مركز آدم ناقش.. دور الشباب في تصحيح مسار الديمقراطية التمثيلية في العراق

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

2026-04-28 04:46

ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات موضوعا تحت عنوان (دور الشباب في تصحيح مسار الديمقراطية التمثيلية في العراق)، بحضور عدد من الأساتذة ومدراء المراكز البحثية والأكاديميين المختصين، وقد جاء في الورقة التي تلاها الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني الباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، بالقول:

الشباب في العراق يمثلون طاقة كبيرة تمتلك إمكانيات هائلة، ولكن هذه الطاقة لم تُستثمر بالشكل الصحيح، وظلت معطلة إلى حد بعيد. منذ بداية العملية السياسية في العام 2003 وحتى اليوم، بسبب تراكم التبعات على العلمية السياسية، إذ حول ملف الشباب من فرصة واعدة للبناء والازدهار إلى معوق كبير أمام الحكومة والمؤسسات الرسمية.

يعود ذلك إلى السياسات العشوائية وغير المدروسة التي أُتبعت في إدارة ملف القوى العاملة، حيث غابت استراتيجية واضحة لتخطيط وتوزيع هذه القوى واستثمارها بشكل فعال في مجالات البناء والإعمار، مع التركيز بدلاً من ذلك على تحويل الشباب إلى أدوات تُستغل لأغراض انتخابية فحسب، أو للأسف كوقود لصراعات وحروب لا تخدم مصالح البلاد.

سوء إدارة هذه الثروة البشرية أدى إلى ضياع الكثير من الفرص، وجعل من هذا الملف عبئًا ثقيلاً على كاهل الدولة في الوقت الذي كان يمكن أن يكون فيه محورًا لتحقيق نقلة نوعية نحو التقدم والتنمية. الشباب ليسوا مشكلة يجب التغلب عليها، بل هم فرصة ذهبية يمكن أن تُحدث تغييرًا جذريًا إذا ما استُثمروا بشكل صحيح وفق رؤية متكاملة تخدم مصالح البلد في بناء مستقبله.

في الواقع، مشاركة الشباب في الشأن العام تتطلب توفر مجموعة متنوعة من المقومات، لكن هناك العديد من العقبات التي تعترض طريق هذه المشاركة. من أبرز هذه العقبات التحدي المتمثل في كيفية دمج الشباب في العملية الديمقراطية وإقناعهم بأهمية العمل الديمقراطي كوسيلة للتغيير من خلال صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.

في كل عرس انتخابي يمر بالعراق او في كل مناسبة انتخابية او ديمقراطية تمر بها البلاد، تبرز موجة من التشكيك، وخاصة بين فئة الشباب. هذا التشكيك يعكس حالة من الإحباط واليأس من إمكانية تحقيق تغيير حقيقي. ونتيجة لذلك، نشهد عزوفًا كبيرًا من قبل الشباب عن المشاركة في العملية الديمقراطية، وهو أمر يدعو للأسف.

في بعض الدول، نجد أن الطاقة الشبابية قد نجحت في تحقيق ما كان يُعتبر مستحيلاً. على سبيل المثال، ما حدث مؤخراً في المجر خلال الانتخابات التي جرت بتاريخ 12 مارس، حيث تمكن الشباب من الإطاحة بحكومة استمرت في السلطة لمدة 16 عاماً. كانت هذه الحكومة تُعتبر راسخة وغير قابلة للتغيير، خصوصاً بسبب ولائها لروسيا وعلاقتها بالأحداث المرتبطة بها، مما جعلها عائقاً أمام اندماج هنغاريا بشكل كامل في الاتحاد الأوروبي. يُذكر أن هذا الموضوع يرتبط أيضاً بسياق الحرب والأوضاع الجيوسياسية المعقدة، وهو ملف يحمل الكثير من التفاصيل.

في العراق، هناك تحديات عديدة رافقت قضية الانتخابات، ومن أبرزها موضوع سن الانتخاب وسن الترشح. تاريخياً، شهدت قوانين انتخابات مجلس النواب تطورات متعددة، بدءاً من القانونين 96 و97 لعام 2004، ثم القانون 20 لعام 2009، وصولاً إلى القانون رقم 12 لعام 2018 الذي خضع لاحقًا للتعديل وتم دمجه مع قانون آخر في عام 2023.

في جميع هذه القوانين، كان السن الأدنى للترشح محددًا بـ30 عامًا. وفي بعض التعديلات، تم تخفيض هذا العمر إلى 28 عامًا، إلا أنه تمت إعادة شرط الثلاثين في قوانين أخرى. يعد هذا السن مرتفعًا نسبيًا، مما يحرم شريحة كبيرة من الشباب، خاصة الفئة العمرية بين 18 و28 عامًا، من فرصة المشاركة الفعلية في العملية الانتخابية. وهذه الشريحة ليست صغيرة؛ بل تُشكل نسبة كبيرة جدًا من السكان.

إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العراق يُصنف تاريخيًا كدولة ذات أغلبية شابة، على الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية فإن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن أكثر من 60% من سكان العراق تقل أعمارهم عن 35 عامًا. هذه النسبة تعكس إمكانيات البلد كدولة شابة ومليئة بالطاقات الواعدة. ومع ذلك، ما زال هذا المورد البشري الكبير غير مستثمر بالشكل الأمثل في المجالات السياسية وصنع القرار.

إحدى الإشكاليات التي تبرز بخصوص تحديد سن الاقتران هي تثبيته عند 18 عامًا، وهو عمر يُعتبر متقدمًا نسبيًا في بعض السياقات. في المقابل، نجد أن الدستور العراقي يشير في مادته الثانية إلى أحكام الشريعة الإسلامية، والتي قد تختلف رؤيتها حول هذا العمر. بالإضافة إلى ذلك، نلاحظ أن بعض الدول الغربية قامت في السنوات الأخيرة بتخفيض هذا السن، كما هو الحال في النمسا التي قررت في عام 2024 خفض سن الاقتران إلى 16 عامًا. وفي بريطانيا، هناك مشروع قيد المناقشة يهدف إلى تخفيضه إلى 15 عامًا، على الرغم من أنه لم يُطرح للتصويت بعد في مجلس العموم، لكنه يبدو متجهًا نحو ذلك.

الكثير من الدول اليوم تميل أيضًا إلى تخفيض أعمار الترشيح والتصويت في الانتخابات، رغبةً في إشراك الشباب بصورة أكبر في الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية. نلحظ على سبيل المثال أن العديد من الأحزاب الأوروبية تختار قيادات شابة لتوجيهها، كما هو الحال في إسبانيا والبرتغال وكندا. كذلك برزت نماذج مثل نيوزيلندا، حيث تقلدت رئيسة الوزراء السلطة وهي لا تزال في عمر مبكر جدًا.

كل هذه التوجهات تعكس ثقة متزايدة من قبل الشعوب في الشباب ودورهم الحيوي. كما تُظهر أن هذه الفئة قادرة على التكيف بسرعة مع متطلبات العمل السياسي والقانوني والمؤسسي، إلى جانب مساهمتها الفعالة في تحقيق التنمية والازدهار.

بالنظر إلى القضايا الأخرى المرتبطة بالنظام الحزبي المتبع في العراق، نجد أنه نظام يفتقر إلى التحفيز الكافي لتحقيق تداول سلمي للقيادات. هناك هيمنة واضحة للقيادات الحزبية الأكبر سنًا واحتكار كبير للمناصب، مما يجعل فرص الشباب للمشاركة في القيادة شبه معدومة. هذا الاحتكار لا يسمح بإعداد جيل جديد يتولى المناصب القيادية على المستوى الحزبي ومن ثم على المستوى الحكومي، مما يعوق تحقيق التغيير والتجديد المطلوبين.

