلغ، وأُعطي العراق مدة زمنية لتسديد المبلغ بالأقساط، وتنتهي في سنة 2027 كما أعتقد. والمتبقي من هذا المبلغ حتى الآن قرابة 8 مليارات دولار.

أما بقية الأموال، وهي نحو 80 مليار دولار تقريباً، فهي ديون على العراق خارج هذا المنتدى، ومن ضمنها ديون الكويت التي بلغت 52 ملياراً، فضلاً عن وجود ديون داخلية.

فالقرار الأمريكي هو الذي حفظ أموال العراق، ولنقل إنه وضعها تحت الوصاية الأمريكية، لكنه في الوقت نفسه حماها من دعاوى التعويض التي أقيمت على العراق.

- الأستاذ علي حسين عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

الأستاذ حامد الجبوري فاجأنا في ورقة اليوم بحجم اعتمادها على الأرقام والبيانات ودقتها، وهذا يؤكد أهمية طريقة عرض المحاضرة.

وهناك جانبان في طريقة العرض. الجانب الأول يتمثل فيما قدمه المحاضر على الشاشة من أرقام، وهو من الأساليب العلمية الدقيقة التي تبتعد عن الأسلوب الإنشائي أو التعبير العام. وقد لمسنا في هذه الورقة البحثية عرضاً علمياً دقيقاً.

لكن فيما يتعلق بالسؤالين، نجد نوعاً من التناقض مع ما قدمه المحاضر في الجانب العلمي.

فالسؤال الأول واضح في معناه، ويمكن تشبيه الاقتصاد العراقي بشخص مغطى بغطاء أسود لا يرى أحد ما تحته من تفاصيل وتفرعات. وهكذا كان الاقتصاد العراقي مغطى لا تُرى تفاصيله، لكن عندما حدثت أزمة إغلاق مضيق هرمز رُفع هذا الغطاء الأسود عن الاقتصاد العراقي، وظهرت تفاصيله وأزماته ونواقصه بوضوح شديد.

فقد انخفضت الموارد أو الإيرادات النفطية، بحسب ما ذكره الباحث، من ستة مليارات دولار إلى مليار دولار، وهذا يعني انخفاضها بمقدار كبير يصل إلى نحو ستة أضعاف.

وهذه، بصراحة، فضيحة كبيرة للاقتصاد العراقي وللقائمين عليه؛ إذ تبين أنه لا يوجد أي تخطيط مسبق لبناء أو إيجاد منافذ تصديرية بديلة للنفط، واكتشفنا أن أكثر من 90% من كميات النفط الخام كانت تُصدر عبر مضيق هرمز وحده من دون التفكير جدياً في تنويع هذه المنافذ.

أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، المتعلق بكيفية تجنب هذه الأزمة، فالحلول في الحقيقة واضحة جداً. وعلى العراق اليوم أن يبذل كل ما لديه من جهود، وأن يضع الخطط وينفذها من أجل إيجاد منافذ جديدة وبديلة لتصدير النفط.

لكن مثل هذه الحلول والإجراءات تحتاج إلى سنوات، وخلال السنوات التي يستغرقها إنشاء المنافذ والأنابيب الجديدة، سيعيش العراقيون حتماً معاناة وفوضى اقتصادية. وبعد ذلك كله ربما تنتهي أزمة إغلاق مضيق هرمز ويُفتح أمام تصدير النفط، وهذا يعني أن بحثنا المتأخر عن منافذ تصدير جديدة لن يكون قد أنجز شيئاً في معالجة الأزمة الحالية.

- الأستاذ حيدر الأجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية:

هذا الموضوع الوجودي الذي شغل وسائل الإعلام المحلية والعالمية يمكن أن نسميه فضيحة هيكلية لدولة مثل العراق، جعلت سيادته الاقتصادية معلقة بعنق زجاجة لا تتعدى مساحتها أكثر من 40 كيلومتراً، وأصبحت أشبه برئة متهرئة يعتمد عليها الجسد.

