فانس-روبيو.. اتفاق إيران بوصفه اختبارًا مبكرًا لمعركة وراثة ترامب
شبكة النبأ
2026-07-01 09:24
لم تعد المفاوضات الأميركية مع إيران مجرد ملف خارجي ثقيل في إدارة الرئيس دونالد ترامب، بل تحولت إلى مرآة تكشف صراعا أعمق داخل الحزب الجمهوري بين تيارين يتنافسان على تعريف “الترامبية” بعد ترامب. ففي ظاهر المشهد، يبدو نائب الرئيس جيه.دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو كمسؤولين ينفذان سياسة الرئيس، أحدهما يتقدم في مسار التهدئة والتفاوض مع طهران، والآخر يتولى طمأنة الحلفاء ورفع سقف الشروط. لكن خلف هذا التوزيع الوظيفي تتشكل معادلة سياسية أكثر حساسية: من منهما سيكون الوريث الأقدر على حمل راية ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟
لقد أظهر ملف إيران الفارق بين الرجلين بوضوح. فانس، القادم من تيار أكثر تشككا في الحروب الخارجية والتدخلات العسكرية، بدا أقرب إلى لغة إنهاء الحرب، وفتح الباب أمام تسوية تحفظ لترامب صورة الرئيس القادر على وقف النزيف وتثبيت الاستقرار. أما روبيو، المعروف بخلفيته الصقورية في السياسة الخارجية، فظهر بوصفه صوت التشدد داخل الإدارة، والمدافع عن مصالح إسرائيل والخليج، والحريص على ألا يتحول الاتفاق مع إيران إلى تنازل استراتيجي. وقد وصفت Axios هذا التباين باعتباره حضورا لشخصيتين سياسيتين على كتفي ترامب: فانس الأكثر ميلا إلى التهدئة، وروبيو الأكثر قربا من الحساسية الإسرائيلية والخليجية.
غير أن السؤال الأعمق ليس: هل يختلف فانس وروبيو حول إيران؟ بل: هل يستخدم كل منهما ملف إيران لبناء صورته الرئاسية المقبلة؟ فالاتفاق، إذا نجح، قد يمنح فانس رصيد رجل الدولة القادر على إنهاء الحرب. وإذا فشل، قد يتحول إلى عبء عليه، ويفتح الباب أمام روبيو ليقدم نفسه بوصفه الأكثر واقعية وخبرة وصلابة. ومن هنا لم يعد اتفاق إيران مجرد اختبار للدبلوماسية الأميركية، بل صار اختبارا مبكرا لمعركة 2028 داخل الحزب الجمهوري، حتى لو حرص البيت الأبيض على نفي وجود أي انقسام رسمي بين الرجلين.
من ملف خارجي إلى منصة تنافس داخلي
في البداية، بدا الخلاف بين فانس وروبيو اختلافا في النبرة. فانس تحدث عن الحاجة إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه بقي أكثر تحفظا في الدفاع عن الحرب، وأكثر ميلا إلى لغة الخيارات والتسوية. في المقابل، قدم روبيو دفاعا قويا عن الضربة الأميركية لإيران، واعتبرها خطوة ضرورية لحماية الولايات المتحدة والعالم. وقد رأت AP أن طريقة حديث كل منهما عن إيران كشفت اختلافا واضحا في المزاج السياسي، وأن هذا الاختلاف يأتي في لحظة بدأ فيها المرشحون الجمهوريون المحتملون لعام 2028 يتحركون مبكرا في ولايات مفصلية مثل نيوهامبشر.
لكن هذه الفروقات لم تبق في حدود الخطاب. فقد دخل فانس إلى صلب التفاوض مع إيران عبر مسار سويسرا، بينما تحرك روبيو في الخليج وواشنطن وملف لبنان، حاملا رسالة أكثر تشددا تجاه طهران. وبحسب التقارير كان فانس من بين الذين دفعوا باتجاه مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في 17 حزيران/يونيو، مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بهدف إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة الاقتصاد قبل الانتخابات النصفية. في المقابل، كان روبيو، إلى جانب مسؤولين أمنيين آخرين، أكثر تشككا في فرص تحوّل المذكرة إلى اتفاق نووي شامل.
