انفتاح بغداد على واشنطن.. من مكافحة الفساد إلى دبلوماسية الاستثمار
شبكة النبأ
2026-07-14 02:49
لم تعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات العراقية ـ الأميركية، بل تبدو أقرب إلى اختبار سياسي واقتصادي مركب لقدرة بغداد على تحويل خطاب مكافحة الفساد إلى رافعة لجذب الاستثمار، وإعادة بناء الثقة بالدولة، وفتح مسار جديد للعلاقة مع الولايات المتحدة يتجاوز الملف الأمني إلى ملفات الطاقة، والاقتصاد، والتمويل، والبنية التحتية، وتنويع منافذ التصدير.
وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من توقيتها؛ فهي تأتي في لحظة إقليمية مضطربة، وسط تصاعد التوتر الأميركي-الإيراني، وتزايد المخاوف من هشاشة ممرات الطاقة، وسعي العراق إلى تحقيق توازن دقيق بين علاقته بواشنطن وعلاقته بطهران. كما تأتي بعد حملة حكومية لمكافحة الفساد، تحاول بغداد من خلالها تقديم نفسها بوصفها دولة قادرة على ضبط مؤسساتها، وحماية الاستثمار، والانتقال من اقتصاد الريع والمحاصصة إلى اقتصاد الشراكات المنتجة.
بحسب رويترز، تتجه الزيارة إلى تعميق العلاقات الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن، مع توقع توقيع مذكرات تفاهم في قطاعي النفط والغاز، واستقطاب شركات أميركية للمساعدة في زيادة الإنتاج وتطوير مسارات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز. وهذا يجعل الطاقة مدخلًا رئيسيًا لفهم الزيارة، لكنه لا يختصر دلالتها؛ فجوهر الاختبار يكمن في قدرة العراق على تحويل الاتفاقات إلى إصلاحات قابلة للتنفيذ، لا إلى بيانات سياسية مؤقتة.
أولًا: خلاصة تقديرية
يمثل الانفتاح العراقي على واشنطن فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين من علاقة مثقلة بالأمن والقوات والفصائل إلى علاقة تقوم على الاستثمار والطاقة والإصلاح المالي. غير أن هذه الفرصة مشروطة بقدرة بغداد على إقناع المستثمرين الأميركيين بأن مكافحة الفساد ليست حملة سياسية عابرة، بل بداية لمسار مؤسسي يتناول العقود، والقضاء، والمصارف، والجمارك، والمنافذ، وحماية الشركات.
التقدير الأرجح أن تحقق الزيارة نتائج أولية في صورة مذكرات تفاهم واتفاقات قطاعية، خاصة في النفط والغاز والطاقة، لكن تحويلها إلى إصلاح اقتصادي مستدام سيبقى مرهونًا بما يحدث بعد الزيارة لا خلالها. فالأسواق لا تبني ثقتها على المجاملات الدبلوماسية، بل على استقرار القوانين، ونزاهة التعاقدات، ووضوح آليات التحويل المالي، وقدرة الدولة على حماية الشركات من الابتزاز السياسي والإداري.
وبذلك، يمكن القول إن الزيارة ليست نهاية مسار الإصلاح، بل بدايته الأصعب. فإذا استطاعت بغداد ربط مكافحة الفساد بإصلاح بيئة الأعمال، فقد تتحول العلاقة مع واشنطن إلى رافعة استراتيجية. أما إذا بقيت مكافحة الفساد في حدود الإعلان السياسي، فإن الاتفاقات ستبقى محدودة الأثر، وقد تتحول إلى فرصة دعائية أكثر منها تحولًا اقتصاديًا.
ثانيًا: السياق العام للزيارة
تتحرك بغداد اليوم في بيئة داخلية وخارجية معقدة. داخليًا، تواجه الدولة العراقية إرثًا طويلًا من الفساد، وضعف الثقة بالمؤسسات، وتعدد مراكز القرار، وهيمنة الاقتصاد الريعي، وتراجع قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو. وخارجيًا، تجد نفسها بين ضغوط أميركية متزايدة لضبط النظام المالي والحد من نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران، وبين حاجة عراقية مستمرة للحفاظ على علاقات مستقرة مع طهران بحكم الجغرافيا والاقتصاد والأمن.
