تقرير استراتيجي.. مستقبل النظام الإيراني في ظل الاضطرابات الداخلية والعزلة الخارجية
شبكة النبأ
2026-01-14 07:19
مع دخول شهر يناير 2026، تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران منعطفاً استراتيجياً حرجاً، حيث تتضافر أزمات داخلية وخارجية لتشكل تحدياً وجودياً لنظام الحكم القائم منذ عام 1979. ما بدأ في أواخر ديسمبر 2025 كحراك مطلبي لتجار "البازار" في طهران احتجاجاً على انهيار العملة الوطنية، تحول بسرعة قياسية إلى انتفاضة سياسية واسعة النطاق عمت المدن الكبرى، رافعة شعارات تطالب بإسقاط النظام، وسط تقارير عن سقوط مئات القتلى وحملات اعتقال واسعة في ظل تعتيم إعلامي وحجب شامل للإنترنت.
لا تكمن خطورة المشهد الحالي في اتساع رقعة الغضب الشعبي وانضمام طبقات اجتماعية محافظة إليه فحسب، بل في تزامنه مع بيئة دولية شديدة العدائية. إذ تتبنى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية "خنق شامل" تتجاوز العقوبات التقليدية، ملوحة بتدخل عسكري مباشر وبفرض "حرب تعرفات جمركية" تستهدف تصفير الصادرات الإيرانية عبر الضغط على شركائها التجاريين، وفي مقدمتهم الصين.
يستعرض هذا التقرير الأبعاد المتشابكة للأزمة، بدءاً من المحركات الاقتصادية الهيكلية وانقلاب التحالفات الطبقية في الداخل، مروراً بتماسك الأجهزة الأمنية واستراتيجيات القمع، وصولاً إلى المتغيرات الجيوسياسية وسيناريوهات المستقبل المحتملة بين استعادة السيطرة الأمنية، أو الانهيار، أو التحول نحو عسكرة الدولة.
الملخص التنفيذي: نظرة عامة على الأزمة
اعتباراً من منتصف يناير 2026، تواجه إيران موجة احتجاجات واسعة النطاق تُصنّف، وفقاً لتقديرات مراقبين ومسؤولين غربيين، كأحد أبرز التحديات التي تواجه نظام الحكم منذ عقود. بدأت هذه الاضطرابات في 28 ديسمبر 2025 كحراك مطلبي محدود لتجار الأسواق (البازار) في طهران احتجاجاً على التدهور الحاد في قيمة العملة المحلية والأوضاع المعيشية، إلا أنها سرعان ما اتسعت جغرافياً لتشمل مدناً كبرى ومتوسطة، وتطورت نوعياً لترفع شعارات سياسية تطالب بتغيير النظام ورحيل القيادة العليا، متجاوزة المطالب الاقتصادية الأولية.
المشهد الميداني والأمني
تشير التقارير الميدانية إلى استخدام السلطات الأمنية القوة في التعامل مع المتظاهرين، وسط تضارب في أعداد الضحايا نتيجة الحجب الشامل لخدمات الإنترنت الذي تفرضه الحكومة منذ الثامن من يناير. وفي حين وثقت منظمات حقوقية مقتل ما لا يقل عن 648 متظاهراً، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني تقديرات تشير إلى مقتل نحو 2000 شخص (من المحتجين وقوات الأمن)، واعتقال أكثر من 10,000 آخرين.
في المقابل، لم تُرصد حتى الآن مؤشرات علنية على انشقاقات داخل المؤسسة العسكرية أو "الحرس الثوري"، حيث تحافظ الأجهزة الأمنية على تماسكها وولائها للقيادة السياسية، وتعمل على احتواء الاحتجاجات عبر حملات أمنية مكثفة وتنظيم مسيرات مضادة داعمة للحكومة.
المحركات الاقتصادية
يُعد العامل الاقتصادي المحرك الرئيسي لهذه الموجة، حيث فقد الريال الإيراني نحو 50% من قيمته خلال عام 2025، ووصل التضخم الرسمي إلى مستويات قياسية (42.5%). وقد أدى ذلك إلى تضرر الطبقة التجارية التقليدية (البازار) التي كانت تاريخياً حليفاً للنظام، حيث يعبر التجار عن استيائهم من عدم استقرار الأسعار وهيمنة المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري على الاقتصاد، مما دفعهم للمشاركة الفاعلة في الاحتجاجات الحالية.
المتغيرات الدولية والجيوسياسية
تتزامن الأزمة الداخلية مع ضغوط خارجية غير مسبوقة. تلوح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخيارات تصعيدية تشمل التدخل العسكري المباشر إذا استمر العنف، بالإضافة إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، وهو ما يهدف إلى عزل طهران اقتصادياً وتصفير صادراتها النفطية. وقد أثار هذا التوجه ردود فعل دولية متباينة؛ حيث انتقدت الصين التهديدات الأمريكية، بينما أبدت دول أوروبية (مثل ألمانيا وفرنسا) مواقف أكثر تشدداً تجاه طهران، مشيرة إلى احتمالية تآكل شرعية النظام. كما برز استخدام التكنولوجيا كعامل جديد في الصراع، مع تقارير عن محاولات لتوفير إنترنت فضائي (Starlink) للمتظاهرين بدعم أمريكي لكسر الحصار المعلوماتي.
الخلاصة والاستشراف
يظل المشهد في إيران مفتوحاً على سيناريوهات متعددة. فبينما تمتلك السلطات القدرات الأمنية والتماسك التنظيمي اللازمين لمنع السقوط الفوري، فإن استمرار تدهور الاقتصاد، واتساع الفجوة بين الدولة وفئات اجتماعية مؤثرة، وتصاعد الضغط الدولي، يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي. ويرتهن مستقبل الأزمة بمدى قدرة النظام على تحمل التبعات الاقتصادية للعقوبات الجديدة، ومآلات الحراك الشعبي في ظل غياب قيادة مركزية للمعارضة.
