البخل، الجبن، والفقر: ثلاثية الهوان وعوائق العزة
في رحاب نهج البلاغة/ الحكمة رقم 3
زينب الحسيني
2026-02-26 04:46
(الْبُخْلُ عَارٌ وَالْجُبْنُ مَنْقَصَة وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ [حَاجَتِهِ] حُجَّتِهِ وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ)
يتناول هذا المقال تحليل حكمة الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) التي تُسلّط الضوء على ثلاث قوى مُتآزرة تُحدد مكانة الإنسان وعزّة نفسه: البخل، الجبن، والفقر. تشرح هذه الحكمة أن البخل يُعدّ عاراً يُلصق بالمرء، والجبن نقيصة تُنقص من قيمته، بينما الفقر يُشكل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً يُفقد الإنسان الذكي قدرته على التعبير عن حجته ودليله، ويجعله غريباً في وطنه. يهدف المقال إلى تفكيك هذه العوامل وبيان أهمية القوة الاقتصادية والمعنوية للفرد والأمة كسبيل لتحقيق العزة والفاعلية.
أولاً: البخل؛ عار يُورث النقصان
البخل مَجْلَبةٌ للعار[1]، والشخص الضنين (البخيل) يستحق اللوم والتقريع. البخل ليس مجرّد سلوكٍ شخصيّ أو خصلةٍ سلبيّة عابرة، بل هو عارٌ يُلوّث السمعة، ويدرّ النّقصان في الرزق والبركة. فالبخيل لا يُلام فحسب، بل يستحقّ التقريع والذّمّ، لأنه يحبس نعمة الله، ويقطع سبل الخير عن المجتمع.
ولا يقتصر هذا الداء على الأفراد وحدهم، بل قد يتفشّى في الجماعات، بل وفي الأمم كلّها. قد تكون سمة البخل أو الكرم متجذّرةً في فِطْرة شعبٍ ما، تُورَّث أجيالًا، وتتكوّن منها هويّته الحضارية. فالأمّة الكريمة، التي تفيض يدها بالعطاء، وتُحبّ أن تشبع جارها قبل أن تشبع نفسها، تسير على طريق العزّة والرّفعة والتقدّم.
أما الأمّة التي تسود فيها روح البخل، وتُغلَّق فيها أبواب الخير، وتُحبَس فيها الأموال في خزائن الحكام دون أن تستثمر في الناس، فإنّها لا محالة تتأخّر، وتتخلف عن ركب الأمم، حتى لو امتلكت من الثروات ما لا يُحصى.
إنّ الله سبحانه وتعالى يَسْلُب البركة من الحُكّام البخلاء، الذين لا همّ لهم سوى جَمْع الأموال وتكديس الكنوز، فيثقلون كواهلَ الناس بالضرائب الباهظة، ويُعيّشونهم في ضيقٍ وشظف، بينما هم في رغدٍ وترف. وفي المقابل، يُفيض الله تعالى رحماته على الولاة الأسخياء، الذين يَرَون أنّ مال الدولة أمانةٌ في أعناقهم، لا مُلكًا لهم. فتجدهم لا يفرضون ضرائبَ ظالمة، بل يعملون على توسعة العيش، ورفع الكرب، وسدّ الحاجات. يُنفقون في السرّاء والضرّاء، ويضعون المال حيث يصنع الإنسان، لا حيث يُخزّن في الصناديق.
إنّ أثر البخل لا يقتصر على الشخص البخيل وحده، بل يمتدّ أحيانًا ليشمل ذريّته وأبناءه. فبخل الوالدين لا يُفسد الجوّ النفسي والأخلاقي للعائلة فحسب، بل قد يورِّث الأبناء أنماطًا سلوكيةً مبنيةً على التردُّد، والحرص، والخوف من فقدان الموارد. وهكذا، لا يكون البخل عيبًا فرديًّا فحسب، بل يتحوّل إلى ظاهرة اجتماعية تتأصّل في كيان الأسرة، وتمتدّ آثارها السلبية إلى المستقبل.
