تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية ومآلات الهدنة والتصعيد المحتمل

شبكة النبأ

2026-04-13 08:17

انتهت جولة المفاوضات المباشرة التي استضافتها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران من دون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الدائرة منذ أسابيع، في وقت بقي فيه وقف إطلاق النار المؤقت قائما، ولكن في إطار شديد الهشاشة. وقد كشفت التصريحات الأميركية والإيرانية والباكستانية والإسرائيلية، أن المفاوضات لم تتعثر بسبب نقطة فنية واحدة، بل نتيجة تداخل ثلاث أزمات كبرى: أزمة انعدام الثقة السياسية، وأزمة التناقض في الأهداف الاستراتيجية، وأزمة ربط مسار التهدئة الثنائية بملفات إقليمية أوسع، وعلى رأسها مضيق هرمز ولبنان والبرنامج النووي الإيراني.

وتشير الوقائع إلى أن الطرفين دخلا التفاوض من موقع اشتباك عسكري مفتوح ومن دون أرضية سياسية مشتركة كافية، ما جعل الهدنة أقرب إلى فترة اختبار موقتة منها إلى مسار ثابت نحو تسوية نهائية. وفي هذا السياق، فإن فشل جولة إسلام آباد لا يعني بالضرورة انهيار الهدنة فوراً، لكنه يضعها تحت ضغط متزايد، ويجعل استمرارها مرهونا بقدرة الوسطاء على منع تحوّل الخلافات التفاوضية إلى قرارات ميدانية تصعيدية.

أولا: خلفية المشهد التفاوضي

جاءت محادثات إسلام آباد بعد اتفاق وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين دخل حيّز التنفيذ في السابع إلى الثامن من أبريل/نيسان، بوساطة باكستانية، على أمل أن توفر الهدنة فسحة زمنية لمباحثات تنهي الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط عقب هجمات أميركية وإسرائيلية على إيران، وما تلاها من ردود إيرانية وانعكاسات إقليمية واسعة. وكانت هذه المحادثات الأعلى مستوى بين الطرفين منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، كما مثلت أول اتصال مباشر بهذا المستوى منذ أكثر من عشر سنوات، وهو ما أعطاها وزنا سياسيا استثنائيا.

ورغم هذا الثقل السياسي، فإن التوقعات الواقعية لنجاحها بدت محدودة منذ البداية. فالوفد الأميركي، بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس، دخل المفاوضات مع تأكيد واضح على ما وصفه بـ"الخطوط الحمراء"، وفي مقدمتها تعهّد إيراني حاسم بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي أو امتلاك قدرات تسمح بإنتاجه بسرعة. أما الوفد الإيراني، بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، فقد ربط أي اتفاق أوسع بجملة مطالب تشمل الإفراج عن الأصول المجمدة، والحصول على تعويضات عن الحرب، وتوسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، فضلا عن تثبيت ترتيبات تتصل بمضيق هرمز. بهذه الصورة، لم تكن المفاوضات تدور فقط حول وقف حرب قائمة، بل حول إعادة صياغة توازنات سياسية وأمنية واقتصادية في الإقليم دفعة واحدة، وهو ما صعّب التوصل إلى تسوية سريعة.

ثانيا: القضايا الجوهرية التي فجّرت الخلاف

نقطتا الخلاف الأبرز كانتا البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز، إلا أن هذين الملفين لم يكونا معزولين عن بقية عناصر النزاع. فالولايات المتحدة تعاملت مع المفاوضات باعتبارها فرصة لفرض قيد استراتيجي دائم على القدرات النووية الإيرانية، وضمان حرية الملاحة الدولية عبر المضيق. أما إيران فتعاملت معها باعتبارها ساحة لإثبات أن وقف الحرب لا يمكن أن يتم من دون اعتراف بمصالحها الأمنية والسيادية والاقتصادية، بما في ذلك دورها في المضيق، والإفراج عن أموالها، وربط أي تهدئة شاملة بوقف العمليات ضد حلفائها في المنطقة، ولا سيما في لبنان.

وعلى هذا الأساس، بدا أن كل طرف كان يطرح مفهومًا مختلفًا تماما لمعنى "الاتفاق". فبالنسبة لواشنطن، الاتفاق المطلوب هو اتفاق يضمن تراجعا إيرانيا واضحا في الملف النووي ويفتح المضيق ويمنع فرض رسوم عبور أو قيود إيرانية على حركة التجارة. أما بالنسبة لطهران، فإن الاتفاق المقبول هو الذي ينهي الحرب بشروط لا تُظهرها في موقع المتراجع، بل في موقع الطرف الذي خرج من الحرب قادرا على انتزاع مقابل سياسي واقتصادي وأمني. وهذا التباين البنيوي بين تعريفَي الاتفاق جعل التفاوض يدور حول أهداف متعارضة أكثر مما يدور حول حلول وسط عملية.