2. السياق الحالي: توصيف الأزمة وتطوراتها الميدانية
بحلول منتصف شهر يناير 2026، تشهد الجمهورية الإسلامية في إيران سلسلة من الاضطرابات والاحتجاجات الواسعة التي توصف، وفقاً لتقييمات محللين ومراقبين دوليين، بأنها تشكل أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه السلطات الإيرانية منذ سنوات. تتسم الأزمة الراهنة بتعدد أبعادها، حيث تداخلت فيها العوامل الاقتصادية المعيشية مع المطالب السياسية، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التوتر.
الجذور والشرارة الأولى: من الاقتصاد إلى السياسة
بدأ الحراك الاحتجاجي الحالي في 28 ديسمبر 2025، ولم تكن انطلاقته من الأوساط الطلابية أو السياسية التقليدية، بل جاءت من قلب العاصمة طهران عبر إضراب نفذه تجار "البازار". جاء هذا التحرك كرد فعل مباشر على التدهور المتسارع في المؤشرات الاقتصادية، وتحديداً الانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية (الريال الإيراني) وما تبعه من تضخم أثر سلباً على القدرة الشرائية واستقرار الأسواق.
وفي تطور لافت لمسار الأحداث، لم تبق الاحتجاجات محصورة في الإطار الاقتصادي أو الفئوي؛ إذ سرعان ما اتسعت رقعتها الجغرافية لتشمل مدناً كبرى ومتوسطة في مختلف المحافظات الإيرانية. وتزامناً مع هذا التوسع، حدث تحول نوعي في الشعارات المرفوعة؛ فبينما بدأت الهتافات بالتركيز على الغلاء والفساد، انتقلت سريعاً لتتبنى مطالب سياسية صريحة استهدفت رأس الهرم السياسي في البلاد، بما في ذلك الدعوة لتغيير نظام الحكم القائم منذ عام 1979، وانتقاد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وهو ما اعتبره محللون (مثل نيكول غراييفسكي) مؤشراً على عمق التحدي الذي تواجهه السلطة.
المشهد الميداني: حجم المشاركة والخسائر البشرية
تتضارب المعلومات حول الحجم الدقيق للخسائر البشرية وأعداد المشاركين نظراً للقيود المفروضة على تدفق المعلومات، إلا أن التقارير المتقاطعة تشير إلى مستوى عالٍ من العنف في المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن:
* أعداد الضحايا: وفقاً لبيانات صادرة عن منظمات حقوقية، مثل "منظمة حقوق الإنسان في إيران" (مقرها النرويج) ووكالة "هرانا"، تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 648 شخصاً، بينهم قاصرون وعناصر أمن. في المقابل، نقلت وكالة رويترز تصريحاً نادراً لمسؤول إيراني (رفض الكشف عن هويته) أشار فيه إلى أن حصيلة القتلى قد تصل إلى نحو 2000 شخص، تشمل كلا الطرفين (محتجين وقوات أمن)، عازياً ذلك لما وصفه بـ"أعمال إرهابية".
* الاعتقالات: تشير التقديرات الحقوقية إلى أن حملة الاعتقالات شملت أكثر من 10,721 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات، في حين أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية عن اعتقال ما وصفتهم بـ"فرق إرهابية" مسؤولة عن مهاجمة مقار عسكرية وحرق مساجد.
* طبيعة المواجهات: تضمنت الأحداث اشتباكات ليلية، إحراق مركبات ومبانٍ حكومية، ومواجهات عنيفة في الشوارع، وفقاً لمقاطع فيديو تم تداولها قبل وبعد انقطاع الإنترنت.
استراتيجية التعامل الرسمي: النهج المزدوج
تبنت السلطات الإيرانية استراتيجية مركبة في إدارة الأزمة، تقوم على مسارين متوازيين:
1. المسار الأمني والمعلوماتي: لجأت السلطات منذ الثامن من يناير إلى فرض حجب شامل لخدمات الإنترنت وقطع الاتصالات الدولية، بهدف الحد من قدرة المتظاهرين على التنظيم ومنع تداول الصور ومقاطع الفيديو التي توثق الأحداث. وبررت وزارة الخارجية هذا الإجراء بضرورات الأمن القومي ووجود "عمليات إرهابية". كما تم نشر قوات الأمن والحرس الثوري والباسيج للسيطرة على الشارع.
2. المسار السياسي والإعلامي: حاولت الحكومة، عبر تصريحات للمتحدثة باسمها ورئيس الجمهورية، استيعاب الغضب الشعبي من خلال الإقرار بوجود مشاكل اقتصادية مشروعة ووصف المحتجين بـ"الأبناء"، مع الفصل التام بينهم وبين من تصفهم بـ"مثيري الشغب" و"الإرهابيين" المدعومين من الخارج (تحديداً الولايات المتحدة وإسرائيل). وفي سياق الحشد المضاد، نظمت السلطات مسيرات جماهيرية واسعة في طهران ومدن أخرى دعماً للجمهورية الإسلامية ورفضاً للتدخلات الخارجية، وهو ما اعتبره المرشد الأعلى "تحذيراً" للولايات المتحدة.
البعد التكنولوجي وحرب المعلومات
شكل الفضاء الإلكتروني ساحة صراع رئيسية في هذه الأزمة. ففي مواجهة الحجب الحكومي، أشارت تقارير وشهادات من داخل إيران إلى محاولات لاستخدام تقنيات بديلة للوصول إلى الإنترنت، أبرزها خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك" (Starlink). وقد اكتسب هذا البعد زخماً سياسياً بدخول الإدارة الأمريكية على الخط، حيث أشار الرئيس دونالد ترامب إلى نيته دعم توفير هذه الخدمة للإيرانيين، مما يعكس تدويل الأزمة التكنولوجية كجزء من الصراع السياسي.