وفي علم الإنسان، يُذكر أن الشخص عندما تتعرض إحدى رئتيه إلى انسداد أو مرض مفاجئ، فإنه يعتمد بصورة مباشرة على الرئة الأخرى، وفي هذه الحالة يمر الإنسان بحالة حرجة وجودية. والعراق اليوم يمر بحالة حرجة وجودية بسبب اعتماده الكلي، أو بنسبة تقارب 90%، في تصدير نفطه على هذا المضيق.

وبعد عام 2003 لم نأت بجديد في موضوع البدائل، وحتى الشرايين الموجودة تعرض بعضها للاستهداف، بحيث إن الكميات التي تمر عبرها قد لا تكفي لتلبية احتياجات العراق. فهذا البلد النفطي يصدر نحو 89 أو 90% من موارده، وفي الوقت نفسه يستورد نحو 70% من سلته، وهذا يدل على أنه يعتمد اعتماداً كبيراً على هذا الممر، أي مضيق هرمز.

فأين الشرايين الأخرى، مثل ميناء ينبع في السعودية، وميناء بانياس في سوريا، وميناء العقبة في الأردن، وميناء جيهان في تركيا؟ إن الظروف التي يمر بها العراق تتطلب توسيع خطوط التصدير، وهناك حاجة كبيرة إلى توسيع هذه الشرايين لتقليل أزمة العراق المالية، إضافة إلى فتح أبواب اقتصادية أخرى.

ومن هذه الأبواب القطاع الزراعي والقطاع الصناعي، بما فيه الصناعات التحويلية. وهذه القطاعات جميعها تكاد تكون شبه معدومة، أو ميتة، أو جرى إماتتها بصورة متعمدة في العراق، مع استمرار الاعتماد الكلي على هذا المضيق الذي فرضته علينا قيود الجغرافيا.

والتاريخ لا يرحم من حاصرتهم القيود الجغرافية، بل يتذكر دائماً الشعوب التي تحاول الالتفاف على هذه القيود والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة.

لذلك أصبح الاعتماد على الشرايين التصديرية والبدائل ليس خياراً بقدر ما أصبح ضرورة واضحة جداً. وحتى نتجنب الانهيارات، علينا أن نعي ونفكر تفكيراً حقيقياً، لا تفكير السياسي الذي لا يهمه سوى الخروج بعد أربع سنوات في البرلمان بأموال مكدسة في خزائنه، ثم يذهب ويترك الشعب والعراق في مهب الريح.

- الأستاذ أحمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحريات والحقوق:

كشفت أزمة مضيق هرمز أن العراق دولة حالها حال دول المنطقة، فهي تقع تحت رحمة دول الجوار؛ إذ تستطيع هذه الدول، متى ما شاءت، التأثير في المنافذ التصديرية أو إغلاقها.

فإذا أرادت السعودية أو الأردن أو سوريا أو تركيا، بحسب أوضاعها السياسية أو مصالحها، أن تساوم العراق، فإنها تستطيع التأثير في أنابيب التصدير التي تمثل شرايين للجسد العراقي.

وإيران أيضاً تمتلك ورقة مضيق هرمز، وبذلك يبقى العراق في وضع دولة محاصرة، ولا تعود هناك فائدة حقيقية من النفط الموجود في داخله إذا لم يتمكن من تصديره.

وإذا أراد العراق إيجاد حل فعلي لهذه الأزمة، فعليه أن يفاوض هذه الدول ويساومها على أساس التبادل التجاري والميزان التجاري.

فإيران، على سبيل المثال، تستفيد من التجارة مع العراق بمليارات الدولارات سنوياً، ولذلك لا يمكن النظر إلى منفذ التصدير بمعزل عن المصالح التجارية المتبادلة. فإذا أُغلق هذا المنفذ في وجه العراق، فإن عليه استخدام ما لديه من أوراق اقتصادية وسياسية، مثلما تُستخدم ضده أوراق الضغط.

