مقاومة حكم الأثرياء

شبكة النبأ

2026-01-20 04:12

في تقريرها الجريء المعنون "مقاومة حكم الأثرياء"، تضع منظمة أوكسفام، العالم أمام مفترق طرق حاسم: إما الديمقراطية أو الأوليغارشية. حيث يسلط الضوء على الفجوة الهائلة بين "عقد ذهبي" يعيشه أصحاب المليارات وبين واقع الفقر الذي يطحن الأغلبية. يكشف التقرير بالأرقام كيف تحولت الثروة المفرطة إلى هيمنة سياسية تقوض الحريات، داعياً إلى تحرك عالمي جماعي لكسر قبضة القلة الثرية واستعادة المستقبل.

الملخص التنفيذي: الأوليغارشية أو الديمقراطية؟

يضع التقرير العالم أمام خيار حاسم استناداً إلى مقولة قاضي المحكمة العليا لويس براندايس قبل قرن من الزمن: "علينا أن نختار. إما أن يكون لدينا تركز حاد للثروة في أيدي قلة من الناس، أو أن تكون لدينا ديمقراطية، ولا يمكن أن نجمع بين الأمرين". يجادل التقرير بأن الحكومات حول العالم تتخذ حالياً الخيار الخاطئ، حيث تختار الدفاع عن الثروة بدلاً من الحرية، وتفضل حكم الأثرياء (الأوليغارشية) وقمع الغضب الشعبي بدلاً من معالجة اللامساواة.

1. عقد ذهبي لأصحاب المليارات مقابل معاناة الأغلبية

يشير التقرير إلى تسارع غير مسبوق في نمو ثروات أصحاب المليارات، خاصة منذ انتخاب دونالد ترامب في نوفمبر 2024، حيث بات معدل نمو ثرواتهم أسرع بثلاث مرات مقارنة بالسنوات الخمس السابقة. وقد استفاد الأثرياء عالمياً من السياسات التي قلصت الضوابط التنظيمية والضرائب على الشركات.

* أرقام قياسية: تجاوز عدد أصحاب المليارات حاجز الـ 3,000 شخص للمرة الأولى، وبلغت ثرواتهم أعلى مستوياتها تاريخياً. في أكتوبر 2025، أصبح إيلون ماسك أول شخص تتجاوز ثروته نصف تريليون دولار.

* المفارقة الصارخة: في الوقت الذي يراكم فيه هؤلاء ثروات تفوق قدرتم على إنفاقها، يواجه واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم خطر الجوع. تكفي الثروة التي راكمها أصحاب المليارات خلال عام واحد فقط لمنح كل فرد في العالم 250 دولاراً، ومع ذلك سيظل هؤلاء الأثرياء أغنى بـ 500 مليار دولار عما كانوا عليه قبل عام.

* تركز الثروة: يمتلك أغنى 12 مليارديراً ثروة تفوق ما يملكه النصف الأفقر من البشرية (أكثر من 4 مليارات إنسان).

2. تحول اللامساواة الاقتصادية إلى هيمنة سياسية

لا يكتفي أصحاب الثراء الفاحش بتكديس الأموال، بل يستخدمونها لشراء النفوذ السياسي، وصياغة القواعد التي تحكم الاقتصادات، والسيطرة على وسائل الإعلام. هذا النفوذ يقوض الحرية السياسية ويضعف حقوق الأغلبية.

* المال السياسي: أصحاب المليارات لديهم احتمال أعلى بـ 4000 ضعف لتولي مناصب سياسية مقارنة بالأشخاص العاديين. يتم شراء ذمم السياسيين والأحزاب لخدمة مصالح القلة، مما يفرغ الديمقراطية من مضمونها. في الولايات المتحدة، جاء سدس التبرعات الانتخابية في عام 2024 من 100 عائلة فقط من أصحاب المليارات.

* السيطرة على الإعلام والتكنولوجيا: يسيطر أصحاب المليارات على أكثر من نصف شركات الإعلام الكبرى، ويديرون 9 من أصل 10 شركات تواصل اجتماعي كبرى، و8 من أصل 10 شركات ذكاء اصطناعي. مثال على ذلك استحواذ إيلون ماسك على تويتر (X)، وما تلا ذلك من ارتفاع في خطاب الكراهية وتفكيك للضوابط. في فرنسا، استحوذ الملياردير فنسان بولوريه على وسائل إعلام وحولها لمنصات تخدم أجندات يمينية متطرفة.

* الوصول المباشر: يجلس أصحاب المليارات على طاولات القرار، ويؤثرون في السياسات بشكل مباشر، بينما يتم تجاهل مصالح الفقراء والنساء والمجموعات المهمشة في وسائل الإعلام والسياسات العامة.

3. تآكل الديمقراطية والقمع بدلاً من الحلول

تؤكد الدراسات أن البلدان ذات اللامساواة الحادة في الثروة تكون أكثر عرضة بسبعة أضعاف لـ "تآكل الديمقراطية" مقارنة بالدول الأكثر مساواة. هذا التآكل يشمل تقويض السلطة القضائية، تقييد الحريات المدنية، والتلاعب بالانتخابات.

* الفقر السياسي: يتحول الفقر الاقتصادي للأغلبية إلى فقر سياسي، حيث تُواجه أصواتهم بالقمع. النساء، والفئات المهمشة، والفقراء يجدون حواجز هائلة أمام المشاركة السياسية.

* القمع الوحشي: بدلاً من إعادة توزيع الثروة لمعالجة غلاء المعيشة، تختار الحكومات القمع. تم سحق الاحتجاجات ضد التقشف بعنف في بلدان مثل كينيا، نيجيريا، وبيرو. يورد التقرير قصة "توم" في كينيا، الذي أصيب برصاص الشرطة أثناء تظاهرة سلمية ضد زيادة الضرائب، حيث واجه المحتجون الاختطاف والقتل.

* كبش الفداء: يتم توجيه اللوم بشكل منهجي نحو المهاجرين والأقليات بدلاً من أصحاب المليارات لتشتيت الانتباه عن الأسباب الحقيقية للمشاكل الاقتصادية.

4. بناء مستقبل أكثر مساواة (الحلول)

يؤكد التقرير أن هذا الواقع ليس قدراً محتوماً، وأن التغيير ممكن من خلال سياسات جريئة. يقترح التقرير ثلاثة مسارات رئيسية للحل:

* أولاً: تقليص اللامساواة الاقتصادية بشكل جذري، يجب أن يكون هذا أولوية قصوى للحكومات. يُطالب التقرير بوضع خطط وطنية محددة زمنياً لتقليص اللامساواة، بحيث لا يتجاوز معامل جيني 0.3. كما يدعو لدعم توصيات "لجنة الخبراء المستقلين لمجموعة العشرين" لإنشاء "هيئة دولية معنية باللامساواة" على غرار هيئات المناخ.

