العراق بعد 30 أيلول.. وسيناريو عودة تشرين
شبكة النبأ
2026-08-20 03:53
مهلة حصر السلاح تقترب من نهايتها فيما تتقاطع ضغوط الجنوب مع اختبار مكافحة الفساد، لتضع حكومة الزيدي أمام سؤال يتجاوز تنفيذ الوعود إلى قدرتها على منع تآكل الثقة بالدولة وتحول الاحتجاجات المطلبية إلى موجة سياسية أوسع.
ففي جنوب العراق، حيث تختلط حرارة الصيف الثقيلة بأزمة الكهرباء ومطالب الوظائف والخدمات، لا تبدو الاحتجاجات التي تظهر بين حين وآخر منفصلة تماماً عن النقاش السياسي الدائر في بغداد بشأن قدرة الدولة على تنفيذ وعودها، ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطنون ضغوطاً اقتصادية وخدمية متراكمة، وضع رئيس الوزراء علي الزيدي حكومته أمام اختبار آخر لا يقل تعقيداً عندما حدد الثلاثين من أيلول/سبتمبر موعداً لحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج سلطتها، وهو موعد يحظى بأهمية تتجاوز ملف الفصائل نفسه، لأنه قد يتحول إلى مقياس أوسع لقدرة الحكومة على الانتقال من إعلان السياسات إلى تنفيذها.
ولا يعني ذلك أن العراق يقف بالضرورة أمام تكرار احتجاجات تشرين التي اندلعت عام 2019، فالحركات الاحتجاجية الكبرى لا تتكرر وفق جدول زمني ثابت، كما أن الظروف السياسية والإقليمية والاجتماعية تغيرت خلال السنوات الماضية، غير أن عودة بعض العوامل التي سبقت تلك الاحتجاجات، من تراجع الخدمات والبطالة والشعور باتساع الفجوة بين موارد الدولة ومستوى معيشة المواطنين، تفتح الباب أمام سؤال بدأ يطرح نفسه بهدوء في النقاش العراقي: ماذا يمكن أن يحدث إذا انتهت مهلة نزع السلاح من دون نتائج واضحة، بالتزامن مع تعثر مكافحة الفساد واستمرار الأزمات الخدمية التي تشكل منذ سنوات أحد أبرز مصادر الاحتقان الشعبي؟
منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة، حاول الزيدي تقديم مشروع سياسي يرتكز على مجموعة من الملفات التي لطالما شكلت نقاط ضعف في الدولة العراقية، وفي مقدمتها حصر السلاح، ومكافحة الفساد، وتعزيز سلطة المؤسسات، وتحسين البيئة الاقتصادية وجذب الاستثمارات، وهي ملفات تبدو منفصلة عند النظر إليها من زاوية إدارية، لكنها في نظر قطاع من العراقيين ترتبط بمفهوم واحد يتعلق بقدرة الدولة على تطبيق القانون بصورة متساوية، لأن المواطن الذي يسمع تعهداً بمحاسبة الفاسدين أو بنزع سلاح الجماعات التي تعمل خارج المؤسسات الرسمية لا يقيس نجاح الحكومة بعدد البيانات الصادرة عنها بقدر ما يقيسه بما يلمسه من تغير في الحياة اليومية وفي موازين القوة داخل الدولة.
وقد أظهرت حملة مكافحة الفساد التي بدأت الحكومة تنفيذها، وشملت اعتقال سياسيين ومسؤولين، أن الزيدي يسعى إلى إثبات أن المشروع يتجاوز الخطاب، إلا أن التجربة العراقية تجعل الحكم على هذه الإجراءات أكثر تعقيداً، إذ شهدت البلاد خلال العقدين الماضيين حملات عديدة لمكافحة الفساد لم تؤد جميعها إلى تغيير جذري في البنية التي تسمح بإعادة إنتاجه، ولهذا فإن السؤال الذي سيواجه الحكومة لا يتعلق فقط بمن جرى توقيفه أو التحقيق معه، وإنما بما إذا كانت تلك الإجراءات ستتحول إلى قواعد مؤسساتية دائمة تشمل جميع مراكز النفوذ، أو أنها ستبقى مرتبطة بمرحلة سياسية محددة من دون أن تؤثر بصورة كبيرة في النظام الذي نشأت داخله شبكات المصالح السياسية والاقتصادية.