ثالثا: أسباب فشل المفاوضات

1) انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين: العامل الأكثر حضورا في النص هو انعدام الثقة. فقد حمّل المسؤولون الإيرانيون الولايات المتحدة مسؤولية الفشل لأنها، من وجهة نظرهم، لم تتمكن من كسب ثقة طهران، رغم ما قالوا إنها "مبادرات بنّاءة" أو "استشرافية" قدمها الوفد الإيراني. كما شدد أكثر من طرف إيراني على أن تجربة التفاوض مع واشنطن ارتبطت تاريخيا بنقض الوعود أو فرض الإملاءات. وفي المقابل، ظهر الموقف الأميركي وكأنه ينطلق من افتراض مسبق بأن إيران لم تُظهر الجدية المطلوبة، وأنها رفضت القبول بالحد الأدنى من المطالب الأميركية، وخاصة ما يتعلق بالمسار النووي.

هذا الانعدام في الثقة لم يكن مجرد عامل نفسي أو دبلوماسي، بل تحول إلى عائق تفاوضي مباشر؛ لأن أي صياغة محتملة للتفاهم كانت تحتاج إلى حد أدنى من الاطمئنان المتبادل بشأن التنفيذ، وهو ما لم يكن متوافرا. وفي غياب هذا الحد الأدنى، تصبح كل صيغة تسوية عرضة لأن يراها أحد الطرفين مجرد وسيلة لكسب الوقت أو لتثبيت مكاسب ميدانية مؤقتة.

2) تضارب سقوف التفاوض: دخلت الولايات المتحدة المفاوضات وهي تريد التزاما إيرانيا واضحا بعدم تطوير سلاح نووي، وقيودا على أدوات التخصيب، إضافة إلى إعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة. بينما دخلت إيران وهي تريد الإفراج عن الأصول المجمدة، والحصول على تعويضات، وتثبيت نفوذها في ملف المضيق، ووقف إطلاق النار في لبنان، وعدم قبول ما تعتبره شروطا مذلة أو أحادية. هذا التباين يعني أن الطرفين لم يختلفا فقط على التفاصيل، بل على ترتيب الأولويات وعلى ماهية المقابل المتبادل نفسه.

فالولايات المتحدة أرادت اتفاقا أمنيا–استراتيجيا يقيّد إيران، بينما أرادت إيران اتفاقا سياسيا–اقتصاديا يعترف لها بأثمان الحرب ويأخذ مطالبها الإقليمية في الاعتبار. وبذلك أصبحت مساحة التقاطع بين الطرفين ضيقة جدا، لأن كل طرف كان يطلب من الآخر تنازلا كبيرا قبل أن يقدم مقابلا موازيا.

3) تضخيم الملف النووي وربطه بمسألة السيادة: اعتبرت واشنطن الملف النووي جوهر التفاوض، وقدّمت ذلك باعتباره الهدف الأساسي للرئيس الأميركي. لكن إيران، التي نفت مرارا سعيها إلى تصنيع سلاح نووي، نظرت إلى هذا المطلب الأميركي بوصفه مدخلا لفرض وصاية استراتيجية عليها، لا مجرد إجراء تقني للرقابة أو الضمان. ومن هنا تحوّل الملف النووي من موضوع تفاوضي فني إلى قضية سيادة وكرامة سياسية بالنسبة لطهران، ما جعل هامش المرونة فيها ضئيلا.

4) مضيق هرمز بوصفه عقدة استراتيجية–اقتصادية: برز مضيق هرمز في المادة باعتباره نقطة خلاف رئيسية ثانية، بل ربما الأشد حساسية من الناحية العملية. فالمضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، وكان قد أُغلق فعليا خلال الحرب، مع بقاء مئات الناقلات عالقة في المنطقة، رغم ظهور مؤشرات محدودة إلى استئناف جزئي لحركة الشحن بعبور بعض الناقلات العملاقة. الولايات المتحدة تصر على حرية الملاحة ورفض أي رسوم أو قيود تفرضها إيران، بينما تطالب طهران بدور سيادي في التحكم بالعبور، بل وتحصيل رسوم عليه.