* ثانياً: كبح جماح النفوذ السياسي لأصحاب الثراء الفاحش، بناء حواجز بين الثروة والسياسة من خلال:

1. فرض ضرائب فعالة على الثروات الفاحشة لتقليل نفوذهم الاقتصادي والسياسي.

2. تنظيم أنشطة "اللوبي" وحظر ظاهرة "الأبواب الدوارة" بين المناصب العامة والشركات الخاصة.

3. حظر تمويل الأثرياء للحملات الانتخابية لضمان تكافؤ الفرص.

4. سن تشريعات لضمان استقلالية الإعلام، وزيادة الشفافية في الخوارزميات، وحماية حرية التعبير مع مكافحة خطاب الكراهية.

* ثالثاً: بناء القوة السياسية للأغلبية، تمكين الناس العاديين من تنظيم أنفسهم ليكونوا ثقلاً مضاداً للنخبة.

1. تعزيز الحيز المدني وحمايته، ودعم النقابات العمالية التي تلعب دوراً حاسماً في رفع الأجور وتقليص الفجوات بين الجنسين والأعراق.

2. تشجيع المشاركة الجماهيرية وتوفير بيئة تمكينية للمجتمع المدني لمساءلة السلطة.

3. العمل التضامني العالمي وبناء حركة شعبية عابرة للحدود للمطالبة بإنهاء حكم الأثرياء وبناء عالم أكثر عدلاً.

يختتم الملخص بالتأكيد على أن اللامساواة الاقتصادية والسياسية متشابكتان، وأن تفكيك إحداهما يتطلب تفكيك الأخرى، داعياً إلى تنظيم الصفوف لانتزاع مستقبل أفضل.

الفصل الأول: الهوة الكبرى بين اللامساواة وحكم الأثرياء

يفتتح التقرير فصله الأول بتسليط الضوء على واقع عالمي تتجذر فيه اللامساواة بشكل مخيف، حيث تتفاقم الفجوة بين القلة الثرية والأغلبية الساحقة في ظل حروب وتوترات تجارية وصدمات مناخية. يشير التقرير إلى أن ثروة النخبة العالمية بلغت مستويات قياسية، وهذه الثروة المتنامية لقلة من البشر تتحكم بحلقة مفرغة من "الاستحواذ السياسي والاقتصادي"، مما يقوض الحرية السياسية ويعمق اللامساواة الاقتصادية. يستخدم أصحاب المليارات نفوذهم السياسي لتعزيز مصالحهم الخاصة، بينما تنجرف بلدان كثيرة بعيداً عن المبادئ الديمقراطية نحو "الأوليغارشية" أو حكم القلة الأثرياء.

1. عقد ذهبي لأصحاب المليارات

شهد عام 2025 تحطيماً للأرقام القياسية بالنسبة لأصحاب المليارات. للمرة الأولى في التاريخ، تجاوز عددهم 3,000 شخص، ووصلت ثرواتهم بنهاية نوفمبر 2025 إلى مستوى قياسي بلغ 18.3 تريليون دولار أمريكي. يمثل هذا الرقم زيادة بمقدار 2.5 تريليون دولار عن العام السابق، وزيادة هائلة بنسبة 81% (8.2 تريليون دولار) منذ عام 2020 (بعد احتساب التضخم).

كان معدل نمو ثروات أصحاب المليارات خلال العام الأخير (نوفمبر 2024 - 2025) أسرع بثلاث مرات من متوسط النمو في السنوات الخمس السابقة. وبينما كان النمو الأكثر حدة في الولايات المتحدة، استفاد الأثرياء في بقية أنحاء العالم من زيادات تفوق 10%، مدفوعين بسياسات إلغاء القيود وخفض الضرائب على الشركات.

تتركز هذه الثروة المفرطة في أيدي قلة قليلة؛ حيث يمتلك أثرى عشرة أشخاص مجتمعين أكثر من 2.4 تريليون دولار. وفي قطاع التكنولوجيا تحديداً، يحدث تراكم هائل للثروة، حيث أصبحت شركة "نفيديا" (NVIDIA) في يوليو 2025 أول شركة تصل قيمتها إلى 5 تريليونات دولار، وارتفعت ثروة رئيسها التنفيذي "جنسن هوانغ" 25 ضعفاً منذ عام 2020 لتصل إلى 154 مليار دولار.

لا يقتصر الازدهار على أصحاب المليارات، بل يشمل "أصحاب الملايين" الذين يشكلون 1% من سكان العالم. في عام 2024 وحده، ظهر أكثر من 680,000 مليونير جديد، ومن المتوقع ظهور أكثر من 5 ملايين مليونير جديد بحلول عام 2029. المفارقة الصارخة هنا هي أن أغنى 1% من البشر يمتلكون 43.8% من ثروة العالم، بينما لا يمتلك النصف الأفقر من البشرية سوى 0.52% فقط. كما يمتلك أغنى 12 مليارديراً ثروة تفوق ما يملكه النصف الأفقر من البشر (أكثر من 4 مليارات إنسان).

2. مليارات البشر يواجهون الفقر والجوع

في المقابل، يرزح مليارات البشر تحت وطأة معاناة يمكن تجنبها. فمنذ عام 2020، تعثر التقدم في الحد من الفقر بشكل كبير. في عام 2022، عاش ما يقرب من نصف سكان العالم (48% أي 3.83 مليار شخص) في حالة فقر. وإذا استمرت المسارات الحالية، سيظل ثلث سكان العالم في حالة فقر بحلول عام 2050.

تتجلى هذه المعاناة بوضوح في أزمة الجوع؛ حيث يواجه ربع سكان العالم انعداماً معتدلاً أو شديداً في الأمن الغذائي. ارتفع هذا الرقم بنسبة 42.6% بين عامي 2015 و2024. وحتى في المناطق الغنية مثل أوروبا وأمريكا الشمالية، يعاني 92 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. ارتفعت أسعار الغذاء بوتيرة أشد من السلع الأخرى، متجاوزة نمو الأجور، مما وضع عبئاً هائلاً على الفقراء. اليوم، هناك 2.6 مليار إنسان لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.