ويبدو اختبار نزع السلاح أكثر تعقيداً، لأن الجماعات المسلحة التي نشأت أو توسعت خلال مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث لم تعد في كثير من الحالات مجرد تشكيلات عسكرية يمكن تفكيكها بقرار إداري، فبعضها يمتلك امتدادات سياسية واجتماعية واقتصادية، وبعض القوى المرتبطة بها شاركت في الانتخابات أو أصبحت جزءاً من مؤسسات الدولة، بينما تحتفظ جماعات أخرى باستقلالية عسكرية أكبر، وهو ما يجعل الحديث عن حصر السلاح لا يتعلق فقط بجمع الأسلحة، بل بإعادة رسم حدود النفوذ بين الدولة والقوى التي راكمت خلال سنوات طويلة أدوات تأثير داخل النظام السياسي وخارجه.
ولهذا تحمل مهلة الثلاثين من أيلول معنى سياسياً يتجاوز نتيجتها المباشرة، فإذا تمكنت الحكومة من تحقيق تقدم ملموس يمكن قياسه، سواء من خلال دمج تشكيلات مسلحة في المؤسسات الرسمية أو إنهاء أطر عسكرية مستقلة أو فرض قواعد جديدة على حيازة السلاح، فإنها تستطيع تقديم ذلك باعتباره خطوة نحو استعادة احتكار الدولة للقوة، أما إذا انتهى الموعد من دون تغيير واضح، فقد يتحول النقاش من سؤال يتعلق بالفصائل إلى سؤال يتعلق بقدرة الحكومة نفسها على تنفيذ ما تعلنه، وهي مسألة بالغة الحساسية في دولة عانى مواطنوها طويلاً من وجود فجوة بين القرارات الرسمية والواقع الفعلي على الأرض.
غير أن بغداد ليست وحدها المكان الذي ستُختبر فيه الحكومة، ففي مدن الجنوب، وخصوصاً المحافظات التي تنتج جزءاً كبيراً من النفط العراقي، تظل الخدمات والوظائف والكهرباء والمياه قضايا أكثر حضوراً في الحياة اليومية من الصراع السياسي داخل المنطقة الخضراء، كما أن المفارقة بين الثروة التي تخرج من تلك المحافظات ومستوى الخدمات المتاحة لسكانها أنتجت على مدار سنوات شعوراً متكرراً بعدم العدالة، وهو الشعور ذاته الذي أسهم في إطلاق موجات احتجاج متعددة قبل أن تظهر حركة تشرين بصورتها الواسعة في عام 2019.
وقبل تشرين بعام تقريباً، شهدت البصرة ومدن جنوبية أخرى احتجاجات واسعة انطلقت من مطالب مرتبطة بالمياه والكهرباء وفرص العمل والفساد، ولم تكن تلك التحركات في بدايتها مشروعاً سياسياً وطنياً يسعى إلى إعادة تعريف علاقة المواطن بالنظام، إلا أن استمرار الأزمات وعدم شعور قطاعات واسعة من السكان بوجود استجابة كافية جعل المطالب الخدمية تتوسع تدريجياً، وعندما اندلعت احتجاجات تشرين في العام التالي كانت البيئة الاجتماعية قد أصبحت أكثر استعداداً لاستقبال خطاب يتجاوز الخدمات إلى قضايا الحكم والمحاسبة والمحاصصة والنفوذ الخارجي.