البخل المعنوي وسرّ الزيادة
قد يرى البعض أن الشُّح يقتصر على الأمور المادية (الضنك المالي)، ولكن يجب التنبيه إلى أن هذا المفهوم عام؛ فهو لا يشمل الماديات فحسب، بل يتجاوز الماديات ليشمل الأمور المعنوية، ومن مصاديقه:
البخل بـالجاه والوجاهة:
كالامتناع عن التوسط والإصلاح بين المتنازعين، وقد ورد أن قضاء حاجة الأخ المؤمن سبب لمائة حاجة يقضيها الله له، إحداها الجنة؛ كما روي عن الإمام السجاد (عليه السلام): "مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ حَاجَة فَبِحَاجَةِ اللَّهِ بَدَأَ وَقَضَى اللَّهُ بِهَا مِائَةَ حَاجَةٍ فِي إِحْدَاهُنَّ الْجَنَّةُ".[2]
البخل بالعلم والمعرفة:
البعض يمتنع عن مشاركة علمه مع الاخرين؛ مع أن "الْعِلْمُ يَزْكُو[3] عَلَى الْإِنْفَاق".[4]
البخل بالنصيحة:
كما أننا ننبه الكفيف على وجود العقبات والحفر في طريقه، يجب علينا تحذير الشخص الذي يفتقر إلى البصيرة الكافية في الأمور المعنوية، من الوقوع في ورطة الخطيئة والهلاك، ونرشده إلى طريق السعادة.
البخل في قضاء الوقت مع العائلة:
يمتنع البعض عن تخصيص الوقت لعائلته وأولاده، ويقضي أوقات فراغه في أمور أخرى، مما يُعد من مصاديق البخل.
البخل بالإبتسامة والسلام:
تحتل الابتسامة مكانة خاصة في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أنها تُعتبر صدقة وتعد من العمل الصالح[5] ويستحق عليها الأجر والبادئ بالسلام يحوز على تسع وستين حسنة[6] والبخيل هو من بخل بالسلام.[7] الابتسامة تنقل الطاقة الإيجابية والبهجة والسرور إلى المحيطين، على عكس الوجه العابس والمُتجهِّم الذي يوحي بالاكتئاب والحزن. كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يُبادر بالسلام على كل شخص، كبيراً كان أو صغيراً.
سیکولوجیة البخل
لماذا یتوقف البعض عن العطاء؟ یَبخل بعض الأشخاص لأنهم یرون المال رمزاً للأمان والسیطرة والاستقرار. في أعماقهم یوجد خوف من الفقدان، أو تجربة سابقة مع الحرمان، أو قلق دائم من المستقبل. لذلك يتكوّن لديهم اعتقاد أن كل ما يخرج من أيديهم هو نقصان مباشر من رصيدهم، وأن الاحتفاظ بالمال هو طريق الحفاظ على الأمان. هذا التصور غالباً ما هو یكون نابعاً من شعور داخلي بالندرة، لا من الواقع الفعلي.
لكن الدراسات فی علم النفس الإیجابی تشیر الی أن العطاء یعزز الإحساس بالرضا والمعنی، ویقوّی الروابط الاجتماعیة، ویبنی شبکة من الثقة والدعم المتبادل. الشخص الذي يعطي لا يفقد فقط مالاً، بل یکتسب علاقات، سمعة طيبة، وشعوراً بالقيمة.
