اتفاق مفروض.. يوقف الحرب ولا يحسم الصراع ولا يرضي الحلفاء

شبكة النبأ

2026-06-16 05:03

لم يكن الاتفاق الأميركي الإيراني إعلاناً لنهاية الصراع بقدر ما كان استجابة اضطرارية لتداعيات حرب أرهقت الجميع؛ فقد ضغطت كلفة المواجهة على واشنطن وطهران، وهددت أسواق الطاقة عبر مضيق هرمز، ووسّعت النزف في لبنان، وأربكت حسابات إسرائيل ودول الخليج. ورغم أنه يوقف القتال ويفتح الطريق أمام تهدئة مؤقتة، فإنه لا يحسم الملفات الكبرى، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وأمن لبنان، ودور إيران الإقليمي. لذلك يبدو الاتفاق أقرب إلى هدنة ثقيلة فرضتها الضرورة، يرحب بها المتضررون من الحرب، لكنها لا تطمئن الحلفاء ولا تغلق أبواب الصراع المقبل.

فلم يأتِ الاتفاق الأميركي الإيراني المعلن لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بوصفه تتويجاً لتسوية سياسية مكتملة، ولا باعتباره اختراقاً دبلوماسياً يحسم جذور الصراع بين واشنطن وطهران وحلفائهما في المنطقة، بل جاء أقرب إلى هدنة واسعة فرضتها تداعيات الحرب نفسها: كلفة بشرية متصاعدة، اضطراب خطير في أسواق الطاقة، ضغط سياسي داخلي على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قلق خليجي من اهتزاز منظومة الأمن، ومخاوف عالمية من ركود اقتصادي بفعل إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء حيوي من إمدادات النفط والغاز.

فالبيانات والتصريحات وردود الفعل التي أعقبت الإعلان عن مذكرة التفاهم تشير إلى أن الاتفاق يوقف الحرب، لكنه لا يحسم الصراع؛ يفتح مضيق هرمز، لكنه لا ينهي الخلاف على النفوذ البحري؛ يؤجل الملف النووي، لكنه لا يقدّم ضمانات نهائية؛ يهدئ لبنان جزئياً، لكنه لا يضمن انسحاب إسرائيل؛ يريح الأسواق مرحلياً، لكنه لا يبدد الشكوك حول مستقبل الطاقة؛ ويمنح ترامب مخرجاً سياسياً من حرب مكلفة، لكنه يفتح عليه باباً واسعاً من الانتقادات داخلياً وخارجياً، خصوصاً من حلفاء يرون أن واشنطن قبلت باتفاق لا يلبي جوهر مطالبهم الأمنية.

بهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يمكن قراءته باعتباره سلاماً نهائياً، بل بوصفه آلية لوقف القتال وشراء الوقت. إنه اتفاق بين طرفين أنهكتهما الحرب بدرجات متفاوتة، وأدركا أن استمرارها قد يجر المنطقة والعالم إلى كلفة أعلى. غير أن ما فرض الاتفاق ليس توافق الرؤى، بل ضغط النتائج. لذلك بدت ردود الفعل في الشرق الأوسط خليطاً من الارتياح والحذر والرفض والشك؛ ففي لبنان استعد نازحون للعودة إلى الجنوب، لكن السلطات حذرتهم من التسرع. وفي إيران عبّر مواطنون عن أمل اقتصادي مشروط. وفي إسرائيل بدا الاتفاق أقرب إلى انتكاسة استراتيجية. أما في الخليج، فقد أطلق الاتفاق مراجعة عميقة لحسابات الأمن والحماية الأميركية والقدرة الإيرانية على البقاء والتهديد.

اتفاق يوقف النار ولا يصنع السلام

أعلنت الولايات المتحدة وإيران الاتفاق على بنود إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز، في خطوة وُصفت بأنها أكبر تقدم حتى الآن نحو حل الصراع الذي اندلع بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة على إيران في فبراير. ومن المقرر توقيع مذكرة التفاهم رسمياً في سويسرا، على أن يتبع ذلك مسار تفاوضي يمتد ستين يوماً لبحث الملفات الأكثر تعقيداً، ولا سيما البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية.