إلى جانب ذلك، هناك إشكاليات تتعلق بالتمويل والإنفاق المالي على الحملات الانتخابية. الشفافية غائبة في كيفية إدارة هذه الأموال واستخدامها، مما يثير تساؤلات وتخوفات حول دور المال السياسي في التأثير على الانتخابات. هذا الواقع يدفع بالإرادة العامة نحو مسارات غير سليمة، خاصة على المستويات المحلية والوطنية المتعلقة بانتخاب النواب.

من ناحية أخرى، يعاني النظام من تقادم العديد من القوانين النقابية التي تم سنّها في فترات قديمة، كأسس تنظيم نقابات العمال، والتي يعود أغلبها إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي. النظري، كان ينبغي لهذه القوانين أن تلعب دورًا محوريًا كونها جزءًا من مؤسسات المجتمع المدني، ولكنها لم تواكب التطورات اللازمة. كذلك، هناك حاجة ملحة لتحديث القوانين التي تنظم الهيكل التنظيمي للشباب وتدعمهم كمكمل أو بديل للفئات التي تشغل المؤسسات العامة في الدولة.

تواجه عملية الإصلاح في العراق العديد من التحديات الكبيرة، أبرزها انتشار الفساد بشكل واسع في المؤسسات الرسمية والهيئات الحكومية. هذا بالإضافة إلى النكبات المتكررة التي تظهر في التعامل مع ملفات حساسة وخطيرة تتعلق بكبار الفاسدين، تجار المخدرات والجنس، وتجار البشر. مثل هذه الجرائم لا تقتصر آثارها السلبية على المستوى الوطني فقط، بل تحمل أبعادًا دولية وتؤثر بشكل مباشر على المجتمع العراقي، خاصة على الشباب الذين يبحثون عن فرص عمل ومستقبل أفضل وسط بيئة مليئة بالمخاطر.

إذ هناك شبكات تستغل ظروف الشباب العراقي لتدفعهم نحو طرق محفوفة بالمخاطر مثل الهجرة غير الشرعية، بزعم توفير حياة أفضل أو مكاسب مادية في أوروبا. هذا الواقع أدى إلى تفاقم مشاكل الشباب، وجعلهم عرضة للاستغلال والانزلاق نحو مصير غير مأمول.

عند التفكير في كيفية إشراك الشباب العراقي في الحياة العامة وتعزيز ثقتهم في المجتمع وفي العملية السياسية، من المهم وضع استراتيجيات وخطط فعّالة تمكنهم من المشاركة بشكل أوسع. لا يمكن تجاهل السياقات التاريخية التي مر بها العراق، خاصة منذ عام 2003، حيث شهدت البلاد تقلبات واضطرابات استمرت لسنوات. كان للشباب دور بارز في بعض الحركات الشعبية كما حدث في تحركات عام 2011، 2013، وبدايات 2014، والتي توِّجت بالحراك الشعبي الكبير عام 2019. هذه الحركات، التي انطلقت من غالبية المحافظات على يد مجموعة من الشباب المفعمين بالأمل نحو التغيير الحقيقي، كانت تهدف إلى إصلاح المؤسسات العامة وتحسين الوضع العام في البلاد.

ومع ذلك، تمت مواجهة هذه التحركات بعوائق كبيرة من قبل الأحزاب السياسية والكتل المتنفذة التي رفضت مطالب الشباب وحاولت تشويه مساعيهم. تم الالتفاف على هذه المطالب العفوية عبر إجراءات أسهمت في إنهاء تلك الحركات بنتائج مخيبة للآمال. هذا الواقع ترك أثرًا عميقًا على الشباب العراقي وعلى قدرتهم على الثقة بمؤسسات الدولة أو المشاركة الفاعلة في الحياة العامة والتوجه نحو التغيير المنشود.

بعد أحداث حراك تشرين والتحولات التي شهدها العراق، يُلاحظ أنه بالرغم من الإنجازات التي تم تحقيقها، مثل تعديل قانون الانتخابات عام 2020، فقد شهدنا في عام 2023 تراجعًا كبيرًا تمثل في العودة إلى قانون الانتخابات السابق لعام 2018، الذي دُمج مع قانون 12 لسنة 2018. كان هذا التحول بمثابة نكوص عن أحد آخر الإنجازات التي يمكن الإشارة إليها على صعيد التغييرات السياسية.

حتى تغيير الحكومة واستقالة رئيس الوزراء آنذاك، واستبداله بآخر، لم يسفر عن حلول جذرية أو نوعية، بل اقتصر الأمر على حلول تقليدية جاءت بتوافق القوى السياسية ذاتها. هذا الجمود ساهم في تعزيز مشاعر الإحباط واليأس بين أوساط الشباب. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة لاستعادة ثقة الشباب ودمجهم ليس فقط في الشأن السياسي، بل في مختلف الميادين العامة مثل الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والتربوية.

هناك مجموعة من الخطوات والإجراءات التي يمكن أن تسهم في تحقيق هذا الهدف. واحدة من هذه الحلول هي خفض سن الترشح والانتخاب، ما قد يتيح للفئات الشابة المشاركة الفعلية في العملية الانتخابية والديمقراطية، مما يمنحهم الشعور بالمساهمة الحقيقية ويخفف من إحباطهم تجاه الوضع الراهن.

من جانب آخر، يتطلب معالجة ملف التعليم في العراق إعادة نظر شاملة. هناك فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي. فرغم الجهود التي تبذلها وزارة التخطيط وإحصاءاتها حول هذا الموضوع، يبدو أن هناك عدم توافق بين ما يهدف إليه النظام التعليمي وبين متطلبات الواقع العملي. المخرجات التعليمية الحالية غالبًا ما تكون غير مؤهلة للالتحاق بسوق العمل داخليًا أو عالميًا. لذلك، يصبح لزامًا السعي إلى إصلاح هذا القطاع بشكل جذري، حتى لو كان هذا التحرك مصحوبًا بآلام اجتماعية على المدى القريب، حيث إن غايته هي الحد من البطالة التي تمثل أحد العوامل الرئيسية وراء شعور الشباب بالإحباط والنقمة.

ولا يمكن إغفال أهمية الشفافية والمساءلة كعاملين أساسيين لاستعادة ثقة الشباب. لا بد من تفعيل الأدوار الرقابية بشكل كبير، بحيث يشعر الناس بأن هناك مساءلة فعلية ومؤسسات حقيقية تعمل على حماية المصالح العامة. عندما يرى الشباب أن هيئات مثل هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والبنك المركزي، وغيرها من المؤسسات القضائية تعمل بكفاءة وشفافية لتحقيق العدالة، فإن ذلك سيُعزز لديهم الثقة في الانخراط بالشأن العام والمساهمة في بناء المستقبل.

من بين العوامل المهمة التي يمكن أن تسهم في إحداث تغيير إيجابي في الشباب هي القدرة على تحويل طاقاتهم من حالة الاحتجاج السلبي إلى حالة الاندماج الإيجابي. في كثير من الأحيان نجد أن الشباب يكونون منشغلين بالتشكيك والاعتراض فقط، وهو الأمر الذي نلمسه بوضوح عند مطالعة التعليقات أو النقاشات السلبية والمليئة بالتشاؤم على منصات التواصل الاجتماعي. بدلًا من هذا النهج السلبي، يمكن توجيه طاقات الشباب نحو الإبداع والإنتاج عبر إشراكهم في شتى مجالات العمل، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، وحتى البيئية.

أيضًا، هناك حاجة كبيرة لإعادة تفعيل دور المجتمع المدني بحيث يكون منصة مستدامة وبيئة حاضنة للشباب. يجب أن يساهم المجتمع المدني بمختلف مكوناته في توفير فضاءات يعبّر فيها الشباب عن طموحاتهم وآمالهم، وينمون من خلالها مواهبهم وقدراتهم، مما يمكنهم من تقديم مساهمة فاعلة ليس فقط على مستوى العراق، بل في الساحة العالمية كنماذج مشرقة وقيّمة في مختلف مجالات الحياة.