هنا تبدأ الأهمية السياسية للملف. ففانس لا يدافع فقط عن اتفاق مع إيران، بل يدافع عن تصوره لمستقبل السياسة الجمهورية: تقليل الحروب الخارجية، تخفيف كلفة التدخلات، وتقديم “أميركا أولا” بصفتها سياسة ضبط قوة لا سياسة انكفاء كامل. أما روبيو فيدافع عن تصور آخر: أميركا القوية التي لا تتراجع أمام إيران، ولا تترك إسرائيل والخليج في مهب القلق، ولا تسمح بأن يفسر الخصوم التفاوض بوصفه ضعفا.
لهذا فإن إيران أصبحت مسرحا لصراع أوسع على معنى الترامبية بعد ترامب. هل هي ترامبية قومية حذرة من الحروب، كما يميل فانس إلى تصويرها؟ أم ترامبية قوة وضغط وردع، كما يفضل روبيو تقديمها؟ هذه ليست مسألة نظرية، بل معركة سياسية ستؤثر في موقع كل منهما داخل القاعدة الجمهورية، خصوصا أن التقارير تشير الى اعتبارهما من أقوى المرشحين المحتملين في انتخابات 2028.
فانس.. رجل التسوية أم كبش الفداء المحتمل؟
يمثل فانس التيار الجمهوري الذي يرى أن الحروب الخارجية الأخيرة استنزفت الولايات المتحدة ولم تمنحها مكاسب واضحة. هذه الخلفية تجعله أكثر قدرة على مخاطبة جناح واسع داخل قاعدة ترامب، خصوصا أولئك الذين دعموا الرئيس لأنه وعد بعدم الانجرار إلى حروب جديدة. لذلك، حين ظهر فانس في مسار التفاوض مع إيران، لم يكن مجرد نائب رئيس ينفذ تعليمات رئيسه، بل كان يحاول حماية موقعه الفكري والسياسي داخل الحزب.
غير أن قوة فانس في هذا الملف هي نفسها نقطة ضعفه. فإذا نجح الاتفاق مع إيران، سيبدو أنه الرجل الذي ساعد ترامب على الخروج من الحرب، وخفض كلفة التصعيد، وأعاد فتح المضيق، وقدم نموذجا جديدا للدبلوماسية الصارمة. أما إذا انهار الاتفاق، أو ظهرت إيران كأنها حصلت على مكاسب كبيرة من دون تنازلات واضحة، فقد يصبح فانس الهدف الأسهل للهجوم داخل الحزب الجمهوري. وقد نقلت Axios عن مسؤول أميركي أن نتائج مفاوضات إيران قد تكون لها انعكاسات داخلية، خاصة على ترشيح الجمهوريين لعام 2028، بل إن أحد المسؤولين قال إن روبيو لم يتصدر مفاوضات إيران لأنه ينتظر ليرى ما إذا كان فانس “سيدمر نفسه”، فيما رفض مسؤول آخر هذا التوصيف واعتبره خاطئا.
هذا التصريح، حتى مع نفيه، يكشف حساسية اللحظة. فملف إيران يمكن أن يتحول إلى فخ سياسي لفانس. إن تقدم في التسوية، اتُّهم بالتساهل. وإن تشدد، فقد هويته السياسية المناهضة للتدخلات. وإن التزم الصمت، بدا ضعيفا أو مترددا. وإن دافع بقوة عن الاتفاق، تحمل وحده كلفة أي فشل محتمل.
ويزيد من تعقيد موقفه أن ترامب نفسه لا يريد أن يحسم مبكرا مسألة خلافته. فالرئيس يستفيد من تنافس فانس وروبيو، ويُبقي كليهما في موقع الحاجة إلى رضاه. وقد قالت رويترز إن ترامب تحدث عن احتمال جمع فانس وروبيو في بطاقة رئاسية واحدة لعام 2028، معتبرا أن هذا الثنائي سيكون “صعب الهزيمة”، لكنه في الوقت نفسه واصل تغذية التكهنات حول الخلافة، بينما لم يعلن أي منهما ترشحه رسميا.