ومن الناحية الاجتماعية والاقتصادية، العطاء يحرك عجلة التبادل ويخلق فرصاً جديدة قد تعود علي الفرد بالنفع المادي والمعنوي. أما من الناحية الروحية، فقد أكدت نصوص كثيرة أن الإنفاق لا يؤدي إلى النقصان بل إلى البركة والزيادة. فقد ورد في القرآن الكريم: «وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُه»[8]، أي أن ما يُبذل لا يضيع بل يعوَّض بطريقة أو بأخرى؛ وفي الروایة "إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللَّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم.»[9] هذا المفهوم یحرر الإنسان من وهم الندرة، ویحوّل العطاء من خسارة إلی استثمار في الدنیا والآخرة. إذن، البخل لیس مجرد سلوك مالي، بل هو حالة نفسیة قائمة علی الخوف. وعندما یتغلب الإنسان على هذا الخوف، یکتشف أن العطاء لا ینقصه، بل یوسّعه من الداخل قبل الخارج.
كرم حاتم الطائي
لقد بلغ حاتم الطائي في السخاء مبلَغًا جعله ضربةَ مثلٍ في الكرم منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. فقد شيّد في داره سبعين نافذة، ليستطيع كلُّ محتاجٍ أن يأخذ من أيٍّ منها ما يسدّ به حاجته دون حرجٍ ولا انتظار.
ويُروى أنّه بعد وفاة حاتم، عزمَ أخوه على مواصلة طريقه في العطاء والسخاء. لكنّ والدتهما شكّكت في قدرته على سدّ ذلك الفراغ العظيم، فقالت له: «لا أظنك تُطيق أن تكون مكان حاتم».
فأراد الابن أن يثبت لها خلاف ذلك، فلبست الأم ثيابًا مستعارة، وتوجّهت إلى النافذة الأولى، وطلبت العون. ثم انتقلت إلى الثانية، وكرّرت طلبها، ثم إلى الثالثة، وهكذا.
ولمّا بلغت طلباتها بضع نوافذ أخرى، ضاق صدر الابن ذرعًا، وانفجر غاضبًا: «ألا تملّين؟! كم مرّةً تطلبين؟!».
حینها كشفت الأم عن وجهها وقالت: «كنتُ أعلم أنّك لا تُساوي حاتم. لقد طُفتُ على حاتم علی جميع النوافذ السبعين، بلباسٍ مُستعار، وطلبتُ العون من كلٍّ منها، فمنحني كلَّ مرةٍ دينارًا، ولم یتفوه بكلمة لومٍ أو تذمّر. وکان بینكما بون شاسع منذ نعومة اظفاركما؛ فحینما کنتما رضیعان، کان حاتم إذا رأى طفلاً جائعًا، يترك ثديی لارضع ذلك الطفل، أما أنت فكنت تمسك بالثدي الآخر خشية أن يأخذ منك شيئًا!
ترسيخ ثقافة البذل
ذهب رجلٌ إلى تاجرٍ يطلب مساعدته في مشروعٍ خيريّ. فلمّا دخل عليه، وجده منهمكًا في محاسبة تلميذه، يدقّق في حساباته ويراجع أرقامه بدقةٍ شديدة. فخجل الرجل من طلب العون في تلك اللحظة، وانصرف يريد الرجوع.
فلاحظه التاجر، فناداه: «ما الذي جئتَ له؟».
فأجاب: «كان لي شأنٌ، لكنّي عدَلتُ عنه».
فأبى التاجر إلا أن يعرف الحقيقة، فصرّح الرجل قائلًا: «نحن نبني حسينيّةً، ونحتاج إلى مبلغٍ معيّن، لكنّي حين رأيتك منهمكًا في الحساب والتدقيق، استحييتُ وانصرفتُ».
فما إن سمع التاجر ذلك حتى أخرج دفتر الشيكات، وكتب على الفور المبلغ الكامل دون تردّد.
فتعجّب الرجل وقال بدهشةٍ ممزوجةٍ بإعجاب: «فكيف يكون هذا الكرم العظيم من رجلٍ كان قبل لحظاتٍ يدقّق في الحسابات إلى هذا الحدّ؟!»
فأجاب التاجر بابتسامةٍ هادئة: «لكلِّ شيءٍ موضعه. حين أُحاسِب، فأنا مُدقّقٌ؛ وحين أُعطي، فأنا سخيّ. فلو لم أكن دقيقًا في حسابي، لما وسعتْ يدي على هذا العطاء».