تبدو هذه البنية الزمنية للاتفاق كاشفة لطبيعته الحقيقية. فهو لا يحسم القضايا الكبرى، بل يرحلها إلى مرحلة لاحقة. إذ ينص الإطار المعلن على إنهاء العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، لكنه يترك الملفات الجوهرية، مثل مخزون اليورانيوم المخصب، ومستويات التخصيب، ونظام التفتيش، وتخفيف العقوبات، والضمانات الأمنية، إلى مفاوضات لاحقة.

وهذا يعني أن الاتفاق أقرب إلى وقف نار موسع منه إلى تسوية شاملة. فالطرفان لم يصلا إلى حل نهائي بشأن أسباب الحرب، بل اتفقا على وقف تداعياتها الأخطر. ولعل هذا ما يفسر تباين القراءات بين واشنطن وطهران؛ فترامب وصف الاتفاق بأنه مكتمل، وروّج له بوصفه إنجازاً، بينما تحدثت إيران عن تفاهمات تحتاج إلى توقيع ونشر وتفاصيل تنفيذية. كما قدم الجانبان أحياناً تفسيرات مختلفة لبعض البنود، خصوصاً ما يتعلق بالأموال المجمدة، ورفع العقوبات، وإدارة مضيق هرمز.

في السياسة، لا يكون الاتفاق قوياً فقط بما يعلنه، بل بما يحسمه. وهذا الاتفاق، وفق المعطيات المتاحة، أعلن وقف الحرب لكنه لم يحسم السلام. فالهدنة قد توقف الرصاص، لكنها لا تزيل عوامل الانفجار إذا بقيت القضايا الأساسية معلقة. ومن هنا جاء التوصيف الأكثر دقة: اتفاق أُنتج تحت ضغط الحرب، لا تحت قوة الثقة المتبادلة.

كلفة الحرب دفعت الأطراف إلى طاولة التفاهم

اندلعت الحرب بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة على إيران، وسرعان ما توسعت تداعياتها إلى ساحات متعددة، من الخليج إلى لبنان، ومن أسواق الطاقة إلى الداخل الأميركي. وقد أودى الصراع بحياة الآلاف، وأدى إلى هز أسواق الطاقة، وأثار مخاوف من ركود اقتصادي عالمي. كما تسبب إغلاق مضيق هرمز فعلياً لأشهر في ضغط كبير على إمدادات النفط والغاز العالمية.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تحولت الحرب إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي. فقد ارتفعت أسعار البنزين، وتراجع الرضا الشعبي، وازدادت الضغوط على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وفي الوقت نفسه، لم تحقق الحرب كثيراً من الأهداف التي طُرحت في بدايتها، مثل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإنهاء قدراتها الصاروخية، وإضعاف نفوذها الإقليمي على نحو حاسم، أو فرض استسلام غير مشروط عليها.

أما إيران، فعلى الرغم من تعرضها لضربات قاسية وخسائر كبيرة، فإنها أظهرت قدرة على الصمود وإلحاق الأذى بمصالح خصومها وحلفائهم. فقد عطلت مضيق هرمز، وهددت تدفقات الطاقة العالمية، واستهدفت دولاً خليجية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واحتفظت بجزء كبير من قدرتها السياسية والإقليمية. ولذلك بدا أن طهران لم تخرج من الحرب منتصرة بالمعنى العسكري الكامل، لكنها لم تخرج مهزومة أيضاً. الأهم أنها بقيت قادرة على فرض شروط في التفاوض.

ومن هنا يمكن القول إن الاتفاق لم يكن نتيجة انتصار طرف على آخر، بل نتيجة مأزق مشترك. فالولايات المتحدة احتاجت إلى مخرج يوقف النزيف الاقتصادي والسياسي، وإيران احتاجت إلى وقف التصعيد من دون أن تظهر بمظهر المستسلم. ولهذا بدا الاتفاق كصيغة وسطية: لا يحقق أقصى أهداف واشنطن، ولا يمنح طهران كل ما تريد، لكنه يتيح للطرفين إعلان إنجاز وتجنب استمرار الاستنزاف.

هرمز في قلب الصفقة

يحتل مضيق هرمز موقع القلب في هذا الاتفاق. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري إقليمي، بل شريان من أهم شرايين الطاقة العالمية. وقد أدى إغلاقه فعلياً خلال الحرب إلى اضطراب كبير في الأسواق، ورفع أسعار الطاقة، وزاد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط، وخصوصاً الولايات المتحدة وحلفاءها.