تتحمل النساء والفئات المهمشة العبء الأكبر؛ ففي عام 2025، اتسعت فجوة انعدام الأمن الغذائي بين الجنسين لتصل إلى مستوى غير مسبوق منذ 2015. عالمياً، تزيد حصة دخل العمل للرجال بمقدار 2.4 مرة عن النساء، ولا تملك النساء المليارديرات سوى 13% من إجمالي ثروة أصحاب المليارات. كما تقدم النساء ما يقدر بـ 12.5 مليار ساعة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر يومياً، مما يضيف قيمة هائلة للاقتصاد العالمي دون مقابل.

تفاقم أزمة الديون في "الجنوب العالمي" هذا الوضع؛ حيث يعيش 3.4 مليار شخص في بلدان تنفق على سداد فوائد الديون أكثر مما تنفق على التعليم أو الصحة. تفرض إجراءات التقشف تقليص الخدمات العامة، مما يجعل التعليم والرعاية الصحية غير ميسورة التكلفة ومتاحة فقط للأثرياء، بينما يُترك الفقراء لمواجهة المرض والجهل.

3. اللامساواة الاقتصادية تولد اللامساواة السياسية

يؤكد التقرير أن اللامساواة الاقتصادية المفرطة ليست مجرد شأن مالي، بل تتحول حتماً إلى لامساواة سياسية، مقوضةً الديمقراطية والحريات. تخلق الفجوة الهائلة طبقة من أصحاب المليارات تتمتع بنفوذ سياسي غير متكافئ، تمكنهم من التحكم في الاقتصادات والمجتمعات.

تشير الدراسات إلى أن البلدان ذات اللامساواة الأشد في الثروة تكون أكثر عرضة بسبعة أضعاف لتآكل الديمقراطية مقارنة بالدول الأكثر مساواة. يشمل هذا التآكل تقويض السلطة القضائية، تقييد الحريات المدنية، والتلاعب بالانتخابات. وبحسب التوقعات، فإن احتمال تآكل الديمقراطية في بلد يتمتع بمساواة مثل السويد يبلغ 4% فقط، بينما يقفز إلى 31% في بلد شديد اللامساواة مثل جنوب أفريقيا.

يتحول الفقر الاقتصادي للأغلبية إلى "فقر سياسي"، حيث يتم قمع أصواتهم وحقوقهم. في عام 2024، تعرضت حرية التعبير للتضييق في ربع بلدان العالم، وشهد أكثر من 60 بلداً تراجعاً في الحقوق السياسية والحريات المدنية. يعيش اليوم ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم تحت حكم استبدادي أو في أنظمة تتآكل فيها الديمقراطية.

كما يتناول التقرير مفهوم "حد الثروة" (Limitarianism) الذي طرحته الفيلسوفة "إنغريد روبينز"، والذي يجادل بأنه بعد نقطة معينة تصبح الثروة الخاصة غير مبررة أخلاقياً وخطيرة سياسياً، لأنها تمنح أصحابها نفوذاً يشوه الديمقراطية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ثلث أصحاب الملايين يؤيدون وضع سقف للثروة عند 10 ملايين دولار.

يخلص الفصل إلى أن الترابط بين اللامساواة الاقتصادية والسياسية يخلق حلقة مفرغة: فالنخب الثرية تستخدم نفوذها لسن قوانين تزيد ثروتها (مثل خفض الضرائب)، مما يزيد من نفوذها السياسي، ويؤدي بدوره إلى مزيد من تآكل حقوق الأغلبية وقدرتهم على التأثير، ممهداً الطريق نحو الأوليغارشية الكاملة.

الفصل الثاني: الأوليغارشية التي تتحكم بعالمنا اليوم

يستهل التقرير هذا الفصل بالإشارة إلى لحظة فارقة في عام 2025، تمثلت في انتخاب رئيس أميركي من أصحاب المليارات (دونالد ترامب)، وتشكيل إدارته التي تُعد من بين الأغنى تاريخياً، بدعم وتمويل هائل من أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، الذي أصبح الذراع اليمنى للرئيس. هذه الأحداث لم تكن معزولة، بل كشفت بوضوح مؤلم حقيقة عالمية: أصحاب المليارات لا يكتفون بمراكمة ثروات تفوق قدرتم على الإنفاق، بل يستخدمونها لضمان سلطة سياسية تمكنهم من صياغة القواعد الاقتصادية والسيطرة على الدول.

يفصل التقرير الآليات الثلاث التي يستخدمها هؤلاء لبناء نفوذهم:

1. شراء ذمم السياسيين (المال السياسي).

2. السيطرة على المعلومات والسرديات (ملكية الإعلام).

3. الوصول المباشر إلى مناصب السلطة وصناعة القرار.

أولاً: تأثير المال السياسي (شراء النفوذ)

يطرح التقرير تساؤلات جوهرية: لماذا يتم تجاهل السياسات التي تحظى بشعبية واسعة (مثل مكافحة تغير المناخ وفرض ضرائب على الثروة)؟ ولماذا ينحرف العالم عن مسار تحقيق الأهداف المناخية رغم مطالبة 80% من السكان بذلك؟ الإجابة تكمن في "المال السياسي" الذي يقوض مبدأ "صوت واحد لكل مواطن" لصالح مبدأ "صوت واحد لكل دولار".

* الإنفاق الانتخابي واللوبي:

في الولايات المتحدة، ضخت 100 عائلة فقط من أصحاب المليارات مبلغاً قياسياً بلغ 2.6 مليار دولار في الانتخابات الفيدرالية لعام 2024. هذا يعني أن دولاراً واحداً من كل ستة دولارات تم إنفاقها في الانتخابات جاء من هذه العائلات القليلة. علاوة على ذلك، أنفقت الشركات المرتبطة بأثرى 10 رجال في العالم 88 مليون دولار لضغط السياسي (اللو بي) في عام 2024، وهو مبلغ يفوق ما أنفقته جميع النقابات العمالية مجتمعة (55 مليون دولار).

* الاستحواذ على الدولة والسياسات:

يشير التقرير إلى أن النخب تستخدم قوتها للاستحواذ على السياسات العامة والقوانين. وتظهر البيانات من 136 دولة وجود علاقة طردية: كلما كان توزيع الموارد الاقتصادية غير متساوٍ، كان توزيع النفوذ السياسي غير متساوٍ أيضاً، مما ينتج سياسات تخدم الأغنياء.

* دراسة أمريكية: احتمالية تحول سياسة ما إلى قانون تصل إلى 45% إذا حظيت بدعم الأثرياء، بينما تنخفض إلى 18% إذا عارضوها.

* الباب الدوار: تنتقل النخب بين المناصب الحكومية والقطاع الخاص لطمس الحدود بين المصلحة العامة والخاصة. في المملكة المتحدة، تداخل ثلث وظائف الوزراء السابقين في القطاع الخاص مع مهامهم الحكومية السابقة. وفي الاتحاد الأوروبي، تمتلك 14 من أصل 20 منظمة الأكثر التقاءً بممثلي الاتحاد مصالح تجارية واضحة.