ثانياً: الجبن - نقيصة تُعيق الإقدام
"وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ"، الجبن عائق فردي وحزبي، الجبن (الخوف) نقص وعيب يتجلى بأشكال مختلفة، وهو عائق كبير أمام التقدم والنجاح، سواء في مواجهة الحاكم الظالم، حيث يدفع الشخص إلى الانصياع والخضوع أمام الجائر؛ أو في خوض المخاطر التجارية فالتاجر الذي يخشى دائماً الخسارة لا يُحقق تقدماً كبيراً في عمله. أو المشاريع الدعوية؛ الخوف من المشاكل التي تواجه التبليغ یعد عقبة كبيرة في طريق الدعوة؛ والذي حافظ على مذهب التشيع عبر التاريخ هو شجاعة علمائنا الأفاضل في تبليغ الدين.
لماذا یتخوف الناس من الاقدام؟
الکثیر یتجنب الأعمال الجريئة لإنه یرید التجنب عن المخاطر. فتراه یجتنب الخوض في المشاکل لیتمتع بالأمن و یقف علی حافة السلام. لکن واقع الحیاة غیر ذلك؛ فإن الحیاة محيكة بالصعاب ولایتسنی للمرء أن یهرب من المشکلة مهما حاول. قضاء الله وقدره سارٍیان في هذا العالم شئنا أم أبينا، ووفقاً لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كفى بالأجل حارساً!" [10] و لذلك مهما کان الإقدام خطرا، فانه لایؤدي بحیاة الإنسان مادام الموت لم یقدر له. أضف إلى ذلك أن الله یغمر المجاهدین برحمته ویمدهم بإمداداته الغیبیة.
إدارة الخوف
الخوف حقيقةٌ نواجهها جميعاً، لكن ما يُميّز الناجحين عن غيرهم هو القدرة على إدارة الخوف والتحكم فيه. هؤلاء الأفراد هم من يفتحون قمم النجاح الواحدة تلو الأخرى، ويمتلكون القدرة على إحداث التغيير.
من بين أولئك العُظَماء الذين خلّدهم التاريخ هو غاندي، ذلك الزعيم الذي حرّر أمةً بلا سلاح، قد بدأ حياته خجولاً وجلِاً حتى من ظلّه! ففي طفولته، لم يكن يجرؤ على المشي وحده في الظلام. لكنّه، بتكرار المواجهة وتدريب الإرادة، استطاع أن يكسِر سلاسل الخوف، حتى صار يمشي في منتصف الليل وحيدًا بين غاباتٍ موحشة، لا يردعه وحشٌ ولا ظلام.
إنّ الخوف لا يُعدّ عيبًا فحسب، بل هو بذرةٌ تُنبت سلسلةً من النقائص: يُوهِن العزم، ويُطفئ الهمّة، ويُكبّل الإرادة. وفي مواجهته یکون الشجاعة؛ لا التهوُّر. فالشجاعة بصيرةٌ هادئة، تعرف متى تتقدّم ومتى تتأخّر؛ أما التهوُّر، فهو انفلاتٌ عبثيّ، يلبس لباس الجرأة، وهو في جوهره حماقةٌ لا تُحمد عقباها.
- فالخوف يعني الامتناع عن أداء الفعل.
- والتهور يعني الإقدام دون دراسة جوانب القضية.
- والشجاعة تعني الإقدام المقترن بالحكمة ودراسة مختلف جوانب الأمر.
الشجاعة في الدعوة
كان لحكيمٍ فَطِنٍ تلميذٌ يُدعى «بُرنا». ذات يوم، أعدّ بُرنا نفسه للرحيل إلى قبيلةٍ وحشية، بعيدةٍ عن الحضارة، عازمًا أن يهديها إلى طريق الحق. فقبل أن يغادر، دعاه أستاذه وقال له:
«إذا سبّك أولئك القوم، فماذا تقول؟»
فأجاب بُرنا دون تردّد:
«سأقول: إنهم أناسٌ كرام».