أعلن ترامب أن فتح المضيق سيتم مع توقيع مذكرة التفاهم، وأنه أمر بإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية. وكتب مخاطباً سفن العالم أن تشغل محركاتها وتدع النفط يتدفق، في إشارة واضحة إلى رغبته في تحويل فتح المضيق إلى لحظة سياسية واقتصادية رمزية. وقد تراجعت أسعار النفط بعد الإعلان عن الاتفاق، لكن شركات الشحن ظلت حذرة بسبب احتمالات وجود ألغام والحاجة إلى وقت لتأمين العبور.

غير أن فتح المضيق لا يعني بالضرورة العودة الكاملة إلى ما قبل الحرب. فإيران، وفق ما نقل عن مصادر إيرانية، تسعى إلى الاعتراف بدور لها، بالتنسيق مع سلطنة عمان، في تنظيم الملاحة عبر المضيق. كما ورد أن طهران قبلت المرور دون رسوم لمدة ستين يوماً فقط، مع نية لاحقة لتحصيل إيرادات. وهذا البند، إن تأكد، يعني أن إيران لم تكتفِ برفع الإغلاق، بل تريد تحويل قدرتها على تعطيل المضيق إلى نفوذ تنظيمي وسياسي واقتصادي.

بهذا المعنى، خرج مضيق هرمز من الحرب بوصفه ورقة ضغط إيرانية أكثر وضوحاً. فقد أثبتت طهران أنها قادرة، حتى وهي تحت الضغط العسكري، على التأثير في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وهذا ما يثير قلق دول الخليج، لأنها عاشت تداعيات التعطيل مباشرة، كما يقلق واشنطن، لأن أمن الطاقة العالمي بدا مرة أخرى رهينة لتوازن هش في الخليج.

الملف النووي المؤجل.. جوهر الصراع يبقى مفتوحاً

من أخطر جوانب الاتفاق أنه يؤجل الملف النووي الإيراني إلى مرحلة لاحقة. فالبرنامج النووي كان من أبرز الذرائع والأهداف المعلنة للحرب، لكن مذكرة التفاهم لا تحسم مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ولا تقدم آلية نهائية للتفتيش، ولا تحدد بصورة قاطعة شكل القيود المستقبلية على البرنامج.

تقول المعطيات إن إيران توافق على أنها لن تنتج أو تحصل على أسلحة نووية، وهو وعد كررته طهران مراراً في السابق. كما قيل إن إيران ستجمد أنشطتها النووية لحين التوصل إلى اتفاق نهائي، وتمتنع عن مزيد من التخصيب أو توسيع المنشآت النووية. لكن الخلاف يبقى في التفاصيل: هل سيُخرج اليورانيوم المخصب من إيران؟ هل سيُخفض مستوى تخصيبه داخل البلاد؟ من يشرف على ذلك؟ وما طبيعة نظام التفتيش؟ ومتى ترفع العقوبات؟

ترامب تحدث عن أن الولايات المتحدة ستدخل وتحصل على المواد المخصبة وتخفض درجة تخصيبها وتدمرها، لكنه لم يقدم جدولاً زمنياً واضحاً. وفي المقابل، اكتفى مسؤول إيراني بالقول إن إيران وافقت على “تخفيف” مخزونها من تلقاء نفسها. هذا التباين في اللغة مهم؛ فالطرف الأميركي يريد تصوير الأمر كإجراء رقابي حاسم، بينما تريد إيران الحفاظ على السيادة والكرامة وعدم الظهور بمظهر من سلّم برنامجه تحت الضغط.

لذلك، فإن الاتفاق لا يغلق باب الأزمة النووية، بل يفتح جولة جديدة منها. وقد يكون وقف الحرب ضرورياً لإعطاء الدبلوماسية فرصة، لكنه لا يضمن نجاحها. وإذا فشلت المفاوضات خلال فترة الستين يوماً أو بعدها، فقد يعود التصعيد من جديد، خصوصاً إذا رأت إسرائيل أو المتشددون في واشنطن أن إيران تشتري الوقت.

لبنان عقدة الاتفاق وساحة اختبار الالتزام

من أبرز عناصر الاتفاق وأكثرها حساسية اشتراط إيران أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من إنهاء الحرب. فقد قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن النص يدعو إلى إنهاء الحرب على جميع الجبهات، إضافة إلى احترام سلامة أراضي لبنان. كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان يجب أن تتوقف بالكامل، وأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تنفيذ الاتفاق الإطاري.