بذلك يجد فانس نفسه في موقع مزدوج: هو الأقرب دستوريا إلى خلافة ترامب لأنه نائب الرئيس، لكنه أيضا الأكثر عرضة لاختبار الولاء. فكلما حاول التميز بسياسة أكثر تحفظا تجاه الحرب، ظهرت إمكانية اتهامه بأنه أقل انسجاما مع قرارات ترامب. وكلما التصق بالرئيس، خسر جزءا من صورته كصوت مختلف داخل اليمين الجمهوري.
روبيو.. صقورية محسوبة وانتظار لحظة الضعف
على الجهة المقابلة، يتحرك روبيو بصورة مختلفة. فهو لا يحتاج إلى إثبات خبرته في السياسة الخارجية؛ فقد بنى جزءا كبيرا من مسيرته السياسية على مواقف متشددة تجاه إيران وكوبا وروسيا. لذلك، يظهر في ملف إيران كصوت “الدولة الصلبة” داخل إدارة ترامب: يطمئن الخليج، يخاطب إسرائيل، يشرح للكونغرس، ويحذر إيران من أن الاتفاق لن يكون بلا شروط.
وقد ركزت الوكالات على تصريحات روبيو التي قال فيها إن واشنطن تريد اتفاقا مع إيران، لكن “ليس بأي ثمن”، وإن أي اتفاق يجب أن يكون حقيقيا وقابلا للتحقق ولا يقوض أمن الولايات المتحدة أو أمن حلفائها في الخليج. كما شدد روبيو على رفض أي رسوم إيرانية في مضيق هرمز، معتبرا أن قبول هذا المبدأ سيفتح الباب أمام فوضى عالمية في الممرات البحرية.
هذه اللغة تخدم روبيو سياسيا على مستويين. أولا، تميزه عن فانس من دون أن يهاجمه مباشرة؛ فهو لا يقول إن فانس مخطئ، لكنه يظهر نفسه أكثر صرامة وأكثر إدراكا لهواجس الحلفاء. ثانيا، تمنحه موقعا آمنا إذا فشل الاتفاق: يستطيع أن يقول إنه كان مع السلام، ولكن ليس مع اتفاق ضعيف أو غير قابل للتحقق.
ومع ذلك، لا يستطيع روبيو أن يذهب بعيدا في معارضة فانس، لأن الخصومة العلنية داخل إدارة ترامب قد تضر به أيضا. لذلك يعتمد استراتيجية دقيقة: الولاء الكامل للرئيس، والتمايز الهادئ داخل السياسة. وقد نقل عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية نفيهما وجود أي انقسام بين فانس وروبيو، مع التأكيد أن هناك “معسكرا واحدا” هو معسكر ترامب. لكن التقرير نفسه أشار إلى أن محللين يرون أن الرجلين يمثلان تيارين مختلفين داخل الحزب الجمهوري: تيار التدخل الخارجي والمحافظين الجدد، وتيار أكثر تشككا في الحروب الخارجية الحديثة.
هكذا يتحرك روبيو كمرشح محتمل لا يريد أن يبدو متمردا على نائب الرئيس، لكنه ينتظر لحظة مناسبة يمكن أن تظهر فيها محدودية فانس. فإذا نجح فانس في الاتفاق، قد يتحول روبيو إلى شريك في إنجاز ترامب. وإذا تعثر فانس، سيكون روبيو جاهزا ليعرض نفسه بديلا أكثر خبرة وصرامة.
ازدواجية أدوار أم صراع مواقع؟
من الناحية الرسمية، تقدم إدارة ترامب التباين بين فانس وروبيو بوصفه توزيع أدوار لا خلافا. فالرئيس يستخدم فانس لفتح قنوات التسوية، وروبيو لتأمين الحلفاء وطمأنة الداخل. وقد شبّهت Axios الرجلين بأدوات مختلفة في “سكين سويسري” بيد ترامب، بحيث يستخدم كل أداة في موضعها المناسب.