وكذلك بالنسبة إلى تركيا؛ فقد كانت هناك قضية حزب العمال الكردستاني، لكن الحكومة التركية، بذكاء واعتماداً على البراغماتية، تمكنت من التوصل إلى معالجة رغم حالة العداء الكبيرة، واستخدمت ملفات المياه وتصدير النفط وغيرها ضمن سياستها.

أما سوريا، فوضعها غير واضح، وهناك تأثيرات وإملاءات متعددة من الخليج والعراق وإسرائيل والولايات المتحدة، ومن الممكن أن تتعرض الصهاريج المحملة بالنفط لمخاطر مختلفة بسبب الجماعات التي تسيطر على بعض الطرق.

وهذا لا يمكن أن نسميه استقراراً اقتصادياً. وكان هناك منفذ تصدير أرادت الحكومة العراقية مده إلى ميناء العقبة، لكن شُنت حملة ضده عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وقيل إن هذا الأنبوب يذهب إلى إسرائيل وغير ذلك من الحجج، ولم يكن في الحسبان أن مضيق هرمز قد يُغلق في يوم من الأيام.

وكان هناك أيضاً خط أنابيب يمتد عبر الأراضي السعودية، اعتبرته السعودية جزءاً من ديون العراق فقامت بمصادرته. وهنا بالتحديد تلعب السياسة دورها في الاقتصاد؛ فالحكومات البراغماتية التي تستطيع توظيف الأزمات لصالحها يمكنها النجاح في خلق منافذ تصدير، أما إذا استمرت في العمل وفق العواطف وردود الأفعال وغيرها، فلن يبقى للعراق منفذ حقيقي.

وقد عمل العراق على موضوع الاكتفاء الذاتي في عدد من المواد، ومنها المحاصيل الأساسية والصناعات المختلفة وغيرها. وحتى في أبسط القضايا، وهي الاستيراد، فإن استخدام العراق سياسة الاكتفاء الذاتي يمكن أن يرفع كفة الميزان لصالحه، ويجعل موارد النفط أقل مصيرية بالنسبة إلى الاقتصاد العراقي، كما فعلت الإمارات في تطوير الصناعة وغيرها.

لذلك فإن الرؤية والتخطيط الاستراتيجي في إدارة هذه الأموال والموارد هما العنصران المهمان والضروريان اللذان يمكن أن يخلقا للعراق المنافذ والاقتصاد المستقر.

- الأستاذ محمد علاء الصافي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

ركزت هذه الورقة البحثية على الأرقام التي تبين حجم الضرر الذي تعرض له العراق، ووفق جميع المؤشرات فإن العراق هو أكثر الدول تضرراً من إغلاق مضيق هرمز.

لكن هناك دولاً أخرى تضررت أيضاً من إغلاق المضيق، مثل الصين ودول أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان، وقد انعكست هذه التأثيرات على اقتصاداتها وتسببت في انتكاسات، كما حدث أثناء جائحة كورونا عندما شهد العالم نوعاً من البطء والتوقف في حركة التجارة.

وقد استمرت تداعيات كورونا وأضرارها لأكثر من سنتين؛ إذ تباطأت الحركة التجارية وتضررت شركات الشحن العالمية.

وهناك ملاحظة كنت أتمنى أن تركز عليها الورقة البحثية، وهي أن هناك انعكاساً آخر أثر في الاقتصاد العراقي غير مرتبط بتصدير النفط وحده. فهناك، على سبيل المثال، ارتفاع في بعض الضرائب، إضافة إلى حدوث شح في عدد من البضائع.

ونحن نعرف أن أغلب بضائعنا مستوردة لأننا نفتقد الإنتاج الداخلي، وهذا تسبب أيضاً في ارتفاع التضخم وأسعار كثير من المواد.

وقد شكّل ذلك ضغطاً إضافياً على المواطن الذي يعاني أساساً من تأخر صرف الرواتب، إلى جانب تأثر الحركة التجارية الداخلية نتيجة الركود والكساد الذي أصاب السوق العراقية.

