المخارج النموذجية لتصريف الانفعال

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

شبكة النبأ

2026-06-11 04:06

(الغضب محفّز لكثير من المشكلات اليومية، ومنها المشكلات الاجتماعية)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

لا مجال للخلاص من طلقة الغضب الموجودة في كينونة الإنسان إلا بتصريفها خارج الذات، وهذا التصريف له مخارج عديدة، أفضلها هي المخارج التي لا ينتج عنها ضرر يمكن أن يُلحَق بالإنسان وبالمجتمع في نفس الوقت، فهناك من المخارج مثلا تلك التي تحول طاقة الانفعال إلى الجانب الإيجابي ومنها الاعتدال والوسطية والصبر على الإساءات التي قد تطال الإنسان وهو لا يستحق ذلك.

التركيز هنا لابد أن يكون على المخارج الجيدة للانفعال ومنها الوسطية، أي يكون الإنسان قادرا على كبح جماح الغضب بالهدوء ومن ثم انتقاء الأساليب الهادئة التي تستثير عدوانية الآخر، ولا تستفزه، وصولا إلى نوع من التفاهم الآمن الذي يفتح الأبواب نحو مسالك أقل حدة تخفف من الغضب وتستبدله بالاتزان والصبر والبحث عن وسائل كثيرة تطفي نيران الفتنة من أي نوع كانت.

ولهذا يجب على كل جماعة أو حتى الفرد أن يفهم بشكل جيد ما هو الغضب، وهل هو طاقة فعلا، وإذا كان الأمر كذلك كيف عليه التعامل معها، وما هي سبل تصريفها بشكل هادئ ومنِج وإيجابي، لأن الغضب كما هو معلوم لا يختلف عن الطاقات الأخرى التي يمتلكها الإنسان، بل تشبهها أيضا، ويمكن استيعابها وتفريغها وفق أساليب تخضع للتدريب بعد أن يتعلم الإنسان كيف يتخلص من هذه الطاقة بشكل إيجابي.  

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كلمة قيّمة ضمن سلسلة محاضرات نبراس المعرفة:

(إنّ قوة الغضب هي قوّة وطاقة حقيقية أودعها الله تعالى في كلّ إنسان، لكي يختبره بها كما يختبره في سائر الطاقات الأخرى).

إذن لقد وهب الله سبحانه تعالى هذه القوة الغضبية وجعلها في داخل الإنسان لكي يستثمرها بالطريقة الإيجابية وليس العكس، حيث توجد الكثير من المواقف العملية التي تمر في حياة الإنسان تحتاج منه إلى أن يتخذ قرارا قويا فعالا مؤثرا، ومثل هكذا قرارا لا بد أن تتوفر لها الطاقة الغضبية اللازمة، ففي بعض الأحيان لا يستفيد الإنسان من موقف المهادنة، لذا عليه أن يكون حازما.

الوسطية وقدرتها على تهدئة الانفعال

وهذا الأسلوب الحاد لا يمثل النمط الدائم والعام في التعامل، بل اللين والحكمة والتوازن والاعتدال هي مجموعة أساليب تميل إلى الهدوء والرزانة والعفو والصفح في التعامل، إلا ما ندر، وفي هذه الحالة يحتاج الإنسان (وهذا أمر نادر) إلى طاقته الغضبية للتعامل مع بعض المواقف واتخاذ قرارات معينة. 

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إن الله أودع قوّة الغضب لكي يستفيد الإنسان منها إيجابياً، فهناك موارد نادرة استثنائية تتطلب من الإنسان الحدّة والغلظة، لكن الخط العام يمضي مع اللين لا مع العنف).

يحتاج الناس جميعهم إلى صيانة النفس من الغضب، لأن مخرجات هذا السلوك كبيرة، وتنعكس على حياة المجتمع كله بصورة جيدة، لهذا يحتاج المجتمع كله إلى السيطرة التامة على القوة الغضبية، حتى يعيش الناس في حالة من الهدوء والاستقرار والتفرغ للتفكير في سبل التقدم ومواكبة ما يجري في العالم من تطورات هائلة.

السيطرة على الغضب لا تتعلق بمن يطلبها ويدعو إليها، ويريد المساعدة لكي يتعلم السيطرة على غضبه، بل جميع الناس يحتاجون إلى هذا الأسلوب في الحياة، لأن الغضب أو القوة الغضبية المنفلتة تهدد سلامة حياة الناس واستقرارها وهدوءها.

وللك يرى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) بأن:

(صيانة النفس وحفظها من الغضب هو أسلوب صحيح في التعامل وبرنامج أخلاقي تعليمي يشمل جميع الناس في مختلف مجالات الحياة، ليس فقط لمن يطلب الموعظة، بل هو ضروري للجميع نظراً لأهمية تجنّب الغضب في حياة الناس).