* أمثلة عالمية على تداخل المال والسلطة:

* نيجيريا: استفاد "أليكو دانغوتي" (أغنى رجل في أفريقيا) من خصخصة مؤسسات الدولة واحتكار سوق الإسمنت بفضل علاقاته الوثيقة بالرئاسة، حيث دفع معدل ضريبة فعلي لم يتجاوز 1% رغم أرباحه الهائلة.

* الأرجنتين: استفادت شركة "ميركادو ليبره" (التي يملكها ماركوس غالبرين، المؤيد للرئيس ميلي) من إعفاءات ضريبية بلغت 247 مليون دولار، رغم سياسات التقشف التي طالت الشعب.

* قطاع الأدوية: خلال جائحة كورونا، حققت شركات مثل فايزر وموديرنا أرباحاً خيالية، وهددت بسحب استثماراتها من الدول التي تدعم التنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات، معتمدة على إنفاق ملايين الدولارات في الضغط السياسي في بروكسل.

* شراء الأصوات المباشر: يشير التقرير إلى تفشي ظاهرة شراء الأصوات في دول مثل تايلاند، الفلبين، ولبنان، حيث تم توزيع قسائم غذاء ووقود مقابل الولاء السياسي، مما يضعف خيارات الفقراء السياسية.

ثانياً: ملكية النخب وسيطرتها على وسائل الإعلام

يتناول هذا القسم كيف تحولت السيطرة على المعلومات من "أباطرة الصحف" التقليديين إلى "أباطرة التكنولوجيا" والمنصات الرقمية، مما يشكل تهديداً مباشراً للحرية السياسية.

* احتكار المعلومات:

يمتلك أصحاب المليارات 7 من بين أكبر 10 شركات إعلام وصحافة في العالم. كما يقضي البشر يومياً 11.8 مليار ساعة (ما يزيد عن مليون سنة مجتمعة) في استهلاك المحتوى على منصات تواصل اجتماعي أسسها أصحاب المليارات. ويسيطر 6 أصحاب مليارات فقط على 9 من أصل أكبر 10 شركات تواصل اجتماعي.

* تشكيل الخطاب العام:

يشتري الأثرياء وسائل الإعلام ليس للربح فقط، بل لتوسيع النفوذ السياسي وإضفاء الشرعية على ثرواتهم.

* إيلون ماسك ومنصة X (تويتر سابقاً): بعد شرائه المنصة، قلص ضوابط خطاب الكراهية تحت ذريعة "حرية التعبير"، مما أدى لارتفاع استخدام الشتائم العنصرية بنسبة 500% وخطاب الكراهية ضد النساء والمتحولين جنسياً. كما تعاونت المنصة مع أجهزة أمنية في كينيا لتعقب واختطاف المتظاهرين.

* جيف بيزوس وواشنطن بوست: أعادت الصحيفة هيكلة قسم الآراء لترويج "الأسواق الحرة"، مما يعكس توجهات مالكها.

* فنسان بولوريه في فرنسا: اشترى قناة "CNews" وحولها إلى نسخة فرنسية من "فوكس نيوز" لترويج أفكار اليمين المتطرف، واستخدم نفوذه لرفع دعاوى قضائية ضد الصحفيين المنتقدين.

* شيلدون أديلسون: استخدم صحيفة "إسرائيل هيوم" لدعم مواقف يمينية متطرفة ومساندة نتنياهو وترامب.

* التهميش الممنهج:

تتجاهل وسائل الإعلام المملوكة للمليارديرات مصالح الفقراء والنساء والأقليات. في أمريكا اللاتينية، لا يمثل السكان الأصليون سوى 3% من الظهور الإعلامي. هذا التهميش يحرم الفئات الأضعف من المعلومات ويسهل تمرير سياسات تضرهم.

* خطر الذكاء الاصطناعي:

مع سيطرة أصحاب المليارات على شركات الذكاء الاصطناعي (يديرون 8 من أصل 10 شركات كبرى)، يتزايد خطر التضليل عبر الفيديوهات والصور المزيفة (Deepfakes) التي تستخدم للتلاعب بالانتخابات، كما حدث في باكستان بفيديوهات مزيفة لمرشحين.

ثالثاً: أصحاب المليارات يجلسون على طاولة القرار

لم يعد الأثرياء يكتفون بالتأثير من خلف الستار، بل أصبحوا يمارسون السلطة مباشرة، مما يجعل احتمالية توليهم مناصب سياسية أعلى بـ 4000 ضعف مقارنة بالأشخاص العاديين.

* تولي المناصب مباشرة:

* الولايات المتحدة: حكومة ترامب في 2025 ضمت عدداً غير مسبوق من المليارديرات.

* لبنان: نجيب ميقاتي، أغنى رجل في البلاد، تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات كمرشح "توافقي" رغم ضعف الدعم الشعبي، مستفيداً من نفوذه المالي.

* كينيا: يمتلك خمسة من أعضاء حكومة الرئيس روتو ثروة مجمعة تزيد عن 20 مليون دولار، ونموا ثرواتهم بشكل كبير بعد تولي السلطة.

* سيراليون: الرئيس يوليوس مادا بيو انتقل من شقة متواضعة في لندن لامتلاك عقارات بالملايين خلال سبع سنوات من الحكم.

* الوصول التفضيلي (VIP):

يستخدم الأثرياء مواقعهم للوصول إلى صناع القرار عبر "المجالس الاستشارية للأعمال" (كما في المكسيك) أو عبر القمم الدولية.

* قمم المناخ (COP): في COP28، كان هناك 34 مليارديراً ضمن الوفود، ربعهم جمع ثروته من صناعات ملوثة. وفي COP29، تجاوز عدد جماعات ضغط الوقود الأحفوري وفود جميع الدول باستثناء الدولة المضيفة والبرازيل وتركيا.

* تمويل اليمين المتطرف:

يشير التقرير إلى وجود شبكة من أصحاب المليارات تمول حركات اليمين المتطرف لتعزيز الانقسام، واستهداف الأقليات، وسحق النقابات العمالية، وافتعال "حروب ثقافية" لتشتيت الانتباه عن تركز الثروة.

* استراتيجية "دليل الانقلاب":

يستشهد التقرير بمفهوم "دليل انقلاب أصحاب المليارات" الذي وضعه الاتحاد الدولي للنقابات، والذي يتضمن استراتيجيات مثل: تمويل الكراهية لتقسيم العمال، خفض الإنفاق الاجتماعي، السيطرة على الإعلام، واستغلال البيانات للتلاعب بالرأي العام.