أما بالنسبة إلى كيفية تجنب تداعيات إغلاق مضيق هرمز، فأعتقد أن الحكومات السابقة حاولت إيجاد خطوط جديدة لتصدير النفط، ومنها خط العراق–الأردن باتجاه ميناء العقبة.

وكان من المنتظر، مع هذا المشروع، تجهيز العراق بالكهرباء والغاز الوارد من مصر الذي يمر عبر هذا الطريق، لكن شُنت في وقتها حملة إعلامية كبيرة ضد الحكومة والقائمين على المشروع، وظهرت حملات تخوين واسعة، وقيل إن هذه الخطوة تهدر الثروات الوطنية، وإن العراق ينفق على دول فقيرة، وغير ذلك من الطروحات.

لكننا في النتيجة نصدر نفطنا اليوم بالاتفاق مع «الجولاني»، ونبحث عن رضاه لكي نتمكن من تصدير نفطنا. ولذلك فإن إيجاد أكثر من منفذ للتصدير يعد من الحلول الاستراتيجية بالنسبة إلى دولة مثل العراق يعتمد نحو 95% من اقتصادها على النفط.

والقضية الثانية التي كشفتها هذه الأزمة هي هشاشة الاقتصاد العراقي من زاوية أخرى؛ فنحن لا نمتلك، على سبيل المثال، ناقلات نفط خاصة بالعراق. بمعنى أننا ننتج النفط ونصدره بهذه الكميات الكبيرة والهائلة إلى مستوردين كبار، لكننا لا نمتلك حتى على مستوى قارة آسيا ناقلات نفط خاصة بنا.

نعم، كانت هناك ناقلات قبل عام 2003، لكن بسبب حرب إيران صودرت بعض تلك الناقلات من قبل عدد من الدول بسبب الديون التي كانت بذمة العراق، كما حدث لخط الأنابيب الذي يمتد نحو ميناء ينبع، حيث قامت السعودية بمصادرة الأنبوب داخل أراضيها واعتبرته جزءاً من سداد ديون العراق المستحقة لها.

وبالنتيجة، لا بد من إيجاد حلول وبدائل لتصدير النفط العراقي، سواء من خلال خطوط التصدير البرية أو البحرية أو الطرق أو ناقلات النفط.

وكان يفترض أن تنجز الحكومات هذه الحلول قبل الحرب الحالية. أما بالنسبة إلى الأضرار التي أصابت الدول التي نصدر إليها النفط العراقي، فإن الولايات المتحدة هي الأقل تضرراً، في حين تضررت الدول الآسيوية بدرجة أكبر.

وليست هناك مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة إذا طالت الأزمة سنة أو سنتين أو ثلاثاً؛ لأن الأمريكيين اليوم يمارسون ضغطاً حتى على إيران نفسها: فإذا أغلقت إيران المضيق، تستطيع الولايات المتحدة أن تضغط عليها من خلال منافذ أخرى.

ولذلك يبقى المتضرر الأكبر هو العراق، ومن هنا لا بد من إيجاد الحلول اللازمة لهذا الموضوع.

- الأستاذ باسم الزيدي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

هذا الموضوع ليس جديداً في جوهره، لأن العراق يمر بأزمات اقتصادية متكررة، لكن هذه الورقة كشفت الثغرات الاقتصادية والأزمات الحالية بوضوح، ولا سيما أننا نعيش أزمات متداخلة؛ أزمة داخل أزمة.

وإذا رجعنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، نلاحظ أن مضيق هرمز كان مفتوحاً وصادرات النفط تسير بصورة طبيعية، لكن سعر برميل النفط هبط، فبرزت لدينا مشكلة انخفاض الإيرادات، وأصبحنا بحاجة إلى زيادة عدد البراميل المصدرة لكي نغطي النفقات التشغيلية.

