ماذا يقول علي بن أبي طالب عن الغدير؟!

محمد علي جواد تقي

2026-06-03 02:48

"أن أكون لكم وزير خيرٌ لكم من أن أكون أمير"

قال هذه العبارة الخالدة المشحونة بالمعاني والدلالات وهو يعرف أنه "أمير المؤمنين" بتصريح رسول الله، صلى الله عليه وآله، يوم الغدير، لكنه نأى بنفسه عن الحكم والقيادة السياسية في وقت كان يقرأ في وجوه ابناء الأمة –آنذاك- الندم على تخاذلهم طيلة العشرين سنة الماضية، لما لاقوه من انحراف وظلم وفساد مالي رهيب.

هذا الموقف من الإمام في مرحلة زمنية شهدت بعض التطور والنضوج الثقافي، فما باله، عليه السلام، وهو يتحول الى أمير للمؤمنين خلال لحظات في ظروف غاية بالصعوبة والتعقيد، حيث حرّ الظهيرة وسط الصحراء، والقافلة العائدة من الحج تتوقع الوصول الى المدينة، والجميع مثقلين بعناء السفر، والأكثر خطورة؛ وجود المنافقين والمتربصين بأمر الخلافة والحكم من بعد رسول الله، وهو يقرأ في وجوه الكثيرين، سيماء الجاهلية، وأشدها وطأة عليهم؛ ثارارت من قُتل بسيف أمير المؤمنين من ابناء القبائل خلال المعارك بين الكفر والإيمان؟

الولاية: الاختبار الأكبر

الولاية كانت اكبر أزمة واجهها أمير المؤمنين خلال فترة زعامته السياسية، وكانت وراء جميع الفتن والاضطرابات التي عصفت بالأمة عندما وجدت نفسها بين منهج الغدير، وهو الامتداد الطبيعي لمنهج رسول الله، ومنهج الجاهلية المتمثل ببقايا بني أمية وثقافتهم الجاهلية، ورغم أن القرآن الكريم أكد في غير آية كريمة على أن الولاية لله –تعالى- ومن يتخذ غير الله ولياً فانه الى خسران وضياع في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم جاءت الاضاءة بأن الرسول والمؤمنين الحقيقيين هم في عرض الولاية الإلهية –لا في طولها- بيد أن الأمة وجدت صعوبة بالغة في تفهّم الولاية الإلهية في الحياة، لسبب غريب كشف جانباً منه، أمير المؤمنين في إحدى خطبه: "فإن في العدل سِعَة، ومن ضاق عليه العدل فإن الجور عليه أضيَق"، فالعدل من القيم الجميلة والايجابية المحببة الى فطرة الانسان، مع هذا شهدنا –ونشهد دائماً- تنكّر الناس لهذه القيمة الحضارية تغليب رغبة التفوق من خلال الامتيازات المالية والمناصب المرموقة على حساب الآخرين.

وكلام أمير المؤمنين واضحٌ جداً، فهو يفتح آفاق الحياة السعيدة أمام الناس من خلال العمل بقيمة العدل، وكذا بسائر القيم السماوية المتطابقة مع الفطرة الانسانية مثل؛ الحرية والمساواة، وأنه لا يتسبب بضيق في معيشتكم وحياتكم، إنما نقيضه هو الذي يجلب لكم ضنك العيش والمهانة والضياع كما حصل بالفعل بعد استشهاده، عليه السلام.

لقد أراد أمير المؤمنين، عليه السلام، أن يتحسس المسلمون مفهوم الولاية وآثارها الإيجابية في حياتهم حتى يؤمنوا بها عن طيب خاطر، قبل ان يروا سوط الحكم كما رأوه بيد من سبقه، وهذه تجسد فلسفة الابتلاء الإلهي للإنسان، من أجل أن {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، فالقضية عقلية ووجدانية قبل ان تكون شرعية و"مولوية"، ولنا في خطوات نبي الله ابراهيم في الإيمان الكامل والعميق بالله –تعالى- خير قدوة إذ قال {لِيطْمَئِنّ قَلْبِي}، فهو سبق المسلمون في عهد أمير المؤمنين بآلاف السنين، لكنهم للأسف لم يتعظوا ولم يستفيدوا من بصائر القرآن الكريم وهم يقرؤونه ليل نهار. 