يختتم الفصل برسم صورة قاتمة ولكنها واضحة: الثروة المفرطة لا تولد الرفاهية للجميع، بل تولد نظاماً أوليغارشياً (حكم القلة) يخنق الديمقراطية، ويسيطر على العقول عبر الإعلام، ويجلس مباشرة على مقاعد الحكم لخدمة مصالحه الخاصة على حساب الأغلبية الساحقة.

الفصل الثالث: اللامساواة السياسية في قاعدة الهرم - القمع بدلاً من إعادة التوزيع

يفتتح الفصل بمفارقة صارخة: بينما يستخدم أصحاب الثراء الفاحش ثرواتهم لشراء نفوذ سياسي مفرط، يواجه الأشخاص الذين يعيشون في فقر عوائق هائلة تحول دون مشاركتهم السياسية. هذا الواقع ليس صدفة، فاللامساواة الاقتصادية الشديدة والحرية السياسية لا يمكن أن يتعايشا طويلاً. وفي ظل تفاقم المعاناة الاقتصادية وسياسات التقشف، تجد الحكومات نفسها أمام خيارين: إما إعادة توزيع الثروة لمعالجة المظالم، أو قمع المعارضة. وللأسف، تختار العديد من الحكومات القمع، فتسحق الاحتجاجات وتستهدف المدافعين عن الحقوق، مما يحول الفقر الاقتصادي إلى فقر سياسي مدقع.

1. اللامساواة والفقر السياسي

يتحول الفقر الاقتصادي للأغلبية تلقائياً إلى "فقر سياسي". فالأشخاص الذين يكدحون لتأمين قوت يومهم يفتقرون إلى الوقت والمال اللازمين للمشاركة في الحياة العامة وصنع القرار.

* حواجز المشاركة: يواجه الفقراء، وخاصة النساء، عقبات بيروقراطية ولوجستية. في البلدان المنخفضة الدخل، يفتقر 45% من الأشخاص في الشريحة الأفقر إلى بطاقة هوية، وهي شرط أساسي للتصويت في الغالب. وتتسع هذه الفجوة بين الجنسين، حيث تفتقر 45% من النساء لهذه البطاقات مقارنة بـ 30% من الرجال.

* فقر الوقت: تعاني النساء من "فقر الوقت" الحاد بسبب أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، مما يمنعهن من الانخراط السياسي.

* التهميش الممنهج: تواجه الأقليات والمجموعات المعرضة للتمييز العنصري عوائق هيكلية. في الولايات المتحدة، يضطر الناخبون في الأحياء التي يقطنها السود للانتظار فترات أطول بنسبة 29% للتصويت مقارنة بالأحياء البيضاء. وفي الاتحاد الأوروبي، لا يمثل النواب من خلفيات عرقية سوى 4.3% رغم أنهم يشكلون 10% من السكان.

هذا الإقصاء يمنع الفقراء من التأثير في السياسات التي تمس حياتهم، مما يرسخ حلقة مفرغة من التهميش.

2. سحق الاحتجاجات بدلاً من الحلول

شهد العالم تصاعداً غير مسبوق في الاحتجاجات، حيث اندلع أكثر من 142 احتجاجاً كبيراً ضد الحكومات خلال الـ 12 شهراً الماضية. المحرك الرئيسي لهذه الاحتجاجات هو "إخفاقات التمثيل السياسي" والمطالبة بالعدالة الاقتصادية.

* الخيار الحكومي: بدلاً من الاستجابة للمطالب الشعبية بإنهاء التقشف وفرض ضرائب على الأثرياء، تختار الحكومات العنف.

* قصة "توم" من كينيا: يورد التقرير قصة "توم"، الشاب الذي انضم لآلاف المحتجين في نيروبي في يوليو 2024 ضد مشروع قانون المالية الذي يرفع الضرائب والأسعار. واجهت الشرطة المحتجين السلميين بالرصاص الحي والمطاطي. أصيب توم بثلاث رصاصات في صدره، واضطر للاختباء ودفع رشوة لإزالتها في مستشفى خاص خوفاً من الاعتقال في المستشفيات العامة. سجلت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان مقتل 39 شخصاً، واتُهمت الدولة بارتكاب عمليات خطف وتعذيب منهجي. رغم القمع، نجحت الاحتجاجات في إجبار الرئيس على سحب مشروع القانون، مما يثبت قوة الناس في فرض التغيير.

* الأرجنتين: في مواجهة سياسات التقشف القاسية التي فرضتها حكومة الرئيس "ميلي"، قوبل المحتجون بقمع وحشي. أصيب ما لا يقل عن 1155 محتجاً، واستخدمت الشرطة الرصاص المطاطي لاستهداف الرؤوس والوجوه، وأصدرت مراسيم لتقييد الحق في التظاهر.

* دوامة الديون والديمقراطية: يشير التقرير إلى أن أزمة الديون تغذي القمع. فالحكومات المدينة لصندوق النقد الدولي وللدائنين من القطاع الخاص (وهم غالباً من أصحاب الثراء الفاحش) تجد نفسها ملزمة بتنفيذ شروطهم التقشفية على حساب شعوبها، مما يؤدي إلى احتجاجات تواجهها بالقمع، فتتآكل الديمقراطية.

3. استهداف خط الدفاع الأخير: المدافعون والنقابات

لم تكتفِ الأنظمة بقمع الاحتجاجات العفوية، بل استهدفت بشكل منهجي الهياكل المنظمة للمجتمع المدني.

* المدافعون عن الأرض والبيئة: هم في طليعة النضال ضد اللامساواة، حيث يقاومون سرقة أراضيهم من قبل الشركات الكبرى. في عام 2023، قُتل ما لا يقل عن 196 شخصاً لدفاعهم عن البيئة والأرض. وفي كولومبيا وحدها، قُتل أكثر من 400 مدافع عن حقوق الإنسان منذ 2016. السكان الأصليون، الذين يشكلون 6% فقط من سكان العالم، كانوا ضحايا لـ 20% من هذه الهجمات.

* النقابات العمالية: تعتبر النقابات العقبة الأقوى أمام جشع الشركات، لذا فهي مستهدفة بشدة. يسعى الرئيس الأرجنتيني، بدعم من المليارديرات، لتعديل 366 قانوناً لتفكيك الحماية النقابية. عالمياً، يتم اغتيال النقابيين وسجنهم لترهيب العمال ومنعهم من المطالبة بحقوقهم.