السياق الزمني والجيوسياسي
لا يمكن فصل الأحداث الحالية عن السياق الزمني القريب الذي مرت به إيران؛ فالبلاد لا تزال تتعامل مع تداعيات حرب استمرت 12 يوماً في يونيو 2025 ضد إسرائيل والولايات المتحدة، والتي أسفرت عن أضرار في منشآت نووية وعسكرية. هذا الظرف، مقروناً بالعقوبات الاقتصادية المستمرة، والتهديدات الأمريكية الجديدة بفرض رسوم جمركية وعمل عسكري، وضع النظام الإيراني أمام ما وصفه رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف بـ"حرب على أربع جبهات": اقتصادية، نفسية، عسكرية، وأمنية داخلية.
ورغم أن السلطات تبدو ممسكة بمفاصل القوة الأمنية والعسكرية دون انشقاقات معلنة، فإن استمرار الاحتجاجات للأسبوع الثالث، واتساع نطاقها ليشمل طبقات اجتماعية كانت محسوبة تقليدياً على النظام (التجار)، وارتفاع فاتورة الخسائر البشرية، يضع البلاد أمام منعطف حرج يختلف في ديناميكياته وحجمه عن الموجات الاحتجاجية السابقة.
3. المتغيرات الداخلية: تحليل موازين القوى
في خضم الاضطرابات التي تشهدها إيران في يناير 2026، يخضع المشهد الداخلي لمعادلة معقدة من توازنات القوى بين مؤسسات الدولة من جهة، والحراك الشعبي والشرائح الاجتماعية من جهة أخرى. ويشير تحليل المعطيات الواردة إلى أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول مطالب معيشية، بل يعكس تحولات عميقة في بنية التحالفات التقليدية ومصادر القوة داخل المجتمع والدولة. فيما يلي تفصيل لعناصر هذه المعادلة:
أولاً: مؤسسات السلطة.. التماسك والقدرات الهيكلية
تمتلك السلطة الإيرانية، حتى اللحظة، ركائز قوة تنظيمية وأمنية تمكنها من إدارة الأزمة، وتتمحور حول النقاط التالية:
1. تماسك النخبة الأمنية والسياسية:
يُجمع المحللون الذين رصدوا تطورات الأزمة (مثل نيكول غراييفسكي وجايسون برودسكي) على غياب أي مؤشرات ملموسة لحدوث انشقاقات أو تصدعات داخل هيكل القيادة العليا، سواء في المؤسسة العسكرية (الجيش)، أو الحرس الثوري، أو النخب السياسية. تلتزم كافة أركان الدولة، من الرئاسة إلى البرلمان والقضاء، بالخطاب الرسمي الذي حدده المرشد الأعلى، والذي يصف الاحتجاجات بـ"الشغب" ويشدد على عدم التراجع. ويُعد هذا التماسك المؤسسي عاملاً حاسماً في قدرة النظام على الاستمرار، حيث تاريخياً تُعتبر الانشقاقات العسكرية المؤشر الرئيسي لانهيار الأنظمة في مواجهة الاحتجاجات.
2. الحرس الثوري: النفوذ المزدوج (الأمني والاقتصادي):
لم يعد "الحرس الثوري الإيراني" مجرد قوة عسكرية مكلفة بحماية النظام، بل تحول إلى قوة اقتصادية مهيمنة تسيطر على قطاعات استراتيجية تشمل النفط، الغاز، الاتصالات، البناء، والنقل. هذه الهيمنة خلقت شبكة مصالح معقدة تربط بقاء المؤسسة العسكرية ببقاء النظام السياسي. ووفقاً لتقارير واردة، فإن الحرس الثوري يمتلك قدرات لوجستية ومالية مستقلة نسبياً (بما في ذلك شبكات تجارية للالتفاف على العقوبات)، مما يمنحه دافعاً وجودياً للدفاع عن الوضع القائم ومواجهة أي تهديد يمس نفوذه الاقتصادي أو السياسي.
3. استراتيجية السيطرة:
تعتمد السلطة على استراتيجية مزدوجة تجمع بين القوة الصلبة (نشر قوات الباسيج والأمن، حملات الاعتقال الواسعة، وحجب الإنترنت لقطع التواصل) والقوة الناعمة (تنظيم مسيرات مضادة لإظهار الدعم الشعبي، وتبني خطاب يقر بالمشاكل الاقتصادية لعزل المحتجين سياسياً).
ثانياً: الحراك الاحتجاجي.. الزخم ونقاط الضعف
على الجانب الآخر، تظهر جبهة المحتجين ديناميكيات مختلفة تتسم بالقوة العددية والانتشار، ولكنها تواجه تحديات تنظيمية:
1. التحول الديموغرافي والسياسي:
تميزت الاحتجاجات الحالية بانتقالها السريع من المطالب الاقتصادية إلى السياسية، ومن تجمعات محدودة إلى حراك واسع في المدن الكبرى. يشير هذا التحول إلى تآكل في "جدار الخوف"، حيث يتم رفع شعارات تستهدف رأس الهرم السياسي مباشرة. ومع ذلك، يرى محللون (مثل توماس جونو) أن الاحتجاجات، رغم تزايدها، لم تصل بعد إلى "الكتلة الحرجة البشرية" (Critical Mass) التي تمثل نقطة اللاعودة، أو التي تعجز الأجهزة الأمنية عن احتوائها كلياً.
2. غياب القيادة المركزية:
تمثل العفوية نقطة ضعف رئيسية في هيكل الحراك؛ إذ يفتقر المتظاهرون في الداخل إلى شبكات تنظيمية متينة أو قيادة موحدة قادرة على توجيه الحشود، التفاوض، أو طرح برنامج سياسي بديل. ويرى باحثون (مثل آرش عزيزي) أن هذا الغياب يقلل من قدرة الحراك على الصمود طويل الأمد في وجه القمع المنظم، أو تحويل الغضب الشعبي إلى مكاسب سياسية ملموسة.
3. واقع المعارضة في الخارج:
رغم الدور الإعلامي الذي يلعبه رضا بهلوي (نجل الشاه السابق) ودعوته للتظاهر، إلا أن المعارضة الإيرانية في المنفى لا تزال تعاني من انقسامات حادة. وتشير التقارير إلى أن أطراف المعارضة تخاصم بعضها بقدر ما تناهض النظام، مما يحول دون تشكيل "ائتلاف قيادي" يحظى بإجماع الداخل والخارج، ويقدم بديلاً موثوقاً للمجتمع الدولي.