هذه المسألة جعلت التفاوض يتجاوز إطار وقف الحرب إلى صراع على من يمتلك حق تنظيم واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن الخلاف هنا لم يكن على بند تقني، بل على ميزان قوى بحري واقتصادي وإقليمي، وهو ما يفسر حدّة التصريحات الأميركية اللاحقة بشأن إحكام السيطرة على المضيق وتعقب السفن التي تدفع رسوما لإيران.

5) ربط التهدئة بملفات إقليمية إضافية: من الأسباب الجوهرية التي ساهمت في إفشال المحادثات إصرار إيران على أن أي اتفاق حقيقي لا بد أن يشمل وقف النار في لبنان أيضا، أو على الأقل أن يتوقف القصف الإسرائيلي المرتبط بحزب الله. لكن إسرائيل، وفق المادة نفسها، أصرت على أن عملياتها في لبنان ليست جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. هكذا أصبح التفاوض بين واشنطن وطهران متشابكا مع جبهة إقليمية أخرى لا تملك واشنطن وحدها التحكم الكامل فيها، فيما ترى طهران أن تجاهل هذه الجبهة يعني أن وقف الحرب سيكون ناقصا وغير مضمون.

6) التناقض في الرسائل السياسية الأميركية: الموقف الأميركي لم يظهر بوصفه رسالة تفاوضية خالصة، بل اختلط فيه خطاب التفاوض بخطاب إعلان الانتصار والتهديد والتصعيد. فقد تحدث ترامب عن أن الوصول إلى اتفاق ليس ضروريا بالنسبة إليه لأن الولايات المتحدة "انتصرت"، كما تحدث لاحقا عن السيطرة على المضيق واعتراض السفن. هذا النوع من الخطاب قد يُقرأ إيرانيا بوصفه دليلا على أن واشنطن تدخل التفاوض من موقع فرض الشروط لا من موقع البحث عن تسوية متوازنة، ما يضعف فرص بناء الثقة أو تقديم تنازلات متبادلة.

7) أثر الحرب نفسها على المناخ التفاوضي: الحرب المستمرة منذ أكثر من ستة أسابيع، وما خلّفته من قتلى وأضرار وارتفاع في أسعار النفط واضطراب إقليمي، جعلت التفاوض يجري تحت ضغط ميداني ونفسي هائل. وكلما ارتفع حجم الخسائر، تراجعت قدرة أي طرف على تقديم تنازل يُفهم داخليا على أنه تراجع مجاني. وعندما يكون التفاوض امتدادا مباشرا للحرب، غالبا ما تصبح اللغة العسكرية أقوى من اللغة الدبلوماسية، وهو ما بدا واضحا في نبرة التصريحات المتبادلة.

رابعا: لماذا استمرت الهدنة رغم فشل المفاوضات؟

على الرغم من انهيار الجولة من دون اتفاق، فإن وقف إطلاق النار ظل قائما، وأن باكستان وبريطانيا وعُمان شددت على ضرورة الحفاظ عليه، فيما لم يصدر في المقابل إعلان مباشر بإنهائه فورا. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل مترابطة. أولها أن الطرفين، رغم فشل التفاوض، لا يزالان يحتاجان إلى نافذة زمنية لالتقاط الأنفاس وإعادة التقييم، خصوصا بعد حرب مكلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ثانيها أن الوسطاء يدركون أن انهيار الهدنة سيعيد المنطقة مباشرة إلى دائرة اشتعال أوسع، وقد يقود إلى إغلاق فعلي وممتد لمضيق هرمز أو إلى توسع المواجهات في لبنان والخليج. ثالثها أن بعض المؤشرات الميدانية، مثل عبور عدد من ناقلات النفط وعودة تشغيل بعض المرافق النفطية، تعكس مصلحة إقليمية ودولية في تثبيت الحد الأدنى من التهدئة ولو مؤقتا.

كما أن استمرار الهدنة لا يعني وجود تفاهم سياسي، بل قد يعني فقط أن كلفة انهيارها الفوري أعلى من كلفة إبقائها مؤقتا. وهذا النوع من الهدن يكون عادة هشّا للغاية، لأنه يقوم على الامتناع عن التصعيد لا على معالجة أسباب النزاع. ولذلك فإن استمرار الهدنة في هذه الحالة يبدو أقرب إلى تجميد مؤقت للأزمة، لا إلى تسوية لها.