* تقييد المجتمع المدني: تستخدم الحكومات قوانين "مكافحة الإرهاب" و"الجرائم الإلكترونية" لتجريم النشاط المدني. في باكستان، استُخدمت قوانين الإرهاب لاستهداف المحتجين السلميين على غلاء المعيشة، وتم تشريع قوانين تعاقب على "المعلومات الكاذبة" بالسجن لقمع النشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

* إغلاق الحيز المدني: ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في بلدان ذات "حيز مدني مغلق أو قمعي" بنسبة 67% بين عامي 2018 و2024.

4. كبش الفداء: استراتيجية الإلهاء

عندما تعجز الحكومات عن حل المشاكل الاقتصادية، تلجأ إلى استراتيجية "فرق تسد" لتشتيت الانتباه عن السبب الحقيقي (اللامساواة وحكم الأثرياء).

* استهداف المهاجرين: يتم تصوير المهاجرين والأقليات واللاجئين كسبب للأزمات الاقتصادية والجريمة ونقص الخدمات. تروج الأحزاب اليمينية المتطرفة، بدعم إعلامي من منصات يملكها أصحاب المليارات، لهذه السرديات الكاذبة.

* الأمثلة: في كندا، أظهرت استطلاعات أن 35% يعتقدون خطأً أن الهجرة تزيد الجريمة بسبب التضليل الإعلامي. وفي المملكة المتحدة، يركز النقاش العام على "القوارب الصغيرة" للمهاجرين بدلاً من "اليخوت الفارهة" للمتهربين من الضرائب. وفي جنوب أفريقيا وتونس، شُنت هجمات عنيفة ضد المهاجرين بتشجيع من خطابات سياسية.

* الهدف: صرف غضب الناس عن النخب الثرية وتوجيهه نحو الفئات الأكثر ضعفاً، مما يمزق التماسك الاجتماعي ويمنع تشكل جبهة موحدة ضد الظلم.

5. استعادة الصوت

يختتم الفصل بالتأكيد على أن هذا الواقع القاتم ليس قدراً محتوماً. يمكن التغلب على "الفقر السياسي" من خلال التنظيم الجماعي.

* قوة الوحدة: تظهر الأبحاث أن الفقراء يمكنهم امتلاك صوت سياسي قوي إذا توفرت منظمات مجتمع مدني قوية وأحزاب تمثلهم.

* أمثلة مضيئة: "خوسيه موخيكا" في أوروغواي و"لولا دا سيلفا" في البرازيل وصلا للسلطة بدعم من الطبقات العاملة والفقيرة، ونجحا في تقليص الفقر والجوع عبر سياسات تشاركية.

* الدعوة: الحل يكمن في بناء قوة سياسية للأغلبية، وحماية الحيز المدني، ودعم النقابات، ورفض سياسات التفرقة، لفرض إعادة التوزيع وإنهاء حكم الأثرياء.

بناءً على طلبك، إليك استخراج تفصيلي وموسع لمحتوى الفصل الرابع: بناء مستقبل أكثر مساواة 

الفصل الرابع: بناء مستقبل أكثر مساواة

يفتتح التقرير فصله الختامي بوضع العالم أمام مفترق طرق حاسم: فإما الاستمرار في مسار اللامساواة المفرطة التي تتيح لأصحاب الثراء الفاحش التلاعب بالانتخابات والاقتصادات وتعميق نفوذهم، أو اختيار مسار بديل يعيد السلطة للأغلبية. يؤكد التقرير أن الواقع الحالي ليس قدراً محتوماً، وأن الحكومات تملك القدرة والمسؤولية لقلب المعادلة من خلال ثلاث حزم رئيسية من الإجراءات الجريئة:

أولاً: تقليص اللامساواة الاقتصادية بشكل جذري

يرى التقرير أن اللامساواة الاقتصادية المرتفعة، مقترنة بالتركز الهائل للثروة واستمرار الفقر، هي المحرك الأساسي الذي يقوض حقوق الأغلبية وحرياتها. لذا، يجب أن يكون التقليص الجذري للامساواة الأولوية القصوى للحكومات، وذلك عبر خطط وطنية واقعية ومحددة زمنياً.

* الأهداف الرقمية: يوصي التقرير بأن تلتزم كل دولة بتحقيق معامل جيني للدخل (Gini Coefficient) أقل من 0.3، وأن لا تتجاوز نسبة بالما (Palma Ratio) 1 (أي ألا يمتلك أغنى 10% أكثر مما يمتلكه أفقر 40% من السكان).

* السياسات الخمس الأساسية: لتحقيق هذه الأهداف، يجب تبني سياسات أثبتت فاعليتها:

1. إعادة توزيع الثروة المفرطة: من خلال فرض ضرائب تصاعدية وشاملة على دخل وثروات أصحاب الثراء الفاحش.

2. الحد من نفوذ الشركات: تفكيك الاحتكارات وتعزيز المنافسة العادلة.

3. إلغاء الديون: شطب الديون غير المستدامة المترتبة على دول الجنوب العالمي، وإعادة التفكير جذرياً في هيكلية النظام المالي الدولي.

4. رفع الأجور وحماية العمال: ضمان حقوق العمال في التنظيم النقابي ورفع الحد الأدنى للأجور لضمان حياة كريمة.

5. الخدمات العامة والحماية الاجتماعية: توفير خدمات عامة مجانية وعالية الجودة (صحة، تعليم) وشبكات حماية اجتماعية شاملة للجميع.

* لجنة دولية للامساواة: يدعو التقرير جميع الدول لدعم مقترح "لجنة الخبراء المستقلين لمجموعة العشرين" بإنشاء "هيئة دولية معنية باللامساواة"، تعمل على غرار "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" (IPCC)، لتوفير بيانات دقيقة وآنية حول حجم المشكلة وحلولها، باعتبار أن اللامساواة تمثل حالة طوارئ عالمية لا تقل خطورة عن أزمة المناخ.

ثانياً: كبح جماح النفوذ السياسي لأصحاب الثراء الفاحش

لا ينبغي أن يترجم الثراء الاقتصادي تلقائياً إلى نفوذ سياسي. يقترح التقرير بناء "حواجز قوية" تفصل بين المال والسياسة من خلال الإجراءات التالية:

* الضرائب كأداة سياسية: فرض ضرائب فعالة على الثروات الفاحشة ليس فقط لجمع الإيرادات، بل لتقليص النفوذ الاقتصادي الذي يتحول إلى سطوة سياسية.

* تنظيم اللوبي و"الأبواب الدوارة":

* إنشاء سجلات عامة إلزامية لأنشطة الضغط السياسي (اللوبي) لكشف من يحاول التأثير على القرار.