ثالثاً: تحولات القوى الاجتماعية (انقلاب "البازار")
يُعد تغير موقف طبقة التجار (البازار) المتغير الداخلي الأبرز في معادلة القوى الحالية.
تاريخياً، شكل تحالف "البازار" و"رجال الدين" العمود الفقري لثورة 1979. أما اليوم، فقد أدى تدهور العملة وهيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد إلى تفكك هذا التحالف. يشعر التجار بأنهم هُمشوا لصالح المؤسسات العسكرية التي تحتكر الاستيراد والعملة الصعبة. انضمام هذه الطبقة المحافظة والمؤثرة مالياً إلى الاحتجاجات يسحب غطاءً اجتماعياً واقتصادياً هاماً من السلطة، ويزيد من احتمالية توسع الإضرابات لتشمل قطاعات حيوية أخرى.
في المحصلة، يشير تحليل المتغيرات الداخلية إلى حالة من "الاستعصاء الاستراتيجي".
* كفة السلطة: لا تزال راجحة من الناحية التنظيمية والعسكرية، مستفيدة من وحدة النخبة وسيطرتها على الموارد وأدوات القوة.
* كفة الشارع: تكتسب زخماً متصاعداً مستمداً من الانهيار الاقتصادي وتوسع دائرة الغضب لتشمل فئات كانت مؤيدة سابقاً، لكنها تفتقر إلى "الرأس المدبر" والتنظيم اللازم لحسم الصراع.
وبالتالي، فإن مستقبل موازين القوى يعتمد بشكل رئيسي على متغيرين محتملين: إما حدوث تصدع مفاجئ في ولاء القوات الأمنية، أو نجاح المحتجين في تنظيم إضرابات شاملة في قطاعات استراتيجية (كالنفط) تشل قدرة الدولة المالية، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل حتى الآن.
4. المحرك الاقتصادي: الأبعاد الهيكلية للأزمة
يُجمع المراقبون والمحللون الاقتصاديون على أن العامل الاقتصادي لا يمثل مجرد خلفية للأحداث الجارية في إيران (يناير 2026)، بل يشكل المحرك الرئيسي والمفجّر المباشر للاحتجاجات. وتتجاوز الأزمة الراهنة كونها موجة تضخم عابرة لتكشف عن اختلالات هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد الإيراني، وعن تصدع في التحالفات الطبقية التقليدية التي استندت إليها السلطة لعقود. يمكن تفكيك هذا المشهد الاقتصادي المعقد إلى أربعة أبعاد رئيسية:
أولاً: الانهيار النقدي ودوامة التضخم
شكلت الاضطرابات في سوق الصرف الأجنبي الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الاحتجاجات في أواخر ديسمبر 2025. وتكشف البيانات الاقتصادية عن تراجع دراماتيكي في قيمة العملة الوطنية (الريال الإيراني)، حيث فقدت ما يقرب من 50% من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي خلال عام 2025 وحده.
هذا التدهور النقدي انعكس بشكل فوري على معدلات التضخم، التي سجلت رسمياً 42.5% في ديسمبر 2025، وهي نسب تشير تقارير غير رسمية إلى أنها قد تكون أعلى في الواقع، لا سيما في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. وتشير تحليلات الخبراء (مثل المحلل الاقتصادي سعيد ليلاز) إلى أن المشكلة الجوهرية التي واجهت السوق لم تكن "ارتفاع الأسعار" فحسب، بل "التقلب الشديد" (Volatility) في سعر الصرف. هذه الحالة من عدم اليقين جعلت من المستحيل على التجار تحديد أسعار السلع أو اتخاذ قرارات البيع والشراء، مما أدى إلى حالة من الشلل التجاري دفعت أصحاب المحال في البازار إلى الإغلاق القسري الذي تحول لاحقاً إلى إضراب احتجاجي.
ثانياً: التحول في موقف "البازار" والطبقة التجارية
يُرصد تحول هيكلي هام في المشهد الاقتصادي-الاجتماعي يتمثل في تغير موقع "البازار" (طبقة التجار التقليديين). تاريخياً، لعبت هذه الطبقة دور الممول والداعم للثورة الإسلامية عام 1979 وللمؤسسة الدينية. إلا أن التقارير الحالية (رويترز) تشير إلى حالة من "القطيعة" بين التجار والنظام السياسي.
يعزو التجار هذا التحول إلى تضافر عاملين:
1. العقوبات الدولية: التي أعاقت قدرتهم على الاستيراد والوصول إلى النظام المصرفي العالمي.
2. المنافسة غير المتكافئة: يشكو صغار وكبار التجار من تضاؤل نفوذهم الاقتصادي لصالح شبكات تجارية مرتبطة بمؤسسات الدولة والقوات العسكرية، والتي تتمتع بامتيازات خاصة تمكنها من احتكار قطاعات واسعة، مما أدى إلى إفلاس العديد من المصالح التجارية التقليدية وتآكل الطبقة الوسطى.
ثالثاً: هيمنة "الحرس الثوري" والاقتصاد الموازي
تُظهر التقارير والتحليلات أن بنية الاقتصاد الإيراني شهدت تحولات عميقة خلال العقود الماضية، تمثلت في توسع نفوذ "الحرس الثوري الإيراني" (IRGC) ليشمل قطاعات استراتيجية حيوية. وبحسب المصادر، لم يعد الحرس الثوري مجرد مؤسسة عسكرية، بل بات يسيطر –بشكل مباشر أو عبر شركات واجهة– على مفاصل اقتصادية رئيسية تشمل: الصناعات النفطية، قطاع البناء والتشييد، الاتصالات، والنقل.