لبنان كان الساحة الأكثر دموية في تداعيات الحرب خارج إيران. فقد أدت الهجمات الإسرائيلية على حزب الله إلى مقتل الآلاف ونزوح نحو 1.2 مليون شخص. ومع إعلان الاتفاق، تراجعت وتيرة الهجمات إلى حد بعيد، وتوقف حزب الله عن تنفيذ عمليات، وفق مسؤول في الجماعة، لكنه ربط موقفه من وقف إطلاق النار بالتزام إسرائيل.

هذا الربط يجعل لبنان اختباراً حاسماً للاتفاق. فإذا استمرت إسرائيل في عملياتها أو رفضت الانسحاب من مناطق في الجنوب، فإن حزب الله قد يعتبر الاتفاق منقوصاً أو غير ملزم ميدانياً. وإذا عاد حزب الله إلى الهجمات، فقد يتهمه خصومه بتقويض التسوية. ولذلك تقف الساحة اللبنانية بين أمل العودة وقلق الانفجار.

في الداخل اللبناني، جاءت المواقف متباينة. الرئيس جوزيف عون ثمن ما تضمنته المذكرة من احترام للخصوصية اللبنانية، ورأى أن استقرار لبنان جزء من استقرار المنطقة. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فاعتبر أن الاتفاق يؤسس للأمن والاستقرار، وشكر إيران والولايات المتحدة على تضمين وقف العدوان على لبنان. في المقابل، حذرت السلطات المحلية والجيش النازحين من التسرع في العودة إلى القرى الحدودية، لأن الواقع الميداني لا يزال غير مستقر.

وهكذا يظهر لبنان بوصفه الساحة التي قد تثبت جدية الاتفاق أو تكشف ضعفه. فالنص السياسي شيء، وسلوك إسرائيل وحزب الله على الأرض شيء آخر.

إسرائيل خارج الاتفاق وداخله في الوقت نفسه

رغم أن إسرائيل لم تكن طرفاً مباشراً في المفاوضات، فإنها كانت حاضرة في كل تفاصيل الاتفاق. فالحرب بدأت بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة، والملف النووي الإيراني يمثل أولوية أمنية إسرائيلية، ولبنان يشكل ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وحزب الله. ومع ذلك، جاء الاتفاق من دون مشاركة إسرائيل المباشرة، الأمر الذي أثار قلقاً واسعاً في تل أبيب.

المواقف الإسرائيلية الأولية كانت سلبية. فقد وصف مسؤول إسرائيلي كبير الاتفاق بأنه “سيئ لإسرائيل”، وأشارت تحليلات إسرائيلية إلى أنه يمثل انتكاسة استراتيجية، لأنه يرسخ المكاسب الإيرانية ويؤجل القضايا التي تعدها إسرائيل جوهرية: الملف النووي، الصواريخ، نفوذ إيران الإقليمي، وأمن الحدود الشمالية.

الأخطر بالنسبة إلى إسرائيل أن الاتفاق بدا، في نظر محللين إسرائيليين، مؤشراً على تراجع نفوذها لدى واشنطن. فقد رأت بعض التحليلات أن ترامب تجاهل مخاوف إسرائيل، أو على الأقل لم يجعلها محور التفاوض. كما اعتبر خبراء أن نتنياهو، الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على مواجهة إيران، وجد نفسه أمام اتفاق لا يغطي معظم القضايا التي تهم إسرائيل.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أن إسرائيل لن تسحب قواتها من المناطق الأمنية في جنوب لبنان وغزة وسوريا، وأنها سترد إذا تعرضت لهجوم من إيران بسبب أي أحداث في لبنان. وهذا الموقف يوضح أن إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة بالكامل بما لم تكن طرفاً فيه، وهو ما يخلق تناقضاً خطيراً: الاتفاق يريد وقف الحرب على كل الجبهات، لكن أحد أهم الفاعلين العسكريين على إحدى تلك الجبهات لا يقبل شروطه كاملة.

لذلك، فإن عدم رضا إسرائيل ليس هامشياً، بل قد يكون أحد أبرز عوامل هشاشة الاتفاق. فإذا قررت إسرائيل مواصلة عملياتها في لبنان أو الضغط عسكرياً على إيران أو حلفائها، فقد يدخل الاتفاق في أزمة مبكرة.