فاستغرب الأستاذ وسأله: «وكيف ذلك؟»
قال التلميذ: «لأنني أسعى لتغيير دينهم، ومع ذلك يكتفون بسبّي، ولا يتجاوزون ذلك!»
فابتسم الأستاذ، وقال:
«اذهب إليهم، فإن عندك من قوة الروح ما يجعلك ناجحًا».
فانطلق بُرنا، لكنه لم يخطُ سوى خطواتٍ يسيرة، حتى ناداه أستاذه مرةً أخرى:
«فإن هجموا عليك، واتّجهوا إليك بالضرب والعنف، فماذا تصنع؟»
فأعاد بُرنا جوابه: «سأقول: إنهم أناسٌ كرام».
فأعاد الأستاذ مدحه، وشجّعه على المضيّ قُدمًا.
ولمّا همّ بُرنا بالانصراف ثالثة، وقف الأستاذ ناحيته وقال:
«فإن اتّفقوا جميعًا على قتلك، فماذا حينئذٍ؟»
فأجاب التلميذ، وعيناه تفيضان يقينًا:
«سأقول: إنهم أناسٌ كرام، فإنهم يأخذون جسدي الفاني، ويهبونني حياةً أبدية».
فقال له الأستاذ، وقد ارتسمت على محياه علامات الرضا والاطمئنان: «امضِ إليهم، فإنّ فيك من عُلو الهمّة وعلوّ الروح ما لا يُقاوَم».
وانطلق بُرنا، وقد امتلأ قلبه بِشَجاعةٍ لا تُضاهى، حتى دخل بين أولئك القوم، يدعوهم بلينٍ لا يُوهَن، وصبرٍ لا يُرهَق. فما كان منهم إلا أن تأثّروا بخلقه، وانقادوا لهداه، وتمكّن من هداية تلك القبيلة المتوحشة بأكملها.
ثمن الجبن والشجاعة في التبليغ
الثمن الذي يدفعه الإنسان خضوعاً للخوف يكون في كثير من الأحيان أفدح وأقسى من الثمن الذي قد يدفعه في سبيل الشجاعة. فعلى سبيل المثال، حكم حزب البعث العراق ثلاثين عاماً، وخلال تلك العقود سُفكت دماء مئات الآلاف من الشباب، وضاعت أعمار وأحلام تحت وطأة القمع والاستبداد. ولو أنّ الناس منذ اللحظة الأولى تحرروا من قيود الخوف، ونهضوا في وجه صدام حسين، لكان بالإمكان الحيلولة دون كثير من المجازر الجماعية، ولحفظوا أرواحاً بريئة، ولظفروا بنعمة الحریة والکرامة ورفعة الرأس.
إنّ الاستسلام للخوف قد یبدو فی ظاهره طریقاً للسلامة، لکنه فی حقیقته یطیل أمد الألم ویُضاعف الخسائر؛ أما الشجاعة، وإن كلّفت تضحية في بدايتها، فإنها تفتح أبواب الخلاص وتصنع مستقبلاً أكثر عزّة وإنسانية. كما قال اميرالمؤمنين (عليه السلام): "جَاهِدُوا تُورِثُوا أَوْلَادَكُمْ عِزّاً".[11]
ثالثاً: الفقر عائق مادي وفكري
"وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ"
إن الفقير، حتى وإن امتلك منطقاً قوياً وفكراً قيّماً، فإنه يعجز عن إيصال أفكاره للآخرين. مثل هذا الشخص يفتقر إلى الإمكانيات اللازمة لبناء مدرسة، أو طباعة كتاب، أو تأسيس قناة فضائية؛ ولهذا السبب لا يمكنه تعريف الآخرين بأفكاره ورؤاه. كما أن المجتمع -في الغالب- لا يقيم وزناً لمثل هؤلاء.