ومن الأهمية بمكان أن يتم توظيف منصات التواصل الاجتماعي لتكون أداة منظمة وفعّالة. فبدلًا من أن تكون فضاءً عبثيًا أو غير منتج، يمكن تحويلها إلى وسيلة لتحقيق الرقابة الشفافة والمشاركة الديمقراطية. يمكن تبني مفاهيم مثل "البرلمان الإلكتروني" و"الحكومة الإلكترونية" أو حتى "حكومة الظل الإلكترونية" المكونة من الشباب. ومن خلال هذه الآليات الحديثة، يمكن للشباب المشاركة بفعالية عبر التصويت الإلكتروني أو النقاش العام لقضايا وطنية وإطلاق غرف للنقاش الجانبي تتناول موضوعات محددة مثل الاقتصاد أو السياسة أو القضايا الاجتماعية.

في النهاية، هذه الآليات إذا استُخدمت بشكل رشيد، يمكن أن تضيف قيمة عالية من خلال توفير تقارير دقيقة لصناع القرار حول توجّهات الرأي العام بشكل عام واهتمامات الشباب بشكل خاص. هكذا، يمكن أن تكون هذه الوسائل نواة لتحقيق الأهداف الكبرى التي نطمح إليها جميعًا.

وللمزيد من النقاش نطرح السؤالين التاليين للإجابة عليهما:

السؤال الأول/كيف يمكن تجاوز حاجز الثقة بين الشباب في العراق بالنظام السياسي ومكوناته وأحزابه ونخبه وإفراده؟

السؤال الثاني/ما هي متطلبات رسم وتنفيذ خارطة طريق تستهدف إدماج الشباب في المؤسسات الديمقراطية؟

المداخلات

- محمد الصافي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي:

من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع حالياً هو كيفية دمج الشباب في الحياة العملية وإعادة بناء ثقتهم بأنفسهم ومجتمعهم. هناك خطاب سلبي موجه نحو الشباب العراقي بشكل عام، يكون في كثير من الأحيان محبطاً ويقلل من قدراتهم وإمكاناتهم على مختلف المستويات. هذا الخطاب لا يقتصر فقط على المجال السياسي أو المشاركة في الوظائف الحكومية، بل يمتد أيضاً إلى سوق العمل والمشاريع الصغيرة. غالباً ما يتم تصوير الشباب على أنهم لا يسعون إلا للحصول على وظائف في القطاع العام، وهو تصوّر نتج عن تراكمات من السياسات الخاطئة والتربية والتعليم على مدى سنوات.

اليوم عندما يخرج الشباب للتظاهر أو الاحتجاج بهدف الحصول على وظيفة حكومية، فإن ذلك يعكس رؤية راسخة لديهم بأن الدولة لا توفر سوى الوظائف العامة وأن الحصول عليها يعني ضمان المستقبل، فيما عدا ذلك، يتم استبعادهم من سوق العمل ويُدفعون نحو البطالة والمكوث في المنزل. هذه المشكلة تمتد جذورها إلى النظام التعليمي الذي بات يُركز بشكل كبير على تخريج دفعات من طلاب المجموعة الطبية، فقط لأنها توفر تعييناً مركزياً وفرص عمل مباشرة. ومع ذلك، نجد أن الكثيرين من هؤلاء الطلاب قد يفتقدون للرغبة الحقيقية أو القدرات اللازمة للعمل في هذا المجال، إلا أنهم يُجبرون على إتباع هذه المسارات لضمان الوظيفة.

على الجانب الآخر، نجد أن البعض يلجأ إلى الخيارات الأكثر سهولة، كالتوجه نحو العمل في السلك العسكري، لأنه يوفر فرصاً وظيفية سريعة وراتباً ثابتاً يمكن الاعتماد عليه. هذه النتائج ليست وليدة اللحظة أو فقط نتاج سياسات ما بعد 2003، بل هي امتداد لسياسات مترسخة كانت تعتمدها الدولة منذ زمن بعيد دون التوجه نحو إصلاح حقيقي جذري يخدم الأجيال الشابة ويفتح أمامها آفاقاً متنوعة ومتوازنة للعمل والتنمية.

الموضوع يتعلق بالحاجة إلى تشريعات قانونية تسهم في تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، خاصة في مجال المشاركة السياسية وتمكين الشباب. حيث يُظهر الواقع الحالي أن هناك خللًا واضحًا في توزيع الفرص بين الفئات المختلفة، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على التمثيل الحقيقي للشباب في المجالس المحلية أو حتى على مستوى مجلس النواب.

على سبيل المثال، لا يمكن مقارنة قدرات مجموعة من الشباب المقبلين على المشاركة في العملية الانتخابية بإمكاناتهم المتواضعة بحملاتهم البسيطة، مع أحزاب تمتلك نفوذًا واسعًا وموارد هائلة، سواء من خلال دعم شخصيات عشائرية أو قيادات نافذة. هذه الفجوة تعني أن مبدأ تكافؤ الفرص يصبح غائبًا كليًا، على الرغم من التأكيد عليه في الدستور العراقي.

من جانب آخر، قوانين الانتخابات الحالية تزيد من تعقيد المشهد أمام الشباب، مثل شرط الانضمام إلى أحزاب سياسية قوية أو القوائم الانتخابية الكبيرة التي تتحكم بعملية الوصول إلى المناصب. ويؤدي غياب التمثيل لهذا الجيل إلى شعورهم بالتهميش وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية.

لذلك، يمكن النظر في استحداث تشريعات تضمن تخصيص نسبة معينة (كوتا) للشباب دون سن 35 عامًا، بما يشبه لكوتا النساء. هذا الإجراء لا يجب أن يقتصر على الانتخابات والترشح فقط، بل يمتد ليشمل المناصب الإدارية والتنفيذية، مع تخصيص نسب واضحة للشباب في مختلف القطاعات كالرياضة، التعليم، والثقافة. بعدها يتم تقييم التجربة خلال مدة زمنية محددة (سنة أو سنتين مثلاً) لقياس مدى نجاح هذه الفئة في تحقيق الأهداف والبرامج المحددة.

وتطرح مسألة التقييم الحكومي هنا نقطة جوهرية إضافية؛ حيث تعاني المؤسسات الحكومية من غياب آليات قياس مدى تحقيق البرامج والخطط المرسومة. فمن غير المنطقي أن تصرح أي حكومة بنجاح خططها بنسبة 100% بدون وجود أدلة واضحة وأساليب قياس دقيقة تُعرض بشفافية على الشعب.

لتأهيل الشباب تدريجيًا، يمكن العمل على تفعيل مبادرات مثل إنشاء مجالس شبابية استشارية في المحافظات، يتم فيها استثمار طاقات الشباب المؤثرين على المستوى المحلي والوطني. ورغم أن هناك تجارب سابقة كبرلمان الشباب في العراق الذي أشرفت عليه وزارة الشباب، إلا أنها لم تحقق النجاح المرجو بسبب سيطرة المحاصصة والإملاءات السياسية، حيث كان يتم اختيار ممثلين شبان تابعين لنفس المنظومة التقليدية.

لذلك، من الضروري أن تتبنى الحكومة رؤية واضحة تهدف إلى إصلاح هذا الملف بشكل جذري وممنهج، مع التركيز على إخراج تشريعات وقوانين تستهدف تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، لتطوير بيئة تمكّن الشباب من الإسهام الفاعل في بناء مستقبل البلاد.