خامسا: مصير الهدنة بعد فشل المفاوضات

مصير الهدنة، يتوقف على توازن دقيق بين منطقين متعارضين: منطق الحاجة إلى التهدئة ومنطق العودة إلى الضغط بالقوة. فمن جهة، لا تزال هناك مصلحة واضحة لدى الوسطاء وبعض الأطراف الإقليمية في إبقاء الهدنة قائمة، لأن انهيارها قد يدفع بأسواق الطاقة إلى اضطراب أوسع، ويُدخل لبنان والخليج في مرحلة أكثر انفجارا. ومن جهة أخرى، فإن فشل المفاوضات من دون إنتاج مسار بديل يزيد من احتمال أن يلجأ كل طرف إلى أدوات الضغط الميداني لتحسين موقعه قبل أي جولة تفاوض لاحقة.

في هذا الإطار، تبدو الهدنة قابلة للاستمرار فقط إذا تحققت ثلاثة شروط ضمنية: أولها ألا تُترجم التهديدات الأميركية بشأن مضيق هرمز إلى مواجهة بحرية مباشرة واسعة؛ وثانيها ألا تُصر إيران على خطوات ميدانية تؤكد سيادتها المنفردة على العبور بصورة تستفز واشنطن وحلفاءها؛ وثالثها ألا يؤدي استمرار القتال في لبنان إلى اقتناع طهران بأن وقف إطلاق النار الحالي لا قيمة له سياسيا. وإذا اختل أحد هذه الشروط، فإن الهدنة مرشحة لأن تتحول من وقف نار إلى هدنة بالاسم فقط، تمهّد لعودة الاشتباك.

سادسا: الاحتمالات المترتبة على فشل المفاوضات

1) استمرار الهدنة مع استئناف التفاوض لاحقا: هذا هو الاحتمال الأقل كلفة والأكثر رغبة لدى الوسطاء. ويعني بقاء وقف إطلاق النار قائما خلال مدته المعلنة، مع فتح الباب أمام جولات إضافية من التفاوض، ربما بصيغ أكثر تقنية أو عبر وسطاء أكثر فاعلية. ما يدعم هذا الاحتمال هو أن بعض المسؤولين أشاروا إلى أن جولة واحدة لم تكن كافية أصلا للوصول إلى اتفاق بعد حرب طويلة، وأن المزيد من المحادثات لا يزال خيارا مطروحا. غير أن هذا السيناريو يحتاج إلى خفض حدة الخطاب التصعيدي ووقف تحويل مضيق هرمز إلى ميدان اختبار مباشر للقوة البحرية.

2) بقاء الهدنة شكليا مع تصعيد جزئي في الأطراف: هذا احتمال شديد الواقعية، ويعني أن يلتزم الطرفان الرئيسيان نظريا بوقف النار، بينما تتواصل أعمال عسكرية في ساحات مرتبطة بالنزاع، وخصوصا في لبنان. فقد واصلت إسرائيل قصف حزب الله خلال المفاوضات نفسها، مع تأكيدها أن هذه الجبهة ليست جزءا من اتفاق وقف النار مع إيران. في المقابل، ترى طهران أن القتال في لبنان يجب أن يتوقف. وإذا استمرت هذه الفجوة، فقد تتحول الهدنة إلى إطار ضيق يمنع الحرب المباشرة الأميركية–الإيرانية الكبرى، لكنه لا يمنع استمرار المعارك عبر ساحات أخرى.

3) تصعيد بحري في مضيق هرمز: هذا أحد أخطر السيناريوهات وأكثرها مباشرة. فمستقبل المضيق بات في صلب النزاع، من خلال التهديد الأميركي بإحكام السيطرة عليه وتعقب السفن، ومن خلال الإصرار الإيراني على دورها في تنظيم العبور وربما فرض رسوم. وإذا تحولت هذه المواقف إلى إجراءات تنفيذية متقابلة، فإن أي حادث بحري، سواء كان اعتراض سفينة أو إزالة ألغام أو اشتباكا محدودا، قد ينسف الهدنة بسرعة ويعيد إشعال الحرب على نطاق أوسع. كما أن هذا السيناريو ستكون له كلفة عالمية مباشرة بسبب أثره على أسعار الطاقة والتجارة الدولية.

4) عودة الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران: فشل المفاوضات لا يساوي تلقائيا العودة الفورية إلى الحرب الشاملة، لكنه يرفع احتمالها إذا اعتبر أحد الطرفين أن خصمه يستغل الهدنة لتحسين موقعه. التصريحات الأميركية التي شددت على الانتصار وعدم ضرورة الاتفاق، والتصريحات الإيرانية التي تحدثت عن عدم القبول بالإملاءات، توحي بأن الأرضية النفسية والسياسية للتصعيد لا تزال قائمة. وإذا اقترنت هذه الأرضية بخطوة ميدانية كبيرة، سواء في المضيق أو في ملف البرنامج النووي أو عبر ساحات إقليمية، فإن استئناف الحرب الشاملة يصبح احتمالا قائما بقوة.

