لماذا لا يستطيع المال شراء ما تصنعه الخدمة الحسينية؟

شبكة النبأ

2026-08-03 05:17

كان الطفل يحدق في القدر الكبير وهو يغلي منذ ساعات. لم يكن يعرف اسم الطبق، ولم يسأل من أين جاءت مكوناته، لكنه كان يراقب الرجل السبعيني الذي يقف أمام النار منذ الفجر، يقلب الطعام بيد، ويمسح عرقه باليد الأخرى، ثم يبتسم لكل من يمر وكأنه يستقبل ضيفاً في بيته. اقترب الطفل وسأل بعفوية: "هل هذا مطعم؟" ابتسم الرجل، وربت على كتفه قائلاً: "لو كان مطعماً لسألتك أولاً: ماذا ستدفع؟ أما هنا فلا نسأل الناس إلا: هل تناولت طعامك؟"

في تلك اللحظة لم يكن المشهد مجرد وجبة مجانية. كان الإنسان يرى أمامه منظومة كاملة تتحرك بصمت؛ آلاف الأيدي تعمل بلا أجور، وآلاف القلوب تتسابق لتقديم الأفضل لأناس قد لا تعرف أسماءهم، ولن تراهم مرة أخرى. كان هناك شيء يتجاوز الطعام والماء والخدمة. شيء لا يمكن قياسه بالأرقام، ولا يدخل في ميزانيات الشركات، ولا تلتقطه تقارير الاقتصاد.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا يعجز المال، رغم قوته الهائلة، عن شراء ما تصنعه الخدمة الحسينية؟ لأن المال قادر على شراء المنتج، لكنه لا يستطيع شراء النية التي صنعته. يستطيع أن يستأجر عاملاً ليؤدي مهمة محددة، لكنه لا يستطيع أن يزرع في قلبه شعوراً يدفعه للعمل ساعات طويلة وهو يرى أن كل دقيقة يقضيها خدمة للناس هي مكسب أخلاقي قبل أن تكون جهداً بدنياً. يستطيع أن يحدد ساعات الدوام، لكنه لا يستطيع أن يحدد مقدار الإخلاص.

في الاقتصاد الحديث، لكل سلعة سعر، ولكل خدمة كلفة، ولكل ساعة عمل مقابل مالي. أما في الخدمة الحسينية، فإن المعادلة تنقلب رأساً على عقب. هنا يصبح البذل هو المكسب، والتعب هو الراحة، والعطاء هو الثروة الحقيقية. إنها منظومة لا تعمل بمنطق المقايضة، بل بمنطق المعنى. ولذلك تبدو عصية على التفسير إذا نُظر إليها بأدوات السوق وحدها.

ولهذا أخطأ كثيرون حين حاولوا تفسير ملايين الوجبات وآلاف المواكب وآلاف المتطوعين بالأموال وحدها. صحيح أن المال حاضر، لكنه ليس المحرك الأساسي. فالمال يشبه الوقود الذي يملأ خزان السيارة، لكنه لا يحدد وجهتها. أما الذي يحدد الاتجاه فهو الإيمان بالفكرة، والإحساس بالمسؤولية، والرغبة في خدمة الآخر دون انتظار مقابل.

ولو افترضنا أن مؤسسة اقتصادية كبرى أرادت أن تعيد إنتاج الخدمة الحسينية بالكامل، فإنها ستحتاج إلى ميزانيات هائلة لتوظيف هذا العدد من العاملين، وتأمين الطعام والنقل والتنظيف والإدارة والحراسة والضيافة على مدار أيام متواصلة. ومع ذلك، ستبقى عاجزة عن إنتاج العنصر الأكثر أهمية: الروح التي تجعل المتطوع يعتذر لأنه لم يقدم خدمة أفضل، رغم أنه لم يتقاضَ أجراً أصلاً.

هذه الروح هي رأس المال الحقيقي. وهي ما يسميه علماء الاجتماع "الرأسمال الاجتماعي"، أي ذلك المخزون من الثقة والتعاون والانتماء الذي يجعل الناس يعملون معاً دون إكراه. غير أن الخدمة الحسينية تضيف بعداً آخر يتجاوز هذا المفهوم؛ فهي لا تبني الثقة بين الناس فحسب، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعطاء، فتجعله قيمة مستقلة لا وسيلة لتحقيق منفعة.