- الأستاذ جواد العطار؛ عضو برلمان سابق:

يُعد الشباب إحدى الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الدول القوية، حيث يمثلون نسبة كبيرة داخل المجتمعات التي تتميز بعدد سكان هائل. هذه الفئة العمرية تشكل قوة استثنائية تساهم في دفع عجلة الدولة نحو التقدم، لكن هذه القوة قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم يتم استثمارها بشكل صحيح. ففي العراق، على سبيل المثال، يُشكل الشباب نسبة تُقدّر بـ 60% من السكان، ما يُعد رأس مال بشري هائل. إلا أن هذا الرأس المال يصبح سيفًا ذو حدين إذا لم يُستثمر أو يُفعّل بشكل صحيح، مما يؤدي إلى حالة من الركود والتعطيل بدلًا من الطاقة الإيجابية والإنتاجية.

من المشاكل الرئيسية التي تواجه الشباب في العراق هي فقدان الثقة، وهي نتيجة لعدة أسباب تتراوح بين الأداء السيئ للنخب السياسية والفشل في إدارة الموارد الغنية للبلاد، والتي كان من الممكن أن تنعكس إيجابيًا على حياة الشباب. مطالبهم المشروعة كالعمل، السكن الكريم، الزواج، والحياة المستقرة تُقابل بالإهمال وفشل الإدارة الحكومية. هذا الإهمال ينعكس بشكل سلبي عليهم، مما يعزز شعورهم بالإحباط وانعدام الثقة بالمسؤولين.

إلى جانب ذلك، الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والمؤثر بشكل مهول على المجتمع عامة والشباب خاصة، يجعل الأمور أكثر تعقيدًا. ما يُعرض في وسائل الإعلام عن حجم المال العام المنهوب والفساد الإداري الكبير يترك تأثيرًا نفسيًا مدمرًا على روح الشباب ويُعمق إحساسهم بالعجز أمام هذه الأوضاع غير المرضية.

أما الجهات المسؤولة عن التعامل مع شؤون الشباب، مثل وزارة الشباب والرياضة، فلم تُحقق الهدف المرجو منها. فبعد استلام هذه الوزارة، اختُزِل الاهتمام بقضايا الشباب في الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص، دون وجود برامج تُخاطب احتياجات الشباب الحقيقية أو تُعالج مشاكلهم. الرياضة جزء مهم بلا شك، لكنها ليست الحل الشامل لتحديات هذه الفئة.

بما أن الحكومة غالبًا ما تُتهم بعدم احترام حقوق الإنسان أو تجاهل احتياجات الشباب، يظهر دور المجتمع المدني كعامل حاسم في دعم هذه الشريحة. لهذا السبب، يجب أن تساهم القوى الاجتماعية والمدنية بشكل أكبر في تطوير وتأهيل الشباب من خلال فتح مجالات واسعة لهم في سوق العمل وإعطائهم الفرصة لتحقيق أحلامهم وتطلعاتهم. تعزيز روح التعاون بين الشباب والمؤسسات المدنية هو المفتاح لتحويل هذه الفئة من مجرد رقم إلى عنصر فاعل في بناء مستقبل البلد.

- الشيخ مرتضى معاش:

أزمة الشباب في العراق تحمل أبعادًا معقدة ومتشابكة بين السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي. ولكن يمكن القول إن جذور المشكلة تُعد سياسية في الأساس، إذ إن سوء الوضع السياسي يُفضي حتمًا إلى تأثيرات عميقة في الاقتصاد والمجتمع. السياسات القائمة اليوم تعاني من الجمود والعجز عن مواكبة التغيرات العالمية، وخاصة الثورة التكنولوجية التي غيّرت الأفكار والثقافات. العراق، كغيره من الدول ذات الطابع البيروقراطي الصلب، لم يطور سياسات قادرة على احتواء الشباب، مما أدى إلى نشوء أزمات اقتصادية، اجتماعية، ثقافية وأخلاقية.

السياسات تصرّ على تهميش الشباب بالكامل. حتى إذا أتيح لهم التمثيل في أي مجال، فإنه يجري تقليل صوته وتحجيم دوره ليصبح وجوده مجرد رقم لا أكثر. السلطة المُدارة من قبل الفئات الحاكمة تسعى للاحتفاظ بالسيطرة الكاملة، مما يعمّق الفجوة بين القادة والمجتمع. وبهذا يستمر التهميش، الذي يُضعف قدرة الشباب على المشاركة الفاعلة أو الاستفادة بشكل حقيقي.

غياب الحاضنات الداعمة للشباب هو أحد أخطر المعضلات. فحينما تنظر إلى الشباب العراقي، تجد غالبًا أنهم يحملون في أذهانهم مشكلات معقدة وأزمات تساهم في حالة عدم اليقين المستقبلي والإحباط واليأس. السبب الأساسي يعود لعدم وجود أي جهد فعّال لتطويرهم معرفيًا أو مهاراتيًا. حتى النظام التعليمي القائم يفشل في إعدادهم للمستقبل، ويقتصر طموح غالبية الشباب على الحصول على وظيفة حكومية، وهو حلم يتلاشى أمام الواقع.

من جهة أخرى، نلاحظ انعدام الدعم الحكومي للمبادرات الاجتماعية أو للمنظمات غير الحكومية التي يمكن أن تلعب دورًا رئيسيًا في دعم الشباب. بل غالبًا ما تواجه هذه المنظمات عراقيل وتعقيدات تجعل من الصعب قيامها بمشاريع تخدم المجتمع. أي محاولة لتقديم قروض ميسرة للشباب أو تمويل مشروعات صغيرة تبدو غائبة عن المشهد.

نظام القروض الحسنة أو أي هيكل تمويلي مشابه يمكن أن يكون حلًا عمليًا لدعم الشباب في مجالات مثل الزواج أو السكن أو المشروعات الصغيرة. ومع ذلك، نجد أنه حتى الفعل الخيري أصبح معطّلًا تحت وطأة السياسات التي لا تقدم سوى الإحباط. وتتحول الأزمات المالية إلى حالة اجتماعية خانقة تُصعّب من حياة الشباب، بينما تستفيد فئات أخرى من هذه الأموال دون النظر إلى احتياجات الشباب الأساسية.

الحكومات المحلية تفتقر إلى سياسة واضحة لدعم تطوير الشباب وتأهيلهم. وعلى الأرجح، ما يُنفّذ من برامج يُدار لمجرد الدعاية والإعلام لا أكثر. الأسوأ هو أن بعض الحلول المقترحة، مثل مشروع قانون التجنيد الإلزامي، تضع مزيدًا من القيود على الشباب بدلًا من تحرير إمكاناتهم. ستّون عامًا وأجيال من الشباب العراقي يتم دفعها نحو الخدمة العسكرية التي لم تجلب سوى الحروب والصراعات العبثية التي استنزفت طاقات البلاد الإنتاجية.

الانغماس الرقمي بين الشباب نتيجة حتمية لهذا التهميش والإقصاء. حياتهم تتجه نحو الاستهلاك الرقمي في ظل غياب بيئات رياضية وثقافية تزدهر بالإبداع والطموح. حتى مؤسسات الرياضة والشباب تحولت إلى مشاريع استهلاكية مثل المطاعم والمولات بدلًا من أن تكون منصات لدعم النمو الشخصي والجماعي.

الفوارق الاقتصادية تزيد الوضع سوءًا. الشاب الذي يملك المال يقضي وقته في مقاهٍ فاخرة، ومن يملك أقل يبحث عن أماكن أرخص، بينما تُترك الأغلبية تكافح للحفاظ على الأمل وسط واقع مأساوي في بلد يمتلك ثروات كبيرة لكنها لا تُترجم إلى فرص حقيقية.

في النهاية، ما يعانيه الشباب اليوم هو نتيجة لتقصير الأجيال الأكبر وغياب سياسات حكيمة وشاملة يمكنها احتواء طاقات هذه الشريحة المهمة وبناء مستقبل أفضل لهم وللبلد بأسره.