لكن هذه الصورة لا تلغي أن توزيع الأدوار نفسه يصنع تنافسا. فالمسؤول الذي يفاوض إيران يظهر أمام الجمهور كرجل سلام. والمسؤول الذي يطمئن إسرائيل والخليج يظهر كرجل قوة وضمانات. وإذا كان كلاهما يتحرك باسم ترامب، فإن كل واحد منهما يبني في الوقت نفسه رصيده الخاص أمام قاعدة جمهورية بدأت تفكر في اليوم التالي لترامب.
المسألة إذن ليست صراعا شخصيا معلنا، بل صراع موقع داخل معادلة الخلافة. فانس يريد أن يقول للقاعدة الجمهورية: أنا من يحمي وعد ترامب بعدم إغراق أميركا في حروب جديدة. وروبيو يريد أن يقول للقاعدة نفسها: أنا من يحمي قوة أميركا وردعها وحلفاءها من دون التفريط بالمصالح. كلاهما يتحدث باسم ترامب، لكن كلاهما يقدم نسخة مختلفة من ترامب نفسه.
وهذا ما يجعل عنوان “صراع مواقف أم ازدواجية أدوار؟” مناسبا. فالصورة تحتوي العنصرين معا. هناك ازدواجية أدوار محسوبة داخل الإدارة، لكنها تقوم فوق صراع مواقف حقيقي داخل الحزب. فانس ليس نسخة من روبيو، وروبيو ليس مجرد نسخة أكثر حدة من فانس. إنهما يعبران عن اتجاهين مختلفين في فهم السياسة الخارجية الأميركية: اتجاه يرى أن القوة يجب أن تُستخدم بحذر شديد، واتجاه يرى أن الردع لا يكتمل إلا بالضغط الدائم والتهديد الموثوق.
إيران كاختبار للقاعدة الجمهورية
أهمية ملف إيران أنه لا يمتحن فانس وروبيو أمام النخب فقط، بل أمام القاعدة الجمهورية نفسها. فهذه القاعدة ليست كتلة واحدة. فيها من يؤيد القوة العسكرية ضد إيران بلا تردد، وفيها من يرى أن الحروب الخارجية استنزفت أميركا وأضعفتها، وفيها من يريد دعما مطلقا لإسرائيل، وفيها من بدأ يتساءل عن كلفة هذا الدعم وحدوده. وقد أشارت AP إلى وجود انقسامات داخل الحزب الجمهوري بشأن العمل العسكري ضد إيران، مع أن نسبة معتبرة من الجمهوريين عدّت التحرك العسكري “مناسبا”، بينما رأت أقليات مختلفة أنه ذهب بعيدا جدا أو لم يذهب بعيدا بما يكفي.
هذا الانقسام هو البيئة التي يتحرك فيها فانس وروبيو. فانس يخاطب الجمهوريين المتشككين في التدخلات، وروبيو يخاطب الجمهوريين الصقور والحلفاء التقليديين لإسرائيل والخليج. ومع اقتراب سباق 2028، سيكون السؤال: أي خطاب سيكافأ انتخابيا؟ هل سيكافأ خطاب إنهاء الحرب؟ أم خطاب منع إيران من استثمار الاتفاق؟
في هذا السياق، يصبح نجاح الاتفاق أو فشله عاملا حاسما. فإذا انخفضت أسعار الطاقة، واستقر هرمز، ولم تحصل إيران على سلاح نووي، فقد يتحول فانس إلى صاحب “النموذج الذكي”: تفاوض من موقع قوة. أما إذا عادت إيران إلى التصعيد، أو فرضت واقعا جديدا في هرمز، أو واصل حزب الله الاحتفاظ بقدراته، فسيصبح خطاب روبيو أكثر إقناعا: لقد حذرنا من اتفاق غير مضمون.
وهنا تكمن خطورة تحويل السياسة الخارجية إلى منصة انتخابية مبكرة. فكل قرار بشأن إيران لا يُقرأ فقط في طهران وتل أبيب والرياض، بل يقرأ أيضا في آيوا ونيوهامبشر وفلوريدا وتكساس. وكل تصريح من فانس أو روبيو يصبح رسالة مزدوجة: رسالة خارجية للحلفاء والخصوم، ورسالة داخلية للناخب الجمهوري.