وقد تعزز هذا النفوذ بفعل العقوبات الغربية؛ حيث طورت هذه المؤسسات شبكات معقدة للالتفاف على العقوبات (ما يُعرف بـ"اقتصاد الظل")، بما في ذلك إدارة "أسطول ظل" لنقل النفط وبيعه، وتحديداً للصين. ورغم أن هذه الآليات توفر عوائد مالية للدولة، إلا أن مسؤولين إيرانيين (تحدثوا لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويتهم) أشاروا إلى غياب الشفافية حول حجم هذه العوائد وكيفية إدارتها، مؤكدين أن نفوذ هذه الشبكات بات "أقوى من أن تُوجه إليه أسئلة"، مما خلق اقتصاداً موازياً يصعب على الحكومة المدنية السيطرة عليه أو إخضاعه للمعايير التنافسية، وهو ما أجج مشاعر الغضب لدى القطاع الخاص والمواطنين الذين يعانون من الفقر.
رابعاً: ضغوط العقوبات ومخاطر "حرب التعرفات"
يواجه الاقتصاد الإيراني، المنهك أصلاً، تحديات خارجية مستجدة تهدد بقطع شريان الحياة المالي الأخير. تتمثل هذه التحديات في السياسة الاقتصادية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي انتقلت من العقوبات التقليدية إلى التهديد بـ"حرب تجارية شاملة".
إعلان واشنطن عن نيتها فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الولايات المتحدة من أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران يضع شركاء طهران التجاريين (وفي مقدمتهم الصين، تركيا، العراق، والإمارات) أمام خيار صعب بين السوق الأمريكي والسوق الإيراني.
* قطاع النفط: تعتمد إيران بشكل شبه كلي على تصدير النفط للصين لتمويل الموازنة العامة. وتشير التقديرات إلى أن أي تراجع في الطلب الصيني نتيجة لهذه الضغوط سيؤدي إلى انهيار فوري في الإيرادات الحكومية، مما يعجز الدولة عن دفع الرواتب وتمويل الأجهزة الأمنية.
* التجارة الإقليمية: يعتمد السوق الإيراني على دول الجوار كمراكز لإعادة التصدير وتوفير العملة الصعبة. استهداف هذه الدول برسوم جمركية قد يؤدي إلى تشديد الرقابة المالية والحد من تدفق البضائع والعملات، مما يفاقم العزلة الاقتصادية.
بناءً على ما سبق، يتضح أن المحرك الاقتصادي للأزمة الحالية ليس مجرد أزمة إدارة أو نقص موارد مؤقت، بل هو نتاج لاختلالات بنيوية عميقة وتداخل بين السياسي والاقتصادي. فالهيمنة المتزايدة للمؤسسات العسكرية على الاقتصاد، مقترنة بالعقوبات الدولية القاسية والانهيار النقدي، أدت إلى تآكل العقد الاجتماعي الاقتصادي في البلاد، ودفعت بشرائح اجتماعية كانت تعد تاريخياً من دعائم النظام إلى البحث عن تغيير جذري، مما يجعل من الصعب احتواء الغضب الشعبي عبر حلول اقتصادية ترقيعية أو وعود حكومية دون معالجة الجذور الهيكلية للأزمة.
5. المتغيرات الخارجية والجيوسياسية: تدويل الأزمة
تُظهر قراءة المشهد الإيراني في يناير 2026 أن الأزمة الحالية لم تعد شأناً داخلياً بحتاً، بل باتت محكومة ببيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. وتتقاطع المصالح والاستراتيجيات الدولية لتشكل عامل ضغط غير مسبوق على طهران، يختلف في نوعيته وحدته عما شهدته البلاد خلال الاحتجاجات السابقة. يمكن تحليل هذه المتغيرات الخارجية عبر المحاور التالية:
أولاً: الاستراتيجية الأمريكية.. "الضغط الأقصى" الجديد
تمثل سياسة الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب المتغير الخارجي الأكثر تأثيراً في مسار الأحداث. ووفقاً للتصريحات والتحركات المعلنة، تعتمد واشنطن نهجاً هجومياً متعدد المستويات:
1. التهديد العسكري المباشر:
خلافاً لسياسات سابقة جنحت للتهدئة، لوح الرئيس الأمريكي بشكل صريح بإمكانية التدخل العسكري، مشيراً إلى أن الخيارات تشمل "غارات جوية" إذا استمرت السلطات الإيرانية في استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين. هذا التلويح يضع صناع القرار في طهران أمام معضلة أمنية؛ حيث إن التمادي في الحل الأمني قد يستدعي ضربات خارجية، في حين أن التراخي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة داخلياً.
2. سلاح "التعرفات الجمركية" (العزل الاقتصادي):
في خطوة تهدف إلى تصفير الصادرات الإيرانية، أعلن ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الولايات المتحدة من أي دولة تواصل التعامل تجارياً مع إيران. يُعد هذا الإجراء تحولاً من استراتيجية العقوبات المباشرة إلى استراتيجية "استهداف الشركاء"، مما يضع الدول المستوردة للنفط أو البضائع الإيرانية أمام خيار المفاضلة بين السوق الأمريكية الضخم والعلاقة مع طهران.
3. الدبلوماسية الموازية والتدخل التقني:
رغم التصعيد العلني، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن استمرار قنوات اتصال "مفتوحة" مع واشنطن عبر المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. وبالتوازي، برز التدخل التقني كأداة جيوسياسية، حيث أشار ترامب إلى التنسيق مع إيلون ماسك لتفعيل خدمات الإنترنت الفضائي (Starlink) في إيران، وهو ما يعتبر تجاوزاً لسيادة الدولة على فضائها المعلوماتي ودعماً تقنياً مباشراً للمحتجين.
ثانياً: المعضلة الصينية.. حسابات المصالح
تجد الصين، الشريك التجاري الأكبر لإيران ومستورد النفط الرئيسي، نفسها في موقف دقيق نتيجة التهديدات الأمريكية:
* الموقف المعلن: انتقدت بكين التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية، مؤكدة رفضها للعقوبات الأحادية وتمسكها بالدفاع عن مصالحها المشروعة.