الخليج يعيد حسابات الأمن

ربما تكون دول الخليج من أكثر الأطراف التي خرجت من الحرب بأسئلة صعبة. فهي رحبت، أو على الأقل ارتاحت، لأي خفض للتصعيد، لكنها في الوقت نفسه وجدت نفسها أمام واقع استراتيجي أكثر قلقاً: إيران لم تُهزم، والولايات المتحدة لم تستطع حسم الحرب، وإسرائيل لم تحقق الأهداف الكبرى، بينما تحملت دول الخليج جزءاً كبيراً من التكلفة الاقتصادية والأمنية نتيجة الهجمات وتعطيل الملاحة والطاقة.

تقول التحليلات إن الخليج خرج من واحدة من أخطر أزماته منذ عقود دون تغيير كبير في ميزان القوى، بل إن إيران خرجت بثقل سياسي أكبر نسبياً، لأنها صمدت وفرضت نفسها في الاتفاق. وهذا يعزز شعوراً خليجياً بأن الرهان المطلق على الحماية الأميركية لم يعد كافياً.

تعرضت دول خليجية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتأثرت اقتصاداتها بإغلاق مضيق هرمز، واهتزت صورتها كمراكز آمنة للتجارة والاستثمار. وفي هذا السياق، تظهر مؤشرات على أن بعض دول الخليج بدأت تنفتح أكثر على طهران، لا حباً بها أو ثقة كاملة فيها، بل إدراكاً أن إيران باقية وقادرة على التهديد، وأن تسوية التوتر معها قد تكون أقل كلفة من انتظار حماية خارجية لا تمنع كل المخاطر.

قصة الإمارات والإفراج المحتمل عن مليارات الدولارات لإيران، رغم النفي الرسمي الإماراتي لبعض التفاصيل، تكشف حجم التحولات التكتيكية في المنطقة. فحتى إذا اختلفت الروايات حول الأموال، فإن مجرد الحديث عن ترتيبات مالية وأمنية بين أبوظبي وطهران في سياق وقف الهجمات يعبر عن اتجاه أوسع: الدول الخليجية تبحث عن خفض التصعيد، وعن تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة تقلل الأخطار.

وهنا يكمن أحد أهم آثار الحرب: لم تعد المسألة فقط مواجهة بين واشنطن وطهران، بل أصبحت أزمة ثقة بين الخليج ومنظومة الردع الأميركية. فقد أدركت دول الخليج أن الحرب قد تُشن باسم أمن المنطقة، لكن كلفتها قد تقع على من يعيشون في قلبها.

ترامب بين المخرج السياسي ومأزق الحلفاء

بالنسبة إلى ترامب، يمنحه الاتفاق فرصة لتقديم نفسه بوصفه صانع سلام أنهى حرباً خطيرة وفتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة. وهذا مهم سياسياً، خصوصاً قبل انتخابات التجديد النصفي، وفي ظل غضب الناخبين من أسعار البنزين وتداعيات الحرب الاقتصادية. كما يتيح له القول إنه أجبر إيران على التعهد بعدم امتلاك سلاح نووي ووقف القتال.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالانتقادات قد تأتي من داخل الحزب الجمهوري نفسه، خصوصاً من المتشددين الذين يرون أن الاتفاق لا يحقق أهداف الحرب، ولا ينهي البرنامج النووي، ولا يفكك الصواريخ، ولا يضعف حلفاء إيران بالقدر الكافي. كما أن الاتفاق قد يعرّض ترامب لاتهامات شبيهة بتلك التي وجهها سابقاً إلى باراك أوباما، إذا تضمن إفراجاً عن أموال إيرانية أو تخفيفاً للعقوبات قبل ضمانات نهائية.

الأهم أن ترامب يواجه مأزق الحلفاء. إسرائيل غير راضية، والخليج متوجس، والأوروبيون توترت علاقتهم بواشنطن بسبب عدم التشاور، ولبنان ينتظر تنفيذ البنود على الأرض. وبذلك فإن الاتفاق الذي قد يكون مفيداً لترامب داخلياً من زاوية خفض أسعار الطاقة وإنهاء الحرب، قد يكون مكلفاً استراتيجياً من زاوية علاقات واشنطن بحلفائها.