الدعاية الواسعة التبليغ واسع النطاق يتطلبان قدرة اقتصادية عالية، والفقر يسلب الفرد والحزب والأمة إمكانية إيصال رسالتهم. وفقاً لتقرير صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن مجلة "(Watchtower) التبشيرية المسيحية الصادرة من نيويورك، تُطبع شهرياً بأكثر من 40 مليون نسخة، وتُترجم إلى 330 لغة، وتوزع في أكثر من 220 دولة. مثل هذا النشاط الدعائي الواسع يحتاج إلى مصادر مالية ضخمة.
إن القوة الاقتصادية هي العون الأفضل لنشر رسالة الاسلام، والسائرون على نهج الدين بحاجة إلى دعم مالي قوي لتبليغ رسالة الإسلام؛ كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى».[12] لذلك يجب على المسلمين السعي لتحقيق الاستقلال المالي،[13] وتعميم ثقافة الاكتفاء الذاتي لمقاومة التبعية الغربية، وترسيخ ثقافة البذل.
الحرب الاقتصادية في العصر الحديث
تُعدّ الحرب الاقتصادية إحدى سمات العصر الحاضر. في الماضي، كان المستعمرون يستعبدون الدول علانية وعبر القوة العسكرية، كما فعل الجيش البريطاني في احتلال العراق، والجيش الفرنسي في احتلال لبنان. لكن مع مرور الوقت، تبيّن أن هذا النوع من الاستعمار -إضافة إلى تكلفته الباهظة- يجرّ وراءه مشاكل جمّة؛ لذا غيّر المستعمرون سياستهم وركزوا على "الاستعمار الثقافي والاقتصادي". فهم من جهة ينفقون مبالغ طائلة لنشر أفكارهم وقيمهم، ومن جهة أخرى يسيطرون على الموارد المالية والبنى التحتية الاقتصادية للدول، ليقبضوا بذلك على مفاصل السلطة.
في ظل هذه الظروف، يتحتم على السائرين في طريق الحق القيام بأمرين: أولاً: السعي لترويج الثقافة الغنية والأيديولوجية الإسلامية الصحيحة، لتحصين المجتمع الإسلامي ضد خطر الغزو الفكري و الثقافي. ثانياً: السعي نحو الاستقلال المالي، والإمساك بزمام اقتصاد البلاد، لیحرروا أنفسهم من فخ التبعية للدول الأخرى.
الحث على القوة الاقتصادية
إن تتبع أقوال الأئمة (عليهم السلام) وسيرتهم يكشف لنا أنهم كانوا يحثون أصحابهم وشيعتهم دائماً على تقوية بنيتهم الاقتصادية. ولذا، فإن الكثير من الشيعة -ورغم جهدهم الدؤوب في تحصيل العلم- لم يغفلوا عن التجارة وكسب المال. وقد رُوي أن رجلاً يقال له "مُصادف" ترك عمله، فأمره الإمام (عليه السلام) بالعودة إلى دكانه وقال له: «اغْدُ إِلَى عِزِّكَ»[14] أي عد إلى السوق ومكسبك الذي هو سبب عزتك.
كما يجب ترسیخ ثقافة العطاء والإنفاق بين الشيعة، ليشعر كل فرد بمسؤولية تخصيص جزء من ماله لنشر فكر أهل البيت (عليهم السلام).
الاكتفاء الذاتي: خطوة نحو تعزیز البنية الاقتصادية
يجب على الدول الإسلامية أن تصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في تأمين احتياجات شعوبها، وأن تتجنب استيراد البضائع المختلفة. في يومنا هذا، يُفصح الاستيراد غير المنضبط للسلع -بدءاً من الاحتياجات الأساسية كالطحين وصولاً إلى السلع الكمالية والزينة- عن مدى احتياج الأمة الإسلامية للأجانب. هذا في حين أنه من خلال الإدارة الصحيحة للمياه والموارد الأخرى، يمكننا تأمين متطلبات الناس واحتياجاتهم وزيادة الدخل المحلي عبر تصدير الفائض.