* الحسابات الاستراتيجية: يرى محللون أن بكين تواجه اختباراً صعباً؛ فبينما ترغب في الحفاظ على تدفق النفط الإيراني ودعم شريك استراتيجي في الشرق الأوسط، فإنها قد تضطر لإجراء موازنة دقيقة لتجنب حرب تجارية مكلفة مع الولايات المتحدة إذا ما نُفذت تهديدات الرسوم الجمركية فعلياً. أي تراجع صيني في استيراد النفط سيشكل ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بشكل شبه كلي على هذا المنفذ.
ثالثاً: التحول في الموقف الأوروبي
رُصد تغير ملحوظ في اللهجة الأوروبية تجاه طهران، متجاوزاً الدبلوماسية التقليدية الحذرة:
* ألمانيا: أدلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس بتصريحات لافتة توقع فيها أن النظام الإيراني قد يعيش "أيامه وأسابيعة الأخيرة"، مشككاً في شرعيته. هذا الموقف استدعى رداً غاضباً من طهران التي اتهمت برلين بـ"ازدواجية المعايير".
* فرنسا وبريطانيا: اتخذت باريس ولندن خطوات دبلوماسية تصعيدية باستدعاء السفراء الإيرانيين للتنديد بـ"عنف الدولة"، مع مغادرة طواقم دبلوماسية غير أساسية، مما يعزز العزلة السياسية لطهران ويشير إلى توافق غربي أوسع على ممارسة الضغط.
رابعاً: السياق الإقليمي ومخلفات الحرب
لا يمكن فهم الهشاشة الجيوسياسية الحالية لإيران بمعزل عن سياق حرب يونيو 2025.
تلك المواجهة العسكرية التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة تركت آثاراً عميقة؛ إذ أدت إلى تضرر منشآت نووية واغتيال قيادات عسكرية وعلمية، وكشفت عن اختراقات استخباراتية واسعة. تدخل إيران الأزمة الحالية وهي تعاني من تآكل في "قوة الردع" الإقليمية، وتراجع في نفوذ وكلائها في المنطقة، مما يغري القوى المناوئة لها بتشديد الضغوط.
في المقابل، تبدي دول الجوار (مثل قطر، تركيا، والعراق) قلقاً من تداعيات التصعيد. فمن جهة، تخشى هذه الدول من الفوضى الأمنية أو الحرب المفتوحة (حذرت قطر من عواقب كارثية)، ومن جهة أخرى، تتخوف تركيا والإمارات والعراق من التأثيرات الاقتصادية للرسوم الأمريكية المحتملة، كونها تمثل مراكز تجارية ومالية حيوية بالنسبة لإيران.
خامساً: رد الفعل الإيراني.. "الحرب على أربع جبهات"
في مواجهة هذه البيئة العدائية، تتبنى طهران سردية "المؤامرة الخارجية". اتهم المسؤولون الإيرانيون، بمن فيهم المرشد الأعلى، الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الاحتجاجات وتحريك "المرتزقة". كما هدد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن أي هجوم عسكري سيقابله استهداف للقواعد الأمريكية والمصالح الإسرائيلية.
ومع ذلك، تعكس تصريحات الدبلوماسية الإيرانية (عراقجي) رغبة في الإبقاء على شعرة معاوية مع الغرب، مؤكدة الجاهزية للحرب وللمفاوضات في آن واحد، في محاولة للمناورة وتجنب الإغلاق التام للنوافذ الدبلوماسية.
بناءً على ما سبق، يتضح أن المتغيرات الخارجية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل مسار الأزمة الإيرانية. لم تعد طهران تواجه تحدياً داخلياً فحسب، بل تواجه تحالفاً دولياً غير معلن يجمع بين "القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية" و"العزلة الدبلوماسية الأوروبية"، وسط حالة من الترقب والحذر لدى الحلفاء (الصين) والجيران. هذا التدويل للأزمة يقلص خيارات النظام الإيراني ويزيد من كلفة الحل الأمني، مما يجعل بقاء الوضع الراهن مرهوناً ليس فقط بالسيطرة على الشارع، بل بالقدرة على الصمود أمام حرب اقتصادية ونفسية شاملة.
6. السيناريوهات المحتملة: مسارات الأزمة ومآلاتها
في ظل حالة "السيولة السياسية" وعدم اليقين التي تهيمن على المشهد الإيراني، وبناءً على تقاطع المتغيرات الداخلية (زخم الاحتجاجات مقابل تماسك النظام) والمتغيرات الخارجية (الضغوط الأمريكية القصوى)، يرى محللون استراتيجيون أن مستقبل الأزمة مفتوح على عدة مسارات محتملة. لا يمكن الجزم بحتمية مسار واحد، حيث يعتمد كل سيناريو على "نطاط تحول" (Turning Points) محددة قد تغير المعادلة بشكل جذري. فيما يلي استعراض لأبرز السيناريوهات المتوقعة وفقاً للمعطيات الراهنة:
السيناريو الأول: استعادة السيطرة عبر الحل الأمني (سيناريو البقاء)
يستند هذا السيناريو إلى فرضية أن "النظام لا يزال يمتلك أدوات البقاء"، وهو الرأي الذي يتبناه جزئياً الأستاذ في جامعة أوتاوا، توماس جونو، الذي صرح بأنه "لا يرى سقوط النظام وشيكاً في هذه المرحلة".
* الآلية: يعتمد هذا المسار على نجاح السلطات في استخدام القوة المفرطة والاعتقالات الواسعة لكسر زخم الشارع، مستفيدة من غياب قيادة موحدة للمحتجين وتشتت المعارضة. كما يعتمد على فعالية "العزل الرقمي" (حجب الإنترنت) في منع تشكل "كتلة بشرية حرجة" قادرة على شل مفاصل الدولة.
* عوامل التحقق: يتطلب هذا السيناريو استمرار تماسك "الحرس الثوري" والأجهزة الأمنية وعدم حدوث أي انشقاقات، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على الالتفاف جزئياً على العقوبات لتأمين الحد الأدنى من الموارد المالية لدفع رواتب القوات الأمنية.