في السياسة الخارجية، لا يكفي أن تخرج من الحرب؛ المهم كيف تخرج، وبأي صورة، وعلى حساب من. وإذا بدا أن الولايات المتحدة قبلت بتسوية لا ترضي إسرائيل ولا تطمئن الخليج ولا تحسم النووي، فقد يظهر الاتفاق كخروج اضطراري أكثر من كونه انتصاراً مدروساً.

إيران لا تنتصر بالكامل لكنها تخرج واقفة

لا يمكن القول إن إيران خرجت من الحرب منتصرة عسكرياً بالمعنى الكامل. فقد تعرضت لضربات قاسية، وخسرت قيادات وشخصيات بارزة، وتضررت بنيتها العسكرية والاقتصادية. لكن طهران نجحت في تحقيق ما هو أهم سياسياً: البقاء، ومنع فرض الاستسلام، وتحويل قدرتها على التعطيل إلى ورقة تفاوض.

في الحروب غير الحاسمة، يكفي الطرف الأضعف أن لا يُكسر كي يعلن نوعاً من الصمود. وإيران، رغم الضربات، بقيت قادرة على التأثير في لبنان، وعلى تعطيل هرمز، وعلى تهديد الخليج، وعلى الدخول في مفاوضات من موقع ليس موقع المهزوم بالكامل. ولذلك يرى محللون أن الاتفاق قد يعزز شعور إيران بالقوة والصمود، لا يضعفه.

كما أن تأجيل الملف النووي يمنح طهران وقتاً ومساحة للمناورة. وإذا ترافق ذلك مع تخفيف محدود للعقوبات أو الإفراج عن أموال، فقد تحصل إيران على متنفس اقتصادي تحتاجه بشدة. لكن هذا لا يعني أن وضعها مريح؛ فاقتصادها متعب، ومجتمعها يعاني، وسلطتها واجهت احتجاجات، والحرب ألحقت بها أضراراً كبيرة. غير أن مقارنة النتائج بالأهداف الأميركية المعلنة تجعل طهران تبدو كمن نجا من محاولة كسر شاملة.

وهذا ما يقلق الحلفاء، خصوصاً إسرائيل والخليج: أن تخرج إيران من الحرب وهي أكثر قناعة بأن الصمود والمخاطرة يحققان مكاسب، وأن خصومها لا يملكون القدرة أو الإرادة لحسم المواجهة معها.

ارتياح شعبي حذر في الشرق الأوسط

على مستوى الشعوب، قوبل الاتفاق بمزيج من الارتياح والشك. ففي لبنان، بدأ نازحون يفكرون بالعودة إلى الجنوب، وبعضهم عبر عن فرحة عميقة بالعودة إلى الأرض، حتى لو كانت البيوت مدمرة أو الحياة تحتاج إلى إعادة بناء طويلة. لكن كثيرين تريثوا، بانتظار اتضاح الموقف الإسرائيلي وحقيقة وقف النار.

في إيران، كان التفاؤل الشعبي موجهاً أكثر إلى الاقتصاد منه إلى السياسة. فالمواطنون يأملون بانتهاء الحرب ورفع العقوبات وتحسن الأوضاع المعيشية، لكنهم يشككون في التزام الولايات المتحدة بوعودها. هذا يعكس أن التعب من الحرب لا يعني ثقة بالسلام، وأن الناس يريدون الاستقرار لكنهم لا يثقون بسهولة في وعود الدول المتصارعة.

في الخليج، ساد تفاؤل حذر. فالمجتمعات التي عاشت تهديد الهجمات وتعطل الملاحة وأسعار الطاقة تريد طي صفحة الحرب، لكنها تدرك أن الاتفاق لا يزيل الأسباب الجذرية للتوتر. ولذلك فإن الارتياح هنا ليس احتفالاً بالسلام، بل تنفساً مؤقتاً بعد أزمة شديدة.

أما في إسرائيل، فالمزاج أكثر تشككاً وسلبية. كثيرون رأوا أن الاتفاق لا يلبي الاحتياجات الإسرائيلية، وأن الحرب لم تحقق أهدافها، وأن إيران لم تُهزم كما كان مأمولاً. وهذا التباين الشعبي يعكس التباين السياسي: كل طرف يرى الاتفاق من زاوية خسائره ومخاوفه، لا من زاوية النص المعلن فقط.

