حوادث المرور في العراق.. الهواتف الذكية وأزمة التشتت أثناء القيادة
شبكة النبأ
2026-06-10 03:50
يهدف هذا التقرير الذي تنشره شبكة النبأ المعلوماتية إلى تسليط الضوء على ظاهرة حوادث المرور في العراق من زاوية جديدة، لا تكتفي بتفسيرها بالعوامل التقليدية مثل السرعة ورداءة الطرق وضعف الرقابة، بل تفتح النقاش حول عامل حديث ومتنامٍ هو تشتت السائق بسبب الهواتف الذكية. فالحوادث المؤلمة التي تشهدها الطرق العراقية، ولا سيما الحوادث الجماعية التي تخلف عشرات الضحايا، تكشف أن لحظة فقدان الانتباه قد تكون كافية لتحويل الطريق إلى مأساة.
وينطلق التقرير من الحوادث المرورية في العراق بوصفها مدخلاً لفهم خطورة “عدم الانتباه”، ثم يربطها بالدراسات المرورية التي تؤكد أن استخدام الهاتف أثناء القيادة يشتت العين واليد والذهن معاً، ويضعف سرعة الاستجابة، ويرفع احتمالات التصادم، خصوصاً في الطرق الخارجية والسرعات العالية. ولا يهدف التقرير إلى تحميل الهاتف وحده مسؤولية الحوادث، بل إلى بيان أنه أصبح عاملاً مضاعفاً للخطر، يتداخل مع السرعة والنعاس وضعف البنية المرورية.
والغاية الأساسية من التقرير هي الدعوة إلى التعامل مع الهاتف الذكي أثناء القيادة بوصفه خطراً مرورياً عاماً لا مجرد سلوك فردي بسيط، وذلك عبر تشديد الرقابة، وتطوير التحقيق في أسباب الحوادث، وتفعيل حملات التوعية، وفرض ضوابط خاصة على سائقي النقل العام والحافلات والشاحنات. فالرسالة المركزية للتقرير هي أن إنقاذ الأرواح على الطرق يبدأ من استعادة انتباه السائق، لأن الطريق لا يحتمل عيناً على الشاشة ويداً بعيدة عن المقود وذهناً منشغلاً خارج لحظة القيادة.
مقدمة
لم تعد حوادث المرور في العراق مجرد أخبار عابرة عن اصطدام مركبة أو انقلاب حافلة أو دهس عابر طريق؛ بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وأمنية وصحية واقتصادية تمس حياة آلاف الأسر سنوياً. فكل حادث مروري كبير يكشف عن خلل أعمق في منظومة الطريق والسائق والمركبة والرقابة والثقافة المرورية. وعندما يُعلن عن وفاة عشرات الأشخاص في حادث واحد، كما حصل في حادث الحافلة قرب الناصرية، فإن السؤال لا يبقى محصوراً في: من أخطأ؟ بل يتوسع إلى: لماذا تتكرر هذه المآسي؟ وما العوامل الحديثة التي تضاعف الخطر فوق السرعة ورداءة الطرق وضعف الرقابة؟
من بين هذه العوامل الجديدة يبرز الهاتف الذكي بوصفه أحد أخطر مصادر التشتت أثناء القيادة. فالهاتف لم يعد أداة اتصال صوتي فقط، بل صار شاشة تنبيهات مستمرة: رسائل، مكالمات، خرائط، مقاطع قصيرة، محادثات، إشعارات، بث مباشر، تطبيقات تواصل، ومحتوى مصمم لجذب الانتباه. وهذه الطبيعة الإدمانية للهواتف الذكية تجعلها منافساً مباشراً للطريق في لحظة يجب أن يكون انتباه السائق فيها كاملاً ومستمراً.
لا يزعم هذا التقرير أن الحوادث العراقية المذكورة في الروابط وقعت بالضرورة بسبب الهاتف الذكي، فبعضها ما زال قيد التحقيق، وبعضها نُسب إلى السرعة أو النعاس أو رداءة الطريق أو ضعف الالتزام. لكن قيمة هذه الحوادث أنها تفتح نافذة بحثية مهمة: إذا كانت السرعة والنعاس وعدم الانتباه من أسباب الكوارث المرورية، فإن الهاتف الذكي أصبح اليوم أحد أبرز مولدات “عدم الانتباه”، وأحد العوامل التي تحول ثانية واحدة من الغفلة إلى مأساة جماعية.