لبنان وهرمز.. حيث يتداخل التفاوض بالصراع الشخصي
لم يبق الخلاف بين فانس وروبيو محصورا في الملف النووي الإيراني. فقد امتد إلى لبنان ومضيق هرمز، وهما ملفان يكشفان كيف يمكن للمسارات الدبلوماسية أن تتداخل وتتناقض. فقد تضمنت المفاوضات ثلاثة مسارات: مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في 17 حزيران/يونيو، واتفاقا لاحقا توصل إليه فانس مع إيران بشأن لبنان، ثم إطارا للسلام بين إسرائيل ولبنان أشرف عليه روبيو. المشكلة أن مسار فانس منح إيران دورا في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، بينما كان مسار روبيو يهدف إلى منع إيران من التدخل في لبنان.
هذا التداخل يعكس جوهر الصراع بين الرجلين. فانس يرى أن إدخال إيران في الترتيبات قد يكون ضروريا لضبط حزب الله وتثبيت وقف النار. روبيو يرى أن منح إيران موقعا في الملف اللبناني قد يكرس نفوذها بدلا من تقليصه. وبين الرؤيتين تقع إسرائيل ولبنان وحزب الله والخليج في حالة ارتباك حول أي مسار يمثل السياسة الأميركية الحقيقية.
أما في هرمز، فيظهر روبيو أكثر حضورا. فهو يرفض أي محاولة إيرانية لفرض رسوم على الممر، ويؤكد أن الملاحة الدولية لا يجوز أن تخضع لمنطق الجباية أو السيطرة الإقليمية. حيث تخشى دول الخليج وإسرائيل ألا تتناول المفاوضات بصورة واضحة برنامج إيران الصاروخي ودعمها للوكلاء، في حين شدد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مع روبيو على ضرورة معالجة كل أشكال التهديد الإيراني، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم الوكلاء.
بهذه الطريقة، يصبح هرمز ملف روبيو بامتياز: ملف القوة، والممرات، والتحالفات، ورفض الابتزاز. بينما يصبح لبنان ملفا يكشف تناقضات مسار فانس: كيف يمكن إشراك إيران في التهدئة من دون منحها نفوذا إضافيا؟ وكيف يمكن إنهاء الحرب من دون أن يبدو ذلك تراجعا أمام حزب الله؟
ترامب.. إدارة التنافس لا حسمه
يلعب ترامب في هذه المعادلة دور الحكم والمستفيد في الوقت نفسه. فهو لا يريد أن يظهر فانس وروبيو كخصمين داخل إدارته، لكنه لا يبدو مستعجلا لحسم مسألة الخلافة. إبقاء الرجلين في حالة تنافس يخدمه سياسيا، لأنه يمنع ظهور وريث واحد قوي قد يحوله مبكرا إلى رئيس منتهية ولايته. وقد نقلت رويترز عن ترامب قوله إن فانس وروبيو معا سيكونان فريقا “يصعب هزيمته” في 2028، لكنه لم يحسم من يكون الأعلى في البطاقة الانتخابية، كما أن الرجلين لم يعلنا ترشحهما رسميا.
هذا الغموض ليس عرضيا. ترامب يعرف أن قوة دعمه لأي مرشح تكمن في توقيت هذا الدعم. إذا أعلن مبكرا أن فانس هو الوريث، ضعف نفوذه على روبيو وبقية الطامحين. وإذا أعلن أن روبيو هو البديل، قوّض مكانة نائبه. لذلك يترك الاحتمالات مفتوحة، ويدير المنافسة كما يدير ملفات السياسة الخارجية: ضغط، غموض، رسائل متضاربة، ثم قرار في اللحظة المناسبة.
وفي هذه اللعبة، يحاول كل من فانس وروبيو ألا يخسر ترامب. فانس لا يستطيع أن يبدو مستقلا أكثر مما ينبغي، وروبيو لا يستطيع أن يبدو منافسا شرسا لنائب الرئيس. لذلك يحرص الاثنان على إعلان الولاء للرئيس، حتى وهما يقدمان قراءتين مختلفتين لإيران والشرق الأوسط.