لماذا لا يرضي الاتفاق الحلفاء؟

لا يرضي الاتفاق الحلفاء لأنه يقدم ما يشبه “الحد الأدنى” من الاستقرار، لا “الحد الأعلى” من الضمانات. إسرائيل تريد تفكيك البرنامج النووي الإيراني وتقييد الصواريخ وإضعاف حزب الله وانسحاباً بشروط أمنية واضحة. الخليج يريد ضمان أمن الطاقة والمنشآت الحيوية وعدم تكرار الهجمات الإيرانية. لبنان يريد وقفاً كاملاً للحرب وانسحاباً إسرائيلياً وعودة آمنة للنازحين. أما واشنطن، فتريد وقف التصعيد وخفض أسعار الطاقة وتجنب حرب طويلة.

هذه الأهداف ليست متطابقة. لذلك جاء الاتفاق مرضياً جزئياً لترامب وطهران، لكنه غير مطمئن لحلفائهما أو للمتأثرين بالحرب. فالولايات المتحدة قد ترى في فتح هرمز إنجازاً، لكن الخليج يرى أن إيران أثبتت قدرتها على إغلاقه. وواشنطن قد ترى في وقف النار مكسباً، لكن إسرائيل ترى أن إيران خرجت دون تفكيك أدواتها. ولبنان قد يرى في إدراج ساحته ضمن الاتفاق خطوة مهمة، لكنه لا يملك ضمانة بأن إسرائيل ستلتزم بالانسحاب أو وقف العمليات.

بعبارة أخرى، الاتفاق أوقف الحرب لأنه عالج الكلفة العاجلة، لكنه لم يرض الحلفاء لأنه لم يعالج مخاوفهم البنيوية. فهو اتفاق إدارة أزمة، لا اتفاق بناء نظام إقليمي جديد.

خاتمة: هدنة ثقيلة في منطقة لا تزال قابلة للاشتعال

يكشف الاتفاق الأميركي الإيراني أن الحروب قد تنتهي أحياناً لا لأن أطرافها اقتنعت بالسلام، بل لأن كلفة استمرارها أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها. فقد فرضت تداعيات الحرب، من هرمز إلى لبنان، ومن أسعار البنزين في أميركا إلى مخاوف الخليج، مساراً تفاوضياً لم يكن هدفه الأول حل كل القضايا، بل منع انهيار أوسع.

لذلك، فإن الاتفاق يوقف الحرب لكنه لا يحسم الصراع. يهدئ الأسواق لكنه لا يضمن استقرار الطاقة. يفتح المضيق لكنه يترك الجدل حول من يديره. يجمّد النووي لكنه لا يحسم مصيره. يدرج لبنان في التسوية لكنه لا يلزم إسرائيل بما يكفي. يمنح إيران فرصة للبقاء، ويمنح ترامب مخرجاً سياسياً، لكنه يترك الحلفاء في حالة قلق.

إن أخطر ما في الاتفاق أنه يحمل عناصر نجاحه وفشله معاً. فهو ينجح إذا تحول وقف النار إلى مسار تفاوضي جدي، وإذا التزمت إسرائيل وحزب الله بالتهدئة، وإذا جرى التعامل مع هرمز كمسؤولية دولية لا كورقة ابتزاز، وإذا قدمت واشنطن وطهران تنازلات قابلة للتحقق في الملف النووي والعقوبات. لكنه قد يفشل إذا استخدمته الأطراف لالتقاط الأنفاس، أو إذا عادت إسرائيل إلى التصعيد في لبنان، أو إذا أصرت إيران على توسيع مكاسبها، أو إذا انفجر الخلاف داخل واشنطن حول التنازلات.

في النهاية، نحن أمام اتفاق اضطراري لا احتفالي؛ اتفاق فرضته الحرب أكثر مما صنعته الثقة؛ اتفاق يوقف النار لكنه لا يطفئ الجمر. وقد تكون الأيام الستون المقبلة، لا لحظة الإعلان، هي الاختبار الحقيقي: هل يصبح الاتفاق بوابة لتسوية أوسع، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع؟

ذات صلة

لماذا يخاف الحاكم من الشعائر الحسينية؟ملتقى النبأ الأسبوعي ناقش.. تفتيت مقاومة التحول في العراق وإعادة بناء الضمير العاملماذا يسبق محرّم موعده في قلوب العراقيين؟التقويم الهجري المتغير والميلادي المركزيكيف نصنع مواطناً يفكر اقتصادياً؟