وهذه التجربة هي التي تجعل المقارنة مع المرحلة الحالية ممكنة، ولكنها لا تجعل النتيجة محسومة، لأن تشرين لم تكن نتاج أزمة كهرباء واحدة أو قضية فساد منفردة أو خلاف بشأن السلاح، بل جاءت نتيجة تراكم طويل لعدد من الأزمات في الوقت نفسه، قبل أن تتحول لحظة الاحتجاج إلى تعبير أوسع عن أزمة ثقة بين جزء من المجتمع والنظام السياسي، ولذلك فإن استمرار التظاهرات الخدمية في جنوب العراق اليوم لا يعني أن حركة مشابهة ستظهر بالضرورة، بقدر ما يشير إلى أن بعض مصادر الغضب التي كانت موجودة في مراحل سابقة لم تختف بصورة كاملة.
وتتضح أهمية هذه النقطة عند النظر إلى الجيل الذي قاد احتجاجات 2019، إذ كانت نسبة كبيرة من المشاركين من الشباب الذين دخل كثير منهم الحياة العامة في ظل نظام سياسي لم يعرفوا سواه، وكانوا يواجهون في الوقت نفسه سوق عمل لا يستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، وقطاعاً خاصاً ضعيفاً مقارنة بحجم الدولة، وخدمات لا تتناسب مع موارد بلد يعد من كبار منتجي النفط، ولذلك لم يكن شعار مكافحة الفساد بالنسبة إلى هؤلاء مفهوماً مالياً مجرداً، بل كان مرتبطاً بصورة مباشرة بفرص العمل والكهرباء والتعليم والسكن وإمكانية بناء مستقبل داخل البلاد.
بعد سبع سنوات، لم يعد المشهد كما كان، فقد تعرضت الحركة الاحتجاجية نفسها لتحولات وانقسامات، ودخل بعض الناشطين العمل السياسي، بينما ابتعد آخرون عن المجال العام، كما تركت سنوات الصراع والأزمات الإقليمية والإرهاق الاقتصادي أثراً واضحاً على المجتمع العراقي، وهو ما قد يجعل قطاعات من السكان أكثر حذراً تجاه أي مواجهة سياسية واسعة، لكن في المقابل فإن ذاكرة تشرين لم تختف، ولا تزال حاضرة باعتبارها المثال الأبرز خلال السنوات الأخيرة على قدرة احتجاجات محلية بدأت من مطالب اجتماعية على التحول إلى حركة سياسية وطنية.
ومن هنا، فإن السيناريو الذي قد يثير قلق الحكومة ليس وجود مظاهرة في البصرة أو الناصرية او الكوت في حد ذاته، وإنما تزامن عدد من الإخفاقات في فترة زمنية واحدة، فإذا انتهت مهلة السلاح من دون نتائج تستطيع الحكومة الدفاع عنها، وفي الوقت نفسه لم تحقق حملة مكافحة الفساد نتائج مقنعة، بينما استمرت أزمات الخدمات والبطالة وارتفعت الضغوط الاقتصادية، فقد تبدأ ملفات منفصلة في الاندماج داخل سردية واحدة لدى الشارع تعتبر أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالكهرباء أو الوظائف أو الفصائل بصورة منفردة، وإنما بعجز الدولة عن معالجة هذه القضايا مجتمعة.
وفي مثل هذه الحالات لا تحتاج موجات الاحتجاج الكبرى دائماً إلى قيادة مركزية منذ البداية، إذ تظهر التجارب العراقية السابقة أن حدثاً محلياً قد يصبح نقطة تحول إذا وقع في بيئة مشحونة أصلاً، سواء كان ذلك نتيجة أزمة خدمات حادة أو قضية فساد كبيرة أو صدام بين متظاهرين وقوات الأمن، وعندها يمكن أن ينتقل الاحتجاج من مطلب محدد إلى مساحة سياسية أوسع، لكن حدوث مثل هذا السيناريو يبقى احتمالاً وليس مساراً حتمياً، لأن قدرة الحكومة على الاستجابة السريعة وفتح قنوات التفاوض وتقديم نتائج ملموسة يمكن أن تمنع تحول الأزمات المحلية إلى موجة وطنية.