حوادث العراق بوصفها مدخلاً لفهم الأزمة
تكشف تغطيات الحوادث المرورية في العراق عن نمط متكرر: طرق خارجية طويلة، سرعة عالية، ضعف في الرقابة، ازدحام متزايد، مركبات كثيرة، وسلوكيات قيادة لا تراعي شروط السلامة. ففي حادث الحافلة قرب الناصرية، تحدثت التقارير عن فقدان السائق السيطرة على الحافلة، ما أدى إلى انقلابها واشتعالها وسقوط عدد كبير من الضحايا. وفي تغطيات أخرى لحادث البطحاء، برزت تفسيرات تتحدث عن السرعة الكبيرة، وغلبة النعاس، والاصطدام من الخلف، ثم احتراق الحافلة.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف عن هشاشة منظومة القيادة على الطرق السريعة. فالسرعة وحدها خطرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بالتعب أو ضعف الانتباه. والنعاس وحده قاتل، لكنه يصبح أشد فتكاً حين لا يمتلك السائق هامشاً زمنياً للتدارك. أما الهاتف الذكي فيدخل على هذه المعادلة بوصفه عاملاً صامتاً؛ فهو لا يظهر دائماً في تقرير الحادث، ولا يترك دليلاً مادياً واضحاً مثل آثار المكابح أو تلف الإطارات، لكنه قد يكون حاضراً في اللحظة الحاسمة: نظرة إلى الشاشة، رد سريع على رسالة، تمرير إشعار، فتح خريطة، أو مكالمة تربك التركيز.
المشكلة في الحوادث المرورية العراقية ليست فقط في عددها، بل في طبيعتها الكارثية. فحادث واحد قد يوقع عشرات الضحايا، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحافلات ركاب أو طرق خارجية أو اصطدام بين مركبات كبيرة. ومع ارتفاع عدد المركبات المسجلة، واتساع استعمال الهواتف الذكية، وتراجع الالتزام بقواعد السير، يصبح التشتت الرقمي خطراً مضاعفاً لا يمكن تجاهله.
مؤشرات الحوادث المرورية في العراق
تشير البيانات الرسمية إلى أن العراق سجل خلال عام 2024 أكثر من أحد عشر ألف حادث مروري، مع آلاف الوفيات والإصابات. كما تظهر البيانات أن نسبة مهمة من الحوادث مميتة، وأن الذكور يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا. وهذه الأرقام لا ينبغي قراءتها بوصفها أرقاماً إحصائية جامدة، بل بوصفها مؤشراً على نزيف بشري متكرر يوازي في آثاره الاجتماعية بعض آثار العنف والكوارث.
وتُظهر بعض البيانات المحلية، مثل بيانات ذي قار، أن أسباب الحوادث تتوزع بين السرعة الشديدة، وعدم الانتباه، والاجتياز الخاطئ، ورداءة الطرق، وضعف شروط المتانة والأمان. ومن المهم هنا الوقوف عند “عدم الانتباه” تحديداً، لأنه مفهوم واسع قد يضم النعاس، والانشغال بالركاب، والشرود الذهني، والانفعال، واستخدام الهاتف. ومع أن التقارير المحلية لا تفصل دائماً بين هذه الأنواع، إلا أن الأدبيات الدولية تجعل الهاتف الذكي أحد أبرز مصادر تشتيت الانتباه في القيادة الحديثة.
إن ضعف التوثيق التفصيلي لأسباب الحوادث يجعل أثر الهاتف أقل ظهوراً في السجلات الرسمية. فكثير من السائقين لا يعترفون باستخدام الهاتف قبل الحادث، وقد يتلف الهاتف أو تختفي الأدلة، وقد لا تتضمن استمارات التحقيق المروري أسئلة دقيقة عن استخدام الجهاز في الثواني السابقة للتصادم. لذلك فإن غياب الهاتف من تقرير الحادث لا يعني غياب أثره بالضرورة، بل قد يعني قصوراً في آليات الكشف والتحقيق.
كيف يسبب الهاتف الذكي التشتت؟
يقوم خطر الهاتف الذكي على أربعة أنواع من التشتت:
1. التشتت البصري: حين يرفع السائق عينيه عن الطريق لينظر إلى الشاشة.