ولهذا السبب لا يشعر الزائر عادة بأنه يتلقى خدمة من شخص غريب، بل يشعر أنه بين أهله. ولا يشعر صاحب الموكب بأنه يمنّ على أحد، بل يرى نفسه صاحب الامتياز لأنه أُتيحت له فرصة الخدمة. إنها علاقة نادرة يختفي فيها الإحساس بالتفوق أو الدَّين، لتحل محلهما المودة والاحترام المتبادل. وهذه المشاعر لا تُشترى، لأنها لا تُصنع في الأسواق، بل تُبنى عبر التربية والقيم والاقتناع الداخلي.

ومن اللافت أن هذه المدرسة الأخلاقية لا تقتصر آثارها على أيام الزيارة. فالإنسان الذي يتعلم أن يعطي دون انتظار مقابل، يحمل هذا السلوك معه إلى أسرته، وعمله، وجيرانه، ومجتمعه. ولذلك فإن الخدمة الحسينية ليست حدثاً موسمياً فحسب، بل عملية مستمرة لإنتاج مواطن أكثر استعداداً للتكافل، وأكثر حساسية تجاه حاجات الآخرين، وأكثر قدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية عند الحاجة.

إن المجتمعات المعاصرة، رغم تقدمها التقني، تواجه أزمة متنامية في العلاقات الإنسانية. فكلما توسعت وسائل الاتصال، ازداد شعور كثير من الناس بالعزلة. وكلما ارتفعت الدخول، تراجعت في أحيان كثيرة مساحات التضامن التلقائي. وهنا تبرز الخدمة الحسينية بوصفها تجربة اجتماعية تقدم نموذجاً مختلفاً؛ نموذجاً يثبت أن المجتمع يستطيع أن ينظم نفسه، وأن ينتج شبكات واسعة من التعاون، وأن يحافظ على كرامة الإنسان من خلال العطاء لا من خلال التفاخر به.

وهذا لا يعني أن الخدمة الحسينية معصومة من الأخطاء أو أنها لا تحتاج إلى تطوير. فكل تجربة إنسانية قابلة للمراجعة والتحسين. إن الحفاظ على روح الخدمة يتطلب إدارة أكثر كفاءة، وتقليل الهدر، والاهتمام بالنظافة والاستدامة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تنظيم الجهود، بما يضمن أن يبقى الجوهر الأخلاقي مصحوباً بأعلى درجات الإتقان. فالقيمة السامية لا تتعارض مع الجودة، بل تزداد إشراقاً حين تقترن بها.

ويبقى الدرس الأعمق أن المال، على أهميته، يظل وسيلة لا غاية. إنه يستطيع أن يبني مطبخاً، لكنه لا يبني قلباً محباً. ويستطيع أن يشتري أدوات الضيافة، لكنه لا يشتري الابتسامة الصادقة. ويستطيع أن يمول مشروعاً، لكنه لا يستطيع أن يخلق ذلك الشعور الذي يجعل إنساناً يقف ساعات طويلة تحت حرارة الشمس وهو يردد في داخله أن شرف الخدمة أعظم من كل مكافأة.

لهذا، فإن السؤال ليس لماذا لا يستطيع المال شراء ما تصنعه الخدمة الحسينية، بل لماذا نجح هذا النموذج في تحويل القيم إلى قوة اجتماعية هائلة، بينما تعجز كثير من المؤسسات، رغم إمكاناتها الضخمة، عن صناعة القدر نفسه من الثقة والمحبة والانتماء.

ربما لأن الحضارات لا تُقاس بما تملكه من ثروة فقط، بل بما تنتجه من إنسان. والخدمة الحسينية، في جوهرها، ليست مصنعاً للطعام ولا منظومةً لتقديم الخدمات، وإنما مدرسة متجددة تُعيد تذكير الإنسان بأن أعظم ما يمكن أن يقدمه لأخيه الإنسان ليس ما يخرجه من جيبه، بل ما يخرجه من قلبه.


ذات صلة

خيبة حارس الهيكل2 آب 1990: قرار غيّر وجه المنطقةضرورة التثقيف بالطاقة المتجددة.. الشمسية مثلًازيارة الزيدي لواشنطن: بين رهانات التنمية وهواجس التبعيةالقصف السعودي الذي قلب طاولة الزيدي