* فرض فترات حظر (Cooling-off periods) لمنع المسؤولين الحكوميين من الانتقال فوراً للعمل في الشركات الكبرى التي كانوا ينظمونها، والعكس صحيح (ظاهرة الأبواب الدوارة).

* إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة لحماية المؤسسات من التدخل السياسي أو التجاري.

* إصلاح الإعلام والتكنولوجيا:

* منع تركز ملكية وسائل الإعلام في أيدي عدد قليل من الأثرياء أو الشركات لضمان تنوع الأصوات.

* تنظيم شركات التكنولوجيا لزيادة شفافية الخوارزميات، وحماية حرية التعبير مع مكافحة خطاب الكراهية الذي يستهدف الفئات المستضعفة.

* إخضاع هذه التنظيمات لهيئات حكومية مستقلة عن نفوذ المليارديرات.

* إصلاح التمويل السياسي:

* وضع سقوف صارمة للتبرعات الانتخابية من الأفراد والشركات.

* النظر في تمويل الحملات الانتخابية من الأموال العامة لتقليل اعتماد المرشحين على المانحين الأثرياء.

* فرض الشفافية الكاملة في تمويل الأحزاب والحملات.

* مثال "أمازون" في أوروبا: يورد التقرير مثالاً للصراع بين البرلمان الأوروبي وشركة أمازون، حيث منع البرلمان جماعات ضغط أمازون من دخول مقره بعد رفض الشركة المثول لجلسات استماع حول ظروف العمل. هذا يمثل سابقة لمحاسبة الشركات الكبرى وتأكيد أن الوصول لصناع القرار "امتياز وليس حقاً".

ثالثاً: بناء القوة السياسية للأغلبية

لا يكفي كبح جماح الأقوياء، بل يجب تمكين الناس العاديين ليكونوا فاعلين. يحدث التغيير الحقيقي عندما تتوافر بيئة تمكينية تسمح بالتنظيم الجماعي والتأثير في القرار.

* حماية الحيز المدني: التزام الحكومات بحماية حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات (بما في ذلك عبر الإنترنت)، وضمان قدرة المجتمع المدني والنقابات على العمل بحرية دون مضايقات أمنية أو قيود بيروقراطية.

* المشاركة التشاركية:

* تصميم آليات لإشراك المواطنين في صياغة السياسات (مثل الموازنات التشاركية).

* ضمان تمثيل الفئات المهمشة (النساء، الأقليات، الفقراء) في مواقع القرار.

* أمثلة عالمية ملهمة:

* البرازيل: تجربة "الموازنة التشاركية" في بورتو أليغري، وعقد مؤتمرات السياسات العامة التي أشركت أكثر من 7 ملايين شخص في صياغة التشريعات الوطنية بين 2003 و2010.

* الهند: نظام "الحجوزات السياسية" (الكوتا) الذي يضمن مقاعد للفئات والقبائل المهمشة لضمان صوتهم في البرلمان.

* أستراليا: تشكيل "جمعية الشعوب الأصلية" في ولاية فيكتوريا كإطار لتمثيلهم والتفاوض مع 

دعوة لبناء حركة عالمية

يختتم الفصل بالتأكيد على أن التجرؤ على معارضة حكم الأثرياء بات مكلفاً وخطيرًا في العديد من السياقات، حيث يواجه الناشطون القمع والاعتقال. ومع ذلك، فإن الأمل يكمن في "قوة الناس". يدعو التقرير إلى التكاتف وبناء حركة شعبية عالمية عابرة للحدود، تضم النقابات، والمجتمع المدني، والحركات النسوية والبيئية، للعمل معاً بروح التضامن.

يستشهد التقرير باحتجاجات "يوم رفض الملوك" في الولايات المتحدة (في سيناريو مستقبلي أو رمزي لعام 2025) كدليل على أن الغضب الشعبي يمكن أن يتحول إلى فعل منظم يطالب بإنهاء هيمنة الأوليغارشية واستعادة الديمقراطية. الرسالة النهائية واضحة: الطريق لاستعادة الحقوق طويل، لكنه يبدأ بالتنظيم والمطالبة الجماعية بمستقبل أكثر عدالة.

الخاتمة: بناء حركة عالمية والجرأة على المطالبة بالتغيير معاً

يختتم التقرير رسالته بتأكيد حاسم على أن التغيير الجذري لن يأتي من تلقاء نفسه، بل يتطلب تكاتف القوى المجتمعية الحية. وتعتبر منظمات المجتمع المدني، ونقابات العمال والعاملات، والحركات المنظمة الأخرى بمثابة "خط الدفاع الأول" والعناصر الأساسية في النضال العالمي ضد اللامساواة.

1. ركائز المقاومة والتماسك الاجتماعي

لا يقتصر دور هذه الحركات على الاحتجاج فحسب، بل هي الجهات التي تجمع الناس العاديين، وتتعاون بشكل وثيق مع حركات القاعدة الشعبية والسكان الأصليين. إنها تشكل آليات حيوية لتعزيز "التماسك الاجتماعي" في وجه سياسات التفرقة، وتؤدي دور "الرقيب" لضمان الشفافية والمساءلة، وتناصر بلا هوادة السياسات التقدمية وأنماط الحكم التي تخدم مصالح الأغلبية الساحقة بدلاً من قلة من الأثرياء.

في ظل هذا السياق، تظل حماية الحيز المدني، وضمان فاعلية المجتمع المدني في مواجهة التضييق البيروقراطي المتزايد واضطهاد القيادات الحقوقية، ضرورة قصوى لا يجوز الاستهانة بها أو التنازل عنها.

2. كلفة المعارضة وضرورة التضامن

يشير التقرير بوضوح إلى المخاطر الحقيقية التي تواجه الناشطين؛ ففي سياقات كثيرة حول العالم، بات "مجرد التجرؤ على المعارضة" يعني بشكل متزايد المخاطرة بالاعتقال، أو التعرض للتهديد، أو حتى الموت. لم تكن الدعوة إلى المساواة يوماً بهذا الثمن الباهظ كما هي اليوم.

لذا، يشدد التقرير على أنه يجب علينا أن نقف معاً، وأن نتخذ كافة التدابير اللازمة لبناء وحماية "الصوت والاختيار والقوة" التي تعبر عن الأغلبية التي تكافح من أجل مستقبل أكثر عدالة. إن العمل بروح التضامن والتعاون عبر الحدود بين حركاتنا ومنظماتنا ليس خياراً ترفيهياً، بل هو أمر حيوي لمواجهة تحدياتنا المشتركة وتغيير السرديات السائدة التي يفرضها الأثرياء.