إن انبهار المجتمع اليوم بالبضائع والواردات الغربية قد بلغ حداً جعل المنتج المحلي يفتقر إلى القبول والرواج الكافي، حتى وإن كان ذا جودة عالية. لقد وصل الاستغراق في "الغَرْبَنة" (التغريب) إلى الأفكار والمعتقدات أيضاً؛ لدرجة أن أقوال المفكرين الغربيين تحظى بالاهتمام والقبول، بينما لا نجد نفس القبول تجاه كلام الأئمة المعصومين (عليهم السلام) المنزّهين عن كل خطأ وزلل.
لقد استطاع "مهاتما غاندي" تحرير الهند من الاستعمار البريطاني عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي؛ فقد أصدر أمراً بإحراق جميع الملابس المصنوعة في المصانع الإنجليزية، وارتدى هو بنفسه قطعتين من القماش من المنسوجات الهندية المحلية، وبهذه الطريقة تمكن عبر الاستقلال الاقتصادي من تخليص الهند من نير الاستعمار.
غربة الفقراء
«وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ»
المُقِلّ: هو الشخص الفقير والمُعوز.
إن الشخص الذي يتمتع بقدرة مالية عالية، تتوفر له أفضل الإمكانيات التعليمية والطبية والرفاهية في كل الظروف، ويحيط به الأصدقاء دائماً طمعاً في ثروته. أما الفقير، فهو وحيد وغريب ولا يحظى بأي اهتمام. يقول آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (طاب ثراه) في شرح هذه العبارة: «الناس يعاملون الفقير معاملة الغريب؛ فلايعرفه الناس، ولايعرف الناس ولايسمع له كلام ولايتمتع بلذائذ الحياة كالانسان الغريب في غير بلده.»[15]
إن الإمام (عليه السلام) يشير في هذه العبارة إلى حقيقة خارجية، وليس في مقام التقييم أو بيان الحسن والقبح أو الصواب والخطأ. فأحياناً نتحدث عن "الواجبات والمحرمات"، كأن نتحدث عن حُسن الصدق وضرورة التحلي به، وقبح الكذب ووجوب اجتنابه. ولكن أحياناً أخرى، يكون الحديث عن حقيقة موجودة في المجتمع -دون الإشارة إلى صحتها أو خطئها-. على سبيل المثال: حين نخبر عن وجود عقرب في المنزل، فنحن نبيّن واقعاً خارجياً ولا نقصد تقييم هذا الواقع.
هذا القول يُشير إلى حقيقة مُرّة يجب العمل على تغييرها. فالواجب هنا مزدوج: على الفقير أن يجتهد في تحرير نفسه من الفقر، وعلى المجتمع أن يُصلح نظرة الاحتقار تجاه الفقراء، فالقضاء على الفقر واجب لتحقيق العزة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية ليست قاعدة كلية؛ فليس كل فقير يعيش في غربة، بل قد يكون الفقير مرتبطاً بالمجتمع بفضل علاقاته الاجتماعية الطيبة، ولا يكون منبوذاً من قبل الناس.
الخاتمة
في الختام، تُقدّم حكمة الإمام علي (عليه السلام) خريطة طريق واضحة لصيانة كرامة الفرد والمجتمع. تبيّن الحكمة أن البخل صفة لا تليق بالكرام، وأن الجبن ليس مجرد خوف، بل هو عائق أمام الإقدام والنجاح، وثمنه أفدح من ثمن الشجاعة. والأهم من ذلك، تُشير الحكمة إلى الدور السلبي الذي يلعبه الفقر في إخراس صوت الحكمة والعقل، مؤكدة على أن القوة الاقتصادية هي العون الأفضل لتقوى الله ونشر الرسالة. لذا، فإن السعي للقضاء على الفقر وتعزيز قيم السخاء والشجاعة، يُعدّ واجباً لتحقيق العزة والفاعلية الحقيقية في الوطن.