- الأستاذ علاء الكاظمي؛ باحث وأكاديمي:

عند الحديث عن الشباب وتطلعاتهم، فإن الهدف الأساسي ليس مجرد تحفيزهم للحراك البسيط، بل نسعى إلى خلق حركة شبابية واعية وناضجة. لتحقيق ذلك، يجب أن ندرس البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الشباب، لنتبين إن كانت مواتية لتشكيل هذه الحركة الواعية أم لا.

على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى مسألة تقليل سن الانتخاب والمشاركة السياسية كما هو الحال في النمسا أو بريطانيا، حيث يسمح لمن هم في سن 16 بالمشاركة، قد يبدو هذا خياراً جذاباً لتشجيع الشباب على الانخراط السياسي. ومع ذلك، عندما نقارن هذه التجربة مع واقعنا المحلي، نجد تبايناً كبيراً. نحن نمتلك نخبة في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، ورغم سنوات الدراسة وبعض المؤهلات العلمية التي يحملونها، ما زلنا نواجه عقبات جمة في كل عملية انتخابية بسبب ضعف مستوى الوعي العام.

المؤسسات التعليمية لدينا تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأنها عاجزة عن منح الطلبة الوعي اللازم لتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة، سواء في الاختيار أو الانتخاب. فتح الباب أمام شباب بعمر 16 للانتخاب دون تأهيل معرفي أو اجتماعي أو سياسي قد يؤدي فقط إلى زيادة العبء على النظام، بدلاً من تحسينه. أما فيما يتعلق بالترشيح، فإن تخفيض السن المطلوب لأقل من ثلاثين سنة قد يبدو منطقيًا في البداية لتحفيز الشباب، ولكن واقع الأمر يختلف. صحيح أن هناك شبابًا في عمر الثلاثين يتمتعون بالعلم والمعرفة، لكن هذا استثناء أكثر منه قاعدة في بيئات اجتماعية وتعليمية لا تركز على بناء الجاهزية القيادية.

إشكالية أخرى نواجهها تكمن في طبيعة المجتمع الذي تميل قراراته إلى أن تكون عاطفية واندفاعية بدلاً من أن تكون عقلانية ومتأنّية. نحن بحاجة إلى قادة وشخصيات أكثر هدوءًا وحكمة لنضمن مشاركة فعالة في العملية السياسية. لذا، يمكن القول بأن الحلول ليست بإدخال الشباب المبكر في السياسة دون تأهيل كافٍ؛ بل يجب أن تبدأ الجهود من خلال تحسين البنى التحتية للمجتمع: المؤسسات التعليمية، منظومات التدريب المهني والقيادي، وحتى تعزيز مفاهيم الحوار والدبلوماسية. هذا يستغرق وقتاً ويحتاج إلى استثمار طويل الأمد حتى نتمكن من بناء أجيال ناضجة قادرة على إحداث التغيير.

من ناحية أخرى، عندما ننظر إلى مسؤوليات الحكومة والإصلاحات المطلوبة، نجد أن التحديات الكبرى مثل الفساد تجعلنا نفقِد الثقة بقدرة الحكومات على تقديم حلول جذرية. هنا يأتي دور النخب المثقفة والمرجعية التي طالما طالبت بإصلاح الأوضاع من خلال عملها الدؤوب. يجب أن تحمل هذه النخب عبء توعية وتثقيف الجيل الشاب سواء من خلال وظائفهم أو المبادرات التطوعية.

أخيرًا، نواجه أزمة ثقة عميقة بالنظام الديمقراطي وبالنخب والأحزاب السياسية. الإشكالية لا تقتصر فقط على سوء العلاقة بين الشباب والحكومة، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى العلاقات الفردية بين الشباب والمسؤولين. حتى لو تخيلنا وجود تغييرات جذرية في النظام الحالي واستقالة المسؤولين عن المشهد السياسي، فالسؤال يبقى: ما الأسس التي سنختار بها قادة جدد؟ هل سيخضع هذا الاختيار لمعايير الكفاءة أم يعتمد على القبلية والنفوذ المالي؟ للأسف، ما زالت ثقافة شراء الأصوات والمحسوبيات حاضرة بقوة.

ولذلك فإن الحل يتطلب التركيز أولاً على بناء الوعي الاجتماعي والسياسي لدى الشباب. يجب أن يفهموا آليات الاختيار الصحيح وأن يدركوا أهمية أصواتهم في بناء مستقبل البلد. هذا الوعي السياسي هو ما يخلق شعورًا بالمسؤولية والانتماء الوطني. التجارب العالمية توضح كيف يمكن لروح الانتماء أن تنعكس إيجاباً على العملية الديمقراطية إذا تم توجيهها بالشكل الصحيح. ومن ثم، يمكننا القول إن الطريق نحو إصلاح المنظومة الديمقراطية يبدأ من الداخل؛ أي من بناء الشباب وتزويدهم بالوعي المطلوب لأداء دورهم الوطني بكفاءة ومسؤولية.

- الدكتور خالد العرداوي؛ مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

الثقة تُعتبر مفهومًا جوهريًا ومحوريًا في بناء العلاقات الناجحة، سواء بين الأفراد أو المؤسسات، أو بين الحاكم والمحكوم. غياب الثقة يؤدي إلى تفكك الروابط واستحالة تحقيق نجاح ملموس أو جني ثمار ذلك على أي مستوى، سواء شخصيًا، مؤسسيًا، أو سياسيًا. لكن السؤال المهم الذي يطرأ في هذا السياق هو كيف تُبنى الثقة؟ بالتأكيد، لا يمكن فرضها بالقوة أو الإكراه، بل هي نتيجة طبيعية للأداء الجيد والتراكم المستمر للمشاعر الإيجابية بين الأطراف المعنيّة. كلما كان الأداء متقنًا وكلما تزايدت الإيجابية في العلاقات على المدى الزمني، زادت قوة هذه الثقة وامتدت لتصبح أكثر رسوخًا وشمولية. هذا ينطبق على كافة أنواع العلاقات: بين الأصدقاء، بين الجيران، بين الآباء وأبنائهم، وحتى بين القادة وشعوبهم.

في العراق اليوم، تعاني العلاقة بين الشباب والنظام السياسي من أزمة ثقة عميقة. هذه المشكلة لا تُقتصر فقط على الشباب، بل تشمل كبار السن أيضًا الذين فقدوا أملهم بالنظام السياسي الحالي. لم يتمكن هذا النظام من العمل لتحقيق مصالح الشعب أو تحقيق تطلعاته وأحلامه، مما خلق فجوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم. الأسباب وراء ذلك تتراوح بين فساد الطبقة السياسية، وآليات المحسوبية والتمييز التي نخرت مؤسسات السلطة، إلى سوء الأداء الإداري بشكل عام. النتيجة الطبيعية لهذه العوامل هي فقدان المجتمع بشكل عام للثقة في هذا النظام، فما بالك بالشباب الذين يُفترض أن يكونوا القوة الحية والمحركة له.

الشباب العراقي في هذه المرحلة العمرية يواجه تحديات كبرى تتعلق بتلبية احتياجاتهم الأساسية. من البحث عن فرص للزواج إلى رغبتهم في المغامرة وتحقيق الذات، يجدون أنفسهم أمام مجتمع يقمع طموحاتهم ويحول دون تحقيق أحلامهم. الحرمان هنا لا يتعلق فقط بمحدودية الحريات السياسية، بل يمتد ليشمل الطموحات الشخصية والاجتماعية. هذا الشعور بالحرمان يُنتج حالة من الإحباط العميق وعدم الانتماء، ما يجعل الشباب يعانون بشكل كبير داخل بيئة تنعدم فيها العدالة الاجتماعية والتنموية.