وعندما حدثت هذه الأزمة الجيواقتصادية، وبدأ العراق يبحث عن منفذ للخروج منها، برزت المشكلة من جديد، وهي أننا نحتاج إلى مد أنابيب للتصدير، مع أن قضية هذه الأنابيب مطروحة أساساً منذ عشرين سنة، والعراق منفتح على العالم لكنه لم يعثر على حل.

وهذا يشير إلى مسألتين. المسألة الأولى هي أن الاقتصاد العراقي يعتمد دائماً سياسة رد الفعل في معالجة المشكلات، ولا يطرح حلولاً جذرية لها. وهذا يدل على أن المشكلة الأكبر التي نواجهها ليست مضيق هرمز ولا غيره، وإنما العقلية الاقتصادية وعدم تنمية الموارد أو البحث عن الاستدامة في الاقتصاد. وهذه هي المشكلة الحقيقية التي يعاني منها العراق.

فلو كنا نبحث دائماً عن الحلول قبل أن تفاجئنا الأزمات، لما تعرضنا إلى الوضع الحالي ولما بدأنا البحث عن مخرج بعد الوقوع في المشكلة.

والسؤال هو: ما الذي يعيق العراق عن الخروج من عنق الزجاجة وإيجاد الحلول قبل وقوع الأزمات؟ وما المشكلة الحقيقية؟

لقد لخص أهل الاختصاص هذه المشكلة في ضعف المؤسسات والمحسوبية والمحاصصة. وهنا نتساءل: لماذا لم يضع المسؤولون أنفسهم الحلول؟ وحتى رئيس الوزراء الذي رُوّج له على أنه رجل اقتصاد قادر على إخراج العراق من الأزمة، لم نلحظ حتى الآن مخرجاً اقتصادياً واضحاً، بل جرى تحويله إلى رجل أمن.

فكيف يمكنه أن يعبر بالعراق إلى شاطئ الأمان، في حين أننا لم نر حتى الآن حلاً يخرج العراق من هذه الأزمة؟

لذلك نحن نعتمد دائماً رد الفعل، وليس الفعل والمبادرة في معالجة الاقتصاد، وهذه هي المشكلة التي لم نجد لها حلاً.

وحتى الحلول التي طُرحت، أتصور أنها ستُركن على الرف، ومتى ما ظهرت مشكلة جديدة سنعيد الحديث عن طريق التنمية ومد الأنابيب. وما إن نعبر الأزمة الحالية حتى تعود هذه الملفات إلى الرف.

وأنا متأكد من أننا سنعبر هذه الأزمة بأقل ضرر، لكن ستأتي مشكلة جديدة، وحينها سنخرج جميع الملفات والأزمات السابقة التي وضعت على الرف.

- الأستاذ صادق الطائي:

العراق بلد يعتمد أساساً على تصدير النفط؛ أي إن معظم مدخولاته ومصاريفه ترتبط بتصدير النفط. ولذلك فإن أي تلاعب أو تغير في تصدير هذا المورد يؤثر في الدولة والشعب والسوق، ولا يمكن للاقتصاد العراقي أن يستقر في ظل هذا الاعتماد.

وفي أزمة مضيق هرمز، تم استثناء سفن النقل العراقية من إجراءات الحركة في المضيق، لكن المشكلة أن العراق لا يمتلك سفناً لنقل النفط. وبعد مشاورات، قبلت الهند والصين الدخول ونقل النفط العراقي إلى الخارج.

وقد تعاملت إيران مع الشعب العراقي بحالة خاصة من الرأفة والفهم العميق، مع علمها الكامل بوجود قواعد أمريكية ومراكز يستفيد منها الجيش الإسرائيلي في عملياته، ومع ذلك كان لها موقف مشرف ومحسود مقارنة بدول أخرى. وحتى الآن تضررت جميع دول الخليج إلا العراق.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذه الحالة ستستمر على هذا النحو. ويمكن تجنب الأزمة وتجاوز آثارها من خلال البحث عن مناطق مناسبة لنقل النفط عبر الأنابيب أو سيارات النقل، بما يؤدي إلى عملية نقل سريعة ومضمونة؛ لأن أي تلاعب أو تأخير، كما ذكرنا، يؤثر في عموم الشعب والدولة.