2. التشتت اليدوي: حين يرفع يده عن المقود ليمسك الهاتف أو يكتب أو يمرر الشاشة.
3. التشتت الذهني: حين ينشغل عقله بالمكالمة أو الرسالة أو المحتوى بدلاً من تحليل الطريق.
4. التشتت السمعي والانفعالي: حين يفقد السائق بعض حساسيته للأصوات والتنبيهات الخارجية، أو يتأثر عاطفياً بمحتوى رسالة أو مكالمة.
هذه الأنواع لا تعمل منفصلة في الغالب. فكتابة رسالة، مثلاً، تجمع بين النظر إلى الشاشة، وتحريك اليد، والتفكير في صياغة الرد، والانفصال الجزئي عن الطريق. لذلك يُعد استخدام الهاتف أثناء القيادة أخطر من كثير من مصادر التشتت التقليدية، لأنه يسحب العين واليد والذهن في الوقت نفسه.
والهاتف الذكي يختلف عن الهاتف القديم في أنه مصمم لإبقاء المستخدم في حالة استجابة دائمة. فالإشعار ليس مجرد صوت، بل نداء نفسي يقول للسائق: “افتحني الآن”. ومع التعود اليومي على الرد السريع، يشعر بعض السائقين أن تجاهل الهاتف أمر صعب أو غير مريح. وهنا تتحول القيادة إلى نشاط ثانوي، بينما يصبح الهاتف مركز الانتباه، ولو لثوان قليلة.
الثانية القاتلة
في القيادة، لا تقاس الأخطاء بالدقائق، بل بالثواني. فالسيارة التي تسير بسرعة عالية تقطع مسافة كبيرة خلال لحظة قصيرة. وإذا نظر السائق إلى هاتفه لثانيتين أو ثلاث، فإنه قد يقطع عشرات الأمتار وهو شبه منفصل عن الطريق. وفي الطرق الخارجية العراقية، حيث السرعات أعلى، والحافلات والشاحنات أكثر حضوراً، وقد تكون الإنارة والعلامات المرورية والرقابة أقل انتظاماً، تصبح كل ثانية غفلة قابلة للتحول إلى كارثة.
لهذا فإن خطر الهاتف لا يكمن فقط في مدة الانشغال، بل في توقيته. فقد ينظر السائق إلى الهاتف في اللحظة التي يخفف فيها سائق أمامه السرعة، أو يدخل فيها عابر طريق، أو تنحرف مركبة، أو تظهر حفرة، أو تتغير حركة الشاحنات. وهنا لا يبقى لدى السائق وقت كافٍ للاستجابة. فالتشتت يسرق من السائق أثمن ما يحتاجه في الطوارئ: سرعة الإدراك وسرعة رد الفعل.
الهاتف والسرعة والنعاس: مثلث الخطر
تُظهر الحوادث العراقية أن السرعة والنعاس وضعف الانتباه من الأسباب المتكررة. والهاتف الذكي يتفاعل مع هذه الأسباب ولا يعمل بمعزل عنها. فالسائق المسرع يحتاج إلى انتباه أعلى، لا إلى انتباه أقل. والسائق المتعب يحتاج إلى مقاومة النعاس، لا إلى شاشة تزيد إرهاق عينيه وذهنه. والسائق على طريق خارجي يحتاج إلى تركيز طويل، لا إلى إشعارات متقطعة تقطع خط الانتباه.
إن أخطر ما في الهاتف أنه يمنح السائق وهماً بالسيطرة. فكثير من السائقين يقولون: “نظرة سريعة فقط”، أو “أنا متمكن”، أو “أستطيع الرد من دون أن أتأثر”. لكن الدراسات المرورية تشير إلى أن الإنسان يبالغ غالباً في تقدير قدرته على تعدد المهام، خصوصاً في نشاط معقد مثل القيادة. فالقيادة ليست تحريك مقود فقط، بل مراقبة مستمرة للمسافة والسرعة والمرايا والمركبات والمشاة والإشارات وحالة الطريق.
وعندما يجتمع الهاتف مع السرعة، تقل فرصة التصحيح. وعندما يجتمع مع النعاس، يزداد بطء الاستجابة. وعندما يجتمع مع طريق سيئ أو رقابة ضعيفة، ترتفع احتمالات الحادث المميت. لذلك يجب النظر إلى الهاتف الذكي لا كعامل منفصل، بل كعامل يضخم أثر العوامل الأخرى.