الحقيقة الواضحة أن المشكلة لا تكمن في الشباب أنفسهم، بل في طبيعة النظام السياسي القائم. النظام بُني على أسس غير سليمة، ولم ينجح في بناء علاقة إيجابية على مدى طويل مع المجتمع. وبالتالي، أصبح بعيدًا عن كسب ثقة شعبه وأجياله القادمة.

عند الحديث عن دمج الشباب في العملية السياسية، يظهر خلل عميق في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية للنظام القائم. المشكلة لا تتعلق بشكل الحكم أو طبيعته الخارجية فقط، بل تنبع من غياب المؤسسات الديمقراطية الحقيقية التي تسمح بدمج الأغلبية وخصوصًا فئة الشباب بطريقة فعالة. على مدار عشرين عامًا كان الطرح نفسه يصطدم بأزمة أساسية: هل نمتلك بالفعل مؤسسات ديمقراطية حقيقية لتوفير بيئة للشباب تؤهلهم ليكونوا جزءًا من عملية البناء؟ الحقيقة الصادمة أن الديمقراطية الحقيقية غير موجودة؛ ما لدينا هو نظام إثنوقراطي يوزع السلطات بناءً على مصالحه الخاصة. هذا النظام يتخفّى خلف قناع ديمقراطي زائف لكنه لا يملك روح الديمقراطية بالمفهوم المتعارف عليه.

بالتالي، لن يكون الحديث عن خريطة طريق لدمج الشباب في العملية السياسية ممكنًا دون إصلاح جذري وعميق للمؤسسات القائمة. دون وجود قواعد ديمقراطية صحيحة وأسس شفافة للحكم، سيبقى السؤال حول التأثير الإيجابي للشباب بلا إجابة واضحة.

- الدكتور حسيني الاطرقجي؛ باحث سياسي:

العراق يواجه تحديات معقدة بسبب موقعه الجغرافي والسياسي الحساس. جغرافيته السياسية، التي تبدو أشبه بلعنة، تفرض عليه بناء تحالفات تتجاوز الهوية القومية والإثنية، والانفتاح على شراكات إقليمية ودولية لتعزيز موقعه الاقتصادي. فالاقتصاد القوي يعتبر ضمانة مهمة للأمن والاستقرار، ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل تجاهل ضرورة التكيف مع عالم متعدد الأقطاب. وصف أحد الاستراتيجيين، روبرت كابلان، الوضع العراقي بأنه عبارة عن دائرة متكررة من الحروب، التصعيد، التفكك وتلاشي الهوية الوطنية كل فترة تتراوح بين 10 إلى 15 سنة، وهذا يعكس جزءاً هاماً من الإشكاليات الجذرية المرتبطة بجغرافيته السياسية.

عند الحديث عن الديمقراطية في العراق، فإن الممارسة السياسية تقتصر على الانتخابات فقط، متجاهلة بقية المظاهر التي يجب أن تحققها الديمقراطية الشاملة. الديمقراطية المتكاملة تبدأ ببناء دولة مؤسسات تقوم على العدالة الانتقالية، هوية المواطنة، قضاء مستقل، وأجهزة أمنية مهنية تعمل لصالح الدولة فقط وليس لخدمة جماعات بعينها. وعلى الرغم من أن الانتخابات تُعدّ خطوة هامة، إلا أنها لا تكون كافية بمفردها. ويُشار هنا إلى أنّ الدورة البرلمانية (2021-2025) تم تصنيفها كواحدة من أسوأ الفترات البرلمانية منذ تأسيس البرلمان العراقي عام 1925. هذا التراجع السياسي خلق جوًا من الإحباط لدى الشباب الذين يتمتعون اليوم بوعي أكبر وقدرة على طرح أسئلة جوهرية تكشف عن العيوب المتجذرة في النظام السياسي.

في سياق متصل، أثار استياء العديد من العراقيين الوصف الذي أطلقه أحد السياسيين الخليجيين بأن العراق يمثل "جمهورية موز". وعلى الرغم من الإهانة الواضحة في هذا المصطلح، إلا أنه يجب فهم أسباب إطلاق هذا الوصف بدلاً من مجرد الاعتراض عليه. "جمهورية الموز" هو تعبير ساخر استخدمه تاريخيًا للإشارة إلى دول تعتمد اقتصاديًا على تصدير منتج واحد، وتحكمها قوى دينية أو عسكرية تكرّس الطاعة العمياء، وتشيع الجهل بين الأفراد وتستخدم الدين كذريعة لقمع أي تحرك معارض. عند مقارنة العراق بوضع هذه الدول، يجب أن نسأل أنفسنا بصدق عن مدى تطابق هذه السمات مع واقعنا.

إشكالية العراق البنيوية تمتد جذورها إلى عام 1921 عندما جاءت الحكومة الأولى من الخارج ولم تكن نتيجة لنخب سياسية وطنية. ومنذ ذلك الحين، غابت المفاهيم الأساسية للنخبوية عن العراق، ليتم اختزال دور النخب، خصوصًا في الفكر الشيعي، برجال الدين فقط. الأخطر من ذلك أن بعض رجال الدين الرمزيين قد برروا الفساد تحت ذريعة "الفساد خير من الفوضى"، دون وعي بمدى خطورة مثل هذه التبريرات. فالفساد ليس عَرَضًا ثانويًا، بل هو سبب رئيسي لفوضى أشمل قد تقضي ليس فقط على السلطة القائمة بل على كيان الدولة بأكمله.

- الدكتور خالد الأسدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

لم تكن المشكلة في النظام السياسي أو الأحزاب أو النخب فحسب، بل أرى أن مشكلة المجتمع العراقي تكمن فيه ذاته. فقد عزل هذا المجتمع شريحة الشباب، مما جعل من الصعب عليهم التعبير عن آرائهم أو المشاركة في النقاشات العامة، خاصة بوجود كبار. إن طبيعة المجتمع العراقي تميل إلى إقصاء الشباب وتهميشهم، حيث يُستخدمون غالبًا كأوراق محروقة لتحقيق مكاسب معينة. فعندما يتطلب الأمر تقديم تضحيات، يُقدَّم الشباب كضحية أولى، سواء في النزاعات أو المشكلات الاجتماعية. وحتى في السياق العشائري، إن وقعت مشكلة، يلجأ الجميع لتقديم الشباب في البداية، بينما يتولى الكبار الحديث عند الوصول إلى الحلول أو اتخاذ القرارات.

أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني حول كيفية جذب الشباب والاستفادة من إمكانياتهم وإدماجهم في المؤسسات، فإن الأمر يتطلب معالجة عدد من النقاط. أولًا، يجب على المجتمع احتضان الشباب بطرق مبتكرة تتيح لهم فرصة المشاركة. فالشباب يميلون إلى الحماس والطاقة، مما يجعل تأهيلهم بشكل صحيح مسألة حيوية للغاية. للأسف، نفتقر اليوم إلى مؤسسات فعّالة تضمن تقديم مخرجات مميزة قادرة على إحداث تغيير إيجابي.

وهذا يقودنا إلى معضلة أخرى وهي أن مؤسساتنا بحاجة إلى إعادة التأهيل الشامل، من حيث الهيكلة والتنظيم وكذلك التوظيف. لا يمكن أن يتم التأهيل وسط بيئة تسودها الفوضى أو غياب التخطيط السليم. كما أن الشباب كثيرًا ما يتم وضعهم في أماكن وظيفية غير مناسبة لهم ولا تمتلك البيئة المناسبة لتطوير قدراتهم أو تمكينهم من الاستمرار.

