في شهر رمضان: طهارة القلب وصفاء النيّة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

شبكة النبأ

2026-02-26 04:57

(الإنسان الذي يكون قلبه طاهراً عندما يسأل الله تعالى يستجيب له الله دعاءه)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

يُكثِرُ المسلمون الدعاء في شهر رمضان، وكلٌ منهم يتضرّع إلى الله تعالى بأن يستجيب دعاءَه ويقضي حاجته في أي مجال كان، سواء في الصحة، أو في الرزق، أو في السلامة والأمان ودحر الشر، وجميع الأدعية سواء تلك التي تتعلق بالرزق أو بالأمان أو بكفّ الشر والأشرار، أو غير ذلك، لكي يُستجاب لها لابد من أن يتوفّر فيها أمران يعجّلان الاستجابة الإلهية.

الأمر الأول: النيّة الصادقة، فإذا توجّه الإنسان إلى ربه في حاجة معينة أو طلٍ ما، فعليه أن يتحلى بالنية الصادقة، وطالما أن الله أعرف بالسرائر وأقرب لها حتى من الإنسان نفسه، لهذا من غير الممكن أن تتضرع وتطلب حاجتك ونيّتك ملوّثة، فهذا الشيء يشكل عائقا كبيرا أمام استجابة الدعاء، لأن النية الصادقة تؤكّد بأنك صادق في دعائك وفي حاجتك. 

الأمر الثاني هو طهارة القلب، فلا يمكن أن تتحقق الاستجابة الإلهية للدعاء ما لم يتحقق لصاحب الدعاء القلب الطاهر، وهذا أمر ملزِم لكل إنسان يرفع يديه ويتضرع إلى الله تعالى في تسهيل هذا الأمر أو ذاك، وكما هو معروف أن الأدعية في شهر رمضان كثيرة، لأن الداعين يعرفون تمام المعرفة منزلة هذا الشهر عند الله تعالى، ولهذا سمّيَ بشهر الله.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة (طهارة القلب):

(شهر رمضان هو شهر الدعاء والتضرّع والابتهال إلى الله تعالى، وقد أكّد رسول الله صلى الله عليه وآله على قراءة الأدعية في هذا الشهر الفضيل لأنّ الدعاء يُستجاب إذا تحقّق فيه أمران الأول: النيّة الصادقة. والثاني: القلب الطاهر).

ولعلنا على معرفة ودراية بأن يد الشيطان في هذا الشهر المبارك مغلولة، وهذا يعني أن قدرة الشيطان على الإطاحة بالإنسان تكون قليلة، فلا يقع إلا ذلك الشخص المستعد للسقوط في يد الشيطان، ويكون لا مباليا في التعامل مع الحدود المحرّمة، لذلك هذا النوع من البشر هو أصلا لم يحترز ولم يحتَطْ، وغالبا يكون هو الباحث عن مسارات الانحراف.

أكثر قربا من الفضائل وبعدا عن الرذائل

أما الإنسان المحتاط المؤمن، فغالبا يكون قلبه صافيا وخاليا من حالات الانحطاط، وكذلك تكون نيّته صافية كلّ الصفاء، وحين يحلّ شهر رمضان فسوف يكون أكثر قربا من الفضائل، وأكثر بعدا من الرذائل، لأن شهر رمضان تميز بالأجواء الصالحة، ومقارعة الشر والأشرار، ونشر جميع المحفّزات المعنوية والدينية والفكرية وحتى المادية التي تأخذ بالإنسان نحو ناصية الإيمان والابتعاد عن أحابيل الشيطان ودهاليزه الظلماء.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(لأنّ شهر رمضان شهرٌ فضيل وعظيم ويدّ الشيطان فيه مغلولة، لذلك فإنّ القلوب تكون فيه صافية ونقيّة والنيّات صادقة وحقيقيّة، ومع حلول شهر رمضان الكريم تكون تلك الصفات والفضائل أقرب إلى الواقع والتطبيق).

ولكن علينا أن نتدبّر بقول الرسول صلى الله عليه وآله حين أكد على النية الصادقة والقلب الطاهر حتى يكون الدعاء قابلا للاستجابة، فلماذا يأتي التركيز على هذين الأمرين المهمّين، الجواب لأن الله تعالى يعرف خفايا الإنسان تماما، ولا يغيب عنه جميع ما يخفيه الإنسان، وحين يتم التركيز على التحلي بالنية الصادقة والقلب الطاهر، فهذا نوع من التسهيل الإلهي كي يحصل الداعي درجة كافية من الاستجابة.

ولابد أن يكون الدعاء من الله تعالى، ولا يدعو الإنسان غير ربه، لأنه تعالى هو الذي يعرف استحقاقات الاستجابة، لهذا الإنسان الداعي أو ذاك، وهذا مرتبط بدرجة طهارة القلب من جهة، وبدرجة صدق النيّات وسلامتها، لهذا جاء التأكيد مرارا وتكرار على التحلي بالأمرين المذكورين من قبل الإنسان الذي يدعو ربه تعالى، والأمرين كما ذكرنا هما طهارة القلب، وصدق النية.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(لكن لماذا أكّد رسول الله صلى الله عليه وآله على النيّة الصادقة والقلب الطاهر في استجابة الدعاء، بقوله: (فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة؟)، قالها، لأنّ من ندعوه هو الله تعالى ربّنا، والله مطّلع على خفايا ودقائق الأمور. فعندما يسأل الإنسان ربّه (فسألوا الله ربّكم) يكون السؤال من باب التأكيد على النيّة الصادقة حيث يكون الدعاء له لا لغيره).