وقد أشارت وول ستريت جورنال إلى أن العراق وافق على تشديد الضوابط لمنع وصول الدولار الأميركي إلى إيران والفصائل المرتبطة بها، مقابل استئناف شحنات نقدية كانت واشنطن قد علّقتها. كما أوضح التقرير أن الاعتماد العراقي على الدولار يعود إلى ترتيبات ما بعد عام 2003، حيث تُودع عائدات النفط العراقية في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك، ثم تُعاد إلى العراق لتلبية حاجات اقتصاد نقدي واسع.
هذه الخلفية تجعل الزيارة أعمق من مجرد تفاهمات اقتصادية. فهي تمس صميم السيادة المالية العراقية، وحدود النفوذ الأميركي، وقدرة بغداد على ضبط اقتصاد الظل، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق والقوى المسلحة والقطاع المصرفي. ولذلك فإن أي حديث عن الاستثمار الأميركي في العراق سيبقى ناقصًا ما لم يُربط بإصلاح النظام المالي ومكافحة تهريب الدولار وتقوية القنوات المصرفية الرسمية.
ثالثًا: من مكافحة الفساد إلى بناء الثقة
أحد أهم تحديات الحكومة العراقية يتمثل في الانتقال من مكافحة الفساد بوصفها خطابًا سياسيًا إلى مكافحته بوصفها شرطًا اقتصاديًا. فالمستثمر الأجنبي لا يتأثر فقط ببيانات النزاهة، بل يسأل عن شفافية العقود، واستقلال القضاء، وسرعة حسم النزاعات، ووضوح الضرائب والجمارك، واستقرار القرارات الحكومية، وقدرة الدولة على حماية المشاريع من التدخلات الحزبية والفصائلية.
وتؤكد تقارير الاستثمار الأميركية أن الشركات الأميركية ترى في البيئة العراقية الغامضة والفساد عائقًا كبيرًا أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصًا في العقود الحكومية والمشتريات العامة. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الرغبة الاستثمارية فقط، بل في ضعف الثقة بقواعد العمل داخل السوق العراقية.
كما أن العراق، رغم تحسن نسبي في مؤشر مدركات الفساد، لا يزال يسجل 28 من 100 ويأتي في مرتبة متأخرة عالميًا، ما يؤكد أن الفساد ليس مشكلة انطباعية، بل عامل بنيوي مؤثر في صورة الدولة وقدرتها على جذب الاستثمار.
وعليه، فإن نجاح دبلوماسية الاستثمار يبدأ من الداخل. فإذا لم يشعر المستثمر بأن هناك تغيرًا فعليًا في آليات التعاقد والدفع وحماية الحقوق، فإن الاتفاقات السياسية لن تكفي. فالاستثمار لا يهرب من الفقر أو الحاجة إلى البنية التحتية، بل يهرب من الغموض والابتزاز وعدم اليقين.
رابعًا: واشنطن بين الشريك الأمني والشريك الاقتصادي
لطالما ارتبطت العلاقة العراقية ـ الأميركية بعد عام 2003 بالملف الأمني، سواء عبر الحرب على الإرهاب، أو التدريب العسكري، أو الوجود الأميركي، أو العلاقة المعقدة مع الفصائل المسلحة. غير أن الزيارة الحالية تطرح احتمال انتقال العلاقة إلى مستوى مختلف، يقوم على الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتمويل.
هذا التحول يخدم الطرفين. فبغداد تريد من واشنطن شركات وتقنية وتمويلًا ودعمًا سياسيًا يعزز صورة العراق في الأسواق الدولية. أما واشنطن فتريد عراقًا أكثر قدرة على تقليل نفوذ إيران، وضبط التحويلات المالية، وتأمين مصالح الشركات الأميركية، والحفاظ على توازن إقليمي لا يسمح بتحول العراق إلى مساحة نفوذ كاملة لطهران.