لذا، نحن بحاجة إلى العمل أولاً وقبل كل شيء على تأهيل مؤسساتنا بشكل جذري وتجهيزها لاستقبال الكفاءات. فقط بعد ذلك يمكن وضع المخرجات البشرية المناسبة في الأماكن الصحيحة، بما يضمن استثمار طاقات الشباب بدلاً من استنزافها بلا فائدة تُذكر.

- حامد الجبوري؛ باحث في مركز الفرات للدراسات الاستراتيجية:

بالنسبة للسؤال الأول، أرى أنه يتجاوز حاجز الثقة لأن الديمقراطية لا تقتصر على كونها نظام حكم فقط، بل هي نظام وفلسفة حياة شاملة. أما في مجتمعاتنا، فلا يمكن القول بوجود ديمقراطية فعلية. غالبًا ما يسود الاستبداد حتى داخل الأسرة الواحدة، حيث يُحرم الطفل من حق التعبير عن رأيه، أو على الأقل لا يجد من يقدر رأيه أو يشجعه على طرحه. وهذا يؤدي إلى تراجع في بناء الثقة بالنفس ويترتب عليه تأثير سلبي على عملية التنشئة الاجتماعية.

أما بشأن النقطة الأساسية المتعلقة بحاجز الثقة، فإن السبب الرئيسي يكمن في مسألة البطالة. البطالة تعتبر عاملاً محورياً في تحديد مستوى الثقة بالنظام السياسي؛ فهي تعكس بصورة مباشرة أزمات اقتصادية ترتبط بطبيعة اقتصادنا الريعي الذي لا يوفر فرص عمل كافية. من المفترض أن يكون الاقتصاد قادراً على خلق فرص عمل لجذب الشباب وكسر حاجز عدم الثقة، لكن في حالتنا، الاقتصاد الريعي يعتمد بشكل كبير على الدولة وعلى العوائد الريعية نفسها. كلاهما لا يساهم في خلق وظائف جديدة، مما يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة وتصاعد أزمة الثقة بالنظام السياسي. لذا، هناك حاجة لإعادة التفكير في البنية الاقتصادية لضمان توفير فرص العمل التي تُعيد الثقة تدريجياً بالنظام السياسي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك قضية التعليم، الذي للأسف أصبح يعاني من نفس مفهوم الاقتصاد الريعي. بمعنى أننا نعيش في مجتمع يتبنى تعليمًا ريعيًا وثقافة ريعية وحتى تفكيرًا ريعيًا. وهذا يتطلب مراجعة جذرية لهذه الأفكار ومحاولة كبح هذه الحالة العامة من "السيولة الريعية"، وذلك لاستعادة التوازن والنهوض بالمنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة متكاملة.

- الباحث حسين علي عبيد؛ مركز الفرات للدراسات الستراتيجية:

بالنسبة للسؤال الأول، سأركز على عدة نقاط أساسية. أولها تتعلق بتعزيز الشفافية والمساءلة. باعتباري شابًا يُطلب مني المساهمة في تغيير النظام السياسي في العراق، أتساءل: كيف يمكن لي أن أثق بنظام يقوم على المحاصصة؟ كيف يمكن أن أثق في نظام سياسي تغلغلت فيه مظاهر الفساد؟ وكيف لي أن أثق بنظام لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟ جميع هذه الأمور تجعل من الصعب تحقيق الثقة في نظام يفتقر إلى قواعد الشفافية والمساءلة.

أما الجانب الثاني، الذي يتعلق بإشراك الشباب في صنع القرار، فإنه يواجه تحديات كبيرة. الدستور العراقي ينص على أن المرشح للبرلمان يجب أن يكون قد تجاوز الثلاثين عامًا، بينما يمكن انتخاب الأشخاص من عمر الثامنة عشرة. هذا التفاوت يعكس عدم تمكين الشباب بشكل فعّال من المساهمة في صنع القرار. إن وضع الشباب في مثل هذه القيود يجعل من الصعب عليهم الخروج من الإطار المحدد لهم أو التأثير الحقيقي. فلماذا، إذن، لا يتم إشراك الشباب بجدّية في المراحل الحاسمة من بناء الوطن واتخاذ القرارات؟

بالانتقال إلى النقطة الثالثة، وهي تمكين المبادرات الشبابية، نجد أن النظام الحالي يفضّل دعم القطاع الحكومي على حساب القطاع الخاص. فكيف يمكن بناء ثقة في نظام سياسي يدعم قطاعًا خاصًا يستغل الأفراد بساعات عمل طويلة مقابل رواتب زهيدة؟ على سبيل المثال، قد يعمل الشخص 12 ساعة يوميًا مقابل راتب ضئيل للغاية أو ربما يحصل على نصف راتب الوظائف الحكومية رغم أعباء عمل مضاعفة في أماكن أخرى. هذه السياسات تضعف الثقة وتساهم في تراجع الرغبة لدى الشباب لبذل جهد في هذا النظام.

فيما يخص تطوير الخطاب السياسي والإعلامي، فإن كثيرًا من الخطابات السياسية التي شهدناها خلال العمليات الانتخابية الأخيرة كانت قائمة إما على السرديات الدينية، أو النزعات القومية، أو المصالح الشخصية البحتة. هذا النوع من الخطابات يجعل من الصعب جدًا علينا، كشباب، أن نجد فرصة حقيقية للثقة بهذا النظام السياسي أو التعويل عليه للمستقبل.

بالنسبة للسؤال الثاني، لإصلاح المجتمع أو إعادة هيكلته، يجب بداية أن نفهمه ونعرّفه بمعاني النظام السياسي الصحيح وأهمية المؤسسات الديمقراطية الحقيقية. وعندما ننجح في إيصال هذه المفاهيم ليس فقط للشباب ولكن لجميع الفئات العمرية، سنتقدم نحو تأسيس خارطة طريق واضحة. هذه الخارطة من شأنها أن تعيد العراق إلى مساره الصحيح كبلد حضارة ومؤسسات علمية قادرة على تحقيق الريادة والوصول إلى مراتب متقدمة على مستوى العالم.

- الباحث حسين شاكر العطار؛ أكاديمي قانوني:

تواجه مجتمعاتنا اليوم فجوة جيلية واضحة، خصوصاً بين الشباب تحت سن العشرين والأجيال الأخرى. يميل الشباب بطبيعتهم إلى التواصل مع من هم في نفس أعمارهم، مما يعمق هذه الفجوة الثقافية والاجتماعية.

أما بالنسبة للنظام التربوي الحالي، فهو يعاني من إخفاقات كبيرة تعكس ضعف التخطيط طويل الأمد. فنتائج أي نظام سياسي أو تربوي لا يمكن أن تظهر في يوم أو يومين، بل تحتاج لعقود حتى تُقاس آثارها بشكل فعّال. سابقاً، كان النظام التعليمي يعتمد على دوام يمتد ستة أيام أسبوعياً، وكان منهج التعليم يشمل دروساً مثل التربية الأسرية والأخلاقيات، التي تُساهم في بناء شخصية الطفل وتعليمه كيفية الإنتاج والمساهمة في المجتمع. للأسف، أصبح ينظر إلى الشباب الآن ككتلة استهلاكية فقط، دون التركيز على تمكينهم أو إعدادهم ليكونوا منتجين.

من جهة أخرى، تبرز مشكلة التمكين السياسي للشباب خاصة في ظل فساد سياسي واضح. الانتخابات الأخيرة أظهرت ضعفاً في اختيار الشباب ضمن القوائم الانتخابية، حيث يتم ترشيح شخصيات تفتقر للكفاءة والعمق الفكري أو تستخدم كأدوات رمزية دون أثر حقيقي. هذا الشكل من الاستقطاب السياسي يسبب عزوف الشباب عن المشاركة في الورش والفعاليات السياسية المرتبطة بالأحزاب، وهو مؤشر مقلق على انعدام الثقة وفساد الآليات التي يفترض أن تستقطبهم بطريقة بناءة.