5) توسع النزاع إقليميا: الملف اللبناني حاضر بوضوح، كما أن آثار الحرب طالت منشآت طاقة في الخليج، وتحدثت التقارير عن عودة تشغيل مرافق نفط سعودية بعد أضرار سابقة. وهذا يعني أن فشل المفاوضات لا يهدد فقط العلاقة الأميركية–الإيرانية المباشرة، بل يهدد أيضا بتوسيع النزاع الإقليمي، سواء عبر حزب الله أو عبر استهدافات متبادلة تؤثر في دول الجوار والبنية التحتية للطاقة. وبذلك يصبح أي فشل تفاوضي في المركز قابلا للتحول إلى انفجار على الأطراف.

سابعا: النتائج السياسية والاقتصادية لفشل المفاوضات

سياسيا، أظهر الفشل أن الحرب لم تنتج بعد ميزانا مستقرا يسمح بفرض تسوية. فواشنطن تريد ترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات استراتيجية دائمة، بينما تحاول طهران منع هذا التحول وإثبات أنها ما زالت قادرة على فرض كلفة إقليمية ودولية على خصومها. ومن ثم، فإن الفشل يعكس استمرار الصراع على شروط ما بعد الحرب، لا مجرد تعثر تفاوضي عابر.

اقتصاديا، يبقى الأثر الأوضح متمثلا في استمرار هشاشة أسواق الطاقة. من خلال ارتفاع أسعار النفط منذ اندلاع الحرب، وإلى الأهمية الحيوية لمضيق هرمز، وإلى بقاء عدد كبير من الناقلات عالقا في المنطقة. وحتى مع ظهور إشارات جزئية على عودة الحركة، فإن بقاء المضيق موضوعا للصراع يعني أن أي تسوية اقتصادية أو لوجستية ستظل مؤقتة ومهددة بالانتكاس. وهذا ينعكس ليس فقط على أسعار الطاقة، بل على الثقة في أمن الإمدادات العالمية وعلى حسابات الدول المستوردة والحليفة للولايات المتحدة.

أما إقليميا، فإن استمرار الضربات في لبنان وعدم حسم مصير الجبهات المرتبطة بإيران يعني أن المنطقة لا تزال بعيدة عن تهدئة شاملة. فحتى لو صمدت الهدنة الثنائية بين واشنطن وطهران، فإن النزاعات المتصلة بها قد تستمر في تقويض أي استقرار فعلي.

ثامنا: خلاصة تقديرية

يمكن القول إن سبب فشل مفاوضات إسلام آباد لا يعود إلى تعقيد تقني في الصياغة بقدر ما يعود إلى تضارب عميق في الرؤية بين الطرفين. الولايات المتحدة دخلت التفاوض لفرض ضمانات استراتيجية تتعلق بالنووي والملاحة، وإيران دخلته لتثبيت موقعها الإقليمي والسيادي والاقتصادي وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي قَبِل بشروط المنتصر. وبين هذين المسارين، حضرت أزمة الثقة، وتضاربت الرسائل، واتسع نطاق الملفات المطروحة ليشمل لبنان ومضيق هرمز والأصول المجمدة والتعويضات، فصار الاتفاق أصعب من أن يُنجز في جولة واحدة أو في مناخ حرب لم تبرد جبهاتها بعد.

أما الهدنة، فهي لا تزال قائمة في النص بوصفها ضرورة عملية أكثر منها نتيجة تفاهم سياسي راسخ. ولذلك فإن مصيرها يبقى معلقا بين احتمالين: إما أن تُستثمر باعتبارها فرصة لالتقاط خيط تفاوضي جديد، وإما أن تتحول إلى هدنة مؤقتة تسبق جولة تصعيد جديدة، خصوصا إذا انتقل الخلاف حول مضيق هرمز أو لبنان من مستوى التصريحات إلى مستوى الاشتباك التنفيذي. وفي المحصلة، فإن فشل المفاوضات لم يغلق باب التسوية نهائيا، لكنه جعل كلفة الوصول إليها أعلى، وجعل الطريق إليها أكثر ارتباطا بتوازنات القوة والضغط الميداني من ارتباطه بالدبلوماسية وحدها.



ذات صلة

الحق والكلمة: دعم فاعل وفوز متبادَلالإمام الصادق عليه السلام والتقيّةالأزمة البحرية بين العراق والكويت قراءة في جذور الخلاف وتداعياتهما بعد حرب الأربعين يوماًلماذا يقوِّض القادةُ المنتخبون الديمقراطية؟