فهناك ستة ملايين شخص يتقاضون رواتبهم من عوائد النفط، والعراق دولة تستورد مواد الأكل والطعام من الخارج، وأي زيادة في الأسعار تصنع أزمة وفقر. ولذلك فإن أزمة المضيق تؤثر، بشكل أو بآخر، في الاقتصاد العراقي.

الخاتمة: الأستاذ الباحث حامد الجبوري

إن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط، وحسب آخر الأخبار أصبحت تصدر النفط أيضاً، ولذلك فإن تأثير الأزمة عليها يكون أقل.

أما ما أشار إليه الأستاذ محمد الصافي بشأن بطء التجارة بسبب إغلاق مضيق هرمز، فقد حدث بالفعل تقليل في حجم الاستيرادات أو ارتفاع في أسعارها نتيجة ارتفاع كلفة الشحن والنقل.

وعندما نتحدث عن الاقتصاد العراقي، فإن أزمة مضيق هرمز تؤثر فيه بصورة مباشرة، وكذلك الحال بالنسبة إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية.

ومن المؤكد أن الاقتصاد العراقي سيكون أمام صدمة نفطية يمكن أن تنتقل إلى صدمة مالية من خلال العجز. وإذا اتجهت الحكومة إلى تحرير سعر الصرف أو خفض قيمة الدينار، فستكون هناك أيضاً صدمة نقدية.

وبالنتيجة، قد تتحول السياسة النقدية إلى أداء وظائف مالية، وهذه في الحقيقة كارثة بالنسبة إلى الاقتصاد؛ إذ لا بد من أن تكون السياسة النقدية مستقلة تماماً عن السياسة المالية.

ونحن الآن نتجه تقريباً نحو حالة تحل فيها السياسة النقدية محل السياسة المالية، ولذلك نكون أمام عدة سيناريوهات اقتصادية.

السيناريو الأول هو السيناريو المتفائل، ويتمثل في انتهاء الأزمة وعودة الصادرات، ومن ثم تحسن الإيرادات، وربما تحسين الإدارة المالية، أو بصورة أدق تحسين الإيرادات. وهذا هو السيناريو المتفائل.

أما السيناريو المتشائم، فيتمثل في استمرار الأزمة وربما تعقيدها، مع مزيد من الضغط على الاحتياطيات، ومزيد من ارتفاع سعر الصرف، وهو ما قد يعقد المشكلة أكثر.

أما السيناريو الثالث، فلا هو متشائم ولا متفائل، بمعنى أن الأزمة تستمر، لكن توجد في الوقت نفسه مسارات بديلة بدأ العمل بها أو اللجوء إليها، وهذا سيقلل من حدة الأزمة، مع بقاء مشكلة مضيق هرمز قائمة. وهذه هي السيناريوهات الثلاثة التي يمكن أن تواجه الاقتصاد العراقي.

أما المقترحات التي يمكن طرحها، فإن أولها يتعلق بحماية الاحتياطيات الأجنبية، من أجل تقليل قوة الاستنزاف؛ لأن استمرار الاستنزاف سيسرع الوصول إلى مرحلة المشكلة.

ويأتي بعد ذلك إصلاح المالية العامة، إذ لا بد من تخفيض الإنفاق المالي أو ضغط النفقات، وزيادة الإيرادات العامة من أجل تقليل الطلب على الدولار.

كما ينبغي تنويع منافذ التصدير، وقد أشار إلى ذلك عدد من المشاركين في مداخلاتهم؛ لأن هذا التنويع سيقلل من أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى الصادرات العراقية ويسهم في تحسين الإيرادات النفطية.

وأخيراً، لا بد من إصلاح الاقتصاد العراقي الحقيقي، من خلال بناء بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات الأجنبية ومحفزة للاستثمارات الوطنية، بما يقلل من احتياج الاقتصاد العراقي إلى موارد النفط بصورة عامة، أو ما يسمى بالدولار النفطي.