إضافة إلى ذلك، تأتي خطورة منظمات المجتمع المدني الممولة خارجياً. العراق يمر بتغيرات هوياتية كل 15 عاماً تقريباً، كما أشار السيد السيستاني عند سقوط النظام السابق عام 2003؛ حين اعتبر انسلاخ الهوية الوطنية العراقية أكبر المخاطر التي تواجه المجتمع. الهوية الوطنية تعد عنصرًا حاسمًا يظهر بقوة خلال الأزمات لتوحيد الشعب بغض النظر عن تباين توجهاته السياسية. لكن للأسف، هذه الهوية أصبحت مهددة بفعل توجهات الفكر الشبابي الحالي والاستهزاء بالوطن ومفهوم المواطنة.

ختاماً، هناك حاجة ملحة لاتخاذ خطوات فعّالة للتواصل المباشر بين القادة السياسيين والشباب. على سبيل المثال، يمكن إلزام النواب بجدولة جلسات أسبوعية مع مجموعات شبابية - سواء بشكل إلكتروني أو عبر حلقات نقاش - لفهم احتياجاتهم ومطالبهم بشكل أفضل. هذه الخطوة البسيطة يمكن أن تكون جزءاً من واجبات النواب الرسمية وتساهم في تعزيز العلاقة بين الجيل الشاب وصناع القرار وتحقيق مزيد من الشفافية والاستماع لمطالب الشباب.

- الأستاذ عدنان الصالحي؛ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

في البداية، من الضروري أن نتوقف قليلاً ونتأمل حول سبب تحميلنا الحكومة أعباءً تفوق طاقتها، وكأنها وحدها المسؤولة عن كل التحديات التي تواجهنا. الحقيقة أن الواقع الذي نعيشه يعكس واقع مجتمع شهد في تاريخه فترات من الريادة والازدهار، حيث كان العراق في مقدمة الدول من حيث التعليم، وأصبح رمزاً للعلم والمعرفة، مُنتجاً كفاءات وقدرات ساهمت في البناء والإبداع. كان بلدنا يُعرف بالنزاهة في الإدارة، والإنتاج الزراعي الوفير، بغض النظر عن طبيعة الحكومات التي قادته في تلك الحقبة.

لكن اليوم، ورغم كل ما يتوفر لنا من إمكانيات ورغد العيش مقارنة بالسابق، نجد أنفسنا في تراجع مستمر على المستوى المجتمعي والفكري. لذا بدلاً من لوم الحكومة فقط، علينا أن ننظر إلى أنفسنا كمجتمع ونتساءل: أين نحن من المسؤولية؟ فمن البديهي أن الحكومة الحالية هي انعكاس لاختياراتنا، حتى لو كان هناك شك في نزاهة تفاصيل العملية الانتخابية. بالعكس، كل شيء يبدأ منّا نحن.

من المهم أن نعود بالذاكرة إلى الوراء ونتأمل كيف كانت أسرنا في الماضي. رغم بساطة الحياة آنذاك، كانت الأسر متماسكة وقوية أخلاقياً. كانت الأجواء التي ينشأ فيها الفرد تُرسِّخ قيماً مثل الالتزام والعمل الجاد. المدرسة آنذاك كانت تُكمل دور الأسرة، فكانت ميداناً لترسيخ الأخلاق والعلم معاً. المعلم لم يكن مجرد مَصدَر للمعرفة، بل رمزاً للنزاهة والقدوة. هذه المنظومة المتكاملة هي ما شكّلت جيلاً استطاع بناء هذا البلد ووضع أسس تطوره.

أما الآن، فنجد أن المشكلة تحولت إلى أزمة مجتمع بأكمله، حيث تتحمل المؤسسات الدينية والمدنية والأحزاب جزءاً كبيراً من مسؤولية هذا التراجع. ضعف الروابط الأسرية، ارتفاع نسب الطلاق، وتراجع الالتزام الأخلاقي أثّرت سلباً على النسيج الاجتماعي ككل. والأسوأ، أن الانشغال بالبحث فقط عن فرص العمل والخدمات الأساسية أصبح الشاغل الأول للناس، وكأن الحياة لا تُقاس سوى بهذه المطالب.

بدلاً من التفكير في مستقبلٍ أوسع وآفاق جديدة، أصبحنا عالقين في أزمات بسيطة كان ينبغي أن تُحل بتلقائية من خلال التخطيط السليم والعمل المستدام. وفي الوقت الذي يفكر فيه العالم بمشاريع الذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء وتقنيات المستقبل، نجد أنفسنا منشغلين بالبحث عن الخدمات الأساسية. هذا التراجع ليس إلا انعكاساً لتدهور فكري واجتماعي أدى إلى وصولنا لهذا الحال.

لن يتغير شيء إذا لم نتحمل جميعاً مسؤوليتنا كأفراد ومجتمع. الحاكم يجب أن يكون خائفاً من محاسبة شعبه لا العكس، والمحاسبة تبدأ مع أول يوم في أي منصب وتنتهي أمام صناديق الاقتراع، عندما نقول له إن لم تُنجز عملك سيُسحب منك التفويض بكل وضوح وحزم. هذا لن يتحقق إلا إذا تخلى المجتمع عن التفرقة الطائفية والعرقية التي مزقت وحدته وقزّمت طموحاته.

في النهاية، لن يتغير واقعنا ما لم تتغير الطريقة التي نعمل ونفكر بها كمجتمع موحد. الأساس هنا هو العائلة، فهي القاعدة الأولى لبناء مجتمع قوي يقود حكومات فعالة بدل أن يُقاد من قِبل حكومات ضعيفة أو فاشلة. 

الأستاذ صادق الطائي؛ باحث وكاتب:

الشباب يمثلون محورًا أساسيًا ولديهم فرصة كبيرة للمساهمة في بناء المستقبل. ومع ذلك، هناك حاجة ماسة للتصدي للنظرة التي تقلل من قدراتهم وتصفهم بأنهم بعيدون عن التركيز والعقلانية. على العكس من ذلك، فإن الشباب يمتلكون طاقات هائلة وعقليات حديثة قادرة على استيعاب تعقيدات العصر وتحديات المستقبل، ما يجعلهم القوة المحركة للمرحلة الجديدة. 

يتعين على القوى الفاعلة في النظام السياسي أن تتعامل مع الشباب بصدق وأن تعطيهم مساحة أكبر في رسم خارطة الطريق للمستقبل. كما يتوجب عليها منحهم الثقة الكاملة لتحقيق النجاح، بما يساهم في تطوير المؤسسات واستحداث ممارسات سياسية وحزبية تتناسب مع متطلبات الديمقراطية الحديثة. 

عندما يكون التعليم منظمًا بشكل جيد وموجهًا لفئة واسعة من الشباب، وتعمل الدولة على فرض سيادة الدستور ومعاقبة كل من يعبث بالقانون، فإن ذلك يعزز من ثقة المواطن بالنظام ويرسخ الاطمئنان بمؤسساته. وهذا التوجه سيكون عاملًا حاسمًا في ترسيخ ثقافة ديمقراطية مستدامة. 

وفيما يتعلق بسن الانتخاب، فإنني أؤيد تخفيض العمر القانوني للمشاركة الانتخابية ليشمل الفئة العمرية بين 16 و20 عامًا، حيث تمتلك هذه الفئة القدرات والإمكانات اللازمة لتفعيل دورها في بناء المستقبل والمشاركة في صنع القرار.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

في ذكرى مولده: الإمام الرضا يتحدى السلطة بالسلاح الأقوىالاطار التنسيقي بين الانقسام وأزمة الحسم!!تخزين النفط العراقي بالخارج: فرص ضائعة ومليارات مفقودةكيف تعرف ما تريده حقاً؟العراق والمنعطف الحرج للإصلاح