* المآلات: في حال تحقق هذا السيناريو، قد تنجح السلطة في إنهاء المظاهر الاحتجاجية في الشوارع، لكن الأزمة ستتحول إلى "احتقان كامن". سيظل الاقتصاد في حالة تدهور، وستزداد العزلة الدولية، مما يجعل النظام عرضة لجولات احتجاجية مستقبلية أكثر عنفاً، دون معالجة جذور المشكلة.
السيناريو الثاني: الانهيار الهيكلي والسقوط (سيناريو التغيير الجذري)
يمثل هذا السيناريو وجهة النظر التي عبر عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي افترض أن النظام يعيش "أيامه وأسابيعة الأخيرة".
* الآلية: يفترض هذا المسار حدوث "تفاعل تسلسلي" (Chain Reaction) يبدأ بالعامل الاقتصادي. إذا نفذت واشنطن تهديدها بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على شركاء إيران (خاصة الصين)، فقد يؤدي ذلك إلى توقف صادرات النفط، مما يعني الإفلاس التام للدولة. هذا الانهيار المالي قد يدفع قطاعات استراتيجية (مثل عمال النفط وموظفي القطاع العام) للانضمام إلى إضراب التجار، مما يشل الدولة تماماً.
* عوامل التحقق: الشرط الأساسي لهذا السيناريو، وفقاً للمحلل جايسون برودسكي، هو حدوث "انشقاقات في أجهزة الأمن وتصدعات داخل النخبة السياسية". إذا عجزت الدولة عن دفع الرواتب، أو إذا رفضت وحدات عسكرية أوامر إطلاق النار تحت ضغط الشارع والتهديد الأمريكي، فإن هيكل السلطة سيبدأ بالتداعي السريع.
* المآلات: يؤدي هذا المسار إلى سقوط النظام السياسي القائم. وفي ظل غياب قيادة بديلة جاهزة (كما يشير المحلل آرش عزيزي)، قد تدخل البلاد في مرحلة انتقالية تتسم بالفوضى أو الصراع على السلطة، ما لم يتدخل الجيش لضبط الأمن، أو ينجح ائتلاف معارض في ملء الفراغ السياسي بسرعة بدعم دولي.
السيناريو الثالث: عسكرة السلطة والتحول من الداخل (الخيار الثالث)
يطرح بعض الخبراء، ومنهم توماس جونو، احتمالية مسار ثالث يمثل "حلاً وسطاً" بين بقاء الوضع الراهن والتغيير الكامل.
* الآلية: يقوم هذا السيناريو على فرضية أن "الحرس الثوري"، بصفته القوة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، قد يقرر أن المؤسسة الدينية التقليدية ورجال الدين أصبحوا عبئاً يهدد مصالح الحرس واستقرار الدولة. وبالتالي، قد يحدث تحول تدريجي أو مفاجئ تؤول فيه القيادة الفعلية إلى "مجموعة" من القادة العسكريين والأمنيين بدلاً من فرد واحد (المرشد)، أو ما وصفه جونو بـ"استحواذ الحرس الثوري على السلطة بشكل شبه رسمي".
* عوامل التحقق: تزايد الضغوط الداخلية والخارجية قد يدفع النخبة العسكرية للتضحية ببعض الرموز السياسية أو الدينية لامتصاص الغضب الشعبي وتقديم "واجهة جديدة" للنظام، ربما تكون أكثر قومية وعسكرية وأقل أيديولوجية دينية، في محاولة للحفاظ على بنية الدولة ومصالحها الاقتصادية.
* المآلات: تحول إيران إلى نظام حكم عسكري صريح أو مقنع. قد يسعى هذا النظام الجديد لفتح قنوات تفاوض براغماتية مع الغرب لرفع العقوبات، مع الحفاظ على القبضة الأمنية المشددة في الداخل.
السيناريو الرابع: التصعيد العسكري الخارجي (سيناريو الحرب)
لا يمكن استبعاد هذا السيناريو في ظل التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران.
* الآلية: قد يؤدي استمرار قمع المتظاهرين وسقوط أعداد كبيرة من القتلى إلى تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهديداته بشن "غارات جوية" أو عمليات عسكرية ضد منشآت النظام. أو قد تلجأ طهران، تحت ضغط الأزمة الداخلية، إلى تصعيد خارجي (استهداف مصالح أمريكية أو إسرائيلية) لتوحيد الجبهة الداخلية وتصدير الأزمة.
* المآلات: دخول المنطقة في صراع عسكري مفتوح قد يغير المعادلات تماماً. الضربات الخارجية قد تُضعف قبضة النظام الأمنية وتسهّل سقوطه (السيناريو الثاني)، أو قد تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وتفاقم الأوضاع الإنسانية دون تغيير سياسي فوري، مما يدخل البلاد في سيناريو الفوضى الشاملة.
الخلاصة الاستشرافية
تشير قراءة هذه السيناريوهات إلى أن الوضع في إيران (يناير 2026) يقف على "حافة الهاوية". بينما يبدو السيناريو الأول (البقاء الأمني) هو الأقرب للتحقق في المدى القصير جداً نظراً لتماسك القوات الأمنية، فإن السيناريوهات الأخرى (الانهيار أو التحول العسكري) تكتسب وزناً متزايداً مع كل يوم تستمر فيه الأزمة الاقتصادية وتتصاعد فيه العقوبات الدولية. العامل الحاسم الذي سيرجح كفة أحد السيناريوهات لن يكون فقط حجم التظاهرات، بل مدى قدرة الاقتصاد الإيراني على التنفس في ظل "حرب التعرفات" الأمريكية، وتماسك ولاء البندقية التي تحمي النظام.
7. الخاتمة والملاحظات الختامية: تقييم الموقف الاستراتيجي
في ختام هذا التقرير التقييمي للأحداث المتسارعة التي تشهدها الجمهورية الإسلامية في إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 وحتى منتصف يناير 2026، يمكن القول إن البلاد تمر بمنعطف تاريخي يتسم بدرجة عالية من التعقيد والخطورة. لا تمثل الاحتجاجات الحالية مجرد تكرار لدورات سابقة من الاضطرابات، بل تشكل حالة فريدة من حيث تضافر العوامل الداخلية والخارجية، مما يضع بنية النظام السياسي والاقتصادي أمام اختبار وجودي لم تشهده بهذه الحدة منذ تأسيسه عام 1979.