استنتاجات وتوصيات

في ضوء الورقة البحثية والمداخلات الواردة في الحلقة النقاشية، يمكن استنباط استنتاجات وتوصيات على النحو الآتي:

1. الاستنتاج: كشفت أزمة مضيق هرمز أن المشكلة الأساسية في الاقتصاد العراقي لا تتعلق بامتلاك النفط أو القدرة على إنتاجه بقدر ما تتعلق بهشاشة منظومة تصديره؛ إذ يعتمد العراق بدرجة كبيرة على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز، الأمر الذي يجعل تدفق الإيرادات العامة عرضة للتعطل عند وقوع أية أزمة إقليمية. 

التوصية: اعتماد استراتيجية وطنية ملزمة لتنويع منافذ التصدير النفطي، من خلال رفع طاقة خط كركوك–جيهان، ودراسة وتطوير المسارات المؤدية إلى البحر الأحمر وسوريا والأردن، بحيث لا يبقى تصدير النفط العراقي مرتبطاً بمنفذ جغرافي رئيس واحد.

2. الاستنتاج: أظهرت الأزمة أن وجود مسارات تصديرية بديلة لا يعني بالضرورة وجود بديل حقيقي؛ إذ إن ارتفاع الحصة النسبية لخط جيهان والمسارات الأخرى جاء نتيجة انهيار صادرات الجنوب أكثر مما جاء نتيجة توسع فعلي في قدراتها التصديرية. 

التوصية: الانتقال من مجرد وجود منافذ بديلة إلى بناء طاقة تصديرية بديلة فعلية تستطيع استيعاب نسبة مؤثرة من الإنتاج العراقي عند توقف الموانئ الجنوبية، مع تحديد أهداف زمنية وكميات تصدير واضحة لكل مسار.

3. الاستنتاج: أدى تعطل التصدير إلى خسارة كميات كبيرة من الصادرات والإيرادات، بما يوضح أن أي أزمة في مسار النفط تتحول سريعاً إلى أزمة مالية بسبب الاعتماد الكبير للموازنة العامة على الإيرادات النفطية.  

التوصية: إعادة هيكلة المالية العامة تدريجياً لتقليل اعتمادها على النفط، من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية، وضبط النفقات الجارية، ومنح الأولوية للنفقات الضرورية والاستثمارية المنتجة.

4. الاستنتاج: تمثل الاحتياطيات الأجنبية خط الدفاع النقدي للاقتصاد العراقي، إلا أن استمرار انخفاض تدفقات الدولار النفطي يمكن أن يحولها من أداة لحماية الاستقرار النقدي إلى مورد يجري استنزافه بصورة متواصلة لتمويل الاختلال المالي والتجاري. 

التوصية: حماية الاحتياطيات الأجنبية والمحافظة على وظيفتها النقدية الأساسية، ومنع استخدامها بصورة مستدامة لتغطية العجز المالي أو تمويل الإنفاق الحكومي الجاري، مع متابعة معدل الاستنزاف الشهري بوصفه مؤشراً مبكراً للمخاطر.

5. الاستنتاج: إن قدرة الاحتياطيات الأجنبية على تغطية استيرادات العراق لمدة تقارب اثني عشر شهراً تمنح الاقتصاد هامشاً زمنياً لامتصاص الصدمات، لكنها لا تمثل حلاً دائماً إذا استمرت الأزمة وتراجعت الإيرادات النفطية. 

التوصية: استثمار مدة الأمان التي توفرها الاحتياطيات لإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية عاجلة، بدلاً من التعامل معها بوصفها بديلاً عن الإصلاح أو مورداً يمكن الاعتماد عليه إلى أجل غير محدد.