لكن هذا التحول لن يكون سهلًا. فواشنطن لن تنظر إلى العراق بوصفه سوقًا واعدة فقط، بل بوصفه بيئة عالية المخاطر. وبغداد لن تستطيع الانفتاح الكامل على واشنطن من دون حساب ردود فعل داخلية وإقليمية. لذلك فإن دبلوماسية الاستثمار العراقية تحتاج إلى مهارة توازن لا تقل أهمية عن توقيع الاتفاقات ذاتها.
خامسًا: الطاقة بوصفها مختبرًا للشراكة
يبدو قطاع الطاقة هو المدخل العملي الأوضح للتعاون العراقي ـ الأميركي. فالعراق يحتاج إلى تطوير إنتاج النفط والغاز، وتقليل حرق الغاز المصاحب، وتحسين إنتاج الكهرباء، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع منافذ التصدير. والولايات المتحدة تمتلك شركات قادرة على الدخول في هذه القطاعات إذا توافرت الضمانات السياسية والمالية والقانونية.
وتتزامن الزيارة مع إعلان رئيس الوزراء العراقي أن بلاده لا تنوي مغادرة أوبك، لكنها تطالب بحصة إنتاج أكثر عدالة، باعتبار العراق ثاني أكبر منتج في المنظمة بعد السعودية ومن الدول المؤسسة لها. وهذا الموقف يكشف رغبة بغداد في توسيع هامشها الإنتاجي دون كسر التزاماتها داخل أوبك، وهو توازن اقتصادي وسياسي بالغ الحساسية.
كما أن ملف منافذ التصدير أصبح أكثر أهمية في ظل اضطرابات الخليج والتوترات حول مضيق هرمز. وفي هذا السياق تبرز أهمية تمديد اتفاق خط أنابيب العراق-تركيا، الذي يسمح بتدفق النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ويمنح بغداد منفذًا بديلًا يقلل الضغط على المسارات الجنوبية. وقد ذكرت رويترز أن العراق وتركيا يستعدان لتمديد اتفاق خط الأنابيب لمدة 12 شهرًا، بعد سنوات من التعطيل والنزاعات القانونية.
لذلك فإن الطاقة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل أداة لإعادة تموضع العراق. فمن يملك منافذ تصدير متعددة، وقدرة إنتاج مستقرة، وشراكات دولية فعالة، يمتلك هامشًا أوسع في السياسة الخارجية. أما من يبقى أسير منفذ واحد ومسارات قابلة للتعطيل، فيظل رهينة للأزمات الجيوسياسية.
سادسًا: الإصلاح المالي بوصفه شرطًا للاستثمار
لا يمكن فصل الاستثمار عن النظام المالي. فالشركات الكبرى تحتاج إلى مصارف موثوقة، وآليات دفع واضحة، ونظام امتثال قادر على التعامل مع العقوبات، وتحويلات لا تثير مخاطر قانونية أو سياسية. وفي العراق، لا تزال هذه العناصر جزءًا من التحدي الأكبر.
إن إصلاح القطاع المصرفي، وضبط التحويلات، وتقليل الاقتصاد النقدي، وإعادة تنظيم مزاد العملة، كلها قضايا تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة سياسية بامتياز. فهي تمس شبكات مصالح واسعة، وبعضها متداخل مع قوى نافذة في الاقتصاد والسياسة والأمن. ولهذا فإن واشنطن ستتعامل مع ملف الاستثمار في العراق من زاوية مزدوجة: هل توجد فرص ربح؟ وهل توجد مخاطر امتثال وعقوبات وتدفقات مالية غير منضبطة؟
وقد سبق للبنك الدولي أن أشار إلى أن ضعف القدرات الإدارية، والفساد الواسع، وضعف إدارة الاستثمار العام، والقيود في القطاع المالي والمصرفي، كلها عوامل تحد من قدرة العراق على تنمية القطاع الخاص وخلق الوظائف وتنويع الاقتصاد.