وقد نقلت “الشرق الأوسط” عن مصادر أن فانس سيتريث إلى ما بعد الانتخابات النصفية قبل اتخاذ قرار بشأن 2028، وأنه فاز في استطلاع CPAC بنسبة 53%، بينما جاء روبيو ثانيا بـ35% بعدما كان عند 3% في العام السابق. كما أشار التقرير إلى أن روبيو قال إنه لن يترشح إذا ترشح فانس، لكن أي ضعف يظهر على فانس قد يشجع روبيو وجمهوريين آخرين على التفكير في السباق.
هذه المعطيات تجعل ملف إيران ساحة تقييم مبكرة. فالفائز الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، بل من يثبت لترامب والقاعدة الجمهورية أنه الأقدر على حمل الإرث من دون خسارة الدولة العميقة، أو القاعدة الشعبوية، أو الحلفاء، أو الاقتصاد.
ماذا لو نجح الاتفاق؟
إذا نجح الاتفاق مع إيران، سيكون فانس أكبر المستفيدين سياسيا. فهو سيقدم نفسه باعتباره الرجل الذي ساعد على إنهاء حرب كبرى، وأثبت أن الترامبية لا تعني الحروب الدائمة، بل استخدام القوة للوصول إلى تفاوض أفضل. وهذا النجاح سيعزز صورته أمام جناح “أميركا أولا” الذي يريد تقليل التدخلات الخارجية.
لكن روبيو لن يكون خاسرا بالضرورة. فنجاح الاتفاق، إذا تضمن ضمانات واضحة للحلفاء، سيتيح له أن يقول إن تشدده هو الذي جعل الاتفاق قابلا للتحقق. بمعنى آخر، سيحاول روبيو أن يشارك في المكسب لا أن يتركه لفانس وحده. لذلك يحرص على عدم تقويض الاتفاق، بل شارك في إحاطة أعضاء الكونغرس للدفاع عنه أمام المشرعين المتشككين.
في هذا السيناريو، قد يعود ترامب إلى فكرة البطاقة المشتركة: فانس وروبيو معا. فالأول يمنح التذكرة امتدادا شعبويا وقوميا، والثاني يمنحها خبرة خارجية وطمأنة للمؤسسة والحلفاء. لذلك وصف ترامب جمعهما بأنه سيكون صعب الهزيمة.
لكن حتى في حالة النجاح، سيبقى السؤال: من يكون الرئيس ومن يكون النائب؟ هذه النقطة هي جوهر التنافس المؤجل. فانس يملك موقع نائب الرئيس، وروبيو يملك خبرة السياسة الخارجية وشبكات المانحين والعلاقات المؤسسية. والاتفاق مع إيران قد يكون العامل الذي يرجح أحدهما.
ماذا لو فشل الاتفاق؟
أما إذا فشل الاتفاق، فستتغير المعادلة بسرعة. فانس سيكون في مرمى الاتهام، لأنه ارتبط بمسار التسوية، ولأن خصومه قد يقولون إنه قرأ إيران بقدر زائد من التفاؤل. وقد يتهمه الصقور بأنه منح طهران وقتا ومساحة لإعادة التموضع. وربما يصبح فشله في إيران مماثلا، في المخيال الانتخابي الجمهوري، لفشل سابق في السياسة الخارجية يلاحق صاحبه لسنوات.
في هذه الحالة، سيكون روبيو في موقع أفضل نسبيا. سيستطيع أن يقول إنه كان مع اتفاق جيد، لا مع اتفاق بأي ثمن. وسيستند إلى تصريحاته في الخليج ورفضه رسوم هرمز وتأكيده على أمن الحلفاء ليظهر بوصفه صاحب التحذير المبكر. وقد يصبح المرشح المفضل لدى الصقور، وبعض المانحين، وجزء من القاعدة المؤيدة لإسرائيل، والناخبين الذين يريدون رئيسا جمهوريا أكثر حزما.