لماذا لا يظهر الهاتف كثيراً في سجلات الحوادث؟
هناك عدة أسباب تجعل أثر الهاتف أقل ظهوراً في الإحصاءات:
أولاً، صعوبة الإثبات. فالتحقيق المروري قد يثبت السرعة أو الاصطدام أو الانحراف، لكنه لا يستطيع دائماً إثبات أن السائق كان يقرأ رسالة قبل ثوانٍ من الحادث.
ثانياً، إنكار السائقين أو الناجين. فاستخدام الهاتف أثناء القيادة يُعد سلوكاً مداناً اجتماعياً وقانونياً، لذلك قد لا يعترف به السائق حتى لو كان موجوداً.
ثالثاً، ضعف أدوات التحقيق الرقمي. فكشف استخدام الهاتف لحظة الحادث يحتاج إلى إجراءات قانونية وتقنية، وربما تعاون شركات الاتصالات أو فحص الجهاز، وهذه ليست ممارسة روتينية في كثير من البيئات.
رابعاً، تصنيف “عدم الانتباه” بصورة عامة. فقد تُسجل الحادثة تحت عنوان عدم الانتباه أو عدم السيطرة أو الاصطدام من الخلف، من دون تفصيل المصدر الحقيقي للتشتت.
خامساً، أن الهاتف قد لا يكون السبب الوحيد. فقد يكون السائق مسرعاً، والطريق رديئاً، والمركبة غير آمنة، والهاتف أحد العوامل المساعدة. وفي هذه الحالة يصعب عزله إحصائياً، لكنه يبقى جزءاً من سلسلة الخطر.
الأبعاد النفسية والسلوكية لاستخدام الهاتف أثناء القيادة
لا يمكن فهم استخدام الهاتف أثناء القيادة من زاوية قانونية فقط. فالمشكلة سلوكية ونفسية أيضاً. هناك دوافع متعددة تدفع السائق إلى استخدام الهاتف رغم معرفته بالخطر:
الرغبة في البقاء متاحاً دائماً.
الخوف من فوات رسالة أو اتصال مهم.
العادة اليومية في تفقد الإشعارات.
الثقة الزائدة بالمهارة الشخصية.
الاستخفاف بالمسافات القصيرة.
الاعتقاد بأن المكالمة أقل خطراً من الكتابة.
ضغط العمل، خصوصاً عند سائقي الأجرة والتوصيل والنقل.
استخدام الخرائط والتطبيقات الملاحية بطريقة غير آمنة.
تطبيع السلوك عندما يرى السائق أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه.
هذه الدوافع تكشف أن الحل لا يكون بالعقوبة وحدها، بل بتغيير الثقافة المرورية. فالسائق يحتاج إلى أن يرى استخدام الهاتف أثناء القيادة سلوكاً معيباً ومرفوضاً، مثل القيادة تحت تأثير الكحول أو تجاوز الإشارة الحمراء. ما دام المجتمع يتسامح مع “النظرة السريعة”، سيبقى الهاتف شريكاً غير مرئي في الحوادث.
أثر الهاتف في الفئات المهنية
تزداد خطورة الهاتف عند السائقين المهنيين: سائقي الحافلات، الشاحنات، سيارات الأجرة، التوصيل، والنقل بين المحافظات. فهؤلاء يقضون ساعات طويلة على الطريق، ويتعرضون لضغط الاتصالات والمتابعة والمواعيد. وقد يضطر بعضهم إلى استخدام الهاتف للرد على صاحب العمل أو الزبون أو العائلة أو نظام الملاحة.
وفي العراق، حيث يعتمد كثير من النقل العام والخاص على السائق الفرد لا على منظومات مؤسسية منضبطة، يصبح منع استخدام الهاتف أكثر صعوبة. فالسائق قد يرد على مكالمة أثناء قيادة حافلة مليئة بالركاب، أو يتابع موقعاً على الخريطة، أو يتلقى تعليمات أثناء السير. ومع غياب الرقابة الصارمة داخل شركات النقل، يتحول الهاتف إلى خطر جماعي لا يهدد السائق وحده، بل يهدد عشرات الركاب والمركبات الأخرى.