ليس هذا وحسب، بل إنهم سقطوا في مطب عقدي خطير جعلهم يفصلون بين الولاية الطبيعية والولاية الشرعية، مع أن حكم العقل والوجدان يقضي باندماجهما في خط واحد، "فافراد كل من النوعين لا تناقض افراد النوع الآخر، بل يستحيل وقوع التنافي بينهما لان خالق الطبيعة هو واضع الشريعة الحقّة بالذات، الولاية الشرعية بشتى اقسامها تدخل في علم الفقه، اما الولاية الطبيعية فهي اصطلاح من عندنا، ونريد به ان الناقص الفاقد لأية صفة من صفات الكمال يفتقر بطبعه ووضعه الكامل الواجد لتلك الصفة، وكل واجد لصفة هو ولي على من فقدها وعلى هذا الفاقد ان يسمع ويطيع للكامل والواجد بحكم العقل والعدل فيما يتصل بتلك الصفة، ولكن على اساس مصلحة الفاقد لا مصلحة الواجد واستغلاله". (فلسفة التوحيد والولاية- الشيخ محمد جواد مغنية".

وعلى هذه الأرضية النفسية الفاسدة تمكن طلاب السلطة والحكم من فصل واقعة الغدير عن الولاية والخلافة والحكم بحدّ السيف، بل والتقوّل على رسول الله بأنه "جعل أمر الخلافة شورى بين المسلمين"، فهم قبلوا بهذا التزييف ليقبلوا بعدها بتحول الخلافة الى ملك عضوض على أساس الوراثية في العهد الأموي. 

ما الذي يفرحنا في عيد الغدير؟

نحن نحتفل بعيد الغدير الأغرّ الذي عدّه الإمام الصادق، عليه السلام، بأنه "أعظم حُرمة -عند الله- من عيدي الفطر والأضحى"، وعندما نقول إنه عيد الولاية لأمير المؤمنين، عليه السلام، فهذا إقرار منّا بلزوم عدم الانعطاف الى ولاية أخرى في حياتنا مهما كانت الاسباب والمبررات، وفي اللغة؛ الولاية مصدر فعل "ولَيَ"، وجاء في "معجم المعاني الجامع": كما يلي: كما يتْبع، و ولَى فلاناً: دنا منه وقرُب، و كُل مما يليك: مما يُقاربك، و ولاهُ في الموكب: تبعه من غير فصل، وإذن؛ فاحتفالنا تعبير عن ايماننا المطلق والعميق بحاكمية أمير المؤمنين على سلوكنا وفكرنا وتصرفاتنا، وأي حركة أو موقف ينبغي أن يكون متطابقاً مع هذه الولاية الإلهية، وقد نبه الى هذه حقيقة الابتلاء هذه، القرآن الكريم في سورة التوبة –المدنية- وقبل واقعة الغدير بأن {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، و "الوليجة"، هي الاختراق العقدي المستهدف للولاية لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي سورة المائدة كشف القرآن الكريم عن هوية المؤمنين الحقيقيين ممن يستحقون لقب الولاية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، في حادثة إعطاء أمير المؤمنين خاتمه أثناء أدائه الصلاة. 

وبمقدار الإيمان بهذه الولاية وتطبيقاتها على أرض الواقع، نكون قد وفرنا لأنفسنا أسباب المَنَعة والردع في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية في العصر الحاضر، وفي نفس الوقت، وفرنا لأنفسنا أسباب التماسك والقوة في كيان الأمة، وحمايتها من التشكيك والتجديف.

ذات صلة

السائرون إلى الغدير.. من هو الشيعي حقًا؟بَيْعَةُ ٱلْغَدِيرِ لَيْسَ وَاقِعَةً مَضَتْ.. بَلْ مِيثَاقٌ دَائِمٌالمبادرة وصناعة الإنسان الفاعل في ضوء نهج الإمام علي (ع)التداعيات الاقتصادية للصراع في مضيق هرمز.. هل من مسارات بديلة للعراق؟اشتراكي أنت أم رأسمالي؟