وهناك في المقابل سيناريو آخر لا يقل واقعية، يتمثل في استمرار التظاهرات بصورة متقطعة داخل محافظات الجنوب من دون أن تتوحد في حركة سياسية كبيرة، ففي العراق كثيراً ما ارتبطت الاحتجاجات بقضايا محلية محددة ثم انتهت بعد استجابة جزئية أو تغير الظروف الموسمية أو بدء مفاوضات بين الحكومة والمتظاهرين، كما أن اختلاف أولويات المحافظات والقوى الاجتماعية يجعل تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة وطنية مهمة معقدة لا يمكن افتراض حدوثها لمجرد وجود غضب شعبي.
أما السيناريو الأفضل بالنسبة إلى الحكومة فيقوم على تحقيق تقدم متدرج في الملفات الثلاثة قبل أن تتراكم آثارها السياسية، فلا يشترط أن تنجح في تفكيك جميع الجماعات المسلحة خلال أسابيع أو أن تنهي الفساد المتجذر خلال أشهر، لكن وجود مؤشرات قابلة للقياس على أن قواعد اللعبة بدأت تتغير قد يمنحها مساحة أكبر أمام الشارع، إذ يستطيع المواطن التمييز بين مشكلة لم تُحل بعد وحكومة لا تبدو قادرة على حلها، وهذه المسافة بين الحالتين قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الغضب سيبقى تحت السيطرة أم يتحول إلى أزمة ثقة أوسع.
وفي هذا السياق قد لا يكون نجاح الحكومة في ملف واحد كافياً إذا بقيت الملفات الأخرى بلا معالجة، فالتقدم في حصر السلاح لن يعوض بالضرورة المواطن الذي يقضي ساعات طويلة من دون كهرباء، كما أن تحسين الخدمات لن يلغي أهمية شعور الناس بوجود فساد أو سلاح خارج المؤسسات، ولهذا فإن التحدي الذي يواجه الزيدي ليس تحقيق انتصار منفرد يمكن تقديمه باعتباره نهاية للأزمة، وإنما إدارة منظومة متشابكة من المشكلات التي أصبحت في الوعي العراقي مترابطة أكثر مما تبدو في الحسابات الحكومية.
ومع اقتراب الثلاثين من أيلول، لن يكون الاختبار الحقيقي متعلقاً بعدد الأسلحة التي ستُسلّم أو أسماء المسؤولين الذين ستشملهم التحقيقات فقط، بل بالانطباع الذي سيتشكل لدى المجتمع بشأن ما إذا كانت الدولة تتحرك بالفعل نحو نموذج أكثر قدرة على فرض القانون وتقديم الخدمات، أو أن الملفات التي رُفعت باعتبارها أولويات ستعود مرة أخرى إلى دائرة الوعود المؤجلة، وفي بلد راكم خبرة طويلة مع الاحتجاجات يصبح هذا الانطباع جزءاً مهماً من الاستقرار السياسي نفسه.
لهذا فإن الحديث عن «تشرين ثانية» في الوقت الحالي يبقى سابقاً لأوانه، لأن الظروف التي صنعت احتجاجات 2019 كانت أكثر تعقيداً من أن يعاد إنتاجها بمجرد استمرار أزمة الخدمات أو تعثر ملف سياسي واحد، إلا أن تجربة السنوات الماضية تشير أيضاً إلى أن الحركات الاحتجاجية الكبرى في العراق لم تبدأ عندما اتخذت المعارضة قراراً مركزياً بالخروج إلى الشارع، بل عندما تراكم شعور واسع بأن القنوات المعتادة لم تعد قادرة على إنتاج تغيير ملموس، ولذلك فإن السؤال الذي سيواجه حكومة الزيدي بعد الثلاثين من أيلول لن يكون فقط ما إذا كانت قد نجحت في تنفيذ تعهداتها، وإنما ما إذا كانت قد استطاعت إقناع العراقيين، وخصوصاً في الجنوب، بأن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على معالجة الأزمات قبل أن تتحول المطالب الخدمية من جديد إلى سؤال أكبر يتعلق بالدولة نفسها.