وقد لوحظ من خلال ما يحدث من تعاملات ونشاطات اجتماعية، أن الكثير من مشكلات المجتمع سببها القوة الغضبية المنفلتة، ولدينا على سبيل المثال ما يجري بين بعض عشائر العراق من خلافات ومشاكل، فهي لا تستحق كل هذا الغضب مطلقا، لأنها أمور بسيطة جدا وحتى لو كانت معقدة وصعبة، فإن الحوار والجلوس في الدواوين كفيل بحلها، المهم أن يفلت زمام الأمور وينطلق الغضب من عقاله ويفعل ما يشاء في الناس.

فكل إنسان يسيطر عليه الغضب سوف يتخذ قرارا تحت ضغط الغضب ويكون قاسيا وربما متسرعا ويمكن استبداله بقرار أقل حدّة وضررا على الناس والنفس، لهذا تجده سرعان ما يندم على اتخذه من قرار أو ما قام به من أعمال لا تستحق القيام بها.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) إلى المشاكل الناتجة عن الغضب فيقول:

(كثير من مشاكل الحياة الاجتماعية نتيجتها الغضب، فالإنسان إذا اُبتُلي بالغضب فإنه سوف يتّخذ موقفاً عنيفاً وقراراً خاطئاً، سوف يندم عليه إلى آخر عمره. بل إن الغاضِب يبقى متحيراً، أيعتذر لمن أساء إليه ولا يعتبر ذلك انكساراً، أم لا يعتذر فيكون عمله استمراراً للخطأ وهو جنون بعينه).

الغاضبون ضعفاء الحجة والمنطق

وغالبا ما تذكرنا سجلات التاريخ القديم والمنظور بأن بعض حالات التسرع والانفعال أشعلت معاركا بين أمم بأكملها، بسبب كلمة طائشة أو قول يفلت من اللسان في لحظة ضعف وغضب، فالإنسان الغاضب يكون ضعيفا لأنه يفقد عقله في الغالب، فيطلق سهام الكلام تحت ضغط الغضب من دون أن يقدر فداحة إساءة كلامه، فتشتعل نيران العداوة بين الناس.

وهكذا تبتلي أمة كاملة من كلمة واحدة يطلقها إنسان غير قادر أن يحكم زمام غضبه، فتؤدي هذه الإساءات إلى ما لا يحمد عقباه، فقد تتطور الكلمات إلى أعمال عدوانية وحروب طاحنة، يروح ضحيتها الآلاف والملايين من البشر بسبب أقوال طائشة لا أكثير.

لذا يرى سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) بأن:

(الكثير من المآسي الاجتماعية تقع بسبب الغضب، قد يقول أحياناً شخص كلمة غضب واحدة في شيء ما، وتبتلي أمّة كاملة من عواقب هذه الكلمة. كما إنّ الكثير من المواقف السلبية التي وقعت في التأريخ وتقع اليوم من عمليات قتل وإيذاء وتناحر بين الناس والتي كبدت المجتمعات ألوف وملايين البشر ظلماً وعدوانا، إنّما وقعت بسبب الحدّة والغضب والعنف).

من هنا لإن الإنسان بحاجة تامة إلى السيطرة على غضبه، ولا يسمح له بالإفلات من قبضته، لأن الغضب كالإنسان الطائش الذي لا يمتك القدرة على تقدير المواقف ونتائجها، فهو بسبب الغضب يرى غير ما يراه الناس الواعون الرعون الحكماء والعقلاء، معم هو سوف يندم ولكن ما فائدة الندم بعد أن يقع (الفأس في الرأس)؟ 

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) حول ذلك: 

(الإنسان بحاجة إلى عزم دائم في ترك الغضب والتعامل برفق، فإذا لم يعزم على ترك الحدة ولم يمتلك الإرادة على درء الغضب أو التقليل منهما، فإن هذا الإنسان سيصاب بالندم الكبير والحسرة في الدنيا والآخرة. أما إذا عزم الإنسان على أن يتعامل مع الآخرين بلين ورفق، سيكون من الممكن أن تصدر عنه بعض الأخطاء في التعامل، لكنها أخطاء قليلة التأثير لمن يتعامل بغضب وعنف من دون رادع ومحاسبة نفسية.

وهكذا يجدر بكل إنسان مؤمن أن يتفهم هذه الطاقة المدمرة التي تعصف بالإنسان إذا فشل في ترويضها وتغيير مساراتها، على العكس من ذلك الإنسان الذي يمتلئ بالتوازن والهدوء، ويمتلك القدرة العظيمة على التحكم التام بأعصابه ومشاعره وخاصة ما يتعلق بمعادلة الفعل ورد الفعل، لأن القوة الغضبية بالنتيجة سوف تكون عبئا على صاحبها فيمل لو فشل في السيطرة عليها واستخدامها ضمن المخارج الصحيحة والسليمة التي تجعل منها قوة مفيدة وإيجابية وليس العكس. 

ذات صلة

مشروع البحار الأربعة وأهميته في المدرك الاستراتيجي التركي-السوريالازدهار الإنساني.. بحث في معنى الحياة الجيدةالعراق بين المحور التركي والظل الإيرانيالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية حول لبنان.. وحدة ساحات أم فصل مسارات؟ماذا يأتي بعد النظام العالمي؟