3. رؤية للمستقبل: "يوم رفض الملوك" (سيناريو ملهم)

يستشهد التقرير في ختامه بسيناريو ملهم (الإطار 14) لعام 2025 في الولايات المتحدة، كدليل على ما يمكن أن يحققه الغضب الشعبي المنظم:

تميز عام 2025 بتركيز غير مسبوق للثروة والسلطة، حيث ارتفعت ثروة أغنى عشرة مليارديرات أمريكيين بمقدار 698 مليار دولار، بينما تعرضت شبكات الأمان الاجتماعي لاقتطاعات قاسية. مهد الرئيس جوزيف بايدن الطريق بالتحذير من تشكل "أوليغارشية" أمريكية.

بلغ الغضب الشعبي ذروته، فخرج ملايين الأشخاص إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة في يونيو وأكتوبر، حاملين لافتات تطالب بـ "إرغام أصحاب المليارات على الدفع" و"رفض الملوك". كان "يوم رفض الملوك" أحد أكبر أيام الاحتجاج في تاريخ الولايات المتحدة، جامعاُ أشخاصاً من مختلف الأعمار. ومن القصص الملهمة مشاركة "مارسي بلاوتر" (97 عاماً) في أول احتجاج لها على الإطلاق، حاملة لافتة تقول: *"عايشت حادثتي بيرل هاربر وإنزال النورماندي.. عليكم حماية الديمقراطية مجدداً!"*.

أدت هذه الضغوط الشعبية الهائلة إلى إقرار الكونغرس لأكبر عملية "إعادة توزيع تصاعدية للثروة" منذ عقود، مما يثبت أن إرادة الناس قادرة على كسر شوكة الأوليغارشية.

يختتم التقرير بالتأكيد على أنه حتى في مواجهة الأوليغارشية القوية لأصحاب المليارات، يواصل الناس النضال لبناء القوة وتحقيق تغيير طويل الأمد. يجب علينا أن نبحث عن الحلفاء والحركات التقدمية الناشئة، وأن نعمل بشراكة لبناء "حركة شعبية عالمية" تدافع عن حقوقنا، وتناضل من أجل عالم أكثر مساواة، وتطالب بإنهاء اللامساواة وحكم الأثرياء.

قد يكون الطريق نحو استعادة حقوقنا طويلاً وشاقاً، لكنه يبدأ بخطوات واثقة وجريئة كهذه.

ملحق: حكم الأثرياء بالارقام

* عدد قياسي: تجاوز عدد أصحاب المليارات حاجز الـ 3,000 شخص للمرة الأولى في التاريخ.

* إجمالي الثروة: بلغت ثروات أصحاب المليارات مستوى قياسياً عند 18.3 تريليون دولار أمريكي (نوفمبر 2025).

* النمو الهائل: نمت ثروات أصحاب المليارات بمعدل أسرع بثلاث مرات خلال العام الماضي (نوفمبر 2024 - 2025) مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة.

* تركّز الثروة: يمتلك أغنى 1% من البشر 43.8% من ثروة العالم، بينما لا يمتلك النصف الأفقر من البشرية سوى 0.52% فقط.

* مقارنة صادمة: يمتلك أغنى 12 مليارديراً ثروة تفوق ما يملكه النصف الأفقر من البشرية (أكثر من 4 مليارات إنسان).

* أرقام فردية: أصبح إيلون ماسك أول شخص تتجاوز ثروته نصف تريليون دولار (أكتوبر 2025). وارتفعت ثروة "جنسن هوانغ" (رئيس نفيديا) 25 ضعفاً منذ 2020 لتصل إلى 154 مليار دولار.

* تمتلك النساء المليارديرات 13% فقط من إجمالي ثروة أصحاب المليارات.

* الفقر العالمي: يعيش ما يقرب من نصف سكان العالم (48% أي 3.83 مليار شخص) في حالة فقر (2022).

* توقعات مستقبلية: إذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيظل ثلث سكان العالم (2.9 مليار شخص) في حالة فقر بحلول عام 2050.

* انعدام الأمن الغذائي: يواجه واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم خطر الجوع. وقد ارتفع عدد من يواجهون انعدام الأمن الغذائي بنسبة 42.6% بين عامي 2015 و2024.

* الغذاء الصحي: هناك 2.6 مليار إنسان لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.

* في الدول الغنية: يعاني 92 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي في أوروبا وأمريكا الشمالية.

* العمل غير مدفوع الأجر: تساهم النساء بـ 12.5 مليار ساعة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر يومياً، بقيمة تزيد عن 10.8 تريليون دولار سنوياً.

* احتمالية المناصب: أصحاب المليارات لديهم احتمال أعلى بـ 4,000 ضعف لتولي مناصب سياسية مقارنة بالأشخاص العاديين.

* الإنفاق الانتخابي: ساهمت 100 عائلة فقط من أصحاب المليارات بـ 2.6 مليار دولار في الانتخابات الفيدرالية الأمريكية لعام 2024 (سدس إجمالي الإنفاق).

* الضغط السياسي (اللوبي): أنفقت الشركات المرتبطة بأغنى 10 رجال في العالم 88 مليون دولار على الضغط السياسي في الولايات المتحدة عام 2024.

* السيطرة على الإعلام: يمتلك أصحاب المليارات 7 من بين أكبر 10 شركات إعلام وصحافة في العالم.

* التواصل الاجتماعي: يسيطر 6 أصحاب مليارات فقط على 9 من أصل أكبر 10 شركات تواصل اجتماعي. يقضي البشر يومياً 11.8 مليار ساعة على منصات يملكها أصحاب المليارات.

* قيمة الشركات: أصبحت شركة "نفيديا" أول شركة تصل قيمتها إلى 5 تريليونات دولار (يوليو 2025).

* القضاء على الفقر: تكفي 65% من الثروة التي راكمها أصحاب المليارات خلال العام الماضي فقط لإنهاء الفقر العالمي (عند خط 8.30 دولار).

* تكفي ثروة العام الماضي لأصحاب المليارات لمنح كل فرد في العالم 250 دولاراً، ومع ذلك سيبقى الأثرياء أغنى بـ 500 مليار دولار.

ذات صلة

المرجعية الدينية و التجربة الديمقراطيةالعقل والعقلانية في القرآنخلفيات الصراع بين أمريكا وفنزويلا وابعاده الجيوسياسية والاقتصاديةالأخلاق السياسية في العراقالمستوطنون والاحتلال وجهان لعنف واحد.. من القتل إلى اقتلاع الزيتون