لذلك ينبغي أن تكون هناك قواعد أشد لسائقي النقل العام والشاحنات والحافلات، لأن خطأهم لا ينتج أثراً فردياً محدوداً، بل قد ينتج حادثاً واسع الضحايا.
نحو قراءة عراقية للتشتت الرقمي
خصوصية الحالة العراقية أن حوادث المرور لا تحدث في بيئة مرورية مثالية، بل في سياق يعاني من مشكلات متراكمة: طرق تحتاج إلى صيانة، نقص في العلامات، ضعف في الإنارة، ازدحام، توسع سريع في عدد المركبات، ثقافة مرورية غير مستقرة، تفاوت في تطبيق القانون، وطرق خارجية توصف أحياناً بأنها “طرق موت”.
في مثل هذه البيئة، يصبح الهاتف الذكي أخطر مما هو عليه في بيئات أكثر انضباطاً. فالسائق في طريق آمن ومنظم قد يجد فرصة أكبر لتدارك الخطأ، أما السائق في طريق مزدحم أو غير مؤهل أو يفتقر إلى رقابة كافية، فإن لحظة التشتت قد تكون قاتلة فوراً. لذلك ينبغي ألا ننقل التجارب الدولية بصورة حرفية فقط، بل نعيد قراءتها عراقياً: إذا كان الهاتف خطراً في الدول ذات البنية المرورية المتقدمة، فهو أشد خطراً في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة الطريق والرقابة والسلوك.
السياسات المقترحة للحد من الخطر
1. تجريم واضح لاستخدام الهاتف اليدوي أثناء القيادة
ينبغي أن تكون القاعدة واضحة: لا كتابة، لا قراءة، لا تصفح، لا تصوير، لا بث مباشر، ولا إمساك بالهاتف أثناء القيادة. ويجب ألا تقتصر المخالفة على المكالمة، لأن الخطر الأكبر اليوم لم يعد في الاتصال الصوتي فقط، بل في الرسائل والتطبيقات ومقاطع الفيديو.
2. تشديد العقوبات على سائقي النقل العام والحافلات والشاحنات
يجب أن تكون العقوبة أشد عندما يكون السائق مسؤولاً عن ركاب أو يقود مركبة ثقيلة. فالحافلة والشاحنة ليستا كالمركبة الصغيرة، وحادثهما أكثر فتكاً.
3. اعتماد الكاميرات الذكية
يمكن للكاميرات الذكية أن ترصد السرعة، حزام الأمان، تجاوز الإشارة، وربما استخدام الهاتف في بعض الحالات. والردع هنا لا يتحقق بالغرامة وحدها، بل بإحساس السائق أن المخالفة مرئية وقابلة للكشف.
4. إدخال “التشتت الرقمي” في استمارات التحقيق المروري
ينبغي أن تتضمن استمارات الحوادث سؤالاً واضحاً: هل توجد مؤشرات على استخدام الهاتف؟ هل كان الهاتف في يد السائق؟ هل توجد مكالمة أو رسالة قريبة من وقت الحادث؟ هل أفاد الركاب أو الشهود بذلك؟ هذا لا يعني انتهاك الخصوصية، بل تطوير التحقيق في الحوادث المميتة وفق إجراءات قانونية.
5. حملات توعية موجهة لا عامة
الحملات العامة التي تقول “لا تستخدم الهاتف” لم تعد كافية. المطلوب رسائل دقيقة:
ثانيتان على الشاشة قد تساويان حياة إنسان.
الرد بعد الوصول ليس تأخيراً بل نجاة.
الهاتف في يد سائق الحافلة خطر على الركاب جميعاً.
الطريق لا يقبل تعدد المهام.
القيادة ليست وقتاً للرسائل ولا للبث ولا للمقاطع.
6. تفعيل وضع عدم الإزعاج أثناء القيادة
ينبغي تشجيع السائقين على استخدام خاصية “عدم الإزعاج أثناء القيادة”، وربط ذلك بحملات توعية وتطبيقات محلية. ويمكن لشركات النقل أن تلزم سائقيها بتفعيل هذا الوضع أثناء الرحلات.
7. تنظيم استخدام الخرائط
كثير من السائقين يبررون استخدام الهاتف بالحاجة إلى الخرائط. الحل ليس منع الملاحة، بل تنظيمها: تثبيت الهاتف في حامل مناسب، ضبط الوجهة قبل الانطلاق، استخدام الإرشاد الصوتي، ومنع التعديل اليدوي أثناء الحركة.