لكن فشل الاتفاق لن يكون مكسبا صافيا لروبيو. لأنه أيضا جزء من الإدارة، ووزير خارجيتها، ولا يستطيع التنصل كليا من سياسة ترامب. ولهذا فإن أفضل وضع لروبيو ليس فشلا كارثيا، بل تعثرا محدودا يظهر فيه أنه كان الأكثر واقعية وحذرا. أما انهيار كامل يقود إلى حرب جديدة، فقد يضر بالجميع.
وهنا تبرز براعة ترامب في توزيع المخاطر. إذا نجح الاتفاق، سيأخذ الرئيس الحصة الأكبر من الفضل. وإذا فشل، يمكن أن تُوزع المسؤولية بين فانس وروبيو وفرق التفاوض. لذلك فإن صراع الرجلين ليس فقط على المجد، بل على تجنب أن يصبح أحدهما صاحب الخسارة الكبرى.
الخلاصة
يمكن القول إن العلاقة بين فانس وروبيو تجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة.
الأول هو مستوى الإدارة الرسمية: كلاهما يعمل تحت سلطة ترامب، ولا توجد مواجهة معلنة بينهما. البيت الأبيض ووزارة الخارجية يؤكدان أن الجميع يقفون خلف الرئيس، وأن الحديث عن انقسام داخلي مبالغ فيه.
الثاني هو مستوى السياسة الخارجية: هناك اختلاف حقيقي في الخلفية واللغة. فانس يميل إلى الحذر من الحروب الخارجية، وروبيو يميل إلى الصرامة والتدخل والردع. وهذا الاختلاف يظهر بوضوح في إيران ولبنان وهرمز.
الثالث هو مستوى الخلافة الرئاسية: كل خطوة في ملف إيران تُقرأ في ضوء 2028. فانس هو الوريث الطبيعي بحكم منصبه، لكنه معرض لاختبار الولاء والنجاح. وروبيو هو البديل المحتمل أو الشريك المحتمل، لكنه ينتظر لحظة ضعف فانس من دون أن يظهر كمن يتمرد على ترامب.
لذلك فإن العنوان الأدق ليس “صراع مواقف” وحده، ولا “ازدواجية أدوار” وحدها، بل الجمع بينهما: إنها ازدواجية أدوار فوق صراع مواقف، وصراع مواقف داخل معركة خلافة مؤجلة.
ويكشف ملف إيران أن إدارة ترامب لا تخوض تفاوضا مع طهران فقط، بل تخوض اختبارا داخليا لمن يملك الحق في تمثيل المرحلة التالية من الترامبية. فانس يريد أن يكون وريث ترامب الشعبوي المناهض للحروب الطويلة، وروبيو يريد أن يكون وريث ترامب القوي القادر على طمأنة الحلفاء وردع الخصوم. الأول يراهن على نجاح التسوية، والثاني يراهن على ضرورة الشروط والضمانات. الأول يخاطب تعب القاعدة من الحروب، والثاني يخاطب خوفها من الضعف.
وبين الرجلين يقف ترامب، ممسكا بالخيوط، لا يحسم الوريث ولا يترك التنافس ينفجر. فهو يحتاج إلى فانس لفتح باب التفاوض، ويحتاج إلى روبيو لضبط الحلفاء. يحتاج إلى لغة السلام، ويحتاج إلى لغة القوة. لذلك تبدو العلاقة بينهما في الظاهر تنسيقا وظيفيا، لكنها في العمق تمرين مبكر على معركة 2028.
ومن هنا، فإن اتفاق إيران لن يحدد فقط مستقبل علاقة واشنطن بطهران، بل قد يحدد أيضا مستقبل الحزب الجمهوري: هل يرثه فانس بوصفه صوت “أميركا أولا” الأقل حماسة للحروب، أم يزاحمه روبيو بوصفه رجل الدولة الصارم الذي يجمع بين الترامبية والمؤسسة؟ الإجابة لن تظهر في بنود الاتفاق وحدها، بل في نتائجه: فإذا أنتج سلاما قابلا للاستمرار، صعد فانس. وإذا كشف تنازلات أو هشاشة، تقدم روبيو. أما ترامب، فسيبقى حتى اللحظة الأخيرة صاحب الكلمة التي ينتظرها الجميع.