وقد يتساءل أحدهم ما هو القلب الطاهر، وما صفاته أو طبيعته، والإجابة المهمة تتعلق بخلوّ القلب من الأحقاد والضغائن والبغضاء، إلا لمن يستحق أن نتعامل معه بالحقد والضغينة، لأن هنالك أناس يستحقون هذا النوع من التعامل معهم، ومنهم أعداء الله تعالى (الكافرون والمشركون ومن لفّ لفهم).

ولذلك يطالبنا القرآن الكريم أن نسير وراء السيرة النبوية الشريفة، وكيف تعامل الرسول صلى الله عليه وآله مع الآخرين، الأعداء وغيرهم، فالسيرة النبوية وطرائق التعامل مع الآخرين، يمكن أن تكون خير معين لنا في هذا المجال، حتى نحمي قلوبنا من الأحقاد، ونجعل من نياتنا نقية صافية صادقة، لكي نكون أقرب إلى الله تعالى، ويُستجاب لدعائنا وقضاء حوائجنا.

في هذا الخصوص يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(القلب الطاهر هو القلب الذي يخلو من الحقد والضغينة والبغضاء لمن لا يستحقّ ذلك، والقلب الطاهر هو القلب الذي يمتلئ حبّاً وحناناً ولا مجال فيه للكراهية والبغضاء إلاّ في موارد خاصّة للذين يستحقّونه من أعداء الله، والقرآن الكريم يؤكّد على التأسّي برسول الله صلى الله عليه وآله في صفاء قلبه ورفعة أخلاقه).

استثمار الدروس النبوية في شهر رمضان

ولابد لنا أن نستثمر الدروس النبوية بخصوص شهر رمضان والأدعية التي تقربنا إلى الله تعالى، ويُستجاب لدعائنا، فإذا تعلمنا تلك الدروس صار بإمكاننا الحصول على ما نروم بعد التحقق من نظافة قلوبنا، ومن صدق نيّاتنا كونها طريقنا إلى قبول الدعاء، وهذا يلزمنا بامتلاك القلوب الرحيمة التي ترحم الجميع، حتى من أساء إليك سوف تتأنى في عقوبته، وقد تعفو عنه، فالقلب الرحيم يعفو حتى عمّن يستحق المعاقبة.

والتاريخ والوقائع، وكذلك سيرة أهل البيت عليهم السلام، توضّح لنا كيف تعاملوا مع الذين أساؤوا لهم، بدءا برسول الله صلى الله عليه وآله مرورا بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام وجميع الأئمة الأطهار، فقد كانوا إلى العفو أقرب، ولم يعجلوا في معاقبة المسيئين.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:  

(علينا أن نتعلّم من رسول الله صلى الله عليه وآله ونتأسّی به ونعزم بنيّة صادقة على أن يكون قلبنا رحيماً طاهراً على من أساء لنا وأن لا نستعجل العقوبة عليه، وإن كان لنا الحقّ في بعض الموارد والمراتب).

ولهذا فإن الإنسان الذي يتحلى بالقلب الطاهر، سرعان ما يُستجاب دعاؤه، علما هناك درجات لطهارة القلب، زيادة أو نقصان، بمعنى قد تكون درجة طهارة القلب متدنية أو متوسطة أو عالية، ولكن في جميع الأحوال على الإنسان أن يبدأ من نقطة معينة حتى لو كانت من نقطة الصفر، لكي يبدأ رحلته في تنظيف قلبه وتطهيره.

ومن الممكن للإنسان أن يطهّر قلبه، لكن عليه أن يعزم على تحقيق ذلك، مع المراقبة والمواكبة والتمرين والتدريب على تطهير القلب، وصولا إلى الدرجة التي تجعله ممن يُستجاب إلى دعائه من الله تعالى عندما يدعوه فيما ينقصه أو يعاني منه مثل قلة الرزق أو سوء الصحة أو فقدان الأمان وغير ذلك مما يمكن أن يسبب حرجا وخللا في حياة الإنسان.

يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذه النقطة:

(الإنسان الذي يكون قلبه طاهراً عندما يسأل الله تعالى يستجيب له الله دعاءه، ولا إشكال في أن يكون هناك مراتب لطهارة القلب تتدرّج بين الكثرة والقلّة، فالإنسان عليه أن يبدأ من مكان ما، ومن أي مكان يبدأ فهو جيّد. وعليه أن يربّي قلبه على الطهارة ويحاول، فإذا عزم الإنسان ولقّن نفسه في ذلك وراقب ولاحظ موارد القلب الطاهر عن القلب غير الطاهر فإنّه سوف يوفق شيئاً فشيئاً).

وأخيرا لابد من التركيز على مهمة في غاية الأهمية من قبل الصائم لشهر رمضان، ومن قبل الإنسان الذي يرع كفّيه إلى الله تعالى متضرعا داعيا لقضاء حوائجه، وهذا يعني أهمية مراعات نظافة وطهارة القلب، وتتبعها النية الصادقة، فهذان الأمران اساسيان في مسألة الاستجابة للدعاء، وطالما أن شهر رمضان هو شهر الدعاء والاستجابة وهو شهر الله تعالى، لذا من المهم أن يراقب الإنسان قلبه، ويصفّي نيّته ويتوجّه إلى ربه بقلب طاهر ونيّة صادقة.

ذات صلة

مركز المستقبل ناقش.. مستقبل الشرق الأوسط بين شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكيةالصراع الإيراني–الأمريكي في ضوء المدرسة الواقعية الجديدةالبخل، الجبن، والفقر: ثلاثية الهوان وعوائق العزةالصوم كمدرسة لإدارة الرغبات في عصر الإشباع الفوريالدبلوماسية كأداة لإدارة العلاقات الدولية