8. إشراك شركات النقل والتطبيقات
ينبغي إلزام شركات النقل والتوصيل بسياسات تمنع السائق من التفاعل مع التطبيق أثناء الحركة، وأن تُصمم التطبيقات بحيث تقلل الإشعارات وتؤجل الرسائل غير الضرورية حتى توقف المركبة.
9. التربية المرورية في المدارس والجامعات
بما أن الفئات الشابة أكثر ارتباطاً بالهاتف، فإن التوعية يجب أن تبدأ قبل الحصول على رخصة القيادة. ينبغي إدخال موضوع التشتت الرقمي في المناهج والأنشطة الجامعية وحملات الشباب.
10. ربط الغرامات بإصلاح الطرق والرقابة
حتى لا ينظر المواطن إلى الغرامة بوصفها جباية مالية، يجب أن يرى أثرها في صيانة الطرق، وضع العلامات، نصب الرادارات، تحسين الإنارة، وتطوير منظومة الإسعاف والاستجابة السريعة.
توصيات تنفيذية للعراق
1. إطلاق حملة وطنية بعنوان: “اترك الهاتف تصل سالماً”.
2. تعديل التعليمات المرورية لتفصيل مخالفات الهاتف: مكالمة، كتابة، قراءة، تصوير، بث، تصفح.
3. تشديد العقوبة على استخدام الهاتف في الطرق الخارجية.
4. تركيب كاميرات ورادارات في الطرق ذات الحوادث العالية، خصوصاً طرق كربلاء والناصرية وذي قار والطرق الرابطة بين المحافظات.
5. إلزام الحافلات والشاحنات بأنظمة مراقبة داخلية أو كاميرات أمامية في الرحلات الطويلة.
6. تدريب الشرطة المرورية على رصد مؤشرات التشتت الرقمي.
7. بناء قاعدة بيانات وطنية تربط نوع الحادث بالعوامل السلوكية: سرعة، نعاس، هاتف، اجتياز خاطئ، مخالفة إشارة، حالة طريق.
8. إشراك رجال الدين والإعلام والمدارس في تغيير السلوك، لأن القضية ليست قانوناً فقط بل ثقافة حياة.
9. وضع لوحات تحذيرية على الطرق الخارجية: “لا تنظر إلى الهاتف.. الطريق يتغير في ثانية”.
10. إجراء دراسة عراقية ميدانية عن استخدام الهاتف أثناء القيادة، تشمل السائقين العموميين والشباب وسائقي التوصيل.
خاتمة
تكشف حوادث المرور في العراق عن أزمة مركبة: طريق يحتاج إلى إصلاح، قانون يحتاج إلى تطبيق، وسائق يحتاج إلى وعي وانضباط. لكن التحول الرقمي أضاف إلى هذه الأزمة عاملاً جديداً شديد الخطورة: الهاتف الذكي. فهو لا يقتل بذاته، لكنه يخطف انتباه السائق في اللحظة التي يكون فيها الانتباه شرط النجاة.
إن ربط حوادث العراق بالهواتف الذكية لا يعني اختزال المشكلة في الهاتف وحده، ولا إعفاء الدولة من مسؤولية الطرق والرقابة، ولا إعفاء السائق من مسؤولية السرعة والالتزام. بل يعني أن السلامة المرورية اليوم لا يمكن أن تُفهم من دون فهم ثقافة الشاشة والإشعار والاستجابة الفورية. فالطريق يحتاج إلى عينين على الطريق، ويدين على المقود، وذهن حاضر. وما عدا ذلك قد يحول الهاتف من وسيلة اتصال إلى أداة موت صامتة.
إن العراق بحاجة إلى سياسة مرورية جديدة تتعامل مع “التشتت الرقمي” بوصفه خطراً عاماً، لا مخالفة بسيطة. فحين يصبح الهاتف شريكاً في القيادة، تتراجع يقظة السائق، وتضيق فرص النجاة، وتتحول الطرق إلى ساحات مفتوحة للحوادث. والرسالة الأساسية التي ينبغي أن تتحول إلى ثقافة يومية هي: لا توجد رسالة أهم من حياة إنسان، ولا مكالمة تستحق أن تتحول إلى مأساة.