من هنا، فإن دبلوماسية الاستثمار لا تبدأ من واشنطن وحدها، بل من البنك المركزي، والمصارف، وهيئات النزاهة، والقضاء التجاري، والمنافذ الحدودية، ووزارات النفط والكهرباء والتخطيط والمالية. فكل مؤسسة من هذه المؤسسات إما أن تكون جسرًا للاستثمار أو عائقًا أمامه.
سابعًا: معادلة التوازن بين واشنطن وطهران
يبقى العامل الإيراني حاضرًا بقوة في أي تقدير موقف حول العلاقة العراقية ـ الأميركية. فالعراق لا يستطيع تجاهل إيران بحكم الجوار، والتجارة، والطاقة، والنفوذ السياسي، وتشابك ملفات الأمن. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع إدارة اقتصاده واستثماراته ونظامه المالي بمعزل عن الولايات المتحدة، خصوصًا أن عائداته النفطية مرتبطة بالدولار وبالنظام المالي الأميركي.
هنا تكمن معضلة بغداد: كيف تنفتح على واشنطن دون أن تبدو منخرطة في سياسة احتواء إيران؟ وكيف تطمئن واشنطن دون أن تدخل في صدام داخلي مع قوى قريبة من طهران؟ وكيف تحول علاقتها بالولايات المتحدة إلى رافعة اقتصادية دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين الطرفين؟
الجواب لا يكون عبر الانحياز الكامل، بل عبر بناء مصلحة عراقية واضحة. فكلما استطاعت بغداد أن تقدم الانفتاح على واشنطن باعتباره جزءًا من مشروع وطني للإصلاح والطاقة والاستثمار، لا جزءًا من اصطفاف إقليمي، زادت قدرتها على تخفيف ردود الفعل. أما إذا بدا الانفتاح وكأنه انقلاب في التوازنات، فقد يصبح الاستثمار نفسه ملف صراع داخلي.
ثامنًا: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: تحول استثماري ناجح
في هذا السيناريو، لا تكتفي بغداد بتوقيع مذكرات تفاهم، بل تحولها إلى عقود تنفيذية واضحة، وتعلن إصلاحات عملية في المصارف والعقود والضرائب والجمارك وحماية الشركات. تدخل شركات أميركية كبرى في مشاريع الطاقة والغاز والكهرباء، ويتحسن موقع العراق في نظر المستثمرين والمؤسسات الدولية.
هذا السيناريو هو الأفضل للعراق، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة وقدرة تنفيذية عالية، كما يحتاج إلى تحييد شبكات الفساد التي قد ترى في الشفافية تهديدًا لمصالحها.
السيناريو الثاني: نجاح محدود واتفاقات بطيئة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب. تُوقع مذكرات تفاهم، وتُعلن مشاريع، وتتحسن صورة الحكومة نسبيًا، لكن التنفيذ يبقى بطيئًا بسبب البيروقراطية، وتعدد مراكز القرار، وتردد الشركات أمام المخاطر السياسية والقانونية.
في هذا السيناريو، تحقق الحكومة مكسبًا دبلوماسيًا وإعلاميًا، لكنها لا تحقق تحولًا اقتصاديًا عميقًا. وتبقى مكافحة الفساد عنصرًا مساعدًا في الخطاب لا إصلاحًا بنيويًا في السوق.
السيناريو الثالث: تعطيل داخلي
قد تواجه الاتفاقات اعتراضات سياسية أو فصائلية أو بيروقراطية، خصوصًا إذا فُسرت بوصفها تعزيزًا للنفوذ الأميركي. وقد تظهر حملات تشكيك ضد الشركات أو العقود، أو تتعرض المشاريع لعراقيل قانونية وإدارية، أو تدخل في مساومات داخلية.
هذا السيناريو سيضعف ثقة الشركات، ويجعل واشنطن أكثر حذرًا، ويؤكد الصورة السلبية عن العراق بوصفه سوقًا كبيرًا لكن شديد التعقيد.