أولاً: الخلاصة الاستراتيجية للموقف
تُظهر قراءة المشهد الكلي أن إيران تواجه "عاصفة مثالية" تتلاقى فيها ثلاث أزمات كبرى في آن واحد، مما يقلص من خيارات المناورة المتاحة لصناع القرار في طهران:
1. انهيار العقد الاجتماعي-الاقتصادي:
لعل التحول الأخطر في الأزمة الحالية هو تصدع التحالف التاريخي بين السلطة وطبقة التجار التقليدية ("البازار"). إن تحول هذه الفئة المحافظة، التي كانت تشكل الحاضنة المالية والاجتماعية للنظام، إلى قوى محركة للاحتجاجات يعكس انهياراً في "العقد الاقتصادي". لم يعد النظام قادراً على توفير الاستقرار المالي أو حماية مصالح القطاع الخاص في ظل هيمنة المؤسسات العسكرية ("الحرس الثوري") على مفاصل الاقتصاد، وتداعيات انهيار العملة. هذا المتغير يعني أن السلطة فقدت "المنطقة العازلة" التي كانت تحميها من الغضب الشعبي المباشر.
2. استنفاد أدوات الردع:
داخلياً، ورغم استخدام القوة المفرطة التي أودت بحياة ما يقارب 2000 شخص (وفق التقديرات غير الرسمية لمسؤولين) واعتقال الآلاف، فإن استمرار الاحتجاجات للأسبوع الثالث يشير إلى تآكل في "حاجز الخوف" وفعالية الحل الأمني. وخارجياً، تدخل طهران هذه الأزمة وهي تعاني من انكشاف استراتيجي بعد حرب يونيو 2025، حيث تضررت صورتها الردعية، وتراجعت قدرة وكلائها الإقليميين، مما جرّأ القوى الدولية (واشنطن وأوروبا) على تبني مواقف أكثر تشدداً.
3. العزلة الدولية الخانقة:
يمثل التهديد الأمريكي بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الشركاء التجاريين لإيران تطوراً نوعياً ينقل المواجهة من "العقوبات" إلى "الحصار الشامل". هذا الإجراء يهدد بقطع شريان الحياة الوحيد (صادرات النفط للصين)، مما يضع الدولة أمام شبح الإفلاس المالي الفعلي، وهو وضع لم تختبره طهران بهذه القسوة من قبل.
ثانياً: عوامل الصمود والهشاشة
عند تقييم موازين القوى النهائية، نجد أن النظام والحراك الشعبي يمتلكان نقاط قوة وضعف متباينة تحدد مسار الصراع:
* نقاط قوة النظام: لا تزال السلطة تحتفظ بـ"القوة الصلبة" المتماسكة. غياب الانشقاقات في المؤسسة العسكرية والحرس الثوري، والسيطرة المركزية على وسائل الاتصال (رغم اختراقات ستارلينك)، والقدرة على الحشد المضاد، كلها عوامل تمنح النظام قدرة على "البقاء الأمني" في المدى القصير.
* نقاط ضعف النظام: تكمن في "القوة الناعمة" والاقتصاد. فقدان الشرعية الشعبية، العجز المالي، والعزلة الدبلوماسية تجعل من الصعب استدامة الحكم دون حلول اقتصادية غير متوفرة حالياً.
* معضلة المعارضة: يمتلك الشارع الزخم والغضب والانتشار الجغرافي، لكنه يفتقر إلى "الرأس المدبر". غياب القيادة الموحدة والبرنامج السياسي البديل يمنح السلطة فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع تحول الغضب إلى تغيير سياسي منظم.
ثالثاً: مؤشرات الرصد المستقبلية
بناءً على المعطيات، فإن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة، ويتوقف مآل الأزمة على مراقبة المؤشرات التالية بدقة:
1. سلوك قطاع الطاقة: هل ستنتقل عدوى الإضرابات من الأسواق التجارية إلى مصافي النفط وموانئ التصدير؟ أي توقف في هذا القطاع سيعني عجز الدولة عن دفع رواتب الأجهزة الأمنية، وهو ما قد يشكل "نقطة التحول" (Tipping Point) الحاسمة.
2. الموقف الصيني: كيف ستتعامل بكين مع تهديدات ترامب الجمركية؟ إذا خفضت الصين وارداتها النفطية من إيران، فإن الانهيار الاقتصادي سيتسارع بشكل لا يمكن احتواؤه.
3. وحدة الصف الأمني: هل ستظهر بوادر تمرد أو رفض للأوامر داخل وحدات الجيش أو الحرس الثوري في المحافظات الطرفية؟ هذا سيكون المؤشر الأول على بدء تفكك النظام.
ملاحظات ختامية
تخلص هذه القراءة للأحداث إلى أن العودة إلى ما قبل 28 ديسمبر 2025 باتت خياراً غير واقعي. إن حجم الدماء التي سالت، وعمق الشرخ بين الدولة والمجتمع، والضغوط الدولية الهائلة، تفرض واقعاً جديداً في إيران.
حتى في حال نجحت السلطات في قمع الموجة الحالية أمنياً، فإن الأسباب الجذرية (الاقتصادية والسياسية) ستظل قائمة ومتفاقمة، مما يجعل البلاد في حالة "عدم استقرار مزمن". السيناريوهات المطروحة تتراوح بين بقاء نظام "أمني-عسكري" معزول ومأزوم، أو حدوث تغييرات دراماتيكية قد تكون فوضوية أو منظمة بناءً على موقف المؤسسة العسكرية.
في المحصلة، تقف إيران اليوم أمام خيارين صعبين: إما إصلاحات جذرية بنيوية تبدو مستحيلة في ظل التركيبة الحالية، أو مواجهة مصير مفتوح على احتمالات الانهيار أو التحول العسكري، في ظل بيئة دولية لا تبدي أي تسامح مع الوضع القائم.