6. الاستنتاج: كشفت الأزمة أن هشاشة الاقتصاد العراقي أوسع من مشكلة تصدير النفط، لأنها ترتبط أيضاً بضعف الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على الاستيراد، بما يجعل تعطّل التجارة أو ارتفاع تكاليف النقل والشحن ينعكس مباشرة على الأسعار والتضخم والقدرة الشرائية للمواطن. 

التوصية: تبني سياسة اقتصادية طويلة الأمد لتعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي والصناعات التحويلية، وزيادة نسبة السلع المنتجة محلياً، بهدف تقليل حساسية السوق العراقية للأزمات الخارجية واضطرابات التجارة الدولية.

7. الاستنتاج: يمثل ضعف البيئة الاستثمارية والمصرفية، وغياب الثقة والضمانات، أحد أهم أسباب بقاء الأموال المحلية خارج الدورة الإنتاجية وتحول الاقتصاد نحو الاستهلاك والاكتناز بدلاً من الاستثمار والإنتاج. 

التوصية: إصلاح البيئة الاستثمارية والمصرفية من خلال تعزيز الضمانات القانونية، وحماية أموال المستثمرين والمودعين، ومكافحة الفساد، وتطوير النظام المصرفي، بما يسمح بتحويل المدخرات المحلية إلى استثمارات منتجة.

8. الاستنتاج: أظهرت النقاشات أن إحدى المشكلات البنيوية في إدارة الاقتصاد العراقي تتمثل في اعتماد سياسة رد الفعل؛ إذ تعود مشاريع تنويع الاقتصاد ومنافذ التصدير إلى الواجهة عند وقوع الأزمة، ثم تتراجع الأولوية الممنوحة لها بعد انحسارها. 

  التوصية: الانتقال إلى إدارة اقتصادية استباقية تقوم على التخطيط للسيناريوهات والمخاطر قبل وقوعها، وتحويل مشاريع تنويع منافذ التصدير وتنويع الاقتصاد إلى برامج دولة مستمرة لا تتغير أولوياتها بتغير الحكومات أو انتهاء الأزمات.

9. الاستنتاج: لا يرتبط أمن تصدير النفط بالبنية التحتية وحدها، بل يتأثر أيضاً بالعلاقات السياسية والاقتصادية مع دول الجوار التي تمر عبر أراضيها خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة، ولذلك فإن أمن الطاقة العراقي يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على إدارة شبكة مصالح إقليمية مستقرة. 

التوصية: بناء سياسة اقتصادية إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة وربط التجارة والطاقة والنقل والاستثمار باتفاقات طويلة الأمد مع دول الجوار، بحيث تصبح استدامة منافذ التصدير جزءاً من منظومة مصالح مشتركة وليس مجرد ترتيبات ظرفية.

10. الاستنتاج: تؤكد مجمل الورقة والمداخلات أن أزمة مضيق هرمز ليست سوى كاشف لمشكلة أعمق تتمثل في أحادية الاقتصاد العراقي؛ فكلما بقي النفط المصدر الرئيس للإيرادات والدولار وتمويل الموازنة، ستظل الأزمات النفطية والجيوسياسية قادرة على الانتقال سريعاً من صدمة نفطية إلى مالية ثم نقدية واجتماعية. 

التوصية: وضع التحول نحو اقتصاد متنوع ومنتج في صدارة السياسة الاقتصادية للدولة، عبر تنمية القطاع الخاص والاستثمار والإنتاج الزراعي والصناعي والبنية التحتية، بحيث تتحول عوائد النفط تدريجياً من أداة لتمويل الاستهلاك الجاري إلى رأس مال لبناء مصادر دخل مستدامة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

ذات صلة

كيف تسعد في حياتك الشخصية، والزوجية، والاجتماعية؟أزمة القيادة وأثرها في حاضر العراق ومستقبلهلماذا أكتب لنفسي؟الكم في مواجهة الكيف: هل أصبحت الجامعات الأهلية مشروعاً بحاجة إلى إعادة توجيه؟الجهل المتنكر: عندما تمارس السطحية قناعاً للعلم