السيناريو الرابع: ارتداد استراتيجي
في حال تصاعد التوتر الأميركي-الإيراني، أو فشلت بغداد في ضبط الدولار والفصائل، قد تتحول العلاقة مع واشنطن من فرصة استثمارية إلى ملف ضغط وعقوبات. عندها لن تكون المشكلة في غياب الاتفاقات، بل في بيئة سياسية تمنع تنفيذها.
هذا السيناريو هو الأخطر، لأنه قد يربط الاستثمار بالعقوبات، ويجعل الشركات الأميركية أكثر عزوفًا، ويدفع بغداد إلى العودة لمنطق إدارة الأزمات بدل بناء الشراكات.
تاسعًا: مؤشرات المتابعة خلال الأشهر المقبلة
يمكن قياس نجاح الزيارة من خلال مجموعة مؤشرات عملية، لا من خلال التصريحات فقط. أبرزها: هل ستتحول مذكرات التفاهم إلى عقود تنفيذية؟ هل ستُعلن أسماء شركات أميركية كبرى تدخل السوق العراقية؟ هل ستظهر ضمانات قانونية أو مالية لحماية المستثمرين؟ هل سيُسجل تقدم في ضبط التحويلات والدولار؟ هل ستتحرك مشاريع الغاز والكهرباء فعليًا؟ هل ستتراجع شكاوى الشركات من الفساد والابتزاز؟ هل سيتحسن أداء المنافذ والجمارك؟ وهل ستقبل القوى السياسية والفصائلية بهذا الانفتاح أم ستعمل على تعطيله؟
هذه المؤشرات ستكون أكثر أهمية من عناوين الزيارة نفسها. فالعراق لا يحتاج إلى اتفاقات جديدة بقدر ما يحتاج إلى قدرة جديدة على التنفيذ. والتاريخ القريب يبيّن أن كثيرًا من المشاريع العراقية الكبرى تعثرت لا بسبب غياب التمويل فقط، بل بسبب غياب الإدارة الموحدة والشفافية والقرار السياسي المستقر.
عاشرًا: التقدير النهائي
تفتح زيارة واشنطن نافذة مهمة أمام العراق، لكنها نافذة مشروطة. فالولايات المتحدة قادرة على منح بغداد غطاءً سياسيًا واستثماريًا وتقنيًا، لكنها لن تستطيع إصلاح البيئة العراقية بدلًا من العراقيين. والشركات الأميركية قد تكون راغبة في فرص الطاقة والسوق العراقية، لكنها لن تدخل بقوة إذا بقيت المخاطر أعلى من العوائد.
وعليه، فإن المعركة الحقيقية ليست في إقناع واشنطن بالعراق، بل في إقناع العراق نفسه بضرورة الإصلاح. فكل اتفاق مع الخارج يحتاج إلى مؤسسة في الداخل. وكل مشروع استثماري يحتاج إلى قضاء يحميه، ومصرف يموله، وإدارة تسهله، وأمن يحرسه، وقرار سياسي لا يبتزه.
إن مكافحة الفساد يمكن أن تكون مدخلًا لدبلوماسية استثمار ناجحة إذا خرجت من نطاق الشعارات والحملات إلى نطاق بناء الثقة المؤسسية. أما إذا بقيت أداة سياسية أو إعلامية، فإنها لن تمنع المستثمرين من التردد، ولن تحول الانفتاح على واشنطن إلى إصلاح مستدام.
خلاصة هذا التقدير أن زيارة بغداد إلى واشنطن قد تكون بداية انتقال مهم في العلاقة بين البلدين، من أولوية الأمن إلى أولوية الاقتصاد. لكن نجاح هذا الانتقال لن يتحدد بما يُوقّع في واشنطن، بل بما يُنفذ في بغداد. فالاختبار الحقيقي ليس أن تفتح واشنطن أبوابها أمام العراق، بل أن يفتح العراق مؤسساته أمام الإصلاح.